أسئلة الملكية البرلمانية في النظام الدستوري المغربي

The Problematic of Parliamentary Monarchy in the Moroccan Constitutional System

عبد الإله سطي| Abdelilah Essatte *

الملخّص

تمّ الاستفتاء على الدستور المغربي الجديد، في الفاتح من تموز/ يوليو 2011، وقد اختلفت القراءات ووجهات النظر حوله، ما بين مؤيّد للمنهجية والمضامين التي جاء بها بصفتها خطوة مهمّة نحو الديمقراطية، ومعارض لهذه المضامين وتوجهاتها، يرى أنّ الإصلاح الدستوري لم يستجب لمطلب إقامة الملكية البرلمانية. ويرجع الاختلاف في هذا الباب إلى مستويين من التحليل: المستوى الأول ينظر إلى الإصلاحات من زاوية المقارنة بدستور 1996، ويجد أنّ دستور 2011 أكثر تقدّمًا من الدستور السابق من حيث السلطات المخولة لرئيس الحكومة، ومن حيث التفاصيل المتعلقة بضمان الحقوق والحريات الفردية. أمّا المستوى الثاني فينظر إلى الدستور الجديد من زاوية المطالب التي رفعتها القوى الديمقراطية العديدة والشارع المغربي مع حركة "عشرين فبراير"، ويخلص إلى أنّ الدستور الجديد لم يستجب لأهم مطلب، ألا وهو إقامة الملكية البرلمانية. في هذا الاتجاه تحاول هذه الورقة اعتماد مقاربة تحليلية للوثيقة الدستورية المغربية الجديدة، انطلاق ا من رصد أهم المستجدات التي جاءت بها في إطار العلاقة بين السلط، وطبيعة النظام السياسي الذي تفرزه هذه الوثيقة.

Abstract

The referendum on the new Moroccan constitution in July 2011, which varied readings and perspectives around it, between supporters of the methodology and implications brought as necessary step towards democracy.

Parliamentary Monarchy in the New Moroccan Constitution

مقدمة

في خضم الحراك الثوري العربي أو ما سمّي "الربيع العربي"، عرف المغرب خروج العديد من القوى والتنظيمات السياسية ملتئمة في حركة 20 فبراير التي جابت معظم المدن المغربية، قصد المطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية، كان من أبرزها مطلب الإصلاح الدستوري المؤدي إلى إقامة الملكية البرلمانية. في السياق ذاته، سوف يأتي خطاب الملك محمد السادس في التاسع من آذار / مارس 2011، داعيًا إلى تشكيل لجنة استشارية لمراجعة دستور 1996، واضعًا العديد من العناوين الكبرى والخطوط الرئيسة لهذا الإصلاح. تمّ الاستفتاء على الدستور الجديد في الفاتح من تموز / يوليو 2011، وقد اختلفت القراءات ووجهات النظر حوله، بين مؤيّد المنهجية والمضامين التي جاء بها، بصفتها خطوة مهمّة نحو الديمقراطية، ومعارض لهذه المضامين وتوجّهاتها، يرى أنّ الإصلاح الدستوري لم يستجب لمطلب إقامة الملكية البرلمانية.

من أهم المستجدات التي جاءت بها الوثيقة الدستورية الجديدة الإقرار في الفصل الأول من الدستور بأنّ "نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية"، وأنّ النظام الدستوري للمملكة يقوم على "أساس فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيّدة وربط المسؤولية بالمحاسبة." فما هي طبيعة هذا النظام البرلماني الذي تؤسس له الوثيقة الدستورية لسنة 2011؟ وهل نحن أمام مقتضيات دستورية تؤسس فصلً حقيقيًّا بين السلطات كما حدده الفكر الدستوري؟ وما مدى استجابة المقتضيات الدستورية لمطالب القوى الديمقراطية في البلد؟ ثمّ هل تعكس الممارسةُ السياسية، لما يقارب أربع سنوات على إقرار دستور 2011، الطبيعةَ الفعلية لمقتضيات الدستور القائمة على أساس فصل السلطات، والديمقراطية والمواطنة التشاركية؟ من منطلق هذه الإشكالية، ستحاول هذه الورقة اعتماد مقاربة تحليلية للوثيقة الدستورية المغربية الجديدة، انطلاقًا من رصد أهم المستجدات التي جاءت بها في إطار العلاقة بين السلطات، وطبيعة النظام السياسي الذي تفرزه هذه الوثيقة. هذا بعد إبراز السياقات العامة والخاصة التي أدّت إلى ظهور مطلب الملكية البرلمانية في الشارع المغربي.

أولا. مطلب الملكية البرلمانية في المغرب: السياق والرهانات

في سياق الحراك الثوري العربي، عرف المغرب خروج العديد من القوى والتنظيمات السياسية ملتئمة في حركة 20 فبراير التي جابت معظم المدن المغربية، قصد المطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية، من أبرزها مطلب الإصلاح الدستوري المؤدي إلى إقامة الملكية البرلمانية. وكانت حركة 20 فبراير التي شكّلت دينامية هذا الحراك، مزيجًا من توجّهات أيديولوجية مختلفة، توحّدها فقط معارضتها الحكم السلطوي بمختلف تجلّياته. وعلى الرغم من أنّ المتظاهرين طالبوا بمزيد من العدالة الاجتماعية، والحق في الصحة، والتعليم، فإنّ جلّ مطالبهم تركّزت على المسائل السياسية... واشتملت تلك المطالب على ضرورة وضع دستور أكثر ديمقراطية، يستند في أساسه إلى سيادة الشعب، واستقلال القضاء، وفصل السلطات1. هكذا، دخل مطلب الملكية البرلمانية حيّز التداول العمومي منذ شهر فبراير / شباط 2011، بعد فترة مديدة ظلّ فيها مطلب الإصلاح الدستوري بيد أحزاب وتنظيمات من اليسار المغربي ضعيفة التمثيل السياسي والقاعدة الاجتماعية. ويعود لحركة 20 فبراير الدور الأكبر في إنعاش هذا المطلب، وإدخاله النطاق المطلبي العمومي شعارًا رئيسًا لتعبئة جمهور التغيير في المغرب2. وفي السياق ذاته، سوف يأتي الخطاب الملكي في التاسع آذار/ مارس 2011 الذي جاء نتيجة أساسية من نتائج 20" فبراير"3، داعيًا إلى تشكيل لجنة استشارية لمراجعة دستور 1996، واضعًا العديد من العناوين الكبرى والخطوط الرئيسة لهذه المراجعة.

  1. محمد مدني وادريس المغروي وسلوى الزرهوني، دراسة نقدية للدستور المغربي للعام 2011 (ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات،،IDEA International 2012) ص.10
  2. عبد الإله بلقزيز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل (بيروت: منتدى المعارف، 2012)، ص.194
  3. عبد الله ساعف، "استفتاء فاتح يوليوز"، جريدة المساء (الدار البيضاء)، العدد 1490، 2011/7/7، ص.1

وبناء عليه، انفتح أمام المغرب إمكان خيار الإصلاح الدستوري الذي ظل محطّ دعوات العديد من القوى السياسية منذ عشر سنوات4، بما يلائم شروط الحياة السياسية الجديدة، والعهد الجديد باعتلاء الملك محمد السادس العرش في 1999. بيد أنّ هذه المطالب لم تعرف استجابة حقيقية إلّ مع بزوغ الظرفية السياسية الجديدة، ومع التطوّرات التي عرفها المحيط الإقليمي للمغرب، والذي أدى إلى إسقاط العديد من الأنظمة السياسية، إذ غيّ الحراك الثوري الشعبي المعادلات التقليدية في الحكم الذي عرفته المنطقة العربية برمّتها لعقود.

