الإرهاب والقانون: التشريع الأمني المغربي لمكافحة الإرهاب
Terrorism and Law: Moroccan Security Legislation for Combating Terrorism
الملخّص
أملت تحولات الظاهرة الإرهابية على الدول والمجتمعات، يقظةً تشريعية مستمرة ودائمة، تشمل جميع المستويات؛ انطلاق ا من تكييف الفعل الإرهابي، وتوسيع دائرة الاتفاقيات الدولية في هذا المجال، وتجفيف المنابع المالية، ومراجعة الجوانب الإجرائية في محاربة الإرهاب، وصولًا إلى مواكبة المشرع لظاهرة الالتحاق بمعسكرات التجنيد للإرهاب. تعرض هذه الورقة البحثية محددات التعاطي مع الظاهرة، التي تتقاطع فيها، في الحالة المغربية، عناصر وطنية وأخرى إقليمية؛ وهي محددات ترتبط بالسياق، والمحيط، والمضمون والفاعلين ومحاولة التقييم. إنّ الحديث عن محددات السياسة التشريعية التي أقدمت عليها المملكة المغربية، لا يستقيم من دون استحضار المرجعية العامة والمشروع المجتمعي الناظم لسياسات مواجهة الإرهاب، أو ما تسميه الورقة "محيط السياسة التشريعية"، فضمن هذا المحيط تتشكل الإستراتيجيات المتقاطعة لمكافحة الإرهاب.
Abstract
Changes in the methods and tactics of terrorist groups have triggered continuous and permanent legislative change nationally and internationally.
مقدمة
في أطروحته "المراقبة والمعاقبة" يتناول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حكاية سجن "البانوبتيكون"، وهو نوع خاص من السجون ابتكره جيرمي بنتهام في أواخر القرن الثامن عشر. فقد صمم بنتهام السجن بطريقة تسمح بمراقبة المساجين في جميع الأوقات، ومبدؤه معروف: عند الجوانب بناء من حلقات. في الوسط برج. وفي داخل البرج نوافذ واسعة تفتح على الوجه الداخلي للحلقة. ويقسّم البناء الجانبي إلى غرف معزولة، كل واحدة منها هي بطول عرض البناء. ولكل غرفة شباكان؛ شباك من ناحية الداخل مطابق لشبابيك البرج، وشباك يطل على الخارج يتيح للنور أن يقطع الغرفة من جهة إلى جهة. عندها يكفي وضع ناظر في البرج المركزي، وفي كل غرفة يحبس محكوم. وبفعل النور المعاكس يمكن، من البرج، رؤية الظلال الصغيرة الأسيرة الموجودة في غرف الأطراف تنعكس تمامًا على الضوء... هذا التجهيز المكشافي يعد وحدات زمنية تسمح بالرؤية اللامنقطعة1. في توصيفه لهذا السجن يعتبر فوكو أنه يسمح للحراس رؤية كل المساجين، ولكن لا يستطيع المساجين أن يروا الحراس. وهنا الأثر الرئيس للبناء الهندسي؛ فهو يكمن في الإيحاء بحالة واعية ودائمة من الرؤية تؤمن وظيفة جعل المراقبة دائمة في مفاعيلها حتى لو كانت منقطعة في عملها، فهو بذلك يعطي للسلطة معناها الملموس وليس المحسوس فحسب.
لا يختلف حرص الأنظمة على حماية أمنها من التهديدات الإرهابية عن حرص السجان على مراقبة السجناء في حكاية السجن الفرنسي الشهير. ويرى فوكو بهذا المعنى أنّ تصميم هذا النوع من المنشآت، يشبه عملية تنظيم الدولة؛ أي أنّ المراقبة والانضباط والسيطرة تظل هاجسًا رئيسًا يخيّم على الدولة وأجهزتها المعنية2؛ فهو، من خلال البناء الهندسي للسجن، يقدم صورة مصغرة عما يدور في تفكير السلطة السياسية في مقاربتها للظواهر الاجتماعية، ولو كانت طبيعتها إجرامية مثل الإرهاب. فالدول تسعى لتعزيز ترسانتها القانونية وتطوير تشريعاتها العقابية وفرض المراقبة على مواطنين لمنعهم من الالتحاق ببؤر التوتر والتنظيمات المتطرفة، لكن بين العقاب والانضباط قد تضيع الكثير من الحقوق وتضيق عديد الحريات، ويصبح التشريع ضد الإرهاب امتحانًا صعبًا للديمقراطيات وبخاصة تلك الناشئة منها. في محاولة توصيف الحالة المغربية ضمن هذا التصور، تحضر بداية الألفية الثالثة كخلفية تاريخية غير مسبوقة بالنسبة إلى مسار تدبير حُزمة السياسات المُواجهة للإرهاب، هذا المسار الذي عرف انطلاقًا من سنوات 2001 - 2003 تسارعًا مهمً، أدى إلى تحولات جذرية على مستوى صوغ هذه السياسات وتحديد التهديدات الجديدة وضبط وسائل مواجهتها. لقد أملت تحولات الظاهرة الإرهابية على الدول والمجتمعات يقظة تشريعية مستمرة ودائمة، تشمل كل المستويات؛ انطلاقًا من تكييف الفعل الإرهابي، وتوسيع دائرة الاتفاقيات الدولية في هذا المجال، وتجفيف المنابع المالية، ومراجعة الجوانب الإجرائية في محاربة الإرهاب، وصولً إلى مواكبة المشرع لظاهرة الالتحاق بمعسكرات التجنيد للإرهاب. وفي سياق استعادة محددات التعاطي مع الظاهرة، التي تتقاطع فيها في الحالة المغربية عناصر وطنية وأخرى إقليمية، يحضر محدد السياسة التشريعية المغربية في مجال مكافحة الإرهاب، محددات ترتبط بالسياق المحيط، والمضمون والفاعلين، مع تمرين في محاولة تقييم التجربة.