ستهيّئ هذه الظرفية للقوى الديمقراطية في المغرب مساحات كبرى، لطرح مطالبها السياسية والاجتماعية التي لم تكن متاحة لها حتى وقت قريب. فعلى الرغم من المرونة التي أبداها النظام السياسي المغربي في بداية العهد الجديد، من خلال فتح ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في العهد السابق، وإبداء انفتاح حول المطالب النسائية بإدخال إصلاحات جديدة على مدوّنة الأسرة، ثم فتح نقاش واسع حول أفاق التنمية بالمغرب، فإنّ هذه الإصلاحات ظلّت على مستوى الميكرو / سياسي، ولم تتّجه نحو إصلاح جذي يهم البنية المؤسسة للدستور المغربي (الماكرو/ سياسي.) بيد أنّ انطلاق مسلسل الثورات العربية، والدينامية التي أحدثتها حركة 20 فبراير في الشارع المغربي بشعارها ومطلبها الأساسي المتمثّل بالملكية البرلمانية التي قوامها "الملك يسود ولا يحكم"، ستكون سياقًا ملائمًا لطرح خيار الإصلاح الدستوري في المغرب، حتى ينأى بنفسه عن المسارات التي أخذتها بقية بلدان الحراك الثوري. فكانت الاستجابة سريعة من خلال الخطاب الملكي في 9 آذار / مارس 2011، والذي فتح الأفق نحو مراجعة دستورية، وفق سبعة مرتكزات تضمّنها الخطاب الملكي وتمثّلت بالأساس ب: التكريس الدستوري للطابع التعددي للهويّة المغربية الموحّدة، الغنية بتنوّع روافدها، وفي صلبها الأمازيغية، رصيدًا لجميع المغاربة. ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان. الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري، توطيدًا لسمو الدستور ولسيادة القانون والمساواة أمامه. توطيد مبدأ فصل السلطات وتوازنها، وتعميق دمقرطة المؤسسات وتحديثها وعقلنتها، من خلال برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوّأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة، مع توسيع مجال القانون، وتخويله اختصاصات جديدة، تكفل نهوضه بمهمّ ته التمثيلية والتشريعية والرقابية. حكومة منتخبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية، المعبّ عنها من خلال صناديق الاقتراع، وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب، وتكريس تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، وتقوية مكانة الوزير الأول بصفته رئيس السلطة التنفيذية الفعلية، ويتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة البرنامج الحكومي وتنفيذه، ودسترة مؤسسة مجلس الحكومة، وتوضيح اختصاصاته. تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، بتقوية دور الأحزاب السياسية، في نطاق تعددية حقيقية، وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية والمجتمع المدني. تقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة. دس ةرر هيئات الحكامة الجيّدة، وحقوق الإنسان، وحماية الحريات5.

  1. حول هذا الموضوع انظر: محمد الساسي، "الأحزاب المغربية ومسلسل المراجعة
  2. الدستورية ل 2011 "، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية، العدد 3، ج 5 (يونيو 2012)، ص.17 " 5 خطاب تاريخي للملك محمد السادس 9 مارس "2011، يوتيوب، 2011/3/9، في: http://bit.ly/1Tgg0Hd

كما أوكل الملك أمر إعداد مشروع الدستور إلى هيئة استشارية عي أعضاءها كلهم، إضافة إلى إحداث لجنة للتشاور والمتابعة موازية لأعمال الهيئة السابقة، بإشراف مستشار الملك محمد معتصم. وتعد هذه المبادئ المرجع الأساسي الذي أطّر عمل اللجنة الاستشارية لإعداد الدستور، كما جاء في الخطاب الملكي، مع إمكانية "الاجتهاد الخلاق، لاقتراح منظومة دستورية متقدّمة لمغرب الحاضر والمستقبل"6. فتح الخطاب الملكي آفاق المراجعة الدستورية على مختلف التأويلات، فالملاحظ أنه لم يضع خطوطًا حمراء حول طبيعة البنية الدستورية السابقة، ولم يستثنِ موقع السلطات السياسية من المراجعة. لقد اتّجه أكثر نحو إقرار مراجعة تهمّ تعزيز موقع المؤسسة البرلمانية في التشريع، وتبوئ الوزير الأول رئاسة السلطة التنفيذية، إضافة إلى الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

جعلت هذه المقتضيات خطاب 9 آذار / مارس 2011، قابل "لإستراتيجية التأويل البرلماني"7. فهو يطرح إمكانية المراجعة الشاملة للعلاقة بين السلطات، ويقطع مع دابر المراجعات السابقة التي لم تكن تهمّ اختراق الهندسة الدستورية وطبيعة نظام الحكم، خصوصًا ما تعلق منها بطبيعة موقع المؤسسات الدستورية ومكانتها. وهذا الأمر الذي سيسهّل إمكانية التلاقي بين سقف مطلب الشارع 20" فبراير" المتمثّل بالملكية البرلمانية، وإمكانية الارتقاء بالدستور المغربي إلى مصاف النظم الملكية الديمقراطية التي تسود فيها الملكيات ولا تحكم. في الآن نفسه، ظلّ الخطاب الملكي مفتوحًا أيضًا نحو التأويل الرئاسي لتوزيع السلط. فهو لم ينصّ صراحة على "الملكية البرلمانية"، ولم يشر إلى مكانة إمارة المؤمنين في المراجعة الدستورية. وبالنتيجة، فالخطاب لم يضع ثوابت لحدود المراجعة الدستورية للسلط، كما أنه لم يقرّ بصريح العبارة إمكانية المراجعة الدستورية لاختصاصات الملك، ما جعل الباب مفتوحًا أمام تأويلين: اتّجه التأويل الأول نحو إقرار مراجعات تتّجه نحو نظام برلماني بمجال محفوظ للملك، يتضمّن الاختصاصات الإستراتيجية والدينية والعسكرية؛ وتأويل ثان يتّجه نحو الوقوف على حدود نظام شبه رئاسي يضع الحكومة شريكًا في السلطة التنفيذية، مع الاحتفاظ بالأدوار الطلائعية للملكية في الهندسة الدستورية.

ثانيًا. الفاعلون السياسيون ومطلب الملكية البرلمانية

إذا كان خطاب الإصلاح الدستوري في ظلّ ملكية تنفيذية يعني أساسًا الانتقال إلى الحديث عن مضمون جديد للأدوار التي كانت تضطلع بها في ظلّ دستور 1996، ومن ثمّ الانتقال إلى فهم نظام الملكية البرلمانية على أنّه جوهر هذا الإصلاح، خصوصًا أنّ الخطاب الملكي يتيح إمكانية التأويل الإستراتيجي للاتجاه نحو النظام البرلماني، فإنّه ليس بالضرورة أن يتبنّى الفاعلون جميعهم هذا المطلب. لقد توزّعت الدعوات والتوجّهات بين من اتّجه إلى حد أدنى من السقف الذي تحدّث فيه الخطاب الملكي حول المراجعة الدستورية، ومن اتّجه نحو إبراز النفس البرلماني في اقتراحاته مع الاحتفاظ بالبنية الدستورية السابقة التي تجعل للملكية أدوارًا طلائعية في المشهد السياسي والمؤسساتي، ثمّ اتجاه ثالث، يبرز مضمون الملكية البرلمانية كما هو متعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية العريقة. لهذا سنحاول إبراز مضامين المذكرات الحزبية والتيارات الجمعوية والسياسية8، من خلال تصنيفها في ثلاثة توجّهات على النحو التالي:

1. التوجّه الأول

تماشى مع مقتضيات الخطاب الملكي، وزكّ العناوين الكبرى التي جاء بها؛ بل واتّجه إلى تقليص تطلعاته الدستورية إلى ما دون سقف التوجيهات التي جاءت في الخطاب؛ يؤجّل هذا التوجّه النظر في مطلب الملكية البرلمانية، وفي أهمية إعادة توزيع الأدوار بين السلطات.

  1. المرجع نفسه.
  2. حسن طارق، الدستور والديمقراطية قراءة في التوترات المهيكلة لوثيقة 2011، سلسلة الحوار العمومي 4 (الرباط: طوب بريس، 2013)، ص.130 للمزيد حول هذا الموضوع انظر: محمد المالكي، "بنية توزيع السلط في الدستور المغربي الجديد"، مجلة النهضة، العددان 3 و 4 (الرباط) (2013)؛ محمد الغالي، "دستور المملكة المغربية لسنة 2011 في ضوء الربيع العربي: جدلية الثابت والمتحول "، تبيّ، العدد 4، المجلد 1
  3. (ربيع 2013)؛ عمر بندورو ورقية المصدق ومحمد مدني، الدستور المغربي الجديد على محك الممارسة (الدار البيضاء: منشورات ملتقى الطرق،.)2014 8 حاولنا الاقتصار على بعض النماذج البارزة فقط من مقترحات التنظيمات السياسية والمدنية ومذكّراتها لمراجعة دستور.2011

فحزب الحركة الشعبية يلاحظ أنه لم يتطرّق إلى جانب السلطات الملكية في مذكرته9، واتّجه مباشرة إلى الحديث عن اختصاصات الحكومة والبرلمان. وركّز على "دسترة المجلس الحكومي وتعيين الوزير الأول من الحزب أو اتحاد الأحزاب المشكل قبل الانتخابات التشريعية، الحائز على المرتبة الأولى"، و"ضمان التوازن ما بين الحكومة والبرلمان فيما يتعلق بالمبادرة التشريعية". ومع أنّ هذا الحزب يضع عناوين وشعارات كبرى في مقدمة مذكّرته من قبيل "ضمان استقلالية السلطة القضائية، وتعزيز مكانة الشعب كمصدر للسلطة"، إلّ أنّ المحاور التفصيلية للمذكّرة لم تحدّد طبيعة هذه العناوين وكيفية ترجمتها آليات وأدوات للعمل. مذكّرة حزب التجمع الوطني للأحرار، كما سابقتها الصادرة عن حزب الحركة الشعبية، جاءت مختصرة. وهي وإن تطرّقت إلى اختصاصات الملك، فإنها اتّجهت إلى تعزيز سلطاته المنصوص عليها في دستور 1996، من قبيل إعادة التنصيص على مقتضيات الفصل 19 والسلطات التي تخوّلها مقتضياته الملك. وفي الاتجاه نفسه، تذهب مذكّرة حزب الاتحاد الدستوري التي حافظت على مضمون الفصل 19، بل واتّجهت إلى تكريس السلطات الملكية المنصوص عليها في الفصل ذاته. فقد جاء في المذكّرة "الإبقاء على صيغة الفصل 19، لكن مع تغيير الرقم وتفكيك الفقرات وتوضيح بعض المهام كالتالي: الملك أمير المؤمنين، وهو حامي حمى الدين، الملك هو الممثل الأسمى للأمّة... شخص الملك لا تنتهك حرمته، وهو غير خاضع للمساءلة"10. كما اتّجهت المذكّرة إلى جعل الملك رئيسًا للمجلس الوزاري.

2. التوجّه الثاني

يركّز هذا التوجّه في مقترحاته على إعادة ترتيب العلاقة بين السلطات الدينية للمؤسسة الملكية واختصاصاتها السياسية. وتمّ التركيز أساسًا على مقتضيات الفصل 19 من دستور 1996، إذ عمل على تقديم مقترحات تحدّ من هذه الازدواجية، بتوضيح هذه الاختصاصات، مع الإبقاء على مركزية المؤسسة الملكية في الهندسة الدستورية المغربية. نجد في هذا الباب المقترحات التي قدّمها حزب الاستقلال، والذي على الرغم من عدم تخصيصه بندًا يتطرّق إلى السلطات الملكية، الأمر الذي يمكن فهمه تحاشيًا لأي تأويل يتّجه نحو الحدّ من سلطات الملك، فإنّه قدّم مقترحات تزكّ تقوية سلطات الحكومة على رأس الجهاز التنفيذي، بدسترة المجلس الحكومي11. ثمّ نقرأ في مذكرته التنصيص على "مسؤولية الحكومة في تحديد وإدارة السياسة العامة للبلاد"12(. كما تؤكد المذكّرة أنّ البرلمان وحده المختص بالتشريع13. اتّجه حزب الأصالة والمعاصرة في مذكرته نحو إعادة النظر في الصيغة العامة للفصل 19، بما "يضمن تكريس الاختيار الديمقراطي ضمن الثوابت الوطنية التي يضمنها الملك، وينسجم مع تصورات الحزب لتوزيع السلط، وتحديد صلاحيات البرلمان في مجال التشريع، واستعمال لغة حداثية تترجم مفهوم الملكية المواطنة"14. وهو يقترح في ذلك تقسيم هذا الفصل، بما يميز اختصاصات الملك الدستورية واختصاصاته السياسية. كما اقترح تغيير مقتضيات الفصل 23، برفع صيغة القداسة عن الملك واستبدال صيغته15، وهو من الأحزاب القليلة التي ذهبت في هذا المنحى. وفي باب السلطة التنفيذية يقترح أن: "يُعيّ رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدّر الانتخابات بمجلس النواب... ويعد رئيس الحكومة رئيسًا للسلطة التنفيذية، ويمارس السلطة التنظيمية." في اجتهاد آخر، ينطلق حزب العدالة والتنمية في مذكرته من أنّ مقترحاته تنبعث "من الحاجة الماسة لتمكين بلادنا من دستور ديمقراطي يستند لمرجعيتنا الإسلامية"16. ويركّز الحزب أساسًا في اقتراحاته على "إقامة دستور يرتقي بمكانة المرجعية الإسلامية.. وإقامة ملكية ديمقراطية قائمة على إمارة المؤمنين.. وإقامة ديمقراطية تضمن فصل السلط، وضمان التوازن فيما بينها.. وبرلمان ذو مصداقية بصلاحيات واسعة.. وحكومة منتخبة ومسؤولة واستقلالية القضاء"17. وفي تفصيله هذه المبادئ، يزكّ الحزب طرحه، بإقامة ملكية ديمقراطية قائمة على إمارة المؤمنين18. وفي هذا السياق، يقترح أن