أولا. في السياق، نهاية الاستثناء المغربي
تبقى سنة 2001 محطة تؤشر لتحولٍ عالمي داخل السياسات الدولية مرتبطٍ بالأبعاد الجديدة التي أخذتها الظاهرة الإرهابية في زمن العولمة. إن الأمر يتعلق طبعًا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وهي الأحداث التي ساهمت في خلق قطيعة كبرى في مسار الفكر الإستراتيجي الأميركي، إذ أعادت الإدارة الأميركية بناء عقيدتها الإستراتيجية انطلاقًا من مفهوم الحرب ضد الإرهاب. هذه الحرب التي سيصفها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن بالحرب العالمية، معتبرًا إياها في خطابه أمام الكونغرس بتاريخ 20 أيلول/ سبتمبر 2001، "بأنها ستكون الأفظع والأقسى من أي حرب دخلتها أميركا من قبل، وأنها تبدأ بالقاعدة لكنها لا تنتهي عندها...
وأنه كل أمة ستمر في احتضان أو دعم الإرهاب ستعتبرها الولايات المتحدة نظامًا معاديًا لها"3. وبالنتيجة، ساعدت الحرب على الإرهاب المحافظين الجدد، داخليًا، على أن يفرضوا الأجندة العسكرية والحربية في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فكان من جراء تلك الوقائع أن أعيد تقويم الأساليب المتبعة والأولويات في السياسة الأميركية الأمنية والخارجية ومراجعتها، فتحول الإرهاب إلى ذريعة إستراتيجية أيضًا لصوغ جدول أعمال جديد4. هذا الخيار لأميركي وضع العالم برمته في ا حرب دائمة على الإرهاب حتى تطلّب الأمر إسقاط الأنظمة بالقوة (حالة العراق) أو ازدراء القانون الدولي في سبيل تحقيق المصلحة الوطنية. في الشرط الوطني، أكد الملك محمد السادس في يوم الهجمات نفسه، في برقية موجهة للرئيس الأميركي إدانته الشديدة للأعمال الوحشية المناقضة لكل القيم والمبادئ الإنسانية، معبرًا عن التضامن المطلق للمغرب ملكا وشعبا مع الشعب الأميركي. بعد ذلك، وخلال مدة لا تزيد عن شهرين، تم التوقيع على خمس معاهدات واتفاقيات في هذا المجال، منها المعاهدة العربية في مواجهة الإرهاب، والتصديق على بروتوكول مونتريال المتعلق بالعنف داخل المطارات، ومعاهدة روما المتعلقة بالملاحة البحرية، فضلً عن العديد من الاتفاقيات الثنائية، المرتبطة بالتعاون القضائي مع مجموعة من الدول.
وضمن هذا السياق الدولي، يمكن اعتبار الانخراط الكلي للدولة المغربية في هذه الحرب العالمية ضد الإرهاب اللبنة الأساسية للتحولات التي ستأتي في ما بعد على مستوى صوغ سياسات مواجهة الإرهاب داخليًا، كما أنّ هذا الانخراط قد جعل الأجهزة الأمنية المغربية تعزز أكثر تعاونها مع نظيراتها الغربية والأفريقية والعربية، وتستوعب الأبعاد الجديدة للظاهرة الإرهابية، على الرغم من أنّ الاقتناع السائد آنذاك داخل الأوساط الرسمية والمجتمعية على السواء، كان اعتبار المغرب كحالة "استثناء" تجاه الموجة العالمية للتطرف والإرهاب، وهو الاقتناع الذي سيثبت التطور هشاشته. لقد أعادت لحظة 16 أيار/ مايو 2003، تاريخ الضربة الإرهابية التي هزت مدينة الدار البيضاء المغربية، إلى الواجهة تماسك فكرة "الاستثناء المغربي"، فما وقع من عنف كان حاسمً في تكريس صوغ مشاريع تعيد بلورة أساليب جديدة لتدبير العديد من السياسات العمومية ذات العلاقة بقضايا الإرهاب والتطرف الديني، كما هو الشأن بالنسبة إلى السياسات التشريعية والأمنية والدينية. وإذا كان الخطاب الرسمي قد حاول جاهدًا إبعاد الأسباب الاجتماعية في تحليله للظاهرة الإرهابية، مخافة تنامي نزعة تبريرية لأحداث العنف الديني، فإنّ الإستراتيجية الشمولية التي أعلنت عنها الدولة في مواجهة التطرف قد استحضرت البعد الاجتماعي، وهذا ما سيتأكد بقوة في توقيت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، باعتبارها إطارًا جديدًا للتدخل الاجتماعي للدولة، التي أ علن عنها بعد سنتين فقطُ من تاريخ الضربة الإرهابية للدار البيضاء. إن الحديث عن محددات السياسة التشريعية التي أقدمت عليها المملكة، لا يستقيم من دون استحضار المرجعية العامة والمشروع المجتمعي الناظم لسياسات مواجهة الإرهاب، أو ما تسميه الورقة "محيط السياسة التشريعية"، والوقوف على مضمون هذه السياسة، ثم بحث مرجعياتها، والفاعلين في صناعتها، وطرح سؤال تقييمها.
ثانيًا. في المحيط، تهديد مغاربي متحرك
في سياق إقليمي معزول عن توترات الشرق الأوسط، شيئًا ما، شكل المغرب صدًا منيعًا أمام محاولات استهداف أمنه من طرف الجماعات الإرهابية. فبعد 16 أيار/ مايو أبانت التحقيقات، التي باشرتها الأجهزة الأمنية مع المشتبه بهم والمسؤولين عن التخطيط لهجمات الدار البيضاء المغربية، أن العملية الإرهابية تقف وراءها الفكرة أكثر من التنظيم، وأن حالة من الاقتلاع الفكري وقعت لعديد من الشبان من دون أن يغادروا الجغرافيا؛ إذ تولت وسائل الاتصال وشبكات التواصل الحديثة مهمة التنسيق عن بعد، ومعها تأكد أنّ الخطر المقبل يفترض تغيير الإستراتيجية لتساير التهديدات الأمنية الجديدة.