  1. مذكّرة الحركة الشعبية للإصلاحات الدستورية"، المغرب الدستوري، 2011/4/17، شوهد في 2016/4/1، في: http://www.addoustour.net/ar/news_view_70.html
  2. مذكّرة الاتحاد الدستوري"، المغرب الدستوري، 2011/4/5، شوهد في 2016/4/1، في:
  3. مذكّرة حزب الاستقلال"، المغرب الدستوري، 2011/4/10، شوهد في 2016/4/1، في: http://www.addoustour.net/ar/news_view_59.html
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.
  6. مذكّرة أولية لحزب الأصالة والمعاصرة"، المغرب الدستوري، 2016/4/10، شوهد في 2016/4/1، ف:ي http://www.addoustour.net/ar/news_view_63.html
  7. المرجع نفسه.
  8. مذكّرة حزب العدالة والتنمية"، المغرب الدستوري، 201/4/24، شوهد في 2016/4/1، في: http://www.addoustour.net/ar/news_view_74.html
  9. المرجع نفسه. 18 المرجع نفسه.
  10. http://www.addoustour.net/ar/news_view_57.html

يكون الملك رئيسًا للدولة وممثّلها الأسمى ورمز وحدتها..، ويمارس الملك اختصاصاته بمقتضى ظهائر يوقّعها بالعطف رئيس الحكومة، إلّ في حالات تعيين رئيس الحكومة وإعفائه، وإعلان حالة الاستثناء، وتعيين القضاة وأعضاء المجلس الدستوري وأعضاء المجلس الأعلى للحسابات، وأعضاء المجلس العلمي الأعلى، والتعيين في المناصب العسكرية وتعديل الدستور19. واتّجهت المذكّرة إلى الرفع من قداسة الملك20. حزب الاتحاد الاشتراكي على الرغم من تنصيصه على أنّ الإصلاح الدستوري لبنة أساسية في إقامة الملكية البرلمانية وبناء الدولة الحديثة وفي بناء المواطنة والحكامة الديمقراطية21، فإنّ مضمون المذكّرة التي تقدّم بها يبتعد عن تأسيس حقيقي لهذا المعطى، ويتّجه نحو إقرار أن يمارس الملك، بصفته أميرًا للمؤمنين، الإشراف على تدبير الحقل الديني وتنظيمه...، ويمارس الملك مهمّ ت التوجيه العام، والتحكيم، ويترأس المجلس الوزاري وفق دورية محددة22. تنتقل المذكّرة إلى سلطات الحكومة المسؤولة أمام الملك وأمام مجلس النواب، كما يتولّ رئيس الحكومة تحديد السياسة العامة للبلاد وقيادتها وتنفيذها، وبصفته رئيس سلطة تنفيذية فعلية، يتول المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة والمؤسسات العمومية، ويمارس السلطة التنظيمية23. وعلى العموم، فمذكّرة حزب الاتحاد الاشتراكي حرصت على أن تكون اقتراحاتها في الحدود التي تسمح بإشراك الحكومة ورئيسها في جزء من القرارات الملكية، من دون أن تضع جوهر السلطة التنفيذية، بين أيدي الجهاز الحكومي24. كما أنّ الأفق يبقى محدودًا لدى مقترحات الحزب في اتجاه إقرار ملكية برلمانية في صيغة مثالية، حينما يقرّ أن مقترحاته لا تروم الوصول إلى "دستور مثالي". بيد أنّ الدستور المثالي في إطار ملكية ديمقراطية لا يتأسس إلّ عبر قواعد النظام البرلماني. نجد أيضًا في الاتجاه ذاته حزب التقدم والاشتراكية الذي نصّ مرّات عديدة على مبدأ الملكية البرلمانية في المذكّرة التي تقدّم بها. لكنّه يرجع ويقول بأنّ أي مراجعة دستورية يتعيّ أن "تبعد المنطق المحافظ الذي يعمل على إضفاء شكليات جديدة على واقع مؤسساتي جامد، وكذا منطق المزايدة الذي يروم إضعاف المؤسسة الملكية في مشروعيتها... وبالتالي فإننا نعتبر أنّ مسألة "الملكية البرلمانية"، هي إفراز تاريخي تدريجي للنظام الملكي الذي أفضى إلى نظام يسود فيه الملك ولا يحكم، دون أن يعني ذلك أنّ المؤسسة الملكية هي مجرد رمز يكتفي بالمتابعة من بعيد، لا يتدخل في حركية المؤسسات"25. وتعدّ الحكومة في تصوّر هذا الحزب مسؤولة عن تحديد السياسة العامة للدولة، بعد المصادقة عليها في المجلس الوزاري. كما أقرّت المذكّرة استقلالية القضاء، وأنّ الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية، ويترأس الملك المجلس الأعلى للقضاء26.

3. التوجّه الثالث

يقوم على تقديم مقترحات تهمّ أساسًا إقرار فصل حقيقي للسلطات، كما هو متعارف عليه في الأنظمة الملكية البرلمانية، مع تقوية الجهاز التنفيذي برئاسة رئيس الحكومة، وضمان استقلال تامّ للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية. يمكن التمييز في هذا التوجّه بين مجموعتين، الأولى تقدّمت بمذكّرات توضيحية لمقترحاتها حول المراجعات الدستورية؛ والثانية لم تقدّم أي مذكّرات، بل اكتفت بتقديم توضيحات وتصوّرات حول طبيعة مسلسل المراجعة برمّته. في المجموعة الأولى، يمكن إدراج مذكّرة الحزب الاشتراكي الموحد الذي يبدأ مذكرته بانتقاد الطريقة التي تمّ بها اختيار لجنة خبراء تعديل الدستور. فقد وجد فيها تكريسًا "لنفس ممارساته السابقة، من خلال

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.
  3. مذكّرة الاتحاد الاشتراكي."
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.
  6. الساسي، ص.40
  7. مذكّرة حزب التقدم والاشتراكية"، المغرب الدستوري، 2011/4/4، شوهد في 2016/4/1، في: http://www.addoustour.net/ar/news_view_54.html
  8. المرجع نفسه.

الانفراد بتأسيس لجنة لصياغة مشروع الدستور لا تستوفي شروط الاستجابة لمتطلبات المرحلة"27. ثمّ تسترسل المذكّرة في التذكير بأنّ المرحلة الراهنة تستدعي "النضال اليومي من أجل قانون أساسي للبلاد يستوعب التوجهات الجوهرية للملكية البرلمانية"28. ومن ثمّ، فالوثيقة الدستورية يجب أن تتضمن وفق المذكّرة، النصّ على أنّ "الشعب هو صاحب السيادة والمصدر الوحيد لكل السلط، ولا يمكن الاستناد إلى لقب ديني من أجل اعتبار سلطة ما فوق الدستور أو غير مقيدة به... البرلمان وحده يمارس سلطة التشريع، إلا في الأحوال الاستثنائية، رئيس الوزراء هو الرئيس الوحيد الرسمي والفعلي للسلطة التنفيذية، ويتوفر القضاة على مجلس أعلى خاص بهيأتهم، يسيرونه وحدهم وبأنفسهم.. ثم الانتقال بالملكية المغربية من ملكية حاكمة إلى ملكية برلمانية"29. وغيرها من المقترحات التي تتّجه إلى إقامة ملكية برلمانية، كما هو متعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية.