1. في المحيط المغاربي، تمدد القاعدة أفريقيًا
في المحيط المغاربي، سوف تجد بعض الامتدادات الحركية لتنظيمات الإس ماا السياسي في الحرب على الإرهاب فرصة لإعادة تموقعها وتأكيدها لخيار العنف بديلً من المشاركة السياسية. ولعل هذا الحال هو الذي ينطبق على التجربة الجزائرية، فقد شكل "الأفغان العرب" العائدون إلى المحيط المغاربي جبهات مواجهة مع أنظمة دول المنطقة، بعد أن اتخذوا من الساحل والصحراء مراكز تدريب لهم وتجنيد المقاتلين في الداخل (تنفيذ هجمات إرهابية واختطافات واحتجاز رهائن) والخارج (تجنيد المقاتلين وتصديرهم إلى بؤر التوتر). لقد أفرزت التجربة الديمقراطية الموءودة في الجزائر، عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية عام 1991 وانقلاب الجيش على الإسلاميين، أرضيةً حاضنةً لكل أشكال التنظيمات المسلحة في المنطقة المغاربية؛ ففي هذه اللحظة سوف يبرز إلى العلن أول تنظيم مسلح في تشرين الأول/ أكتوبر 1992، أطلق عليه اسم الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر. وبعد أربع سنوات من التأسيس، قام خلالها التنظيم بعمليتي اختطاف طائرة "إير فرانس" من الجزائر إلى مارسيليا في 24 كانون الأول/ ديسمبر 1994 وهجوم بالقنابل على مترو الأنفاق في باريس في 25 تموز/ يوليو 1995، وأعلنت الجماعة الحرب على منافستها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي كان جناحها المسلح يخوض حربًا دامية ضد الجيش الجزائري ردًا على انقلاب الأخير على الديمقراطية في البلاد.
ضمن هذا المحدد التاريخي، ستتخذ الحرب على الإرهاب في بلاد المغرب العربي بعدًا جغرافيًا متسارعًا لم يقتصر على دولة واحدة بالمنطقة المغاربية (الجزائر)، بل سيمتد إلى خارج الرقعة الجغرافية العربية بشمال أفريقيا إلى بلدان أفريقية إثر تحالف القبيلة مع تجار السلاح والمهربين والمتشددين. في هذا السياق، كانت الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر قد تحولت إلى الجماعة الإسلامية للدعوة والقتال5، فأخذت طريقها نحو تبني نموذج القاعدة. في سياق التوصيف التاريخي دائمًا، يمكن القول إنّ المغرب وتونس، بشكل خاص، استفادا من الحرب على الإرهاب التي ظلت تخوضها المؤسسة العسكرية في الجزائر ضد الجماعات المسلحة، علمً أن هذه الأخيرة تجد في المناطق الحدودية الشاسعة بين المغرب وتونس والجزائر ومالي على الساحل الأفريقي، مرتعًا لأنشطتها وملاذًا لأفرادها بعد التضييق عليهم في مناطق تحركاتها فوق التراب الجزائري. مع هذا التمدد الزمني لتشكُل التنظيمات الإرهابية في المنطقة المغاربية، سوف تتأسس نواة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من مجموعة من المقاتلين الأفغان الذين التحق بهم أعضاء في تنظيمات "الإسلام المسلح" في المنطقة، غير أنّ مسار تطور التنظيمات المتطرفة في منطقة المغرب العربي تختلف عن نظيرتها في الشرق الأوسط (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام مثلً). فإذا كانت الأخيرة تشكل خطرًا سياسيًا باعتبارها تسعى لإقامة دولة الخلافة، فإن أتباعها في المنطقة المغاربية يشكلون تهديدًا أمنيًا وليس سياسيًا، لأن عزلتها تستنزف قدراتها السياسية. ففي الصحراء تتعاون القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أساسا مع شبكات التهريب، إذ تعد المبادلات الإجرامية (النقد مقابل الرهائن والمخدرات مقابل الأسلحة وتقاسم المعطيات الاستخباراتية) ذات أهمية حاسمة لبقائها واستمرار عملياتها، وهذا يولد مشكلة سمعة بالنسبة إلى تنظيم يصنف نفسه على أنه جهادي6. وعلى الرغم من ذلك، أظهرت التنظيمات الإرهابية التي تنشط في المنطقة قدرة كبيرة على التماهي مع التحولات التي يعيشها التنظيم الأم (تنظيم القاعدة سابقًا وتنظيم الدولة حاليًا)، فمع اختلاف الجغرافيا وتباين الغايات والأهداف أحيانًا، فإنّ الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام عن نشاط هذه التنظيمات يظهر تشابهًا كبيرًا في أسلوب عملهما وطريقة تفكيرهما يوحدهما منهاج "إدارة التوحش" الذي يعتبره الكثيرون، حاليًا، العقل الإستراتيجي للتنظيمات المتطرفة، بوصفه يؤسس لمعالم العمل "الجهادي" لما بعد اعتداءات 11 سبتمبر، إذ لا تخرج أهم محطات هذه المرحلة لدى تنظيم القاعدة عن فكرة استدراج السياسات الأميركية لحروب خارج الأراضي الأميركية، لتفريق قواتها وإضعافها، وهنا يمكن استحضار لائحة الهجمات التي
استهدفت دول عربية وإسلامية (السعودية وإندونيسيا)، تحركها الدعوة إلى إقامة إمارات إسلامية تطبق فيها الشريعة7.
2. في السياق الداخلي: إستراتيجيات متقاطعة
في السياق الوطني، فرضت التهديدات الأمنية للظاهرة الإرهابية تبني مقاربة مختلفة في التعاطي مع مخاطر هذه الجريمة العابرة للحدود. وقد اتخذت الإستراتيجية المتبعة من مثلث: نهج سياسات اجتماعية وتعزيز الضربات الاستباقية ضد الخلايا الإرهابية وتطوير الترسانة القانونية أهم مفاتيح التأسيس لإستراتيجية وطنية ضد الإرهاب، مستندة في ذلك إلى ما يمكن اعتباره مرجعية قيمية عميقة لهذه السياسات، ألا وهو "المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي "، والذي طالما قدمته الخطب الملكية لمحمد السادس كإطارٍ عامٍ ناظم للسياسات والبرامج والتدخلات، وهو توجه يبدو - منذ الوهلة الأولى - مناقضًا تمامًا لتاريخ المؤسسة التقليدي "المخزني"، لكنّ ذلك لا ينفي حقيقة تحالف المؤسسة الملكية مع التيار الحداثي في البلاد دعم لخيارات مؤسسة تعتبر نفسها بقوة الدستور المغربي، في الفصل الأول منه، "نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية." يضع هذا المشروع نصب أعينه بناء "مجتمع حداثي قوامه ترسيخ الحق والقانون وتجديد وعقلنة وتحديث أساليب إدارتها وإعادة الاعتبار للتضامن الاجتماعي والمجالي وتفعيل دور المجتمع المدني وإنعاش النمو الاقتصادي وحفز الاستثمار العام والخاص وإطلاق تنمية شمولية وإقلاع اقتصادي يضع في صلب أولوياته تشغيل الشباب والنهوض بالعالم القروي والشرائح الاجتماعية والمناطق المعوزة وتأهيل الموارد البشرية"، وذلك انطلاقًا من استيعاب "حقيقة مجتمعنا في سياقه التاريخي والعمل على تغييره نحو الأرقى والأفضل بواقعية بعيدة عن الشعارات الجوفاء والمقولات الجاهزة وقادرة على التفاعل مع متغيرات العصر"8. ومن دون الخوض في تفاصيل مفاهيمية مثقلة بالتاريخ وتقف طويلً على تناقضات "المواطنة" و"الرعية" في الخطاب السياسي للنظام الملكي بالمغرب، فإنّ مفهوم " المواطنة" يظل بشكل من الأشكال إحدى نقاط الارتكاز القيمية التي طالما أكدها هذا المشروع المجتمعي الذي عبر الملك عن أن الجميع مسؤول عن بنائه الجماعي؛ فرادى وجماعات، سلط وهيئات، أحزاب وجمعيات، وذلك باعتبار المشروع مشروعًا للأمة بأسرها. وإذا كانت وظيفة المؤسسة الملكية هنا، هي تحديد التوجهات الكبرى لهذا المشروع المجتمعي، فإنّ على المؤسسات الدستورية، والهيئات السياسية، والقوى الحية في البلاد، أن تقوم بتجسيد هذه التوجهات على أرض الواقع، من خلال برامج مضبوطة في أهدافها، ووسائل تمويلها، وآماد إنجازها وتقييمها. وضمن هذا السياق، يحضر المجلس الأعلى للأمن، الذي نتناوله بالتفصيل لاحقًا، كواحد من محددات هذا التدخل الملكي في توجيه السياسات الأمنية في مجال مكافحة الإرهاب، تشريعًا عبر صوغ القوانين والإستراتيجيات الكبرى، وتنظيمً عبر مأسسة أمنية قادرة على مواكبة التهديدات التي تحدق بأمن الدولة الداخلي والخارجي. إنّ الصلاحيات التنفيذية التي جاءت بها الوثيقة الدستورية لسنة 2011، تجعل الملك بصفته فاعلً أساسً يا في الحياة السياسية المغربية، في مقدمة الفاعلين الرئيسين في عملية صوغ القرار الأمني، ويتعلق الأمر بصلاحيات تجعل المؤسسة الملكية في قلب صناعة العقيدة الأمنية بالمملكة. لقد ركزت المحاور الأساسية لإستراتيجية مكافحة الإرهاب، وهي تنطلق من خلفية هذا المشروع المجتمعي الناظم لأداء السلطات العمومية، على سياسة مواكبة تمثلت في إعادة هيكلة الحقل الديني، وعلى سياسة أمنية رادعة واستباقية تهتم بهاجس المعلومة، فضلً عن السياسة التشريعية.
وشكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أميركا، ثم أحداث 16 أيار/ مايو 2003 في الدار البيضاء، الخلفية المباشرة للمشروع الذي عرف رسميًا بإعادة هيكلة الحقل الديني، والذي يمكن اعتباره سياسة مُتكاملة في المجال الديني، بأجندة واضحة وفاعلين محددين وأهداف معلنة ومجموعة من الإجراءات المدققة، مع أنّ الخطاب الرسمي ظل ينفي هذا الترابط بين الأحداث الإرهابية وبين إعادة بناء هذه السياسة. ويشكل الخطابان الملكيان بتاريخ 30 نيسان/ أبريل 2004، ثم بتاريخ 27 أيلول/ سبتمبر 2008، خارطة طريق لتطبيق هذه السياسة
التي تعتمد على تكريس هوية دينية مغربية وتعزيزها، اعتمادًا على تجسيد سياسة "للقرب" الديني، وضبط الفاعلين الدينيين وآليات الممارسة الدينية، ورفض أي تصور يقدم الإسلام كديانة تدعو إلى التطرف، ومحاربة الآخر وتبني العنف، واعتبار السلفية الجهادية مدانة باعتبارها أيديولوجيا لا علاقة لها مع الديانة الإسلامية السمحة. قبل الضربة الإرهابية في 16 أيار/ مايو 2003 ستشكل سنتي 2001 / 2002 لحظة الاختبارات الأولية للأجهزة الأمنية المغربية في مواجهة التهديدات الجديدة، القادمة من مجموعات متطرفة صغيرة، إما في شكل حركي أو في صيغة "خلايا نائمة." بالنسبة إلى باحثين مهتمين بتتبع مآلات ما بعد 16 أيار/ مايو الإرهابية، فإن تلك اللحظة شكلت رهان إعادة صوغ سياسة أمنية وقائية، فعالة، وذلك عن طريق ثلاثة محددات: الأول، يتجلى في إعادة ضبط واسعة للمعلومات الشخصية لكل المنتسبين أو المفترض انتسابهم للتيار السلفي الجهادي. الثاني، يتمثل في تبني آليات جديدة للتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، اعتبارًا من كون الحرب ضد الإرهاب هي بالتعريف حرب "معلومة"، وحرب "استخبار". وهذا التنسيق له مستويان: داخ:يي يشمل الإدارة العامة لمراقبة ال اررب الوطنيDGST، والاستعلامات العامة للإدارة العامة للأمن الوطني DGSN، ومديرية الشؤون الداخلية التابعة للداخلية من جهة، ثم من جهة أخرى التنسيق المكثف بين الإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني، والإدارة العامة للدراسات والمستندات.DGED خارجي: يشمل التنسيق بين الأجهزة المغربية وباقي الأجهزة الأمنية الخارجية الأوروبية والعربية، خاصة على أساس تبادل المعلومات. الثالث، يشمل تطوير آليات ووسائل العمل وتحديثها، سواء من الناحية المادية واللوجستيية أو من الناحية البشرية. ومنذ ذلك الوقت، تشهد هذه السياسة الأمنية الجديدة العديد من التحولات، على مستوى التصورات والآليات، وهو ما لا تسمح إشكالية الورقة بالدخول في تفاصيله. وفضلً عن المقاربة الدينية والأمنية، شكل البعد السياسي واجهة أساسية لمواجهة الإرهاب، سواء في الجانب "الماكرو" عبر تعميق مسارات الإصلاحات الديمقراطية، أو في الجانب "الميكرو" عبر تشجيع عملية إدماج رموز ما كان يعرف ب "السلفية الجهادية" ودفع العديد من مكونات هذا التيار إلى الدخول في مراجعات فقهية وسياسية.