في ظلّ هذا التوجّه، يمكن إدراج المجموعة الثانية التي نادت بإحلال الملكية البرلمانية نظامًا للحكم في المغرب. فقد نادت بتجاوز سقف الإص حاا المعلن عنه في خطاب 9 آذار / مارس. ويذكر أنّ هذه المجموعة لم تتقدّم بأي مقترحات أمام لجنة تعديل الدستور، إمّا بداعي التعارض مع الطريقة التي تمّ بها تعيين هذه اللجنة، وإمّا لمحدودية الأفق الذي ستفرزه عملية المراجعة الدستورية برمتها. ونذكر هنا أساسًا بعض الفعاليات المدنية والسياسية والمركزيات النقابية التي التأمت في ما سمّي "بالمناظرة الوطنية من أجل الملكية البرلمانية الآن"، داعيةً إلى إطلاق إعلان دستوري وسياسي، "من أجل الملكية البرلمانية الآن بالمغرب". هدفها "تقوية وتوسيع المشاركة في الحركة النضالية لإنجاز تغيير دستوري وسياسي واجتماعي ينقل بلادنا من دولة الرعايا إلى دولة المساواة بين المواطنين والمواطنات". ونصّ هذا الإعلان على مبادئ رأى أنه "لا يمكن الحديث عن ملكية برلمانية بدون إقرارها إقرارًا صريحًا"، من أهمّها التنصيص على أنّ الشعب هو صاحب السيادة، وأن يكون القضاء سلطة مستقلة تمامًا عن كل سلطة أخرى، ورفع القداسة عن مجال السياسة والمسؤولية، وعدم الجمع بين الممارسة السياسية وعالم الأعمال30. كان حضور هذا المحور ضرورة ملحّة، لإبراز السياقين الداخلي والخارجي لظهور مطلب الملكية البرلمانية الذي يُعدّ سابقة في التاريخ السياسي المغربي. فتاريخيًا، كانت جلّ المبادرات المتعلقة بمراجعة الدستور تأتي من القصر. وإن كان تقليد المذكرات الحزبية المتعلقة بالمراجعات الدستورية بدأ مع تشكيل الكتلة الوطنية بداية التسعينيات، إلّ أنّ مطالبها لم ترتق إلى حدّ الإعلان الصريح عن مطلب الملكية البرلمانية الذي جاء مع الدينامية التي خلقتها حركة 20 فبراير في الشارع المغربي. ثمّ التفاعل الذي أتى من القصر جرّاء خطاب 9 آذار / مارس الذي حاول إطلاق بعض العناوين التي تلاقت مع مطلب الشارع. لكنّ ذلك لم يعنِ أنّ باقي الفاعلين السياسيين والمدنيين كانوا يصبّون في المطلب ذاته، والمتمثّل ب "الملكية البرلمانية". فقد تقاطعت مطالبهم بين من ارتأى الاقتصار على مطالب محافظة عامة لا ترتقي حتى إلى السقف الذي حدده الخطاب الملكي للإصلاح الدستوري؛ ومؤيّد مطلب الملكية البرلمانية، ولكن بخصوصية مغربية تمهّد الطريق بعد ذلك لهذا الخيار؛ وخيار ثالث ارتأى أن يتشبث بالمطلب العام الذي جاءت به حركة 20 فبراير المتمثّل في إقامة "ملكية عصرية يسود فيها الملك ولا يحكم". فإلى أي حدّ استجاب دستور 2011 لهذه المطالب؟ وما هي أبعاد هذا الإصلاح؟ ثمّ إلى أي حد كان دستور 2011 طفرة في مجال التعديلات الدستورية في المغرب؟

ثالثًا. الهندسة الدستورية المغربية

وطبيعة النظام السياسي في ضوء دستور 2011

في فاتح تموز / يوليو 2011، صوّت المغاربة بالموافقة على مشروع الدستور بنسبة %98.5 من أصل %73.46 من المشاركين في الاستفتاء. فما هي أهمّ المستجدات التي جاء بها هذا الدستور؟ وهل استطاعت

  1. موقف الحزب الاش ارركي الموحد "، المغرب الدستوري، 2011/4/10، شوهد في 2016/4/1، في: http://www.addoustour.net/ar/news_view_65.html
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. إعلان دستوري وسياسي"، المغرب الدستوري، 2011/6/2، شوهد في 2016/4/1، في: http://www.addoustour.net/ar/news_view_93.html

الوثيقة الجديدة أن تؤسس فصلً حقيقيًا للسلطات؟ ثمّ ما هي طبيعة النظام السياسي الذي تفرزه هذه الوثيقة؟ وقع النصّ على فصل السلطات في الدستور في الفقرة الثانية من الفصل الأول، وجاء فيها: "يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط وتوزيعها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة". وبربط هذه الفقرة بالأولى من الفصل ذاته والمتعلقة بطبيعة النظام السياسي، والتي ورد فيها: "نظام الحكم بالمغرب ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية"، يُطرح السؤال حول مدى الاتجاه الذي تذهب فيه الوثيقة الدستورية، لتأسيس نظام برلماني، كما هو متعارف عليه في الفكر السياسي والدستوري الديمقراطي. يتّضح، من المضمون والتعابير التي جاءت في الفقرتين، أنّ هناك اتجاهًا نحو تأويل برلماني لطبيعة الحكم في المغرب. لكن بالنظر إلى روح الوثيقة الدستورية ومضمونها، يلاحظ أنّها لا توفّر "الحد الأدنى لإحداث القطيعة مع نظام السلطة الدستورية الذي يسود فيه الملك ويحكم"31. فقد اتّضح استمرار مركزية المؤسسة الملكية في الهندسة الدستورية الجديدة، واستمرار نهج سموّها على باقي السلطات، وأن فصل السلطات الذي تنصّ عليه الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور لا يشمل المؤسسة الملكية، بصفتها مؤسسة فوق المؤسسات. وهذا ما أسس له الراحل الحسن الثاني في تأويله الأبوي لفصل السلط، إذ يقول في إحدى خطبه: "بالنسبة لي ليس هناك فصل السلط. أنا أب الجميع، أب المشرع، أب المنفذ"32. وبالنتيجة، فأي فصل للسلطات لا يجب أن يفهم على أنه يشمل المؤسسة الملكية؛ فهو يشمل المؤسسات الأدنى المتمثّلة بالبرلمان والحكومة فقط.

علاقة الملك بالحكومة

مقابل الحضور القوي للفكرة البرلمانية في سياق صوغ دستور 2011، فإنّ وثيقة النص الدستوري نفسه لم تعرف سوى حضور متواضع لهذه الفكرة. على أنّ هذا الحضور لا بد من الإقرار بتقدّمه مقارنة بكل الدساتير السالفة، وأساسًا بالهندسة الدستورية لوثيقة 1992، والتي مثّلت محطة مهمّة لبث النفس البرلماني في البناء المؤسساتي لبلادنا33. وتتجلّ أبرز مظاهر تواضع حضور البنية البرلمانية في الهندسة الدستورية، من خلال تبعية مؤسسة الحكومة للمؤسسة الملكية في الكثير من المقتضيات التي ينصّ عليها الدستور. ويتأكّد ذلك أيضًا باستمرار سموّ المؤسسة الملكية طبقةً عليا في الجهاز التنفيذي، بصفتها المشرفة عليه، وهو ما يظهر بالأساس من خلال تقوية دور المجلس الوزاري الذي ظلّ يترأسه الملك.

فعلى الرغم من الصلاحيات المهمّة التي أضحت تتمتع بها الحكومة، بصفتها الممارس للسلطة التنفيذية والتنظيمية (الفصلان 89 و 90)، ويعيّ رئيسها من الحزب الأكثر تمثيلية في البرلمان (الفصل 47)، وهي التي تسهر على تحديد السياسات العامة قبل عرضها على المجلس الوزاري وبلورة السياسات العامة والسياسات القطاعية (الفصل 92)، فإنّ القراءة الأولية لهذه الاختصاصات، في ضوء ما هو مخوّل للمؤسسة الملكية، تمكّن من ملاحظة مدى تبعية هذه المؤسسة للسلطة الملكية. فإذا انطلقنا من البرنامج الحكومي الذي يجب أن يعبّ عن الطموحات والأهداف والتطلعات التي تنوي الحكومة بلورتها في سياسات عامة، سبق أن تعاقدت على إثرها مع الكتلة الناخبة، أضحى لزامًا أن يتوافق هذا البرنامج الحكومي مع الإرادة الملكية. ذلك أنّه بالرجوع إلى النص السالف الذكر، نجده ينصّ على حق الحكومة في التداول في السياسات العامة للدولة، مع وجوب عرضها على المجلس الوزاري. كما أنّ النص على كون المجلس الوزاري يتداول في التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة (الفصل 49)، يترك المجال مبهمً للتأويل بين ما يدخل في حيّز السياسات العامة الإستراتيجية وغير الإستراتيجية. من السلطات الأخرى التي تميز تبعية الحكومة للملك، منحه سلطة تعيينها، وإمكانية إقالة أعضائها. فعلى الرغم من أنّ الدستور ينص على أنه يستشير رئيس الحكومة قبل أن يقدم على هذا الإجراء، فإن هذه الخطوة تبقى استشارية ويظلّ القرار النهائي بيد الإرادة الملكية.

  1. محمد مدني، "الدستور الجديد... تركيز السلطة وضعف الضمانات"، في عمر بندور)(منسق، الدستور الجديد ووهم التغيير، سلسلة دفاتر وجهة نظر، العدد 24 )الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011)، ص.85
  2. خطاب المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة افتتاح السنة التشريعية -1987 1988"، شوهد في 2016/4/1، في:
  3. http://bit.ly/1Xs40HR 33 طارق، ص.133

في إطار هذا التوجه نفسه، يذهب الدكتور محمد الغالي مقرًّا أن الممارسة أثبتت "في أول اختبار لتفعيل دستور 2011، وذلك بعد الانتخابات التشريعية في 25 تشرين الثاني / نوفبر 2011، أنّ المؤسسة الملكية احتفظت بقوتها على مستوى تدبير نتائج هذه الانتخابات من خلال التحكم في تحديد أسماء مجموعة من المرشحين لشغل المناصب الوزارية، والضغط لمنع أسماء أخرى من الاستيزار. هذا على المستوى العضوي، أمّا على المستوى الموضوعي، فقد بقيت المؤسسة الملكية متحكّمة في بعض الوزارات التي تعتبرها إستراتيجية، منها الأمن والدفاع والأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث يعتبر المعينون أشخاصًا من دون انتماء سياسي ومعروفين بولائهم للمؤسسة الملكية"34. تُعدّ هذه المقتضيات كفيلة بتكريس السلطة الفعلية للملك، بصفته رئيس المجلس الوزاري على رأس الجهاز التنفيذي، مقابل السلطات المخوّلة للحكومة في الدستور الحالي. وهي وإن كانت متقدّمة على بعض مقتضيات دستور 1996، فإنها لا ترقى إلى بناء جهاز تنفيذي بسلطات واسعة، تبرز هويّة الحكومة، من حيث هي كتلة ممثّلة للأغلبية البرلمانية. خلاصة هذه العلاقة تتمثّل بسيطرة المجلس الوزاري على المجلس الحكومي. إذ يبقى للأول حقّ الاعتراض على القرارات الصادرة عن المجلس الحكومي. وهنا تظهر الوثيقة الدستورية أوجه عدم التكافؤ بين المجلسين، ما يكرّس سيادة السلطة الملكية على الحكومة، ومن ثمّ على رأس الجهاز التنفيذي. هذا ما يتعارض مع طبيعة السلطة التنفيذية، كما هي في الأنظمة البرلمانية الديمقراطية. فهي وإن كانت تقرّ ازدواجية الجهاز التنفيذي بين رئيس الدولة والحكومة، فإنّ الحكومة تحوز كافة السلطات التنفيذية التي تخوّلها تحديد السياسات العامة للدولة وتدبيرها، وممارسة سلطات المجلس الوزاري كافة مع التعيين في المناصب المدنية والعسكرية، ويبقى لرئيس الدولة المكانة الرمزية في قلب الجهاز التنفيذي. فمثلً، يعطي الدستور الإسباني الملك الحق بإقالة الوزراء، لكن باقتراح من رئيس الحكومة. كما أنّ مجالات تدخل الملك الإسباني في السياسات العامة لا تتجاوز حيّز الإخبار بشؤون الدولة، وترؤسه اجتماعات المجلس الوزاري لا تتم إلّ بطلب من رئيس الحكومة (الفصل 62). أضف إلى ذلك أنّ جميع أعمال الملك يوقّع عليها بالعطف رئيس الحكومة، وتعيين رئيس الحكومة والوزراء وإعفاءهم يوقّع عليها بالعطف رئيس مجلس النواب (الفصل.)64 نجد الأمر نفسه في النظام البريطاني، مع أنّ الجهاز التنفيذي ذو بنية ثنائية، متألفة من رئيس الوزراء والتاج البريطاني (الملك). تعدّ هذه الثنائية ظاهرية، إذ لا يتمتع هذا الأخير بأي سلطة تنفيذية تذكر، ويمثّل الوزراء العنصر الأساسي للجهاز التنفيذي. الفلسفة العامة من كل هذه السلطات التي تتمتع بها الحكومة نابعة من كونها تعبيرًا عن الأغلبية البرلمانية المنتخبة من الشعب، وبرنامجها هو الذي تعاقدت بواسطته مع أغلبية الشعب، والذي في ضوئه بوّأها مرتبة الريادة الانتخابية، ومن ثمّ فهي مسؤولة أمام هذه الكتلة الناخبة التي ستحاسبها على قراراتها وتوجهاتها في الانتخابات العامة.

علاقة الملك بالبرلمان

على الرغم من توسيع مجال التشريع بالنسبة إلى البرلمان وتقوية دوره الرقابي، ما يعكس بعض مظاهر النزعة البرلمانية في دستور 2011، فإنّ بعض المقتضيات الأخرى التي جاء بها الدستور توحي باستمرار هيمنة الطابع الرئاسي، بل تكريسه في كثير من الأحيان في الوثيقة الدستورية. وهذا ما يتجلّ في استمرار تبعية البرلمان للسلطة الملكية والسلطة التنفيذية ككل، في إطار ما يعرف بالعقلنة البرلمانية التي تحصر مجال التشريع للبرلمان في مجالات محدودة، مع أن مشروعيته الديمقراطية نابعة من صناديق الاقتراع. فالملك هو الذي يرأس افتتاح الدورات التشريعية لكل سنة (الفصل 65)، ويحتفظ بطلب قراء ثانية للنصوص القانونية الصادرة عن البرلمان، ويوجّه هذا الطلب بخطاب، ولا يمكن رفض هذه القراءة الجديدة (الفصل 95). كما احتفظ الملك بإمكانية حلّ البرلمان بغرفتيه، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، وإخبار رئيس الحكومة ورئيسي المجلسين (الفصل 96). كما أنّه في حالة الاستثناء، يبقى للملك الصلاحية الكاملة في التشريع والحلول محلّ البرلمان في ذلك. ويبقى قرار إعلان الحرب من اختصاص المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك الذي لا يقوم إلّ بإخبار البرلمان بالقرار المتخذ (الفصل.)99 كما يدخل في اختصاصات الملك إحالة القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، على المحكمة الدستورية (الفصل 132)، وله أن يطلب أيضًا من البرلمان تشكيل لجان لتقصّ الحقائق (الفصل.)67 تبقى مظاهر العقلانية البرلمانية ذات سمة بارزة في الوثيقة الدستورية، ومن غير المضمون تبعية البرلمان في الكثير من الحالات للمؤسسة الملكية، على الوجه الذي بينّاه سابقًا. إذ تسمح قراءة الأحكام الدستورية ذات الصلة بالبرلمان، وإلى حد ما بالملكية في علاقتها بباقي المؤسسات، باستنتاج حرص المشرع الدستوري على التوفيق بين تقوية الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي، من

  1. الغالي، ص.116

دون المساس بالمكانة الدستورية السامية للملكية. ولذلك، ستحرص الصيغة الجديدة للدستور على توسيع مجالات تدخّل المؤسسة التشريعية، من دون أن يفضي ذلك إلى التقليص من سلطات الملك35. في النموذج البريطاني، نجد أنّ البرلمان "يستطيع أن يفعل كل شيء إلّ تحويل رجل إلى امرأة"36. فهو يتمتع بسلطات كبيرة، مقابل اختصاصات الملك الذي منذ 1707، لم يتدخل في الأمور التشريعية إلّ شكليًّا37. الأمر نفسه في النظام الإسباني، إذ يتمتع مجلس البرلمان باختصاصات واسعة في مجال التشريع، ومكانته سامية بين المؤسسات لتمثيله الشعب الإسباني، ولا يتمّ التدخل في اختصاصاته. وحتى إن كان الدستور يخوّل الملك حلّ المجلس النيابي والدعوة إلى انتخابات جديدة، فإنّ هذا القرار يبقى موقّعًا بالعطف من رئيس الحكومة.

علاقة الملك بالقضاء

سبق الذكر أنّ من مستجدات دستور 2011 الإقرار أول مرّة في الدساتير المغربية أنّ القضاء يُعدّ سلطة، وهو مستقل عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وأنّ الملك هو الضامن لهذه الاستقلالية بصفته رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 107)، ويعيّ خمسة من أعضاء هذا المجلس من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى (الفصل.)115 كما يوافق الملك بظهير على أن يعيّ المجلسُ الأعلى للسلطة القضائية القضاةَ(الفصل 57)، وترفع التقارير التي أنجزها المجلس إلى الملك فيصدر التوصيات الملائمة في شأنها، وله أن يطلب من المجلس آراء مفصلة حول المسائل المتعلقة بالعدالة (الفصل.)113 تتناقض هذه الوضعية مع مكانة رئيس الدولة في ظلّ النظام البرلماني الذي يقضي بعدم تدخل رئيس الدولة في سير السلطة القضائية، ولا في تركيبة جهازها التنظيمي. كما أنّ مبدأ الاستقلالية الذي تنصّ عليه الوثيقة الدستورية في المغرب يطرح أكثر من سؤال، في ظلّ وجود ملكية فاعلة في الشأن العام وتدبير السياسات العامة. وبالنتيجة، تؤدّي سلطة الإشراف الملكي على السلطة القضائية إلى استنتاج أساسي يتعلق بتبعيتها لسلطة الملك، بصفته رئيس الدولة وأميرًا للمؤمنين، والتي في فلسفتها العامة تبقى مختصة بالإمامة العظمى. الأمر نفسه سيتمّ تكريسه، من خلال وضعية المحكمة الدستورية، المجلس الدستوري سابقًا. فلهذه المؤسسة دور مركزي في النظام السياسي المغربي. ذلك أنّه يسند إليها مهمّة حفظ ومراقبة لدستورية القوانين التنظيمية المكملة للوثيقة الدستورية، والقوانين الداخلية لمجلسي البرلمان، وصحة انتخاب أعضاء البرلمان، وكذا عملية الاستفتاء. كما تراقب دستورية القوانين العادية في حالات استثنائية. وإذا تمّت تقوية اختصاصات المحكمة الدستورية مقارنة بالمجلس الدستوري السابق، فالإشكالية المطروحة مرتبطة بانعدام التوازن بين سلطات التعيين. فالملك يعيّ نصف الأعضاء ورئيس المحكمة38، في حين يقتسم مجلسا البرلمان تعيين النصف الآخر من الأعضاء عن طريق الانتخاب.

علاقة الحكومة بالبرلمان

جاء الإصلاح الدستوري بمستجدات مهمّة تخصّ السلطة التشريعية، بتوسيع مجالها التشريعي وتعزيز آلياتها الرقابية، ووضعية المعارضة البرلمانية التي أفرز لها المشرع الدستوري مكانة مهمّة في الهندسة الدستورية، كما بيّنا في المحور الأول من هذا المبحث. بيد أنه تبقى الحكومة، بمقتضى الفصل 72، المشرع الأصلي الذي يقضي باختصاص المجال التنظيمي بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون. وفي إطار العقلانية البرلمانية، أضحى من حق رئيس الحكومة أن يحل مجلس النواب، بعد استشارة الملك ورئيس المجلس ورئيس المحكمة الدستورية، على أنّ هذا القرار يتّخذ بمرسوم في مجلس وزاري (الفصل.)104 وإن كان لمجلس النواب أن يعارض مواصلة الحكومة تحمّل مسؤوليتها بالتصويت على ملتمس الرقابة، بعد موافقة خمس تركيبة المجلس وتصويت أغلبية المجلس بالموافقة عليه (الفصل 105)، فالبرلمان يظل خاضعًا للحكومة في ضبط الموازنة. فلا يزال بإمكان الحكومة أن ترفض أي مقترحات أو تعديلات يتقدّم بها أعضاء البرلمان، متى كان قبولها "يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود"(الفصل 77). وتحدّ القاعدة الدستورية القائلة بالحفاظ على توازن الاقتصاد الكلي من صلاحيات البرلمان39. يستنتج من علاقة البرلمان بالحكومة أنّ الوثيقة الدستورية تنزع نحو إقرار طابع برلماني في هذه العلاقة، وهي علاقة متقدّمة كثيرًا عن طابعها المكرّس في دستور 1996. فتوسيع صلاحيات البرلمان التشريعية، وتقوية آلياته التنظيمية، واستعادة وظيفته من حيث هو ممثّل أسمى للأمّة، يقوّي من سلطة البرلمان في محاسبة الحكومة ومن مركزها في الهندسة الدستورية، بصفتها سلطة تشريعية مستقلة.

  1. المالكي، ص.167
  2. أندريه هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، علي مقلد، وشفيق حداد،
  3. موريس دوفرجيه، المؤسسات السياسية والقانون الدستوري الأنظمة السياسية
  4. وعبد الحسن سعد (مترجمون)، ج 1 (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1974)، ص.343
  5. الكبرى، جورج سعد (مترجم) (بيروت: المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، 1992)، ص.209 38 عمر بندور، "العلاقة بين السلط: فصل أم خلط في السلط "،: الدستور الجديد ووهم في التغيير، دفاتر وجهة نظر، عدد 24 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011)، ص.130 39 مدني، ص.40

وهي الآليات نفسها التي نجدها في الدستور الإسباني، لا من حيث المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان، ولا من حيث المقتضيات التنظيمية في مراقبة الشأن الحكومي وتتبعه أمام البرلمان. ومن ثمّ، فالهندسة الدستورية التي جاء بها دستور 2011، وإن كانت تقرّ استقلالية السلطات، فهي تعني السلطات الأدنى من السلطة الملكية التي تبقى فوق جميع المؤسسات. وهذا سيرًا وفق النظرة التقليدية التي حكمت العلاقة بين السلطات في النظام السياسي المغربي، منذ دستور 1962. في هذا الباب، يذهب الدكتور محمد المالكي إلى الإقرار بكون الملكية في بنية الهندسة الدستورية الجديدة تتبوّأ "منزلة بين المنزلتين، فلا هي استمرت "ملكية تنفيذية"، كما كان عليه الأمر قبل صدور الدستور الجديد (2011-1962)، ولا هي تحوّلت بشكل واضح ونهائي إلى ملكية برلمانية ديمقراطية، كما طالب قطاع من النخبة السياسية بذلك"(الفصل 158). فإن كان حضور النزعة البرلمانية في الدستور المغربي يطبع العلاقة بين الحكومة / البرلمان، فإنّ هذه العلاقة تنتفي حينما نتّجه إلى علاقة هاتين المؤسستين بالمؤسسة الملكية. إذ يستمر تحكّم الملك في توجيه السلطة التنفيذية من خلال المجلس الوزاري الذي ظلّ يحتفظ بسلطات واسعة، وبتبعية البرلمان للملك من خلال آلية الحلّ وطلب القراءة الثانية للنصوص التي صوّت عليها البرلمان، والحلول محلّه في حالة الاستثناء.

خاتمة

إذا كان أساس السلطة في النظام البرلماني يكمن في الجهاز الحكومي الممثّل للأغلبية البرلمانية، نظرًا لتوافره على الشرعية الديمقراطية المتأتية عن طريق صناديق الاقتراع، فإنّ المستجدات الدستورية في المغرب على الرغم من تنصيصها في الفصل الأول من الدستور على أنّ النظام السياسي المتبع في المغرب هو "نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية"، فإنّ أساس السلطة السياسية وجوهرها يكمن في رئيس الدولة الذي هو الملك. وإن كانت القراءات ووجهات النظر حول دستور 2011، قد اختلفت ما بين مؤيّد المنهجية والمضامين التي جاء بها، من حيث هي خطوة مهمّة نحو الديمقراطية من جهة، ومعارض لهذه المضامين وتوجهاتها، يرى أنّ الإصلاح الدستوري لم يستجب لمطلب إقامة الملكية البرلمانية من جهة أخرى، فإنّ الاختلاف يعود في هذا الباب إلى مستويين من التحليل: الأول ينظر إلى الإصلاحات من زاوية المقارنة مع دستور 1996، ويرى أنّ دستور 2011 أكثر تقدّمًا من الدستور السابق، من حيث السلطات المخوّلة لرئيس الحكومة، ومن حيث التفاصيل المتعلقة بضمان الحقوق والحريات الفردية. أمّا الثاني، فينظر إلى الدستور الجديد، من زاوية المطالب التي رفتعها القوى الديمقراطية العديدة والشارع المغربي مع حركة 20 فبراير، ويخلص إلى أنّ الدستور الجديد لم يستجب لأهم مطلب، ألا وهو إقامة الملكية البرلمانية. فلا يمكن إغفال ما جاءت به الوثيقة الدستورية من مقتضيات مهمّة، تقوّي مكانة المؤسسات السياسية، لكن ليس على حساب اختصاصات الملك ومركزيته على هرم السلطات. وهو ما يجعل من خصائص النظام البرلماني في المغرب ضعيفة، ولا ترقى إلى مستوى الفصل الحقيقي للسلطات. وما التنصيص على مصطلح "البرلمانية" في الوثيقة الدستورية إلّ إرضاء لبعض الخواطر التي أملتها التقلبات المحلية والإقليمية، والتي ولدت معها موجة حركة 20 فبراير ومطالبها المتمثّلة بالإصلاح السياسي، وجوهره الانتقال من ملكية تنفيذية إلى ملكية برلمانية. بمعنى أننا لسنا أمام نظام سياسي جديد للحكم في المغرب، فالدستور يكرّس مبدأ التغيير في إطار الاستمرارية. وهو المنهج الذي اتبعته كافة المراجعات الدستورية في المغرب منذ دستور.1962

المصادر والمراجع

العربية

بلقزيز، عبد الإله. ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل، بيروت: منتدى المعارف،.2012

تيللي، تشارلز. الديمقراطية، محمد فاضل طباخ (مترجم)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010

للدراسات والنشر،.1992

دي تانسي، ستيفن. علم السياسة: الأسس، رشا جمال (مترجم)، ط 1، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2012

روزانفالان، بيار. انتصار المواطن، سليمان الرياشي (مترجم)، بغداد: منشورات معهد الدراسات العراقية،.2008

(يونيو.)2002

طليمات، عبد الجليل. "في سياقات الملكية البرلمانية وأفقها"، مجلة النهضة، العدد 3 و 4 (خريف 2012 / ربيع.)2013 كابيلا، خوان رامون. "الدستور الضمني"، مجلة وجهة نظر، العدد 29 (صيف.)2006

هوريو، اندريه. القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، ط 2، بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع،.1977

الأجنبية

بندور، عمر (منسق.) الدستور الجديد ووهم التغيير، سلسلة دفاتر وجهة نظر، العدد 24، الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2011

تايلور، ألان جون بيرسيفال. الصراع على سيادة أوروبا، فاضل جتكر (مترجم)، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2009

دوفرجيه، موريس. المؤسسات السياسية والقانون الدستوري الأنظمة السياسية الكبرى، جورج سعد (مترجم)، بيروت: المؤسسة الجامعية

الساسي، محمد. "الأحزاب المغربية ومسلسل المراجعة الدستورية ل "2011، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية، العدد 3

طارق، حسن. الدستور والديمقراطية قراءة في التوترات المهيكلة لوثيقة 2011، سلسلة الحوار العمومي 4، الرباط: طوب بريس،.2013

المالكي، محمد. "بنية توزيع السلط في الدستور المغربي الجديد"، مجلة النهضة، العدد 3 و 4 (خريف 2012 / ربيع.)2013

• Cubertafond, Bernard. Le système politique marocain, Paris: l’aharmattan, 1997. • Deuverger, Maurice. “La seconde constitution marocaine”, Le Monde, 1/9/1970. • El Mosadiq, Rkia. La réforme constitutionnelle et illusions consensuelles, Casablanca: Impr. Najah El Jadida, 1988.