ثالثًا. في المضمون: المغرب ومكافحة الإرهاب
منذ أحداث 16 أيار/ مايو الإرهابية، توالت عمليات تفكيك الخلايا الإرهابية في مختلف المناطق بالمملكة المغربية. ونهجت الدولة عمليات استباقية، شملت اعتقال مشتبه فيهم لعلاقاتهم بتنظيمات إرهابية ومحاكمتهم. وقد استندت الإجراءات المتعلقة بالمحاكمات إلى مقتضيات قانون الإرهاب 03.03، التي حددت خصائص الجريمة الإرهابية والجهات المختصة بالبت فيها والعقوبات المقررة لهذا النوع من الأعمال الجماعية الخطيرة. وفي مرحلة لاحقة، سوف يضطر المشرع إلى صوغ فصولٍ جديدة من القانون الجنائي من أجل استيعاب ظواهر إرهابية مُستجدة، مثل تجنيد مقاتلين أو التحاقهم بالقتال ضمن تنظيمات تصنف في خانة الإرهاب.
1. القانون رقم 03. 03 المعروف بقانون مكافحة الإرهاب
ساهمت أحداث 16 أيار/ مايو 2003، في التسريع بشكلٍ كبير في إخراج القانون رقم 03.03،9 إلى حيز الوجود، إذ تم التصديق عليه في أجواء ما بعد الضربة الإرهابية، في مدة وجيزة، ليتم نشره بعد ذلك في الجريدة الرسمية بسرعةٍ قياسية. وكان مشروع هذا القانون، قد واجه معارضةً قوية، سواءٌ من طرف حزب العدالة والتنمية، أو من طرف الحركة الحقوقية، قبل أن يُسعفه سياق ما بعد 16 أيار/ مايو، فتمّ التصديق عليه بما يُشبه الإجماع البرلماني. في هذا القانون، عمد الم عرر المغربي إلى تبني سياسة جنائية جديدة لمواجهة الإرهاب، وصاغ تسعة فصول ملحقة بالمادة 218
من مجموعة القانون الجنائي، عمل بموجبها على تحديد الجرائم الإرهابية، بشكل فردي أو جماعي، وعدّد حالاتها والعقوبات المقررة لها، بوصفها جرائم تهدف إلى المس الخطير بالنظام العام، باستخدام أدوات التخويف والترهيب والعنف. إذا كان هذا القانون قد جاء لسد فراغ تشريعي، فإنّ السياق الدولي أدى دوره في تسريع وتيرة وضع تشريعات مناهضة للإرهاب، تجاوبًا مع التزامات المغرب تجاه المجتمع الدولي ومعاهدات لمكافحة الإرهاب، التي يعد طرفًا فيها. وعمد المشرع المغربي إلى إجراء تعديلات جوهرية في نصوص القانون الجنائي، "وذلك بما يسمح بإضافة أنماط إجرامية جديدة، تحمل خصائص الجريمة الإرهابية مع تشديد العقوبات، على بعض الجرائم التي تناولها القانون الجنائي إذا ارتكبت بدافع إرهابي"10. وقد ساق المشرع الإطار العام لمفهوم الجريمة الإرهابية وشروط تكوينها المادي أو المعنوي، من دون أن يغفل تجفيف منابع تمويلها، سواء عبر مسطرة تجميد الحركات المالية أو الحجز على الأموال المشتبه في علاقتهم بتمويل الإرهاب.
2. تشريعات مُختلفة بنزعةٍ وقائية
شملت الإجراءات الأمنية الوقائية، كذلك، إدخال مجموعة تعديلات على قانون المسطرة الجنائية، لرفع طابع السرية عن بعض أجهزة الأمن التي تشتغل مباشرة على قضايا الإرهاب؛ إذ سيتم تعديل قانون المسطرة الجنائية المغربي، لتمكين عناصر إدارة حماية التراب الوطني، بوصفه جهازًا لمخابرات داخلية، من حمل الصفة الضبطية بموجب المادة 20 من قانون المسطرة الجنائية، وتحصين أعمال الجهاز بالقانون، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، وقبل ذلك أ دخلتُ على المسطرة الجنائية تعديلات تتضمن آليات وتدابير من شأنها المساهمة في محاربة الظاهرة الإرهابية، منها على الخصوص، "سحب جواز السفر وإغلاق الحدود، والتقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال، وتسجيلها وحجزها، وإمكانية الشروع في تفتيش المنازل ومعاينتها بصفة استثنائية، قبل الساعة السادسة صباحًا أو بعد التاسعة ليلً، بإذن كتابي من النيابة العامة إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية، ورفع مدة الحراسة النظرية في الجرائم الإرهابية إلى 96 ساعة قابلة للتمديد مرتين"11. ولأجل "تحييد" كل إمكانيات تمويل الجرائم الإرهابية، استبق المشرع تعديل قانون الإرهاب، بطرح مشروع قانون رقم 145.12، يقضي بتغيير مجموعة القانون الجنائي في الجانب المتعلق بمكافحة غسيل الأموال، على اللجنة البرلمانية المختصة، في دورة نيسان/ أبريل من السنة التشريعية الثانية 2012 - 2013، برسم الولاية التشريعية التاسعة. وتم إقراره بالإجماع بعد تضمينه تعديلات محدودة. وبذلك، تم تشديد المراقبة على عمليات تبييض الأموال ومنع استخدامها في تمويل أفعال إجرامية، إذ تضمن مواد مكملة للنصوص المتعلقة بجرائم الإرهاب، وذلك بإضافة مادتين فريدتين، تنص الأولى على اعتبار تمويل الإرهاب فعلً إرهابيًا سواء وقع الفعل الإرهابي أم لم يقع، بينما حددت المادة الثانية، ماهية عوائد الإرهاب والممتلكات المرتبطة بها، سواء كانت عقارية أو منقولة، مملوكة لشخص واحد أو مشاعة، وكذا العقود أو الوثائق القانونية، التي تثبت ملكية هذه الممتلكات أو الحقوق المرتبطة بها، أيًا كانت دعامتها بما فيها الإلكترونية أو الرقمية.
3. مشروع قانون رقم 14. 86 المتعلق بالالتحاق بمناطق التوتر الإرهابي
إذا كان قانون الإرهاب 03.03 يشترط أن يهدف الفعل الإرهابي إلى المس الخطير بالنظام العام، فإنّ تواتر الالتحاق ببؤر التوتر لدعم التنظيمات الإرهابية، بات يشكل في حد ذاته تهديدًا للأمن الداخلي للدولة، وهو ما فرض وفق مقاربة قانونية وجنائية، تحيين النصوص التشريعية، ل "إعادة التكييف الجنائي للجريمة الإرهابية المتحولة في مضامينها وأشكالها وامتداداتها الترابية، ووسائلها المتعددة للاستقطاب والتجنيد." وهكذا، قبل شهورٍ معدودةٍ، جاء مشروع القانون رقم 86.14 المتعلق بتجريم الالتحاق ببؤر التوتر- الذي لا يزال داخل المسطرة التشريعية بالغرفة الثانية في البرلمان المغربي- لتجويد النصوص الجنائية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وقد حرص المشرع على تطوير بنية النص الأصلي، بهدف سد الفراغ التشريعي الذي أظهرته التوترات الإقليمية، وما أفرزته من حركات تجنيد وتنقل ودعاية للتنظيمات الإرهابية، إذ أصبحت تعتبر من الجرائم الإرهابي، أفعال الالتحاق أو محاولة الالتحاق بشكل فردي أو جماعي، في إطار منظم أو غير منظم، بكيانات أو تنظيمات أو عصابات أو جماعات إرهابية أينما وجدت12.
ونص المشرع على اعتبار تلقي التدريب داخل أرض الوطن أو خارجها، أو محاولة ذلك، بقصد ارتكاب أفعال إرهابية داخل المملكة أو خارجها، يصنف ضمن خانة الجرائم الإرهابية، ومثل ذلك تجنيد أو تدريب أو تكوين شخص أو أكثر، من أجل الالتحاق بكيانات أو جماعات إرهابية داخل أراضي المملكة المغربية أو خارجها. وتشمل الأفعال الإرهابية، وفقًا لمشروع القانون رقم 86.14، الدعاية أو الإشادة أو الترويج لكيانات إرهابية، أو بإقناع الغير بارتكاب جريمة إرهابية13. وحافظ المشرع على حق المتهمين في إثبات أنهم عوقبوا بسبب أعمالهم الإجرامية في الخارج، بحكم حائز لقوة الشيء المقضي به، على قاعدة أنه لا يعاقب الشخص مرتين على فعل ارتكبه. وأجاز المشرع متابعة ومحاكمة كل شخص مغربي، سواء يوجد داخل التراب الوطني أو خارجه، أو أجنبي فوق التراب الوطني من أجل ارتكابه جريمة إرهابية خارج المملكة بغض النظر عن أي مقتضى آخر. وأقر التشريع الأمني المتعلق بمكافحة الإرهاب، عقوبات سجنية تتراوح بين خمس سنوات وخمس عشرة سنة، لمعاقبة الأفعال المذكورة، مع الاحتفاظ بعقوبة الإعدام أو السجن المؤبد المقررة كعقوبة للجريمة الإرهابية الأصلية. يستهدف هذا النص القانوني، المتمم لأحكام قانون الإرهاب، تحيين المنظومة الجنائية والاختصاص القضائي، بهدف مواجهة استباقية لتطور الجريمة الإرهابية، بغرض مواجهة ظاهرة الالتحاق أو محاولة الالتحاق بمعسكرات تدريبية بالخارج، علمً أنّ الاجتهاد القضائي سار على اعتبار أنّ الالتحاق بمواقع التوتر أو محاولة القيام بذلك، يعد جريمة إرهابية باعتبار أنّ الفاعل يحركه مشروع إرهابي. فالتشريع يروم تجريم التنقل إلى معسكرات التكوين الإرهابية، بوصفها فضاء لترويج الفكر الإرهابي ونشر العنف.
4. انضمام المغرب للعديد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب
سبق للمغرب أن صدّق على عددٍ كبيرٍ من الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بمحاربة الإرهاب، سواء تلك المرتبطة بالجرائم المرتكبة على متن الطائرات، أو بقمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات، أو بشأن مناهضة أخد الرهائن، أو بشأن الحماية المادية للمواد النووية، أو بشأن قمع الأعمال الموجهة ضد سلامة المنشآت الثابتة الموجودة على الجرف القاري، أو بقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل، أو بمنع تمويل الإرهاب، بالإضافة إلى التصديق على مجموعة من الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالتعاون القضائي في المادة الجنائية وتسليم المجرمين ونقل الأشخاص المحكوم عليهم.
رابعًا. في المرجعيات، التراكم المعياري
تبدو السياسة التشريعية المغربية في مواجهة الإرهاب، سواءٌ من حيث المضامين أو التوقيت، منخرطةً في سياقٍ عالمي، فرضته التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع الدولي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكنها كذلك يمكن أن تقرأ كجوابٍ على سياقٍ وطني ضاغط. وبين الإطار الدولي والسياق الوطني، فإنّ الحدود أصبحت أكثر هشاشةً وتداخلً، إذ التحدي الإرهابي أصبح عابرًا للأوطان والدول.
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب في 8 أيلول/ سبتمبر 2006. وهذا يمثل المرة الأولى التي تتفق فيها الدول الأعضاء على إطار إستراتيجي وعالمي شامل لمكافحة الإرهاب. وتحدد الإستراتيجية تدابير ملموسة لكي تتخذها الدول الأعضاء فرديًا وجماعيًا من أجل: معالجة الأوضاع التي تفضي إلى انتشار الإرهاب، ومنع ومكافحة الإرهاب، وتعزيز قدرتها الفردية والجماعية على القيام بذلك، وحماية حقوق الإنسان والتمسك بسيادة القانون في مكافحة الإرهاب. وتدعو الإستراتيجية الدول الأعضاء إلى العمل مع منظومة الأمم المتحدة لتنفيذ أحكام خطة العمل الواردة في الإستراتيجية وتدعو في الوقت ذاته كيانات الأمم المتحدة إلى مساعدة الدول الأعضاء في جهدها14. وقبل ذلك، وبعده، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، العديد من القرارات بشأن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق محاربة الإرهاب، في سنوات 2005، 2006،.2013 كما اعتُمدت العديد من الصكوك القانونية الدولية تحت إشراف الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية المتصلة بها. وتعد أغلبية
هذه الصكوك سارية وتوفر إطارًا قانونيًا لاتخاذ إجراءات متعددة الأطراف ضد الإرهاب وتجريم أعمال إرهابية محددة، تشمل اختطاف الطائرات، وأخذ الرهائن، وتفجيرات القنابل الإرهابية، وتمويل الإرهاب، والإرهاب النووي. وتكملها قرارات صادرة عن الجمعية العامة وقرارات صادرة عن مجلس الأمن. وتعتبر لجنة مكافحة الإرهاب ومديريتها التنفيذية لمكافحة الإرهاب مسؤولتين عن رصد قراري مجلس الأمن وتنفيذهما، وتيسير تقديم المساعدة التقنية إلى البلدان التي تطلبها. إن استحضار هذا الإطار المعياري الغني، لا يعني أن المرجعيات الدولية هي المحدد الأساسي في صناعة التشريع المُواجه للإرهاب، فغالبًا ما كانت السياقات الوطنية هي الحاسمة في وضع القوانين ذات الصلة بمواجهة الظاهرة الإرهابية. وعلى سبيل المثال فمشروع القانون رقم 86.14، المتعلق بتجريم الالتحاق بمناطق التوتر الإرهابي، تبلور قبل تصديق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على قرار يحظر الانضمام إلى التنظيمات الإرهابية، ويشجع الدول على منع هذه الالتحاق بها. وفي المقابل، فإن تقديم الحكومة لمشروع قانون رقم 154.12 الذي يتعلق بمكافحة غسل الأموال، في شباط/ فبراير 2013، قد ارتبط بشكل مباشر بتصنيفات مجموعة العمل المالي GAFI، وبحرص المغرب على الوفاء بالتزاماته الدولية ومطابقة المنظومة الوطنية في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب للمعايير الدولية.
خامسًا. في الفاعلين، نحو مأسسة العقيدة الأمنية
لقد فرضت تحولات الظاهرة الإرهابية المعقدة يقظةً تشريعية مستمرة ودائمة، في كل المستويات؛ كما أن ارتباط الحوار العمومي حول السياسة التشريعية بهاجس الملائمة بين الفاعلية والنجاعة، من دون تهميش مقاربة حماية حقوق الإنسان، جعل المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان تؤدي دورًا أساسيًا في صناعة التشريعات المواجهة للإرهاب. وهكذا يبدو البرلمان والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أبرز الفاعلين في صناعة هذه التشريعات، فبمناسبة مناقشة مجلس النواب في كانون الأول/ ديسمبر 2014، لمشروع قانون رقم 86.14، المتعلق بتجريم الالتحاق بمناطق التوتر الإرهابي، طالبت فرق المعارضة بإحالة هذا المشروع على المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي قدم رأيه في الموضوع من زاوية المقاربة الحقوقية. وقبل ذلك بسنة، كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان، قد عبّ عن رأيه في إطار المبادرة الذاتية، حول مشروع قانون يتعلق بمحاربة غسيل الأموال. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ المخرجات النهائية للسياسة التشريعية ذات الصلة بموضوعنا تثأثر في النهاية بشكلٍ متفاوتٍ بالملاحظات التي تقدمها هذه المؤسسة الوطنية. كما أن الملاحظ أن الحكومة عمليًا تبدو وراء كل المبادرات التشريعية المتعلقة بقوانين مواجهة الإرهاب، وذلك عبر كل من قطاعي العدل أو الداخلية أو المالية. من جهة الفاعلين دائمًا، يحضر المجلس الأعلى للأمن15 بصفته هيئة للتشاور حول السياسات الأمنية الداخلية والخارجية، ويشكل هذا الإطار الذي نص عليه الدستور المغربي في الفصل 54 منه، تحول نوعيًا في مقاربة الدولة لقضايا الأمن، بصفتها الفاعل الأساسي في بلورة السياسات الأمنية لمواجهة التهديدات والمخاطر الجديدة، وهي مقاربة تروم مأسسة إنتاج السياسات الأمنية من خلال تصور يراهن إلى جانب تطوير التشريعات القانونية الزجرية في مواجهة الإرهاب على اعتماد آليات كفيلة بتجفيف منابع تمويله ومنع كل محاولات التجنيد الداخلي قصد التصدير إلى بؤر التوتر التي تتحكم فيها التنظيمات المتطرفة. ووفق نص الفصل 54 من الدستور المغربي، "يحدث مجلس أعلى للأمن، بصفته هيئة للتشاور بشأن إستراتجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات والسهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة." يتحدث النص المؤطر للمجلس الأعلى للأمن، عن دور المجلس في إعداد إستراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد وتدبير حالات الأزمات. وتقتضي الحكامة اعتماد الأساليب الحديثة في التعاطي الاستباقي مع الظاهرة الإرهابية، من خلال سرعة امتلاك المعلومة الأمنية. فالعمليات الأمنية الزجرية تراجعت لمصلحة الأعمال الوقائية، وتدبير حالات الأزمات، من منظور أمني معاصر يعتمد مقاربة استباقية تقوم على التوقع وتقدير المخاطر. ونسوق كمثال على تغير الإستراتيجية في ما يخص التعاطي مع هذه النوعية من المخاطر الجديدة (الإرهاب)، إحداث المكتب المركزي
للأبحاث القضائية16، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بقرار وزاري مشترك بين وزارتي الداخلية والعدل الحريات، إذ أوكل إليه مهمة مواجهة الجريمة المنظمة وكل الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي والخارجي.
سادسًا. في التقييم، نقد التشريع ضد الإرهاب
عندما يُطرح سؤال تقييم السياسة التشريعية في مجال مواجهة الإرهاب، فإنه من ال زاام التذكير بنوع من الاحتياط المنهجي الضروري، بأنّ هذه السياسة لا يمكنها وحدها أن تشكّل حصنًا منيعًا ضد الخطر الإرهابي، من دون تظافر مقاربات أخرى مهمة وحاسمة، وبخاصة ذات العلاقة بالجوانب الأمنية، وبالشرط السياسي العام الذي يفترض فيه بناء حالة مجتمعية وثقافية إجماعية، يبقى الخيار الإرهابي داخلها خيارًا معزولً وهامشيًا. في محاولة لتقييم تجربة التشريع الأمني في مجال مكافحة الإرهاب بالمغرب، يمكن القول إيجابيًا إنّ السلطة استطاعت أن تعتمد مقاربة قضائية، تؤطرها نصوص تشريعية، مواكبة لتطور الجريمة الإرهابية وما أفرزته من تمثلات جديدة كان لزومًا تجريمها، من قبيل تجريم التنقل إلى بؤر التوتر ومعاقبة الدعاية للأعمال الإرهابية والإشادة بها. وقد أظهرت التجربة التشريعية في المغرب أنّ الدولة استبقت الزجر بمقاربة وقائية قضائية. غير أنّ ما يؤخذ على التجربة بعض الخلط الذي وقع فيه المشرع أثناء صوغه لنصوص قانونية كان الغرض منها مكافحة الإرهاب، فتحولت إلى أداة للتضييق على الحريات وحتى الوعظ والإرشاد. إنّ الوعي بتعَوْلُمْ السياسات التشريعية المُواجهة للإرهاب، وبطبيعتها المرنة والمُتكيفة مع تحولاته المستمرة، وبنجاعة الأرضية القانونية من حيث المضمون والإجراءات في مكافحته، لا يمنع من الوقوف في النهاية على "حدود" التشريع والقانون- لِوَحْدِه - في الحد من ظاهرة تشكل في عمقها تحديًا جديًا وعميقًا للدولة وللقانون وللديمقراطية. ومع ذلك، فإنه يمكن، انطلاقًا من أرضياتٍ تشريعية مقارنة، استخلاص المعالم المعيارية الكبرى للمقتضيات الجنائية في المادة الإرهابية، وهو ما قد يُ كّن، من ثمّ، من بناء مؤشرات لتقييم الإطار التشريعي، سواء على المستوى الموضوعي أو على مستوى الإجراءات. إنّ تقييم السياسة التشريعية ذات الصلة بمواجهة الإرهاب، في الحالة المغربية، يبقى ممارسة مُكرسة، سواء من خلال مؤسسات وطنية مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بما في ذلك خلال صيغته السابقة كمجلس استشاري لحقوق الإنسان، أو من خلال انخراط المغرب في نظام دولي للمسائلة الحقوقية، إما عبر تلقي العديد من الملاحظات والتوصيات من طرف هيئات المعاهدات، أو أصحاب الولايات برسم الإجراءات الخاصة أو في إطار الاستعراض الدوري الشامل. في المقابل، وجهت العديد من الملاحظات للإطار التشريعي لمكافحة الإرهاب، وخاصة القانون 03.03، من طرف اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، ولجنة مناهضة التعذيب ولجنة حقوق الطفل، والمقرر الخاص بمسألة التعذيب، والفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي. كما شملت هذه الانتقادات الفاعلين الحقوقيين الذين لاحظوا على الإطار التشريعي المرجعي لمحاربة الإرهاب، عدم وضعه تعريفًا دقيقًا لمكافحة الإرهاب واكتفائه بتحديد بعض ملامح هذا التعريف وطبيعته من خلال النص على العناصر التكوينية للجريمة الإرهابية، كما ورد في الفصل 218 منه، والتي تحصي الأفعال الإجرامية وتضعها في خانة الإرهاب، كلما تعلق الأمر بمشروع عمدي فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام، بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف. وإذا كانت دعوات تدقيق المفاهيم غايتها تجاوز الالتباس الذي يصاحب تطبيق القاعدة القانونية بصفة مجردة وعامة، حماية لحقوق الأفراد وضمانًا لحرياتهم الفردية والجماعية، فإنّ حماية صك الحقوق لا يمكن أن يشكل أيضًا مبررًا لتقييد تدخلات الدولة في مجال مكافحة الإرهاب، لأنّ الحق في الحياة مقدّم على كل الحقوق في الشريعة كما في الشرعة الدولية.
المصادر والمراجع
(مترجم)، بيروت: المطبوعات للتوزيع والنشر،.2012
جامعة الحسن الأول بسطات،.2015
والبحوث،.2014
فليو، جان بيير. "هل تصبح القاعدة أفريقية في منطقة الساحل"، أوراق كارنيغي، العدد 112 (أيار/ مايو.)2010
فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، علي مقلد (مترجم)، بيروت: مرصد الإنماء القومي،.1991
الإستراتيجية،.2012 أسبين، أليهاندرو كاستور. إمبراطورية الإرهاب: السياسة الأمريكية العابرة للقارات في الأمن والاقتصاد ومكافحة الإرهاب، وفيقة إبراهيم
الحافظي، إحسان. الرقابة على السياسات الأمنية بالمغرب، المرجعيات التشريع والنخبة السياسية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق،
حمادة، منتصر. "الربيع العربي وتنظيم القاعدة: اختطاف الإسلام"، في منتصر حمادة وآخرين، ربيع القاعدة، دبي: مركز المسبار للدراسات
كيد، ورين وكارين لج وفليب هراري. السياسة والسلطة، سلسلة دراسات مترجمة، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث