التغلغل الإيراني في شرق أفريقيا وانعكاساته على الأمن القومي الخليجي2005 - 2014

Iranian Involvement in East Africa: Repercussions For Gulf National Security

علي متولي أحمد| Ali Metwally Ahmed *

الملخّص

تمثّل القارة الأفريقية هدفًا مهمًّا للسياسة الخارجية الإيرانية منذ عقد الستينيات من القرن الماضي، حين شرعت إيران - وعقب استقلال دول القارة الأفريقية - بإقامة علاقات دبلوماسية مع دول القارة. ولكن مع قيام الثورة الإس مااية عام 1979، تراجعت العلاقات الإيرانية - الأفريقية نتيجة الاضطرابات التي أعقبت الثورة وخاصة الحرب العراقية - الإيرانية، وأصابها برود حتى بداية التسعينيات الذي شهد عودة الاهتمام الإيراني مرة أخرى بالقارة الأفريقية. ووصل هذا الاهتمام إلى أشدّه خلال عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي وضع القارة الأفريقية على رأس قائمة أولوياته. وكانت إيران تهدف من ذلك التوجه الجديد إلى تحقيق أهداف محددة، أعدت لتنفيذها خطط ا جاهزة، وهى أهداف سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية. وتركز الدراسة على النفوذ الإيراني في منطقة شرق أفريقيا، لما تمث له هذه المنطقة من أهمية بالغة للبلدان العربية، وذلك لوجود ث ثاا دول فيها تنتمي إليه، وهي السودان وجيبوتي والصومال.

Abstract

Interest Iranian foreign policy in Africa could be treat back to the sixties of the last twentieth century, when African states attained their independence.

Iranian Involvement in East Africa: Repercussions for Gulf National Securit y

المقدمة

يرجع اهتمام السياسة الخارجية الإيرانية بالقارة الأفريقية إلى ستينيات القرن العشرين، أي تزامنًا مع حصول الدول الأفريقية على استقلالها. ولكن مع قيام الثورة الإسلامية الإيرانية وما أعقبها من اضطرابات، وانشغال إيران بحربها مع العراق، أصُيبت العلاقات الأفريقية – الإيرانية بنوع من الوهن والضعف. واستمر هذا الضعف حتى بداية عقد التسعينيات الذي شهد مزيدًا من انفتاح السياسة الخارجية الإيرانية على المستويات الدولية والإقليمية والقارية كافة. وبوصول التيار الإصلاحي إلى السلطة بقيادة محمد خاتمي الذي تولّ الرئاسة في إيران في 23 أيار / مايو 1997، اتجه هذا النظام إلى تنشيط السياسة الإيرانية في أفريقيا، وذلك في إطار السياسة البراغماتية المتحررة إلى حد ما التي انتهجها نظام خاتمي. وكانت إيران تهدف من ذلك التوجه الجديد تجاه القارة الأفريقية - بوجه عام – إلى تحقيق أهداف محددة، أعدت لتنفيذها خططًا جاهزة تؤديها بصفة مدروسة لتحقيقها، ومنها الأهداف السياسية. ونظرًا للضغوط الغربية والأميركية على الدولة الإيرانية بسبب برنامجها النووي، انتهجت السياسة الخارجية الإيرانية إستراتيجية جديدة تسعى من خلالها لتوطيد علاقات مع دول القارة الأفريقية، وذلك لتحشيد دعم دبلوماسي أفريقي في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لكسر طوق العقوبات الاقتصادية المنفذ على اقتصادها ونظامها السياسي. فضلً عن ذلك، كانت لإيران أهداف اقتصادية سعت لتحقيقها، ومنها الانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأفريقية إليها، وتعزيز التبادل التجاري والاتفاق على التنسيق في استكشاف الموارد الاقتصادية، في ظل احتفاظ القارة الأفريقية باحتياطيات ضخمة من المواد الخام الطبيعية. لقد أدركت إيران أنّ القارة الأفريقية مواتية لتسويق المنتجات الإيرانية، وتحقيق منافع اقتصادية باتباع سياسة البترول مقابل اليورانيوم الخام لضمان احتياطي كاف لمفاعلها النووي. كما أنّ إيران مدت جسورًا من الصداقة مع النيجر وجنوب أفريقيا لهذا الغرض، إضافة إلى تحقيق أهداف عسكرية، وأخرى ثقافية تتضمن نشر المذهب الشيعي في الدول الأفريقية. ونظرًا للاهتمام الكبير الذي توليه السياسة الخارجية الإيرانية للقارة الأفريقية، فإننا سنركّز في هذا البحث على منطقة بعينها، وهي منطقة شرق أفريقيا. ولذا، ارتأينا أن يكون تقسيم الدراسة على النحو التالي: مظاهر التغلغل الإيراني في شرق أفريقيا. انعكاسات التغلغل الإيراني في شرق أفريقيا على الأمن القومي الخليجي. نحو رؤية خليجية لمواجهة التغلغل الإيراني في شرق أفريقيا.

مناهج الدارسة

اعتمدنا في هذه الدراسة على مناهج عديدة لأجل الوصول إلى النتائج المرجوة. فقد وظفنا المنهج التاريخي الذي ساعدنا في الوقوف على أهم المحطات التاريخية في سياق تطوّر السياسة الإيرانية حيال أفريقيا عامة، وشرق أفريقيا خاصة. كما تمّت الاستعانة بالمنهج التحليلي الذي مكّننا من الخروج برؤية حول الأهداف التي ترمي إليها إيران من توطيد علاقاتها مع دول شرق أفريقيا عامة، وإريتريا خاصة. إضافة إلى المنهجين السابقين اعتمدنا منهج التحدي والاستجابة من خلال عرض التحديات التي واجهتها إيران - بعد أن فرض عليها الغرب عقوبات بسبب برنامجها النووي - والاستجابة الناجحة التي حققتها إيران بتولية وجهها شطر القارة الأفريقية بأكملها، لتحظى بمكانة مميزة تستطيع من خلالها تهديد الأمن القومي لدول الخليج، بل وتهديد المصالح الغربية نفسها. وأخيرًا فقد اتبعنا المنهج المستقبلي، لأجل إعطاء صورة مستقبلية عن تداعيات النفوذ الإيراني في شرق أفريقيا على الأمن القومي الخليجي.

أسباب اختيار منطقة شرق أفريقيا

يرجع اختيارنا هذه المنطقة إلى كونها ذات أهمية بالغة بالنسبة إلى البلدان العربية عامة ودول الخليج خاصة، بل وتمثّل عمقًا إستراتيجيًا بالنسبة إليها، وترتبط بها على أكثر من مستوى، نتيجة الجوار الجغرافي، والتداخل البشري، والتفاعل التاريخي والحضاري. فهذه المنطقة جزء مهمّ من الوطن العربي لوجود ثلاث دول فيها تنتمي إليه، هي السودان وجيبوتي والصومال، إضافة إلى الوجود الإيراني الملموس في تلك المنطقة، الأمر الذي يهدد المنطقة العربية بأسرها. وهذا ما حفّز الباحث على دراسة يحاول فيها الإجابة عن التساؤلات التالية: ما هي طبيعة النفوذ الإيراني ومظاهره في شرق أفريقيا؟ ولماذا ركّزت الجمهورية الإيرانية على دولتي السودان وإريتريا؟ وهل نجحت الجمهورية الإيرانية في تحقيق أهدافها في تلك المنطقة؟ وما انعكاسات النفوذ الإيراني في شرق أفريقيا وتداعياته على الأمن القومي الخليجي؟ وما هي طبيعة العلاقات بين إيران وإريتريا والحوثيين في اليمن؟ وما هو موقف كل من دول الخليج وإيران من صعود الحوثيين في اليمن؟ وأخيرًا ما هي الإستراتيجية الخليجية التي يجب اعتمادها لمواجهة النفوذ الإيراني في شرق أفريقيا؟

المصاعب التي واجهت الباحث

أثناء إعداد الدراسة، واجه الباحث جملة من المصاعب، من أهمّها صعوبة الحصول على وثائق تدعم المادة العلمية. ولذا، كان اعتماد الباحث على وكالات الأنباء العالمية الأجنبية والإيرانية والأفريقية، والصحافة المصرية، والتقارير الإقليمية والدولية.

الإطار الزمني للدراسة

رأى الباحث أن تكون الفترة محصورة بين عامي 2005 و 2014، وهي الفترة التي تبدأ بوصول الرئيس أحمدي نجاد إلى سدة الحكم، وتنتهي بانقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي.

أولا. مظاهر التغلغل الإيراني في شرق أفريقيا

ازداد طموح إيران إلى الوصول إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي1 في إثر حوادث 11 سبتمبر 2001، وقيام الولايات المتحدة بإعادة طرح مشروع القرن الأفريقي الجديد الذي يهدف إلى تأمين الممرات المائية العالمية في البحر الأحمر والمحيط الهندي بما يخدم المصالح الأميركية. لقد سعت الولايات المتحدة لتأمين الوصول إلى منابع النفط والمواد الخام، وذلك بإنشاء القاعدة الأميركية في جيبوتي عام 2002، والتي تضمن لأميركا السيطرة الإستراتيجية على المنطقة البحرية التي يمر بها نحو ربع إنتاج العالم من النفط2. ولذا، سعت إيران بخطة محكمة لنقل الصراع من مضيق هرمز والخليج العربي إلى خليج عدن وباب المندب، بدلالة خروج التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للمنطقة من دائرة السرية والمراوغة إلى دائرة العلن والتدخل المباشر، بما ينسجم مع طموحاتها. كما سعت لتوسيع السيطرة على الممرات المائية تحسبًا لأي صراع محتمل مع الغرب على ملفها النووي. هذا، فضل عن طموحات فتح ممرات بحرية وبرية تسهّل لها الوصول إلى مناطق الأزمات في الشرق الأوسط عبر تأمين وجود إيراني قريب من هذه المناطق، وتوفير أوراق ضغط جديدة للمساومة في الشرق الأوسط3. ولذا، كانت منطقة شرق أفريقيا جزءًا من هذا الطموح، فقد احتلت تلك المنطقة مكانة مهمّة في أجندة اهتمامات السياسة الخارجية الإيرانية في السنوات الأخيرة، وتحديدًا بعد وصول محمود أحمدي نجاد إلى سدة الحكم في عام42005. زار نجاد العديد من دول شرق أفريقيا "منها جزر القمر وجيبوتي وكينيا" في شباط / فبراير عام 2009، وخلال تلك الزيارة أكّد نجاد إرادة إيران مساعدة الدول الأفريقية على تقوية استقلالها، وتكوين جبهة متحدة ضد النفوذ الغربي5؛ وهو ما برره أحمدي نجاد برغبة القارة الأفريقية الصادقة في عدم السماح للدول العظمى بالعودة إلى أراضيها لنهبها واغتصابها مرة أخرى. وقد لاقت زيارة نجاد ترحيبًا من جانب تلك الدول، فقد وصف الرئيس الجيبوتي عمر حسن جيلة الزيارة بأنها تاريخية، ودعا إلى ضرورة تدعيم العلاقات بين الدولتين. وكان نجاد قد بدأ جولته بزيارة جزر القمر التي لها وضع خاص في إطار العلاقة الإيرانية الأفريقية، فالرئيس عبد الله سامبي قد درس في إيران وتأثّر بنموذجها "الثوري"، حتى أنّ البعض أطلق عليه لقب "آية الله". وقد وقّع الجانبان وثائق تفاهمات لتوسيع العلاقات السياسية، وتقديم المساعدات الفنية الإيرانية لتطوير عدد من المشروعات. وبعد زيارة جزر القمر، قام أحمدي نجاد بزيارة هي الأولى من نوعها إلى جيبوتي التي توليها إيران أهمية كبيرة لموقعها الإستراتيجي في الشرق الأفريقي. وهذا يندرج في إطار سعي إيران لبناء نفوذ إستراتيجي قوي على الجانب الغربي من البحر الأحمر، في ظل وجود علاقات وثيقة لها على الجانب الشرقي منه، ما يدعم نفوذها في مدخل البحر الأحمر الجنوبي، بما له من أهمية بصفته أحد أهم المسارات التجارية الرئيسة. وفي المؤتمر الصحافي الذي عقد خلال الزيارة، صرّح أحمدي نجاد بإنّ العلاقات بين الدولتين لم تزل في مهدها، لأنّ "هاتين الدولتين لا تتشاطران تاريخًا مشتركًا". وقد وقّع الطرفان اتفاقيات

  1. يكتسب القرن الأفريقي أهميته الإستراتيجية من كون دوله تطل على "المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية. ومن ثمّ فإنّ دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج، والمتوجهة إلى أوروبا، والولايات المتحدة. كما أنها تُعدّ ممرًا مهمًّ لأي تحركات عسكرية، قادمة من أوروبا، أو الولايات المتحدة، في اتجاه منطقة الخليج العربي". انظر: جلال الدين محمد صالح، "القرن الأفريقي.. أهميته الإستراتيجية وصراعاته الداخلية"، مجلة قراءات أفريقية، المنتدى الإسلامي، العدد 1، السنة 2004، ص 100، 2012/12/11، شوهد في 2016/3/15، في:
  2. للمزيد انظر: "إيران والنفوذ المتصاعد في ’القرن الأفريقي"‘، مجلة البيان، 2016/2/15، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.albayan.co.uk/Article2.aspx?id=2451
  3. زيد يحيى المحبشي، "الأجندة المتصارعة في القرن الأفريقي"، 2009/12/29، شوهد في 2016/3/15، في: http://al-mahbashi.blogspot.com/2009/12/blog-post.html 4 المرجع نفسه.
  4. http://www.alukah.net/culture/0/62200/#ixzz3PXvUrD4a
  5. نشاط إيران في شرق إفريقيا بوابة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية"، إعداد مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب، مجلة قراءات أفريقية، العدد 5، حزيران/يونيو 2010، ص 108 -.109

استثمار مشتركة في عدة مشروعات في مجال الطاقة، وعرض الوفد الإيراني الذي رافق أحمدي نجاد تقديم المساعدة لجيبوتي في المجال العلمي والصناعي والهندسي بهدف تطور مشاريع مختلفة في الدولة، إضافة إلى ذلك، قدّمت إيران لجيبوتي قرضًا، وقدّمت لها المساعدة لإقامة مركز للإرشاد المهني6.

ولكنّ هذه الزيارة الإيرانية تتجاوز في دلالاتها المصالح الاقتصادية والتجارية المتبادلة بين الطرفين، لتعكس في حقيقتها طبيعة التوجه الإستراتيجي الإيراني صوب بناء تحالفات إقليمية ودولية، تشمل معظم مناطق العالم غير الغربي في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية7. وفي إطار الاهتمام الإيراني بالقارة الأفريقية عامة، دعت إيران إلى عقد المنتدى الذي سُمّي بمنتدى "الحوار الإيراني - الأفريقي"، والذي تمّ عقده في طهران في الفترة 15 - 17 أيلول / سبتمبر 2010، بمشاركة ممثلين لأكثر من 40 دولة أفريقية – كان منهم ممثلون عن دول شرق أفريقيا - وعبّ هذا المنتدى عن بداية التعاون بين الجانبين في ظل مجموعة من القواسم المشتركة والمصالح التي تجمع بينهما8. وألقى الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في هذا المنتدى خطابًا دعا فيه إلى إيجاد نظام عالمي جديد، تصان فيه حرية الشعوب وكرامة الإنسان، وأكّد استنكار إيران العبودية وتجارة الرقيق التي مارسها الغرب ضد الأفارقة، كما شجب نهب الدول الاستعمارية ثروات أفريقيا9. وأوضح الرئيس الإيراني أنّ إيران وأفريقيا يسلكان طريقًا واحدًا، ولديهما قواسم مشتركة، مؤكّدا أنّ خبرات إيران وقدراتها، في المجالات العلمية والتقنية والاقتصادية والصناعية والزراعية والثقافية والصحة والعلاج، من شأنها أن تعزّز العلاقات بين إيران وأفريقيا. كما وصف وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي القمّة بأنها خطوة مهمّة لاستكشاف طرق جديدة لتعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية، ولا سيما في مجالات الأمن والصحة، واصفًا إيران بأنها "شريك إستراتيجي" لأفريقيا10. ونتيجة لجهد إيران لتعزيز الروابط والتعاون مع أفريقيا، تمّ قبولها في الاتحاد الأفريقي بصفة عضو مراقب، لقد أظهرت حضورًا نشطًا في اجتماعات قمّة الاتحاد الأفريقي، وتمّ اعتمادها أحد الشركاء الإستراتيجيين11. وقد تعددت أهداف إيران من عقد هذا المنتدى، وفي مقدمة هذه الأهداف حشد تأييد أفريقي في مواجهة المخططات الأميركية الرامية إلى عزل إيران وتطويقها وحصارها بعد فرض العقوبات الاقتصادية عليها. ومن بين الأهداف الإيرانية أيضًا محاولة إيجاد متنفس اقتصادي لخرق الحصار الاقتصادي، وذلك باستيراد منتجات أفريقية، وتصدير الإنتاج الصناعي الإيراني إلى السوق الأفريقية، خاصة في مجال السيارات والأدوية والمعدات الطبية. هذا فضلً عن العمل على إيجاد سوق للصناعات العسكرية الإيرانية، وإظهار التضامن الإيراني مع القضايا الأفريقية12. ونعرض في ما يلي بالتفصيل لمظاهر التغلغل الإيراني في دول شرق إفريقيا:

1. أوغندا

لم يقتصر جهد إيران على إقامة علاقات مع دول بعينها في شرق أفريقيا، فقد تمددت إلى معظم دول هذه المنطقة، وولّت وجهها شطر دولة أوغندا وأقامت معها علاقات وطيدة للغاية. وكان هناك نوع من التفاعل بين الدولتين خاصة في تبادل الزيارات الرسمية، وتحديدًا على مستوى الرؤساء، وقد استهلّها رافسنجاني بزيارته أوغندا، وعقد خلالها عدة اتفاقيات للتعاون في مجال التجارة والاقتصاد، والاستثمارات المشتركة في مجالات الزراعة، والكهرباء، والمياه، والمعادن، والنفط، والبريد، والاتصالات، والنقل، والتعليم13. وسار على نهج رافسنجاني خليفاه محمد خاتمي ومحمود أحمدي، في زيارة أوغندا14. وهو ما يدل على أهمّية أوغندا في الإستراتيجية

  1. فهد مزبان خزار، "التوجه الإيراني إزاء أفريقيا: رؤية جيوبوليتيكية"، مجلة دراسات إيرانية، جامعة البصرة، العدد 14، السنة 2011، ص.35
  2. المرجع نفسه، ص.36
  3. “ Ahmadinejad opens Iran-Africa summit”, press tv ,15/9/2010, accessed 15/3/2016, at: http://edition.presstv.ir/detail.fa/142426.html
  4. خزار، ص.36
  5. “ Iran and Africa seek a new world order: Ahmadinejad”, Mehr News Agency (MNA) , 14/9/2010, accessed 15/3/2016, at: https://www.highbeam.com/doc/1G1-237174951.html
  6. سها إسماعيل محمد، "الدور الإيراني في أفريقيا ")2013-2012(، التقرير الإستراتيجي الأفريقي 2012 / 3 201، صبحي قنصوه ونادية عبد الفتاح )محرران(، مركز البحوث الأفريقية، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، )يوليو 2014)، ص.465
  7. خزار، ص.35
  8. المرجع نفسه، ص.29
  9. “ State Minister Lauds Uganda-Iran Relations,” Nam News Network , 11/2/2013, accessed 15/3/2016, at: http://www.namnewsnetwork.org/v3/read.php?id=MjIwOTc5

الإيرانية لامتلاك نفوذ قوي في شرق أفريقيا خاصة، وأفريقيا عامة. وفي المقابل، نجد ترحيبًا أوغنديًا بذلك الاهتمام الإيراني، فقد أدّى الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني زيارة إلى إيران أربع مرات في السنوات العشرين الماضية، كانت أخرها في آب / أغسطس 2012، أثناء عقد مؤتمر حركة عدم الانحياز في طهران.

كما شمل الاهتمام الإيراني بأوغندا المستويات كافة، فقد زار وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي أوغندا في 5 آذار / مارس 2010، وعرض على نظيره الأوغندي سام كوتيسا استعداد طهران لمزيد من التوسع في العلاقات مع كمبالا في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. وقال دبلوماسي إيراني كبير إنّ المراكز الاقتصادية الإيرانية والقطاع الخاص على استعداد لرفع مستوى التعاون، وزيادة التبادل الاقتصادي مع أوغندا. وقال المستثمرون الإيرانيون إنهم على استعداد لتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية كافة وأوغندا على وجه الخصوص، وهو ما رحب به كوتيسا، وطلب من إيران التعاون بصفة خاصة في القطاع الصحي15. وفي الآونة الأخيرة، كانت أبرز مظاهر النفوذ الإيراني في أوغندا زيارة قائد الشرطة الإيرانية، العميد إسماعيل أحمدي مقدم، مدينة نجورا في 14 تشرين الأول / أكتوبر 2014، وقد استمرت هذه الزيارة خمسة أيام، تمخض عنها توقيع مذكرة تفاهم مع الشرطة الأوغندية، لتعزيز قدرتها على مكافحة الجريمة. وأوضح أنّ "مذكرة التفاهم تبحث مختلف مجالات التعاون، في ما يتعلق بحفظ الأمن والنظام العام، ومكافحة الجريمة، لافتًا إلى أنّ كلا البلدين يهتمّ بتدعيم التعاون في مجالات تعزيز القدرات التقنية، وتبادل المعلومات16. وصرّح الجنرال كالي كايهور المفتش العام للشرطة الأوغندية - أن أوغندا طلبت من إيران تدريب الشرطة الأوغندية في مكافحة الإرهاب، والجريمة التي تزداد بصفة تهدد أمن المنطقة؛ وذلك لأن إيران باتت واحدة من البلدان في الطليعة، في ما يتعلق بمكافحة جرائم المخدرات. كما اتفقت إيران مع أوغندا على تدريب قواتها الشرطية وتجهيزها، وبناء مركز طبي بتكلفة 1.5 مليون دولار لتوفير الخدمات الطبية للضباط17.

2. كينيا

أمّا عن النفوذ والتغلغل الإيرانيين في كينيا، فالدليل عليه أنّ إيران كان لها اهتمام خاص بعلاقاتها مع كينيا منذ عهد الرئيس رافسنجاني؛ لأنها أكثر الدول استقرارًا في شرق أفريقيا، هذا فضلً عن وجود مجال للاستثمارات المضمونة. وخلال زيارة رافسنجاني، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم تناولت أوجه التعاون بينهما في المجالات الاقتصادية والثقافية والصحية والسياحة. كما تمّ الاتفاق بين الجانبين على تشكيل لجنة متخصصة منبثقة عن اللجنة الاقتصادية المشتركة. وبناء على مذكرة التفاهم المذكورة، أعلن رافسنجاني أنّ إيران مستعدة لإقامة معارض متخصصة وغرف تجارية في كينيا، وتصدير المنتجات الصناعية والآلات الزراعية وقطع الغيار، وكذلك المواد الكيماوية والتجهيزات الكهربائية والاتصالات، مقابل استيراد إيران السكر والقهوة والشاي والذرة واللحوم والجلود والشحوم من كينيا18. وخلال عهد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، أدّى رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينجا زيارة إلى طهران في شهر آذار / مارس 2011، وقابل الرئيس أحمدي نجاد، وقال إنّ إيران وكينيا لديهما مجالات واسعة للتعاون، وأنهما حريصتان على تعزيز التعاون بينهما، خاصة في ضوء التطورات العالمية الجارية. وأشار إلى أنّ إيران وكينيا من الممكن أن تتخذا خطوات فعّالة في تعزيز علاقاتهما الثنائية من خلال مزيد من التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية. كما قال رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينجا إنّ كينيا تمثّل مركزًا تجاريًّا في شرق أفريقيا، وتسعى لتوسيع العلاقات في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية مع إيران19.

  1. “ FM: Tehran ready for cooperation for peace in east Africa”, AFRAN , 14/7/2012, accessed 15/3/016, at: http://www.afran.info/modules/article/view.article.php/85
  2. Nicholas Wassajja, “Iran, Uganda to partner in combating crime”, New
  3. Stephen wandera, “Kayihura wants Iran to train Uganda Police”, The Daily Monitor , 16/10/2014, accessed 15/3/2016, at: http://www.monitor.co.ug/News/National/Kayihura-wants-Iran-to-train- Uganda-Police/-/688334/2488586/-/263e3a/-/index.html
  4. خزار، ص 28 -.29 19 “ Iran, Kenya has broad areas for cooperation”, blog Indonesia Katami , 7/3/2011, accessed 15/3/2016, at:https://blogindonesiakatakami.wordpress. com/2011/03/07/iran-kenya-has-broad-areas-for-cooperation/
  5. Vision , 20/10/2014, accessed 15/3/2016, at: http://www.newvision.co.ug/new_vision/news/1312666/iran-uganda- partner-combating-crime

وقد عُقدت اجتماعات على مستوى نواب وزراء الخارجية في البلدين، كان أولها في طهران في عام 2010، بينما كان ثانيها في نيروبي في عام 2012، وقد صرّح خلاله وكيل وزارة الخارجية الكينية ثويتا موانغي في 26 نيسان / أبريل 2012، بأنّ كينيا تدعم كليًا برنامج إيران النووي السلمي. في حين دعا نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، حسين أمير عبد اللهيان، إلى توسيع العلاقات السياسية والبرلمانية والاقتصادية والثقافية والتعاون بين البلدين، لا سيما في شأن التطورات الإقليمية والدولية الكبرى. واتفق الجانبان على العمل على استكشاف مجالات جديدة للتعاون، في ظل مكانة إيران وكينيا ودورهما في منطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، الأمر الذي يدعم دورهما في حلّ القضايا الإقليمية20. وفي 30 أيار / مايو 2012، وصل النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي إلى العاصمة الكينية نيروبي، رافقه في هذه الجولة وفد سياسي واقتصادي رفيع المستوى، في مستهل جولة أفريقية، استمرت خمسة أيام شملت كينيا وتنزانيا وإقليم زنجبار. أسفرت هذه الزيارة عن توقيع إيران وكينيا ثلاث مذكرات تفاهم وبيانًا مشتركًا، بهدف تنمية العلاقات الثنائية والتعاون المشترك بين البلدين وتعزيزها في مجال الجمارك وقطاع الكهرباء ونقل المياه والحد من الازدواج الضريبي. كما أصدر الجانبان بيانًا مشتركًا وقّعه رحيمي وأودينجا لتعزيز التعاون بين البلدين، وتعاونهما في المنظمات الدولية، ومكافحة غسل الأموال، والتعاون في مجال النقل، وتحقيق التوازن التجاري بين البلدين، ودعم الاستثمارات المشتركة. كما التقى رحيمي الجالية الإيرانية والشيعة المقيمين في كينيا وتنزانيا21.

3. تنزانيا

ولم تكن تنزانيا هي الأخرى بعيدة عن التحركات الإيرانية، ففي أيلول / سبتمبر 2011، عيّنت جمهورية إيران محسن موحدي قمي سفيرًا لها في تنزانيا، وممثلً لها لتجمّع شرق أفريقيا (EAC). وقد أعرب ريتشارد سيزيبيرا أمين عام تجمّع دول شرق أفريقيا عن رغبة دول تجمّع شرق أفريقياEAC وتطلعها إلى العمل مع إيران لدفع أوجه التعاون بينهما22. وقد كشفت إحدى وثائق (ويكيليكس) المسرّبة أنّ الولايات المتحدة تلقّت تقريرًا استخباراتيًّا من سفارتها في دار السلام، "عاصمة تنزانيا السابقة"، أنّ دبلوماسيًا سويسريًا يذكر أنّ شرق أفريقيا هي نقطة عبور رئيسة لليورانيوم المهرّب إلى إيران، ذلك أنّ يورانيوم الكونغو يمرّ من تنزانيا عن طريق شركتين سويسريتين للشحن ثمّ يصل إلى إيران. وهذا ما صرّح به بيرنل ديلي القائم بالأعمال في بعثة الولايات المتحدة بدار السلام للمسؤولين في واشنطن في أيلول / سبتمبر 2006، بأنّ شحنات اليورانيوم تمرّ عبر ميناء دار السلام في طريقها إلى إيران23. ولم يقتصر النشاط الإيراني على عقد اتفاقات ثنائية مع دول منطقة شرق أفريقيا أو المنظمات الأفريقية فيها، بل امتد إلى الاضطلاع بدور في مواجهة ظاهرة القرصنة البحرية أمام سواحل منطقة القرن الأفريقي. وهو الدور الذي أشاد به محبوب معلم السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية IGAD، والتي تضمّ دول "جيبوتي، السودان، جنوب السودان، الصومال، كينيا، أوغندا، إثيوبيا، إريتريا"، ووصف هذا الدور بأنه يمثّل مصدرًا للسلام والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي24. وبهذا التصريح من مسؤول في منظمة تضمّ بين أعضائها معظم دول شرق أفريقيا، نقول إنه قد أصبح لدى الجمهورية الإيرانية "صلاحية تامّة"، تمكّنها ليس من ضمان نفوذ في شرق أفريقيا فحسب، بل أيضًا في القارة الأفريقية بأكملها. ولمَ لا؟ فقد أصبح لدى إيران نفوذ قوي على البحر الأحمر وشرق أفريقيا، بات يهدد الأمن القومي الخليجي بل والمصري أيضًا. ولذا، تولي إيران دول أفريقيا الشرقية أهمية خاصة في الوقت الحاضر وفي المستقبل، ذلك أنّ إيران ترى في أفريقيا الشرقية مرتعًا واسعًا وخصبًا للقيام بنشاطات سياسية وعسكرية واقتصادية، ولا سيما الدول التي تطلّ على امتداد البحر الأحمر وفي مقدمتها السودان25.

  1. “ Kenya fully backs Iran’s "peaceful" nuclear program”, Islamic Republic of Iran, Ministry of Foreign affairs, 28/4/2012, accessed 15/3/2016, at: http://dhaka.mfa.ir/index.aspx?fkeyid=&siteid=3&pageid=2023&newsv iew=23522 ; “Iran- Kenya cooperation will promote intl. peace, security'”,
  2. إيران وكينيا توقعان ثلاث مذكرات تفاهم وبيان مشترك لتعزيز التعاون الثنائي"، ايسنا (طهران ­)، 2012/5/30، شوهد في 2016/3/15، في:
  3. “ East Africa: Iran Appoints Envoy to EAC”, allAfrica , 7/9/2011, accessed 15/3/2016, at: http://allafrica.com/stories/201109080420.html
  4. Peter Leftie, “Nation Linked to Illegal Exports of Uranium to Iran”, DAILY NATION , 20/12/2010, accessed 15/3/2016, at: http://bit.ly/1TiQGow 24 “ IGAD chief says Iran's presence in Horn of Africa is a source of peace”, Embassy of Islamic Republic of Iran, Pretoria, 30/12/2014, accessed 15/3/2016, at: http://pretoria.mfa.ir/index.aspx?fkeyid=&siteid=200&pageid=8738&newsv iew=321181 25 خزار، ص.40
  5. Press TV , 26/4/2012, accessed 15/3/2016, at: http://217.218.67.229/detail/2012/04/26/238188/iran-kenya-ties-boost- peace/
  6. http://isna.ir/ar/print/91031006610

4. السودان26

تجتهد إيران لتقوية علاقاتها بالدول الأفريقية التي تطلّ على البحر الأحمر، ومن بينها السودان وإريتريا، وذلك لمساعدتها في تأسيس وجود بحري فعّال في البحر الأحمر، يقودها إلى تهديد الأمن القومي الخليجي والمصري معًا. والسؤال الذي يطرح: ما هو موقع السودان في السياسة الخارجية الإيرانية؟ ومتى نشأت العلاقات بين الدولتين؟ وللإجابة عن هذا السؤال، سنوضح مظاهر النفوذ الإيراني في السودان على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، وذلك من خلال الزيارات المتبادلة بين الدولتين، وما ينتج عنها من اتفاقيات مهمّة تعزّز هذا النفوذ. تحظى الدولة السودانية بمكانة مهمّة في أجندة اهتمامات السياسة الخارجية الإيرانية؛ وذلك لما تتمتع به من موقع إستراتيجي متميّز في الشرق الأفريقي. فهي جزء من العالم العربي وذات ارتباط خاص بمصر، إضافة إلى أنها تمثّل البوابة الخلفية لأفريقيا جنوب الصحراء وشمال أفريقيا27. ولذا، رأت في السودان نقطة الانطلاق بالنسبة إلى إيران في اهتمامها بالقارة الأفريقية28. وترجع نشأة العلاقات السودانية - الإيرانية إلى عام 1989، عندما تولّ الرئيس عمر البشير - بعد انقلابه غير الدموي - السلطة في السودان، إذ رحّبت إيران بهذا الانقلاب، وأرسلت إلى النظام السوداني الجديد المساعدات العسكرية وإمدادات النفط29. وبداية من عام 1990، تمّ تأسيس تعاون بين البلدين في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية30. وكانت أبرز التفاعلات بين الدولتين زيارة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رافسنجاني السودان في عام 1991، وقد وُقّعت خلالها اتفاقيات مختلفة31. وخلال هذه الزيارة تعهّد رافسنجاني بزيادة المساعدات المالية إلى الخرطوم لتصل إلى 17 مليون دولار32. وعلى إثر تلك الزيارة، بدأت منظمة التنمية الإيرانية العمل في السودان في مجال إنشاء الطرق والمستشفيات، وفي المشاريع الزراعية33. ولذا، يمكن القول إنّ الانفتاح الإيراني على أفريقيا ارتبط بعهد الرئيس رافسنجاني، فقد كانت زيارته تلك حدثًا محوريًا بالنسبة إلى السودان الإسلامي الجديد. وتكررت زيارة رافسنجاني للسودان، عام 1996 في إطار جولته في عدد من الدول الأفريقية، وشملت جنوب أفريقيا وكينيا وأوغندا وتنزانيا وزيمبابوي، وكانت تتحرك يومها وفقًا لفلسفة "سياسة البناء" التي بدأها رافسنجاني34. ومن مظاهر هذا النفوذ الإيراني نجد أنه بحلول عام 1992، كانت تتمركز في السودان ما يقدّر ب 2000 من فيالق الحرس الثوري الإيراني، وبعض المستشارين العسكريين35، لتدريب قوات الدفاع الشعبي السودانية36. وعلاوة على ذلك، قدّمت إيران إلى السودان مساعدات عسكرية تقدّر ب 20 مليون دولار من الذخيرة والأسلحة، بما في ذلك قطع المدفعية، وبطاريات مضادة للطائرات37. وفي عام 1993، قدّمت إيران عربات مدرّعة ومدفعية ثقيلة وأجهزة رادار38. وبعد زيارة الرئيس الإيراني رافسنجاني، تلتها زيارة رئيس البرلمان الإيراني الأسبق على أكبر ناطق نوري السودان في نيسان / أبريل.1995 وقد شهدت هذه الزيارة توقيع سلسلة من الاتفاقيات الثنائية بهدف تعزيز العلاقات بين البلدين. وشملت اتفاقًا يسمح لإيران باستخدام المرافق البحرية في ميناء السودان، واستئناف المساعدات العسكرية إلى السودان "بما في ذلك تدريب الأفراد العسكريين"، وإنشاء المراكز

  1. كُتبت هذه الورقة قبل التطورات المهمة التي جرت مؤخرا وتمثلت في ابتعاد السودان عن إيران. فقد قامت الحكومة السودانية بإغلاق المراكز الإيرانية في البلاد وطرد موظفيها في سبتمبر/ أيلول 2014. وعقب الاعتداء على القنصلية السعودية في إيران إثر تنفيذ حكم الإعدام في رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، قطع السودان في كانون الثاني/ يناير 2016، علاقاته الدبلوماسية مع إيران، وانضم، عقب ذلك، إلى تحالف عاصفة الحزم بقيادة السعودية لمحاربة الحوثيين وإعادة الحكم الشرعي في اليمن، وأرسل طائرات ولواء من القوات للمشاركة في العمليات.
  2. الصراع في دول حوض النيل والتغلغل الأجنبي وأثره على الأمن القومي، المبحث السابع: الدور الآسيوي في دول حوض النيل"، موسوعة مقاتل من الصحراء، الإصدار السابع
  3. 28 أسماء عبد الفتاح، "إيران تعزز علاقاتها مع السودان وسط مخاوف غربية خليجية"،
  4. “ Sending our warships to Sudan shows our international power”, Jerusalem Post , 17/12/2012, accessed 15/3/2016, at: http://www.jpost.com/Iranian-Threat/News/Sending-warships-to-Sudan-
  5. Joanna Paraszuk, “Iran still courting Sudanese leaders”, The Globe and Mail (Canada), 27/2/1996.
  6. الصراع في دول حوض النيل."... 32 “ President: Iran and Sudan capable of defeating enemies” , High Beam Research, 24/9/2010, accessed 15/3/2016, at: https://www.highbeam.com/doc/1G1-238091639.html
  7. عشر 2016، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Siasia2/SraaHwdNil/sec10. doc_cvt.htm
  8. 33 Paraszuk
  9. عبد الفتاح.
  10. Paraszuk.
  11. Ibid.
  12. Ibid. 38 “ Sending our warships...”.
  13. shows-our-intl-power

الثقافية في السودان لتعزيز قيم الثورة الإسلامية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتوسّع في السياحة بين الدولتين39. وقد ازداد التقارب بين الدولتين، نتيجة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليهما، ووُجدت أوجهٌ متعددة للعلاقات بينهما مثل الأمنيّة والسياسية والاقتصادية40. ففي تشرين الأول / أكتوبر 2004، زار الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي الخرطوم41، وخلال عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد اهتمت السياسة الخارجية الإيرانية بالسودان، ففي 25 نيسان / أبريل 2006، شدد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي - خلال مقابلته وزير الخارجية السوداني السابق لام أكول - على أهمية تعزيز العلاقات مع السودان من خلال التبادل المنتظم للزيارات بين مسؤولين رفيعي المستوى من البلدين. كما أعرب الوزير السوداني عن دعم بلاده برنامج إيران النووي السلمي، وأشاد متكي بالعلاقات بين الخرطوم وطهران، داعيًا إلى التعاون الثنائي الأمثل الصناعي والثقافي والاقتصادي42، فقد بلغت التجارة الثنائية بين إيران والسودان 43 مليون دولار في.2006 وصرّح السفير الإيراني في الخرطوم – في ذلك الوقت - رضا أميري بأن هذه التجارة ستزيد إلى 70 مليون دولار. كما شاركت إيران في العديد من مشروعات التنمية في السودان، بما في ذلك مشروع معالجة المياه ومشروع توليد الطاقة الكهربائية43. كما قام وزير الدفاع السوداني بزيارة إيران في كانون الثاني / يناير 2007، وصرّح بأنّ إيران كانت من المزوّدين الرئيسيين للسودان بالسلاح لمواجهة حركات التمرّد، ووقّع البلدان مذكرة تعاون تضمنت إنشاء مشروعات مشتركة، وإنشاء لجنة اقتصادية مشتركة تكون إطارًا مؤسسيًا، وإعطاء إيران مميزات في ميناء بورتسودان44. وفي تشرين الأول / أكتوبر 2008، صرّح السفير السوداني في طهران، سليمان عبد التواب Abdut-Tawwab Sulayman، في مقابلة مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، بزيادة التجارة الثنائية بين البلدين45. وخلال عهد الرئيس أحمدي نجاد، ازداد التعاون الثنائي بين البلدين ليشمل القضايا النووية والاقتصادية والعسكرية، فقد "أعلنت إيران عن رغبتها في تدريب وتمويل وتزويد الجيش السوداني"46. وفي آذار / مارس 2008، وقّعت الدولتان اتفاقية التعاون العسكري التي تعهدت فيها طهران بتدريب السودانيين على أيدي ضباط الجيش والاستخبارات الإيرانية47. وعلى هامش المنتدى الأفريقي – الإيراني، والذي أشرنا إليه سابقًا، شاركت السودان في ذلك المنتدى ومثّلها وزير الخارجية السوداني أحمد علي كرتي الذي استقبله الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وقال: "إنّ العلاقات بين إيران ودولة السودان الشقيقة علاقات عميقة وإستراتيجية، وأنّ إيران ستدافع عن حقوق الدولة السودانية في كل مكان". ومن جانبه صرّح كرتي: "أنّ السودان يدافع عن حق إيران في استخدام التكنولوجيا النووية السلمية". كما صرّح مسؤول دبلوماسي سوداني كبير بأنّ العلاقات بين إيران والسودان ممتازة للغاية، وأضاف بأنّ هناك توقعات كبيرة بتعزيز العلاقات الثنائية أكثر فأكثر مستقبل وتشمل العلاقات الاقتصادية والتجارية أيضًا48. وهكذا، بعد تمتين هذه العلاقات الوطيدة بين الدولتين على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية جميعها، يبقى السؤال ما هو الموقف السوداني من الملف النووي الإيراني؟ أيّدت السودان دائمًا برنامج الملف النووي الإيراني، فقد أعلن الرئيس السوداني أنّ إنهاء إيران تخصيب اليورانيوم يعدّ نصرًا كبيرًا للعالم الإسلامي، ودعم حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي، بل وكرر الرئيس السوداني هذا الدعم مرة أخرى في ̨ وآذار / مارس 2008، وأكّد دعمه برنامج إيران النووي. وعلى الرغم من تزايد الضغوط الأميركية – الإسرائيلية غير القانونية لوقف البرنامج الإيراني النووي، فقد ظهر دعم سوداني مرة أخرى في كانون الأول / ديسمبر 2009، أثناء مقابلة بين وزير الخارجية الإيراني متكي منوشهر ونظيره السوداني دينج ألورDeng Alorومستشار الرئيس السوداني مصطفى عثمان إسماعيل، فقد أعلن ألور أنّ: "موقفنا الأساسي هو دعم القضية النووية الإيرانية ونحن نقف دائمًا مع إيران"49. ولذا، كانت للسودان أهمية كبرى في أجندة السياسة الخارجية الإيرانية، فقد شهدت العاصمة السودانية استقبال رؤساء الجمهورية الإيرانية بدءًا من رافسنجاني وخاتمي وصولً إلى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. ففي تشرين الأول / أكتوبر 2011، وصل نجاد إلى الخرطوم، وصرّح بأنّ السودان تضررت كثيرًا بسبب الأزمة

  1. Paraszuk.
  2. الصراع في دول حوض النيل."...
  3. نشاط إيران."...
  4. Ariel Farrar-Wellman, “Sudan-Iran Foreign Relations”, Irantracker , 17/1/2010, accessed 15/3/2016, at: http://www.irantracker.org/foreign-relations/sudan-iran-foreign-relations
  5. “ President: Iran and Sudan...”.
  6. الصراع في دول حوض النيل."...
  7. “ President: Iran and Sudan...”.
  8. Ibid.
  9. “ Sending our warships...”.
  10. “ Ahmadinejad: Iran-Sudan ties brotherly and strategic”, Iran English radio , 15/9/2010, accessed 15/3/2016, at: http://english.irib.ir/component/k2/item/65540-ahmadinejad-iran-sudan- ties-brotherly-and-strategic
  11. “ President: Iran and Sudan...”.

الاقتصادية50، ولكن ستظل إيران تمثّل الداعم الكبير للرئيس السوداني عمر حسن البشير الذي يواجه اتهامًا من المحكمة الجنائية الدولية، بسبب زعمهم بأنه ارتكب جرائم حرب في دارفور، وقال أيضًا: "نريد توسيع العلاقات مع السودان أكثر وأكثر". كما صرّح نجاد عقب لقائه البشير: "السودان وإيران ستقفان سويًا للدفاع عن الكيان الإسلامي"، في حين صرّح الرئيس السوداني عمر البشير: "بأن السودان تدعم برنامج إيران النووي"51. وازداد التقارب السوداني - الإيراني، ووضعت تلك العلاقات تحت المجهر خاصة في تشرين الأول / أكتوبر 2012، عندما رست سفينتان حربيتان إيرانيتان في ميناء بورتسودان السوداني52. ووفقًا للإعلام الرسمي الإيراني، فقد وصلت قوّة بحرية إيرانية تشمل السفينة الحربية "الشهيد نقدي" إلى السودان في ساحل البحر الأحمر، ما يثير تساؤلات حول تعزيز العلاقات بين الخرطوم وطهران. وقد نقلت المحطة الإيرانيةPress TV عن مصادر البحرية الإيرانية قولها إنّ هدف الزيارة: "تبليغ رسالة سلام وصداقة للدول المجاورة، وضمان أمن خطوط الحركة والشحن الملاحي في مواجهة الإرهاب البحري والقرصنة". وأصدرت الحكومة السودانية بيانًا لها في 29 تشرين الأول / أكتوبر 2012، تنفي فيه وجود أي اتفاقات مع إيران لتصنيع الأسلحة في السودان، وقالت: "إنّ إيران ليست في حاجة إلى سلاح تصنعه في السودان، سواء كان ذلك لها أو لحلفائها"53. ولذلك علّق رئيس الهيئة السياسية والأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد على هذا الحدث قائلً: "إنّ السودان كان دائمًا قاعدة عملياتية لزعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، والنظام السوداني مدعوم من إيران، وأراضيه تشكّل نقطة عبور من خلال الأراضي المصرية لنقل أسلحة إيرانية إلى الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط عبر أراضيها إلى غزة ولبنان"54. وفي 8 كانون الأول / ديسمبر 2012، رسا أسطول من البحرية الإيرانية في ميناء بورتسودان، بعد أن مرّ عبر مضيق باب المندب الإستراتيجي وأنجز مهمّته في البحر الأحمر. قال مكتب العلاقات العامة للقوات البحرية الإيرانية إنّ قادة الأسطول الإيراني عقدوا لقاء مع كبار قادة البحرية السودانية بالفعل، وتوصلوا إلى مزيد من التوسع في التعاون العسكري بين إيران والسودان. كما شكر السفير الإيراني في الخرطوم ترحيب السودان

  1. فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية على السودان في عام 1997، واتهمت الحكومة السودانية بأنها تدعم الإرهاب بما في ذلك إيواء مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في منتصف 1990، بل والتورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في عام 1995، وفي عام 1998 قصفت صواريخ كروز الأميركية مصنع الأدوية بالخرطوم لاشتباهه بأنه ذو صلة بتنظيم القاعدة، كما وضعت الولايات المتحدة الأميركية دولة السودان في المرتبة الثانية بعد إيران بوصفها مركز انطلاق الراديكاليين الإسلاميين الذين هددوا مصير حكومات الدول المجاورة الموالية للولايات المتحدة، انظر: Josef Federman, “Israel keeps silent on mysterious Sudan airstrike”, yahoo News , 25/10/2012, viewed 15/3/2016, at: http://yhoo.it/1T5XQx4; David B. Ottaway, “U.S. Eased Law On Terrorism To Aid Oil Firm; Exemption Let Occidental Seek Major Deal in Sudan”, The Washington post , 23/1/1997.
  2. “ Iran wants to help Sudan with infrastructure”, DefenceWeb , 27/9/2011, accessed 15/3/2016, at: http://bit.ly/20zqyFJ
  3. كانت تلك السفينتان موجودتين في خليج عدن والبحر الأحمر منذ أيلول / سبتمبر 2012 في إطار مشاركة إيران في المجهود البحري الدولي للتغلب على القرصنة الصومالية. وكانت زيارة السفن الحربية الإيرانية ميناء بورتسودان بعد مرور قرابة أسبوع على وقوع تفجيرات في مصنع اليرموك السوداني، فقد اتهمت السودان إسرائيل بأنها وراء الغارات الجوية التي تسببت في انفجار هذا المصنع والحريق الذي اندلع فيه. كما صرح وزير الإعلام السوداني أحمد بلال عثمان أنّ التقنية العالية التي استخدمت في هذا الهجوم لا تمتلكها أي دولة في المنطقة غير إسرائيل، فقد تمّ تعطيل الرادارات في مطار الخرطوم قبل الهجوم بالطائرات. وأن الإسرائيليين قد أعربوا سابقًا بأنّ هذا المصنع يهدد مصالحهم الإستراتيجية والداخلية، الأمر الذي يدلل على تورط إسرائيل في ذلك الانفجار. في حين أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض التعقيب على الحادث في مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي، ولكنّ موشيه يعلون خرج عن صمته واتهم السودان بأنها قاعدة مهمّة للمتشددين الإيرانيين وتنظيم القاعدة لنشر الفوضى والإرهاب. كما ادعى مسؤولون إسرائيليون أنّ العديد من الأسلحة التي تستخدمها حركة المقاومة حماس تحصل عليها بطرق ملتوية تبدأ من ميناء بندر عباس الإيراني، وتمتد عبر دبي ومنها إلى السودان، ثمّ تصل إلى غزة عبر الأنفاق الموجودة تحت الأرض في صحراء سيناء، ولذا تسعى إسرائيل لاستهداف هذه الأنفاق في محاولة للتصدي لتدفق هذه الأسلحة، وكل هذه شواهد تدلل على أنّ الكيان الصهيوني متورط في حادث انفجار مصنع اليرموك ظنًا، انظر: Mike Pflinz, “Iranian warships dock in Sudan after alleged Israeli airstrikes; The visit has put Sudan's links to Iran under closer scrutiny”, The Christian Science Monitor , 30/10/2012, viewed 15/3/2016, at: http://www.csmonitor.com/World/Africa/2012/1030/Iranian-warships- dock-in-Sudan-after-alleged-Israeli-airstrikes; Salah Khalil; “Blaming Sudan”,
  4. لقد أحدث الخطر المتزايد الذي يمثّله القراصنة على عبور السفن في خليج عدن، استجابة دولية غير مسبوقة، فعلى مدار 2008، قام عدد من الدول والمؤسسات متعددة الجنسيات بنشر قوات بحرية بالمنطقة لمواجهة خطر القرصنة، ولذا تقوم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وعدد كبير من الحكومات الوطنية بإجراء عدة عمليات أمنية بحرية منفصلة - سواء كانت أحادية أو متعددة الأطراف - في منطقة خليج عدن. وقد تبنّى مجلس الأمن العديد من القرارات التي تطالب الحكومات والأعضاء ومنظمات الأمن الإقليمية باتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة القرصنة الإقليمية. وفي كانون الأول / ديسمبر 2008، قام الاتحاد الأوروبي بتنظيم "عملية أتلانتا" في المقام الأول من أجل الدفاع عن الشحنات الغذائية للصوماليين وضمان وصولها إليهم. وكان حلف شمال الأطلسي قد قام قبل ذلك بمهمة لها نفس الهدف نفسه، كما أرسل مؤخرًا أسطولً آخر يكرر عملية أتلانتا. وبالتوازي مع هذه المهمات التي تقوم بها منظمات دولية، أطلقت العديد من الحكومات الوطنية مبادراتها الخاصة، وتقوم هذه السفن الحربية بمراقبة المياه الصومالية إما بتنسيق غير فعال مع الأساطيل متعددة الجنسيات التي ينظمها حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وإمّا بصورة مستقلة، وتشمل الدول المشاركة الصين والدانمارك وفرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى واليونان والهند وماليزيا وباكستان وروسيا وتركيا والمملكة العربية السعودية. وقد أعربت حكومات إيران واليابان وكوريا الجنوبية عن نيّتها إرسال سفن حربية لمواجهة القراصنة، انظر: ريتشارد ويتز، "ردة الفعل الدولية إزاء القرصنة في خليج عدن: مواجهة تحديات القرصنة"، المجلة، 2009/6/22، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.majalla.com/arb/2009/06/article555606/ " 54 سفن حربيةإيرانية ترسو في السودان"، 30، RT 2012/10/، شوهد في 2016/3/15، في: http://bit.ly/1TAIXzT
  5. Al-Ahram Weekly , 7/8/2014, viewed 15/3/2016, at: http://weekly.ahram.org.eg/News/6915/19/Blaming-Sudan.aspx

الحار بالأسطول الإيراني والسفن الحربية، ووصف سفن الجمهورية الإسلامية البحرية في السودان بأنها "شرف بالنسبة لإيران.((5)" وفي مقابلة مع موقع الدبلوماسية الإيراني، والذي يديره محمد صادق خرازي، اعترف مستشار وزير الدفاع الإيراني أمير موسوي بأنّ التعاون العسكري بين البلدين مستمر منذ عقود، وموجود على "مستويات مختلفة بما في ذلك التدريب والتبادلات العسكرية". وأشار موسوي إلى أنّ إيران أرسلت من قبل سفنًا حربية إلى السودان في نهاية تشرين الأول / أكتوبر، يومًا بعد أن اتهمت الخرطوم إسرائيل بشن غارة جوّية ضد مصنع اليرموك للذخائر في العاصمة السودانية. و"هذا الإجراء يدل على أنّ إيران تقف إلى جانب الشعب السوداني والحكومة في قتالهم ضد إسرائيل.((5)" وردًا على سؤال عمّ إذا كان السودان سيصبح "ساحة معركة جديدة" للصراع بين إسرائيل وإيران، اعترض موسوي قائلً إنّ التقارب المتنامي بين طهران والخرطوم كان فقط "إستراتيجيًّا."

ومع ذلك، حذّر من أنّ التعاون العسكري المستمر بين الدولتين "يمكن أن يكون علامة تحذير" لإسرائيل، ولا سيما أنّ إسرائيل والولايات المتحدة "مستمرتان في عزل إيران في المنطقة، ف "وجود إيران في هذه المياه يمكن أن يشكّل تهديدًا لإسرائيل". ونفى موسوي أن تكون طهران تغازل بعلاقاتها مع الخرطوم في توقّع فقدان سورية. وردّ على ذلك بأنّ "الحكومة السورية لا تزال في السلطة.((5)" هذا وقد صرّح قائد البحرية السوداني الجنرال محمد فضل الله يوم الخميس 9 أيار / مايو 2013، بأنّ وجود القوّة البحرية الإيرانية في البحر الأحمر يساعد على ترسيخ الأمن في المنطقة. وفى حديثه للصحافيين بعد اجتماع مع نظيره الإيراني حبيب الله سياري، أضاف أنّ الزيارة جاءت تماشيًا مع تعزيز العلاقات الإستراتيجية بين البلدين التي سوف تستفيد كثيرًا. وقال السياري إنّ إيران والسودان تتمتعان بموقع إستراتيجي، مضيفًا أنه تمّ توقيع اتفاقات الأمن في باب المندب وخليج عدن بين البلدين55. وفي ثالث زيارة من نوعها في أقل من عام، رست سفينتان حربيتان إيرانيتان في أحد موانئ السودان في 18 أيلول / سبتمبر 2013، الأمر الذي يبرز العلاقات الوثيقة بين البلدين، وهو "أمر تنظر إليه دول الخليج العربي والغرب بريبة". وردّ المتحدث باسم الجيش السوداني على ذلك الحدث قائلً: "إنّ السفينتين رستا في ميناء "بورتسودان" للتزوّد بالمياه والغذاء، ولا يعدّ هذا الرسو زيارة رسمية". في حين قالت وكالة فارس الإيرانية للأنباء: "إنّ زيارة السفينتين جاءت لتعزيز العلاقات مع الخرطوم"، مضيفة أنّ "السودان شريك واضح لإيران في تعزيز نفوذها في المنطقة، بينما تتطلع الخرطوم لمساعدات تجارية وعسكرية". وعلى الرغم من أنّ زيارات الأسطول الإيراني المتكررة أمر ذو تكلفة باهظة، فإنّ الأهداف الإستراتيجية الإيرانية كبيرة جدًّا إلى درجة تجعل إيران لا تبخل بهذا الاهتمام56. وهكذا، يمكن القول إنّ النفوذ الإيراني في السودان مسّ المجالات السياسية والاقتصادية كلّها، والعسكرية خاصة. فقد اتسمت هذه العلاقات بطبيعة مميزة، تسعى من خلالها كل دولة لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية والعسكرية. وتطمح إيران إلى تعظيم نفوذها في أفريقيا ومواردها الطبيعية من خلال السودان، وترمي إلى السيطرة وبسط نفوذها على مساحات كبيرة من القارة الأفريقية. ومن ثمّ اتخذت إيران الدولة السودانية منصة تنطلق منها إلى القارة الأفريقية عامة، وتهدد الأمن القومي لدول الخليج العربي ومصر خاصة. ولِمَ لا، وقد كان هناك نوع من الثقة وعدم الريبة من جانب السودان تجاه هذه التسهيلات العسكرية التي حصلت عليها إيران، واستغلال ميناء بورتسودان لمصلحة الأهداف الإيرانية؟

5. إريتريا

لقد جمعت بين إيران وإريتريا علاقات تعاون في مجالات التجارة والاستثمار، إضافة إلى استعداد إيراني للمساعدة في مجالات الطاقة والصناعة والزراعة57. ومثّلت زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي معالم العلاقات بين الدولتين، فقد وصل أفورقي إلى طهران في

  1. 55 “ Iranian Warships dock in Sudan, sparking Israeli concern ”, Al Arabya News , 9/12/2012, accessed 15/3/2016, at: http://english.alarabiya.net/articles/2012/12/09/254116.html
  2. “ Sending our warships...”.
  3. 57 Ibid.
  4. 58 “ Sudan's navy commander hails Iran's role in Red Sea security”, Trend news agency , 9/5/2013, accessed 15/3/2016, at: http://en.trend.az/iran/2148737.html
  5. عبد الفتاح.
  6. 60 محمد، ص.468

19 أيار / مايو 2008، على رأس وفد من كبار السياسيين والاقتصاديين، وأكّد الرئيسان نجاد وأفورقي أنّ إيران وإريتريا لهما مواقف متقاربة للغاية في شأن القضايا الإقليمية والعالمية المختلفة. وقال المسؤولون إنّ التوسع في العلاقات المتبادلة والتعاون يخدم مصالح الشعبين الإيراني والإري يرر. وأعلنوا أنّ إيران وإريتريا تتمتعان بإمكانات واسعة لتعزيز التعاون في مجال الاقتصاد، والطاقة والزراعة والصناعة والاستثمار. فقد قال الرئيس الإريتري إنّ بلاده تريد التعاون مع إيران في المجالات السياسية والاقتصادية وكذلك في مجال الاستثمار والطاقة والصناعة والزراعة58. كما أجرى أفورقي محادثات مع رئيس غرفة إيران للتجارة والصناعة والمناجم محمد نهاونديان حول القضايا ذات الاهتمام المشترك. وخلال الاجتماع، دعا أفورقي إلى توسيع العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مشيرًا إلى أنّ إريتريا تحاول تشجيع البلدان الأخرى على الاستثمار فيها. وأعرب أفورقي عن أمله في زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدين، "وأشار إلى أنّ السلع الإيرانية يتمّ تصديرها إلى إريتريا عبر دول أخرى، داعيًا إلى استيراد البضائع الإيرانية مباشرة من إيران. كما دعا نهاونديان إلى تعزيز العلاقات بين البلدين"59، ومن ثمّ وقّعت اتفاقيات لتعزيز التعاون بين البلدين في مجالات التجارة والاستثمار60.

وعن الموقف الإريتري من ملف النووي الإيراني، وصف الرئيس الإريتري طموحات إيران النووية بأنها "مصدر الفرح والسعادة لنا." وكانت تقارير، ومعظمها غير مؤكّدة، تفيد أنّ البلدين قد توصلّا إلى اتفاقية أمنية تتضمن عسكرة نقاط التفتيش في مضيق باب المندب. ولكنّ ما يؤكّد ذلك أنّ إيران من الدول القليلة التي لديها تسهيلات عسكرية وبحرية واستخباراتية خاصة في ميناء عصب ومصوع، بل وقامت بنصب عشرات بطاريات الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى والصواريخ المضادة للطائرات والسفن في ميناء عصب61. فقد أشارت بعض التقارير إلى أنّ إيران حصلت على تسهيلات في ميناء عصب على البحر الأحمر، تمكّنها من مواجهة القوى الغربية في حالة تهديد قدرات إيران النووية. ولعلّ سعي إيران لتطوير علاقاتها مع دول شرق أفريقيا الأخرى، مثل كينيا وتنزانيا وجزر القمر، يؤكّد هذا المنحى الإستراتيجي في الاختراق الإيراني لأفريقيا62. وهكذا، يمكن القول إنّ إيران تولي الدول الأفريقية الساحلية أهمية كبرى، حتى يتسنّى لها الحصول على تسهيلات عسكرية وبحرية، إضافة إلى الحصول على الدعم الدبلوماسي والتصويت لمصلحة البرنامج النووي الإيراني في المؤسسات الدولية. وجدير بالذكر أنّ إيران تنكر وتنفي وجود أي تسهيلات بحرية لها في المنطقة، وتبرر وجودها في بعض الأحيان في المياه الإقليمية بأنها تقوم بعمليات بحرية ضد القرصنة. ولقد تأكّد أنّ إيران في علاقاتها بالدول الأفريقية تستقطب الدول التي تكون في حالة توتّر مع القوى الغربية. وتعدّ السودان وإريتريا مثالين في منتهى الوضوح للحالة السابقة، إذ يشجع ذلك تبادل المصالح بين تلك الدول وإيران في مواجهة، وربما تحدي القوى الخارجية الغربية، الأمر الذي يؤثّر إيجابيًا في نفوذ إيران في المنطقة.

ثانيًا. انعكاسات التغلغل الإيراني في شرق أفريقيا على الأمن القومي الخليجي

لا شك في أنّ وجود إيران في البحر الأحمر ومنطقة شرق أفريقيا مدعاة للقلق العميق للحكومات العربية في المنطقة؛ فالوجود الإيراني ينعكس سلبيًا على الوضع الأمني في كل المناطق المحيطة والخليج العربي خاصة63. فمنذ عهد الرئيس الأسبق هاشمي رافسنجاني، ركّزت السياسة الخارجية الإيرانية اهتماماتها على القارة الأفريقية بوجه عام، ومنطقة شرق أفريقيا بوجه خاص، لما تتمتع

  1. Jeffrey A. Lefebvre, “Iran in the Horn of Africa: Outflanking U.S. Allies,” Middle East Policy Council , vol. XIX, no. 2 (Summer 2012), accessed
  2. “ Iran Calls for Expansion of All-Out ties with Eritrea”, tesfanews ,
  3. محمد، ص 468. 64 صالح كرار،"الوجود الايراني في ارتريا"، فرجت نت، 2012/3/22، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.farajat.net/ar/21665 65 محمد، ص.468
  4. 15/3/2016, at: http://bit.ly/1T5YavJ
  5. 10/12/2012, accessed 15/3/2016, at: http://www.tesfanews.net/iran-calls-for-expansion-of-all-out-ties-with-
  6. نسرين قصاب، "التنافس الإسرائيلي – الإيراني وأثره على الأمن القومي العربي"، المزماة، eritrea/ 2014/4/1، شوهد في 2016/3/15، في: http://bit.ly/1WTar45

به تلك المنطقة من موقع إستراتيجي مهمّ لإيران، وارتباطها بمنطقة الخليج العربي والبحر الأحمر64. ولذلك يمكن القول إنّ تزايد النفوذ والتغلغل الإيرانيين في منطقة الشرق الأفريقي شأنه شأن النفوذ الإسرائيلي، ففي كلا الحالتين يهدد الأمن القومي العربي ككل، بل ويهدد نظم الأمن الوطنية لبعض الدول العربية؛ كالصومال، عبر دعم إيران للجماعات الأصولية المتطرفة فيها؛ والسودان، عبر دعمها نظام البشير؛ واليمن عبر دعمها الحوثيين. وهذا ما دفع العديد من المراقبين والخبراء إلى الجزم بأن البحر الأحمر مرشّح في المرحلة المقبلة ليكون حلبة جديدة لمواجهات مسلحة إقليمية دولية، على خلفية الحراك الإيراني غير المسبوق لفتح جبهات جديدة في القرن الأفريقي65.

1. الحلف الإيراني - الإريتري - الحوثي وأثره في الأمن القومي الخليجي

أكّدت المعارضة الإريترية وجود تسهيلات عسكرية إريترية لإيران، تستطيع من خلالها تمويل الحوثيين في اليمن بالسلاح. كما أنّ وسائل الإعلام الإسرائيلية كشفت عن وجود قاعدة عسكرية إيرانية بحرية بالقرب من ميناء عصب الإريتري. وهي تقارير توحي بأنّ إريتريا قد تحوّلت إلى بوابة بالنسبة إلى إيران لتصل إلى اليمن66 والحوثيين67. فعمليات إيران في إريتريا ذات صلة بهدف إيران الأكبر في السيطرة على باب المندب68، ومن ثمّ تضييق الخناق على البحر الأحمر وقناة السويس الممر المائي الإستراتيجي69. ولذا، كانت أبرز انعكاسات النفوذ الإيراني في شرق أفريقيا بصفة عامة، وإريتريا بصفة خاصة، على الأمن القومي الخليجي ما احتوته إحدى البرقيات المرسلة من السفارة الأميركية في أسمرا إلى واشنطن سرّبتها ويكيليكس بتاريخ 12 شباط / فبراير 2010. لقد كشفت هذه البرقيات النقاب عن وجود حوثي في إريتريا منذ عام 2009، كما تضمنت قلق السفير السعودي، ناصر علي الحوطي، في إريتريا من النفوذ الإيراني؛ إذ قال: "إنّ إيران زودت البحرية الإريترية بالأسلحة، وأنه رأى مؤخرًا وفدًا إيرانيًا يزور أسمرا"، وقال السفير: "إنّ المتمرّدين الحوثيين كانوا متواجدين في إريتريا منذ عام 2009، لكنه ليس متأكّدا فيما إذا كانوا لا يزالون هنا أم لا". وقد أخبر السفير السعودي نظيره الأميركي يوم 11 شباط / فبراير 2010، أنه قلق بخصوص المصالح الإيرانية المتزايدة في إريتريا. وأنه رأى 5 أو 6 من الزوار الإيرانيين رفقة مدير البروتوكول في الخارجية الإريترية في أسمرا، وقال إنه يعتقد أن إيران تريد تطويق بلاده70. واستطرد السفير السعودي قوله بأن نظام أسياس أفورقي يدعم الجماعات المعارضة في البلدان المجاورة ليزيد من نفوذ أسمرا، وأنّ هذا النظام لا يزال يضمر نيات سيئة تجاه اليمن بسبب حرب حنيش71. وبسؤاله عمّ إذا كان يعتقد أنّ إيران تدرّب الحوثيين في إريتريا، قال: "إنه لا يعرف"72. إذًا، أثبتت الوثيقة وجود عناصر من الحوثيين على الأراضي الإريترية، وهذا يرجع إلى النفوذ الإيراني القوي في إريتريا، أي إنّ هناك تنسيقًا إيرانيًا – حوثيًا - إريتريًا. فقد أشارت تحليلات أجهزة الاستخبارات الغربية إلى أنّ الحرس الثوري الإيراني قام بتدريب متطرفين يمنيين من الحوثيين وتأهيلهم عقائديًا وعسكريًا في مدينة قم الإيرانية، وأيضًا متطرفين من أفغانستان إلى داخل شمال اليمن وجنوبه للعمل

  1. خزار، ص.28
  2. قصاب.
  3. يمثل اليمن أهمية إستراتيجية ومجالً حيويًا بالنسبة إلى دول الخليج العربي، فهو يطل على البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي. راجع: "نحو رؤية أمنية خليجية مشتركة بعد التهديد الحوثي في اليمن"، البوابة نيوز، 2015/2/10، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.albawabhnews.com/1105795
  4. نقولا ناصر، "اريتريا: بوابة إيران إلى اليمن والحوثيين؟"، مجلة المحرر، العدد 286، السنة 18 (2010)، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.al-moharer.net/moh286/nicola_nasser286m.htm
  5. يُعدّ باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وكان دائمًا سببًا للصراع الدولي بين الدول الكبرى خاصة فرنسا وإيطاليا وإنكلترا، بوصفه مصدر تحكم بين الشرق والغرب. ويبلغ اتساع باب المندب 23.2 كلم فيما بين رأس باب المندب شرقًا ورأس سيعان غربًا، تطل 3
  6. الاهرام تكشف عن نوايا إيرانية وإسرائيلية مشتركة للسيطرة على باب المندب"، صدى عدن، 2014/10/23، شوهد في 2016/3/15، في:
  7. كيف تدعم إريتريا الحوثيين في الحرب الدائرة باليمن؟"، نون بوست، 2015/5/5، شوهد في 2016/3/15، في: https://www.noonpost.net/content/6533 74 توترت العلاقات بين إريتريا واليمن بسبب الادعاءات والادعاءات المضادة على جزر حنيش الإستراتيجية، والتي احتلتها إريتريا عام 1995، وحرصت حكومتا اليمن وإريتريا على احترام لجنة التحكيم الدولي التي منحت الجزر إلى اليمن في عام 1998، وتقع جزر حنيش الإستراتيجية على باب المندب بين شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، وهي من أكثر الممرات المائية ازدحامًا في العالم. انظر: “ Houthi rise in Yemen raises alarm in Horn of Africa”, world bulletin , 12/1/2015, viewed 15/3/2016, at: http://bit.ly/24CRWc8 " 75 كيف تدعم إريتريا الحوثيين."...
  8. دول على باب المندب هي اليمن وإريتريا وجيبوتي، غير أنّ اليمن هو الذي يتحكم في الممر الدولي من خلال جزيرة ميون التي لا تبعد عن اليابسة اليمنية سوى 4.8 كلم، فيما تبعد عن الساحل الأفريقي 33 كلم. انظر: " مصادر يمنية ل ’الشرق الأوسط‘: قوات حوثية تتقدم للسيطرة على ’باب المندب"‘، الشرق الأوسط، 2014/10/8، شوهد في 2016/3/15، في: http://aawsat.com/home/article/196851
  9. http://www.sadaaden.org/read-news/305289

لحساب إيران هناك73. كما أوضحت بعض التقارير الإيرانية على موقع أخبار تابناكTabnak أنّ السفن الحربية الإيرانية التي تم إرسالها في 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2009، إلى خليج عدن74، كانت لحماية السفن التجارية الإيرانية من القراصنة الصوماليين75. ولكن هذه الادعاءات واهية، فقد أكّدت تقارير أخرى أنّ هذه السفن جاءت من أجل تهريب الأسلحة إلى الحوثيين في اليمن عن طريق القوارب اليمنية الصغيرة وقوارب صيد الأسماك76. وهذا ما أكّدته الحكومة اليمنية في 26 تشرين الأول / أكتوبر 2009، بأنها ضبطت سفينة تحمل أسلحة من إيران ومتجهة إلى المتمرّدين الحوثييين عن طريق إريتريا77. وهو ما أكّده تقرير أميركي صادر عن مركز "ستراتفور" للدراسات الإستراتيجية والأمنية، أنّ "القوات البحرية الإيرانية اتجهت إلى استخدام طريق أطول لمد المتمرّدين الحوثيين في اليمن بالأسلحة، ينطلق من ميناء عصب الإريتري، ويمر شرقًا حول الطرف الجنوبي من بحر العرب في خليج عدن إلى مدينة شقراء التي تقع على ساحل جنوب اليمن، ومن هناك تتحرك الأسلحة برًّا إلى شمال مدينة مأرب شرقي اليمن، وبعدها إلى محافظة صعدة على الحدود السعودية – اليمنية"78. وفي تقرير آخر نشُ في تشرين الأول / أكتوبر 2009، جاء "أنّ إيران تنقل مؤنًا للحوثيين"79، ذلك أنّها أقامت قاعدة في إريتريا لتزويد الحوثيين في اليمن بالأسلحة، عن طريق تهريب الأسلحة عبر البحر الأحمر إلى ميناء ميدي اليمني. ووفقًا لمصادر قناة الجزيرة في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2009، ف "إنّ السفن الإيرانية كانت تحمل أنواعًا مختلفة من الأسلحة والذخائر، ووصلت إلى الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، لكنها لم تتمكن من الاقتراب من السواحل اليمنية وتحديدًا في منطقة ميدي، بسبب الحصار الذي أحكمته عليها القوات البحرية السعودية، الأمر الذي دفع هذه السفن الإيرانية للإبحار إلى إريتريا، وجعلها تفرغ حمولتها لتهريبها لاحقًا إلى الأراضي اليمينة من قبل القوارب الصغيرة وقوارب الصيد، وقد تزامنت هذه الأنشطة مع استمرار القتال بين الجيش اليمني والمتمرّدين الحوثيين"80. وخلال تشرين الثاني / نوفمبر 2009، استخدمت المملكة العربية السعودية آلتها العسكرية لمحاربة المتمرّدين الذين عبروا الحدود السعودية بعمق 93 ميلً داخل المملكة، وقتلوا ضابطًا سعوديًّا وجرحوا أكثر من عشرة آخرين، ومنذ ذلك الحين والسعودية تشنّ هجمات جوّية وبرية على المتمرّدين، وسمحت لقواتها بالتوغل داخل محافظة صعدة 7 أميال لخلق عازل أمني لحماية أراضيها من هجمات مماثلة81. صدر تقرير آخر في 29 تشرين الأول / أكتوبر 2012، بعنوان "شرق أفريقيا ميدان للصراع بين إيران وإسرائيل"، يؤكّد العلاقات القوية بين إيران وإريتريا، تناول عواقب الصراع الإسرائيلي الإيراني في إريتريا، وتحدّث عن اختيار إريتريا توثيق صلاتها بإيران؛ لأنّ إسرائيل على ارتباط أوثق بإثيوبيا والحلف الأميركي الذي لا يريد النظام الإريتري الحالي82. والسؤال الذي يطرح هو التالي: هل من الممكن أن تكثّف إيران تهديدها بإغلاق مضيق باب المندب، قبالة سواحل إريتريا؟ أجاب عن هذا السؤال الصحافي السوداني راشد سعيد يعقوب لمراسل راديو فرنسا الدولي RFI، بأنّ تنفيذ هذا التهديد ليس مهمّة سهلة للإيرانيين، ولكنّ إيران لديها أهداف أكبر كثيرًا في هذه المنطقة من مجرّد إغلاق مضيق باب المندب، فعلى سبيل المثال تدعم إيران المتمرّدين اليمنيين في شمال اليمن، إضافة إلى سعي إيران لدعم المعارضة الإسلامية في

  1. حسام سويلم، "أبعاد التواجد الإيراني في إريتريا وجنوب البحر الأحمر"، ملتقى الخطباء، 1434/5/12، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.khutabaa.com/index.cfm?method=home.con&ContentID=9870
  2. يتمتع خليج عدن بأهمية إستراتيجية كبرى، إذ يمر منه ويلتقي عنده أهم ثلاثة ممرات مائية بحرية دولية، تتمثل ب: الخط القادم من الخليج العربي، والخط القادم من شرق وجنوب شرق آسيا، والخط القادم من شرق أفريقيا وجنوبها إلى البحر الأحمر، علاوة على ذلك، تقع هذه الممرات للملاحة البحرية في منطقة شديدة التوتر والصراع والفوضى الأمنية، ابتداءً من الصومال وجيبوتي وحتى إريتريا وإثيوبيا، وما يمثّله الوجود الأجنبي على سواحل وأراضي هذه الدول "القوات الأمريكية المتمركزة في جيبوتي والوجود الصيني الإيراني في الصومال، والوجود الإسرائيلي الأمريكي والإيراني في إريتريا" من تحديات لأمن الخليج. راجع: "نحو رؤية أمنية..."؛ انظر: ناصر.
  3. خالد محمود، "الإفراج عن سفينة إيرانية مستأجرة خطفت قبالة ساحل اليمن"، الشرق الأوسط، 2009/1/11، شوهد في 2016/3/15، في: http://bit.ly/1ZsPRIX
  4. يوسف عبد الله الديني، "انهيار اليمن الواحد بحروب طائفية انقلابية: الحوثيون «حزب الله» الجديد"، المجلة، 2014/10/10، شوهد في 2016/3/15، في: http://bit.ly/1WTe3mG
  5. إيمان أحمد عبد الحليم، "اختراقات مذهبية: مخاطر تنامي النفوذ الإيراني في اليمن"، السياسة الدولية، 2014/5/7، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.siyassa.org.eg/NewsQ/3715.aspx
  6. عمر البشير الترابي، "إيران في أفريقيا.. القوّة الناعمة والأرض الرّخوة"، المجلة، 2013/1/31، في: http://www.majalla.com/arb/2013/01/article55242177 انظر أيضًا: "دعوات لتطهير السودان وإريتريا من النفوذ الإيراني"، شبكة الدفاع عن السنة، 2009/11/27، شوهد في 2016/3/15، في:
  7. الترابي.
  8. الديني.
  9. في تطور خطير ايران ترسل سفن [كذا] حربية الى المياه اليمنية"،]نقلً عن الصحافة الفرنسية[جريدة فرجت نت، 2009/11/18، شوهد في 2016/3/15، في: http://bit.ly/1Qu5wVF 85 الترابي.
  10. http://www.dd-sunnah.net/news/view/action/view/id/2145/

الصومال، وأنّ الإسلاميين الصوماليين قادة المعارضة الصومالية حاليًا لهم قواعد خلفية في إريتريا. فإيران تريد من ذلك أن تنذر البلدان العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، أنّ التهديد ليس فقط في الشرق ولكن أيضًا في الغرب، طالما أنّ المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي تناصر الولايات المتحدة الأميركية ضد إيران83. يستخلص من ذلك أنّ الصحافي راشد سعيد يعقوب يستبعد أي إجراء من جانب إيران بإغ قاا مضيق باب المندب، مرجّحًا أن تهتمّ إيران أكثر بإنذار المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، وتطويقها شرقًا وغربًا، لتحالفها مع الولايات المتحدة ضد إيران في ما يخص برنامجها النووي. في حين أنّ الخبير الإستراتيجي المصري، اللواء أركان حرب متقاعد حسام سويلم، يرى أنّ "تصدير الثورة "الإيرانية" له إدارة مستقلة معروفة في وزارة الخارجية وتعمل بمنهجية؛ فقد دخلوا إلى إريتريا وهي دولة فقيرة، وتطلّ على مدخل جنوب البحر الأحمر الذي يتحكّم في قناة السويس، ومن خلاله يستطيعون تهديد اليمن والسعودية وتمرير أسلحتهم إلى السودان ومنها إلى مصر، ولهذا أنشأوا قاعدة عسكرية في إريتريا ومحطة لتكرير النفط"84.

إذًا، أكّدت تقارير كثيرة تقديم إيران الدعم الكامل من السلاح والتدريب للمتمرّدين الحوثيين اليمنيين من موقع على امتداد الأراضي الساحلية الإريترية85، وأنّ الدولة الإريترية على اتصال كبير مع الحوثيين في اليمن، بل وقد تلقّى عدد من الحوثيين المصابين العلاج الطبي في إريتريا أثناء اشتباكاتهم المتكررة مع المعارضة اليمنية. وهذه الأخبار أكّدتها المعارضة الإريترية الموجودة في إثيوبيا86، وهو ما يؤكّد نيّات إيرانية جديدة لتهديد جنوب السعودية، وتهديد مصر بتعطيل قناة السويس. وبذلك تكون إيران قد نجحت في توسيع دائرة الصراع لتشمل إضافة إلى جبهة الخليج العربي، جبهات أخرى في خليج عدن، واليمن، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، وخليج عمان، وشرق أفريقيا، وذلك لتأكيد طموحاتها وتأثيرها الإقليمي، وتحسين أوراقها التفاوضية مع الإدارة الأميركية مستقبلً عبر فرض دورها في معادلات جديدة على الأرض، وإبعاد خطر الحرب عن حدودها، وشن حروب بالوكالة بينها وبين الولايات المتحدة87. ونتيجة لهذه العوامل والوجود الإيراني في منطقة خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وفي اليمن وجنوب السعودية والقرن الأفريقي، فإن المخطط الإيراني ضد مصر يصبح واضحًا في تهديد الملاحة البحرية الأولية في البحر الأحمر، وخنق قناة السويس التي تمثّل بعائداتها أحد مصادر الدخل الرئيسة للعملة الحرة بالنسبة إلى مصر، فضلً عن تطويقها من الجنوب. وهذا ما يسهّل عمليات تهريب الأسلحة والذخائر والأموال إلى شمال البحر الأحمر، ذلك أنّ السودان ومصر على الساحل الغربي للبحر الأحمر، واليمن والسعودية على ساحله الشرقي88. ولذا، توسطت قطر في حل النزاع الحدودي بين إريتريا وجيبوتي، فقطر تتمتع بعلاقات جيّدة مع إريتريا، ولكن لسوء الحظ تشككت جيبوتي في أي وساطة تقوم بها دولة خليجية، لأنّ أي نشاط لهما يسبب قلقًا في المنطقة89. وإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدلّ على أنّ هذا الدور الذي تقوم به قطر في شرق أفريقيا قد أتى متأخّرًا، بل وتلفظه دولة مثل جيبوتي، الأمر الذي يدعم قوّة النفوذ الإيراني في المنطقة. فقد عرضنا سابقًا كيف استطاعت إيران أن تتمدد إلى دول شرق أفريقيا بتقديم المساعدات في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. بل قد أدّت الزيارات التي قامت بها الدولة الإيرانية، من أعلى هرم السلطة، رئيس الدولة، إلى رئيس البرلمان الإيراني والوزراء الإيرانيين، دورًا كبيرًا في الحضور في تلك المنطقة الإستراتيجية، منطقة شرق أفريقيا. ويتّضح، من خلال هذا العرض، أنّ النفوذ الإيراني في إريتريا انعكس على الوجود الحوثي في اليمن، وبطبيعة الحال سيؤثّر في الأمن القومي

  1. “ Sudanese journalist comments on Iran's possible motives in Horn of Africa”, Biyokulule on line, 11/5/2009, accessed 15/3/2016, at: http://www.biyokulule.com/view_content.php?articleid=1888
  2. دعوات لتطهير السودان."...
  3. محمد، ص.468
  4. “ Houthi rise in Yemen...”.
  5. سويلم.
  6. المرجع نفسه.
  7. قطر تتوسط بين إريتريا وجيبوتي لحل خلافهما الحدودي"، محيط، 2010/6/8، شوهد في 2016/3/15، في: http://bit.ly/1WiyfBB

الخليجي. إذ يمثّل اليمن عمقًا إستراتيجيًا بالنسبة إلى دول الخليج، وهو ما يجعل منه عاملً مهمً لأمن المنطقة واستقرارها، ومن ثم فإنّ ما يمرّ به اليمن حاليًا من سيطرة الحوثيين يمثّل تهديدًا مستمرًا ومتزايدًا للمنطقة العربية، ومن قبلها الخليج العربي. وع نقيض ما أشارت إليه تقارير الخ اررء وتحليلاتهم، نجد الرئيس الإري يرر أسياس أفورقي خ لاا مقابلة له في 3 كانون الثاني / يناير 2010، في تلفزيون الدولة الإريتري مع أحد الإعلاميين، سأله عن صحة التقارير التي تفيد أنّ إريتريا لديها علاقات مع الحوثيين "المتمرّدين الشيعة في اليمن"، نفى أفورقي أن تدعم بلاده المتمرّدين الشيعة في اليمن، وقال إنّ هذه هلوسة من الصحف القديمة البالية، مستشهدًا بأنّ أحد التقارير ذكر أنّ الطائرات الإسرائيلية قصفت منطقة على الحدود بين مصر والسودان، وذكر أنّ الطائرات أقلعت من إريتريا في حين أنّ لا أعلم بهذه الطائرات، ولا أعلم إن كانت هذه الطائرات إسرائيلية أم لا، ووصف نظيره اليمني، علي عبد الله صالح، بأنه "صديق جيّد لإريتريا". كما وصف أفورقي المؤسسة الأميركيةMilitary Occupational Speciality بأنها مؤسسة مريضة حقًا، وأنّ الذين يعملون في هذه المؤسسة مرضى ومجانين -على حد قوله – واصفًا إيّاها بأنها ادعاءات كاذبة، متسائلً عن تلفيق الولايات المتحدة قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق، وهي حتى اليوم لم تعثر على أي شيء، والآن لم يجدوا شيئًا ليبرروا للرأي العالمي لماذا أعلنوا الحرب على العراق، واصفًا وسائل الإعلام بأنها مصدر للتحريض والخداع، متسائلً بدهشة من هم هؤلاء الحوثيون؟ قائلً إنّ علاقاتنا مع اليمن فريدة من نوعها، وكان لدينا موقف في منتصف عام 1990، فقد وقفنا إلى جانب الحكومة اليمنية خلال الحرب بين شمال اليمن وجنوبه، ودعمنا وحدة الشعب اليمني، بل وأعطينا الطائرات اليمنية ملاذًا في مطار أسمرة خلال الحرب، وأعطينا الدعم السياسي والمعنوي من أجل الوحدة والاستقرار في اليمن90. يتّضح، من خلال هذا الحوار، أنّ الرئيس أسياس أفورقي تطرّق إلى علاقات إريتريا مع الحوثيين، وكأنّ التمويل تقوم به إريتريا بدافع ذاتي. ولم يتطرّق الرئيس أفورقي إلى المشكلة الكبرى وهي إيران التي تمثّل مصدر سلاح الحوثيين عن طريق إريتريا. إذًا، ينفي أفورقي أن تكون إريتريا هي التي تموّل الحوثيين من تلقاء نفسها وهذا صحيح. ولم يذكر من قريب أو من بعيد البعد الإيراني.

2. السعودية وصعود الحوثيين

كان للمملكة العربية السعودية دور كبير – سواء عن قصد أو غير قصد - في صعود الحوثيين في اليمن. ففي سياق النفوذ الإيراني الجلي في إريتريا، وتأكيد التقارير الدولية وجود تمويل إيراني للحوثيين في اليمن، وإشارات التهديد القوية الموجهة للأمن القومي الخليجي عامة، وقّع الرئيس اليمني السابق، في الرياض، في 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، اتفاق نقل السلطة في اليمن، في ضوء ما عرف ب "المبادرة الخليجية"، والتي يرعاها مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب دعم ورعاية من المجتمع الدولي. وقد كفلت المبادرة الخليجية حصانة لصالح وحاشيته من أي ملاحقات قضائية، وتمّ اقتسام السلطة، وجاء عبد ربه منصور هادي نائب عبد الله صالح رئيسًا. وكانت المبادرة بالنسبة إلى صالح طوق نجاة، حينما منحته حق المشاركة في حكومة وفاق بين القوى السياسية في البلد، فنال حزبه "المؤتمر الشعبي العام" %50 في حكومة الوفاق التي تم تشكيلها في 7 كانون الأول / ديسمبر 2011، وهو ما أضعف "ثورة الشباب السلمية" عام 2011. ومن هنا برزت قوّة صالح والحوثي، ووجد الحوثيون دعمً لوجستيًّا وبشريًّا يتمثّل برجال صالح المخلصين في المؤتمر الشعبي العام، وأعلن أعضاء المؤتمر الشعبي العام "جناح صالح" مساندتهم الحوثيين. فتحت السعودية في عام 2013، قنوات اتصال مع الحوثيين – مع أنها كانت قد خاضت ضدّهم من قبل حربًا مرة - وتمخضت الاتصالات عن نقل الزعيم الحوثي صالح هبره جوًا عبر لندن للقاء الأمير بندر بن سلطان الذي كان حينها مسؤول الاستخبارات السعودية91. فمصالح الرياض تتلاقى مع الحوثيين في توجيه ضربات لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وفي إضعاف الإسلاميين اليمنيين، وإن كانت تتقاطع مع علاقة الحوثيين بإيران والدور الذي تقوم به طهران في اليمن،

  1. Abdul Nabi Shaheen, “Eritrea denies training rebels for Iran and Yemen”, Gulf News , 21/4/2010, accessed 15/3/2016, at: http://bit.ly/1SYmgGV
  2. ديفيد هيرست، "الارتدادات في اليمن: تقدم الحوثيين كابوس للسعوديين"، عربي 21، 2014/10/21، شوهد في 2016/5/15، في: http://bit.ly/1XQjuFL

خلال فترة حكم الرئيس اليمني هادي حتى كانون الثاني / يناير

ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فالمملكة العربية السعودية كانت تتوقع أن تحالفها مع الحوثيين ضد حزب الإصلاح اليمني، سيمكن الحوثيين من اقتحام العاصمة اليمنية، فينتفض حزب الإصلاح لمواجهة الحوثيين، قبل أن يصلوا إلى أبواب المدينة. ومن ثمّ سيقضي بعضهم على بعض، إلّ أنّ الإصلاح رفض أن يتورّط في هذه اللعبة، ورفض مواجهة الحوثيين، على أساس أنّ هذه هي مهمة الحكومة، من خلال السماح للحوثيين بشن هجومهم، أو على الأقل من خلال عدم التدخل بأي طريقة لوقف هذا الهجوم. وهناك حسابات أخرى جعلت السعودية تساهم في صعود الحوثيين، فهي ترى أنّ حزب الإص حاا اليمني يمثّل دولة داخل لا دولة، بسيطرته على المؤسسات الحكومية السيادية وعلى كتائب عسكرية وميليشيات قبلية، أمّا التيار الآخر - الحوثيون - فلا يملكون إلّ القوّة العسكرية، ولكن ليس لهم جذور في مؤسسات الحكم في اليمن. ولكنّ السعودية ترى أنّ التيار الأول، حزب الإصلاح، أخطر بسبب عمق وجوده في الدولة، وفي الجيش، بل تراه أقدر على تهديد الأمن القومي الإقليمي. لذا، ترى أنّ هناك تهديدًا فعليًا من الإصلاح، وتهديدًا كامنًا غير نشط من الحوثيين. فمن هنا اتخذت إستراتيجية القضاء على التهديد الفعلي، ثمّ التفرغ للقضاء على التهديد الكامن، اعتقادًا منها أنّ الحوثيين ليس لديهم إلّ خيار المشاركة مع الأطراف اليمنية الأخرى، فهناك أطراف يمنية متعددة لن تسمح للحوثيين بالسيطرة الكاملة، وستفرض عليهم المشاركة في الحكم92. وبهذا دُقّ جرس الإنذار لمنافسي إيران من الدول السنّية الإقليمية، وخاصة المملكة العربية السعودية، بسيطرة الحوثيين على صنعاء في أيلول / سبتمبر 2014. فقد أصبح الحوثيون قادرين على ترسيخ سيطرتهم على الشق الجنوبي في شبه الجزيرة العربية، المطل على البحر الأحمر، وبطبيعة الحال سيؤدي ذلك إلى خلق خطر على حركة المرور البحرية للمملكة العربية السعودية والأردن، ومصر، والسودان، وإريتريا، وجيبوتي، ويمكن أيضًا أن يتأثّر اليمن إذ سيصبح تابعًا إيرانيًا93. وبعد هذا الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، نؤكّد صحة التقارير والتحليلات السابقة التي أشارت إلى تورّط إيران في دعم الحوثيين في اليمن عن طريق إريتريا، وتكذيب أسياس أفورقي الرئيس الإريتري الذي نفى في كانون الثاني / يناير 2010، وجود علاقات بين إريتريا والحوثيين، ووصف هذه التقارير والتحليلات التي تبرهن على ذلك بأنها هلوسة. ولكنّ ما جدّ في عام 2014 يؤكّد صحة ذلك، بسيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء، ولذلك فإنّ الدعم الإيراني للحوثيين لم يعد مجرّد ظن أو تخمين، بل هو حقيقة واضحة للعيان. 3. ردة الفعل الإيراني على الانقلاب الحوثي رحّبت الجمهورية الإيرانية علنيًا ​بالنصر الحوثي، وقال مسؤول أمني يمني بارز إنّ إيران تدعم كثيرًا الحوثيين الذين قاتلوا الحكومة المركزية منذ عام 200494. كما أنّ كبار المستشارين الإيرانيين لا يجدون أدنى حرج في نسبة الفضل في نجاح الانقلاب الحوثي إلى أنفسهم. فها هو علي أكبر ولايتي - أحد مستشاري المرشد وأشد الناس ولاء له - يقول إنه يأمل أن تقوم مجموعة أنصار الله (أي الحوثيين) في اليمن بالدور نفسه الذي يقوم به حزب الله في لبنان95. كما صرّح محمد صادق الحسيني - وهو كاتب ومحلل إيراني وثيق الصلة بالنظام في طهران - في مقابلة مع قناة الميادين التلفزية: "نحن سلاطين البحر الأبيض المتوسط الجدد. نحن سلاطين الخليج الجدد، نحن محور المقاومة: طهران، دمشق، الضاحية، بغداد، صنعاء، نحن سنصنع خريطة المنطقة، ونحن سلاطين البحر الأحمر أيضًا، تذكروا السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله وسيد المقاومة عندما قال قبل سنتين تقريبًا: نحن الآن نخرج إليكم من البحر المتوسط، ولم نخرج عليكم بعد من البحر الأحمر". وشرح الحسيني كيف أن المملكة العربية السعودية عبارة عن "قبيلة على وشك الانقراض"، قائلً: "الآن العزيز أصبح هو اليمني والفقير هو السعودي، ليس

  1. الدور السعودي-الأمريكي في اليمن"، فجر البحرين،2015/1/1، شوهد في 2016/3/15، في: https://www.fajrbh.com/vb/threads/97918/page-12
  2. عبد الله حميد الدين، "هل هناك تهديد حوثي على الأمن القومي السعودي؟"، الحياة،
  3. Ariel ben Solomon, “What threat does an Iranian-backed Yemen pose to Israel?”, Jerusalem Post , 23/12/2014, accessed 15/3/2016, at: http://www.j post.com/Middle-East/Analysis-What-threat-does-an-Iranian- backed-Yemen-pose-to-Israel-385467 98 Ibid. 99 هيرست.
  4. 2014/9/29، شوهد في 2016/3/15، في:
  5. http://www.alhayat.com/Opinion/Abdullah-hameed-Al-Deen/4822503/

بالمال والأسلحة والارتباطات الدولية، وإنما في صناعة الجغرافيا السياسية وفي صناعة التاريخ. الآن نحن في حالة تحوّل"96. في حين صرّح عوزي رابي - مدير مركز موشي دايان لدراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب - أنّ إيران ترى نفسها قوّة مهيمنة في المنطقة، وأضاف أنّ مسؤول الحرس الثوري الإيراني قال: "إنّ جمهورية إيران الإسلامية تسيطر الآن على أربع عواصم عربية صنعاء وبيروت وبغداد ودمشق"97. 4. ردة الفعل الخليجي على الانقلاب الحوثي تمثّل ردة الفعل الخليجي - على الانقلاب الحوثي في اليمن – في عقد قمة دول مجلس التعاون الخليجي في 9 كانون الأول / ديسمبر 2014 بالدوحة، وأكّد الزعماء الخليجيون دعمهم الرئيس اليمني المستقيل عبد ربه منصور هادي في تحقيق الأمن والاستقرار، وبسط سيطرة الدولة في اليمن، وفي قيادة عملية الانتقال السلمي للسلطة، من خلال التزام المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وأدانوا كل أعمال العنف لتحقيق أهداف سياسية، وطالبوا "بالانسحاب الفوري للميليشيات الحوثية من جميع المناطق التي احتلتها، وإعادة جميع مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لسلطة الدولة، وتسليم ما استولت عليه من أسلحة ومعدات"98. كما أعلنت السعودية أنها تراقب الأمر عن كثب، وتعدّ الأمن في اليمن جزءًا من أمنها الوطني وأمن دول مجلس التعاون الخليجي. وأنّ ما يحصل حاليًا من انقلاب على السلطة الشرعية، واعتداءات متعددة، وسيطرة على مؤسسات الدولة ومرافقها من الحوثيين، هو تهديد خطير للمنطقة بكاملها99. كما علّقت الرياض مساعداتها الموجهة إلى اليمن، رفضًا للنفوذ الحوثي المتزايد100. وقامت بخفض أسعار النفط، ما جلب أضرارًا ضخمة إلى إيران101. هذا الأمر جعل يد الله شيرمردي (المقرّب من خامنئي) يصرّح "بأن صبر إيران تجاه أنظمة في المنطقة له حدود، السعودية تلجأ إلى سلاح النفط لمحاربة إيران، وبهذا ترتكب انتحارًا سياسيًا، إنّ التصرف السعودي سيفرض تغييرًا على كل دول الخليج وأنظمته"، مشيرًا إلى أنّ "كل طرق مرور النفط بدءًا من باب المندب والسويس حتى مضيق هرمز تحت سيطرة إيران"102. ومن خلال ردات أفعال الجانبين، اتّضح أنّ الانقلاب الحوثي تم بتمويل إيراني، وتؤكد ذلك ردّات الأفعال الإيرانية التي أرجعت إلى إيران الفضل في نجاحه، وفي المقابل تولّد سخط خليجي عامة، وسعودي خاصة، وعدم اعترافهم بالحوثيين بل ودعم خليجي للرئيس اليمني المستقيل عبد ربه منصور هادي. وقد صرّح المحلل الاقتصادي محمد عبده العبسي لصحيفة "الشرق الأوسط" بأنّ سيطرة أي جماعات مسلّحة على منطقة باب المندب كارثة ينبغي عدم السكوت عليها، وتمثّل تهديدًا للأمن الإقليمي عامة. وأنّ إيران تسعى منذ سنوات إلى تحقيق هدفها الإستراتيجي المتمثّل بالتحكم في الممرات المائية الإستراتيجية المحيطة بالوطن العربي. فهي تسيطر على مضيق هرمز الذي يمرّ عبره أكثر من 5 ملايين برميل نفط يوميًّا، وتحاول الآن السيطرة على باب المندب الذي يمرّ عبره 3 ملايين برميل نفط يوميًّا، إضافة إلى أنه ممرّ للتجارة الدولية تستخدمه لتوصيل الشحنات والبضائع إلى جميع الدول المطلّة على البحر الأحمر، فضلً عن أنّ باب المندب هو حلقة الوصل بين الشرق والغرب في التجارة الدولية103. ويرى العبسي أنّ سيطرة الحوثيين على باب المندب سيكون لها تأثير كارثي في جميع دول العالم التي تستخدم المضيق. لكنّ المتأثّر الأكبر هو دول الخليج التي ستكون تحت رحمة إيران، والتي ستكون هي المتحكمة في الملاحة الدولية من الشرق في بحر الخليج والغرب في البحر الأحمر104. ولذا، يمكننا حصر أبرز الانعكاسات والتداعيات الذي يمثّلها النفوذ الإيراني في منطقة شرق أفريقيا على الأمن القومي الخليجي، في التالي: نجاح النفوذ الإيراني في إريتريا ساعد إيران على أن تتخذ إريتريا محطة لإمداد الحوثيين في اليمن بالمساعدات العسكرية، وترتّب عليه نجاح الحوثيين في السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء. وهذا يمثّل أكبر تهديد لأمن دول مجلس التعاون الخليجي واستقرارها، بل من الممكن أن يُحدث تغييرًا في معادلة التيارات الشيعية في منطقة الخليج ككل، بل سيضع دول الخليج في مرمى أهداف المطامع الحوثية، وهو الأمر الذي يؤثّر بالتبعية في الأمن القومي المصري. إنّ سيطرة الحوثيين على اليمن، تعدّ تمهيدًا لأن تصبح إيران قوّة إقليمية مؤثّرة في المنطقة. ولذلك، على المحور السنّي المتمثّل بدول الخليج ومصر اتخاذ إجراءات ملموسة لمواجهة النفوذ الإيراني في إريتريا على الأخص. فإيران تتمتع بنفوذ قوي في السودان التي تمثّل الحدود الجنوبية لمصر، ولكن الجانب المصري لم يتّخذ أي إجراء. وعلى الجانب الآخر، نجد أنّ إيران تتمتع أيضًا بنفوذ قوي

  1. المرجع نفسه.
  2. Ben Solomon.
  3. الدور السعودي – الأمريكي."...
  4. المرجع نفسه.
  5. Ben Solomon.
  6. Ibid.
  7. الدور السعودي – الأمريكي."...
  8. مصادر يمنية "....
  9. المرجع نفسه.

في إريتريا المواجهة لليمن المجاورة للسعودية، من دون أن تتحرك السعودية لتقديم مساعدات لإريتريا لضرب هذا النفوذ الإيراني. إذًا، فإيران في طريقها لتطويق المحور السنّي المصري - الخليجي. كما أنّ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، سيعُطي شيعة المنطقة الشرقية في السعودية بصيصًا من الأمل، وكذلك الأغلبية الشيعية في البحرين، وسيمثّل هذا دافعًا لإذكاء النعرة الطائفية، وعمليات التقسيم التي آلت إليها العديد من دول المنطقة. سيطرة الحوثيين على الدولة بهياكلها السياسية كلّها - بفضل إيران وإريتريا - يمكن أن تترتب عليها العديد من التداعيات الأمنية على دول مجلس التعاون الخليجي. إذ يمثّل اليمن ظهيرًا أمنيًّا لكل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، من خلال حمايته حدودهما، البرية الجنوبية بالنسبة إلى السعودية، والغربية بالنسبة إلى سلطنة عمان. في حالة إقامة دولة حوثية مستقلة في اليمن أو حتى انفصلت محافظات الجنوب، فسيكون لإيران موطئ قدم إستراتيجي مهمّ ومباشر على مضيق هرمز إلى بحر العرب. هذا فضلً عن أنّ موقع اليمن الجغرافي المميز على طريق الملاحة الدولية من شأنه أن يمكّن إيران من تعطيل جزء مهمّ من خطوط الملاحة الدولية، ومن ثمّ الإضرار بالمصالح الخليجية والغربية في المنطقة. وبناء عليه، فمن مصلحة دول المجلس الحفاظ على اليمن دولة موحدة مستقرة. ويكون هذا من خلال بلورة رؤية أمنية موحدة، تحافظ بها على وحدتها من التداعيات السلبية للوجود الحوثي في اليمن بهذه الصورة المخيفة لكل دول المنطقة.

ثالثًا. نحو رؤية خليجية لمواجهة التحرك الإيراني في أفريقيا

من المؤكّد أنّ الوجود العربي بوجه عام، والخليجي بوجه خاص، في القارة الأفريقية يكاد أن يكون معطّلً. فلا بد من صحوة عربية خليجية جادة ومؤثّرة، لمد جسور جديدة مع دول القارة الأفريقية جميعها، وذلك لمواجهة التغلغل الإيراني في أفريقيا عامة وشرق أفريقيا خاصة، وقد انتشر في تلك المنطقة انتشار النار في الهشيم. كما أنه لا بد من وجود خليجي حقيقي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في منطقة القرن الأفريقي، لما تمثّله هذه المنطقة من أهمية إستراتيجية للأمن القومي الخليجي. فمن المستغرب جدًا أن تكون سفارة عربية واحدة فقط في "موروني" عاصمة جزر القمر العربية، ورئيس جمهوريتها زعيم التشيّع الجديد في هذه الجزر العربية، وتلقّى تعليمه في حوزة قم على نفقة إيران. ولذا، فقد أصبح العمل الخليجي المشترك الجاد ضرورة قومية ملحة، لأخذ موقع ملائم في السياسة الأفريقية بأركانه الدبلوماسية، وذلك بتنشيط مكاتب الجامعة العربية ونشرها في العواصم الأفريقية، وبمشاركة الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي. ولا بد من تجديد الدم في عروق رابطة العالم الإسلامي والمنظمات التابعة لها، والتي "كان" لها نشاط مميز في نشر الدعوة الإسلامية، وتفعيل الأهداف السامية للتضامن الإسلامي في القارة الأفريقية105. كما أنّ دولة مثل السودان من الممكن أن تُتّخذ منصة أو جسرًا للعبور إلى دول شرق أفريقيا جميعًا، لا سيما أنّ هناك مسؤولين سودانيين ينتقدون بشدة النفوذ الإيراني في السودان. فيجب توفير دعم خليجي قوي للدولة السودانية، يستطيع المسؤولون من خلاله أن يفضّ لوا التعاون الخليجي على التعاون الإيراني. فها هو وزير الخارجية السوداني علي كرتي ينتقد الحكومة السودانية لسماحها برسو السفن الحربية الإيرانية في ميناء بورتسودان، قائلً: "إنه لم يتمّ التشاور معهم حول هذه المسألة"، بل ويحذّر كرتي "من أنّ مثل هذه الخطوة من شأنها أن تؤثّر في علاقات الخرطوم مع دول الخليج، خاصة وأنّ السودان تعتمد على المساعدات، بل وتكافح من أجل التغلب على ديون 38 مليار دولار، خاصة بعد انفصال الجنوب الغني بالنفط"106. ويرى كرتي أنّ واحدة من دول الخليج التي تراقب عن كثب علاقات السودان مع إيران هي الكويت التي تعهدت ب 500 مليون دولار من المساعدات، و 450 مليون دولار من القروض و 50 مليون دولار منحة للسودان. وفي شهر تشرين الأول / أكتوبر 2012، أشاد كرتي بالعلاقات الاقتصادية والسياسية بين السودان والكويت. ومع ذلك، حذّرت صحيفة القبس الكويتية من أنّ الخرطوم بدت "غير مبالية" بالمخاطر التي تتعرض لها علاقاتها مع دول الخليج، إذا استمرت في "الاستفادة من سياسة إيران ’اليد الممدودة "‘107. كما على دول الخليج استغلال الصفعة التي وجّهتها السودان إلى إيران في أيلول / سبتمبر 2014. فقد أعلن القادة السنّة غلق المراكز الثقافية التي تدعمها إيران، وطرد دبلوماسي ومبعوثين آخرين، ومنحهم 72 ساعة لمغادرة البلاد. ويشير القرار إلى أنّ القادة السنّة في السودان قلقون قلقًا متزايدًا من نفوذ القوّة الشيعية الإيرانية في السودان. وفي الوقت نفسه، ناشدت حكومة الرئيس عمر حسن البشير المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج الحصول على مساعدات اقتصادية لمواجهة

  1. انظر: عبد الإله بن سعود السعدون، "تحذير من التغلغل الإيراني في إفريقيا"، الجزيرة، 2012/11/2، شوهد في 2016/3/15، في: http://www.al-jazirah.com/2012/20121105/du9.htm
  2. “ Sending our warships...”.
  3. Ibid.

العقوبات الغربية بسبب الصراع في إقليم دارفور، وتوقعت الواشنطن بوست أنّ هذه التوترات سوف تمتدّ إلى شؤون العسكرية108. كما يتطلب تدعيم الأمن القومي الخليجي الاعتماد على عدد من الركائز الواقعية والعملية، لتغيير الواقع السلبي في العلاقات بين دول الخليج وشعوب منطقة شرق أفريقيا، ومن بين هذه الركائز: تأسيس حوار إستراتيجي خليجي مع دول الشرق الأفريقي عامة وإريتريا خاصة، بمفاهيم وصيغ جديدة. فقد تمّ تجاوز المرحلة التي قام فيها هذا الحوار على أساس المقايضة والمنافع السياسية المتبادلة، ومن ثمّ يجب الدخول في مرحلة جديدة تُؤَسّس على إقامة شراكة عربية أفريقية حقيقية، قوامها المصالح الإستراتيجية المشتركة، والقضايا ذات الحساسية لكل من الطرفين. الاهتمام بمنظومة الأمن في البحر الأحمر، على أنه ممرّ التفاعل الرئيس بين العرب عامة والقرن الأفريقي. ويقتضي هذا الأمر أن تكون لمصر والسودان والسعودية واليمن آلية إقليمية لتحسين بيئة الأمن في البحر الأحمر، ودعم علاقات الجوار مع القرن الأفريقي. ضرورة التوسع في إقامة الاستثمارات والم وررعات الاقتصادية المشتركة، ليحلّ محلّ أسلوب المنح والهبات المالية ذات الطابع التقليدي؛ ذلك أنّ أثر هذه المشروعات أكبر في تعميق الصلة الحقيقية بين دول الخليج والأفارقة109. ضرورة إعلان دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تضمّ الإمارات والكويت والسعودية والبحرين وقطر وعمان، تشكيل قوّة عسكرية بحرية مشتركة بالتنسيق مع الجيش المصري والبحرية المصرية للسيطرة على حركة الملاحة بالبحر الأحمر، ونشر قوات بحرية عربية للتحكم في مضيق باب المندب، ومنع الحوثيين باليمن من السيطرة على باب المندب والمنافذ البحرية المطلّة على البحر الأحمر110. تفعيل برنامج الزيارات - أسوة بإيران - بداية من رئيس الدولة مرورًا بالوزراء، وخاصة وزراء الدفاع، لدراسة الأوضاع الأمنية جيّدًا في شرق أفريقيا، حتى يتسنّى لهم معرفة المناطق التي تركّز عليها الدولة الإيرانية للحصول على تسهيلات عسكرية، وصولً إلى رجال الأعمال من الجانبين.

خاتمة

وخلاصة القول، إنّ الجمهورية الإيرانية استطاعت بالفعل أن تتغلغل في منطقة شرق أفريقيا، منذ التسعينيات، وازداد موقع القارة الأفريقية عامّة - مع وصول الرئيس السابق أحمدي نجاد إلى سدة الحكم في عام 2005 - أهمية في السياسة الخارجية الإيرانية، الأمر الذي يدلّ على إدراك الخارجية الإيرانية المناطق المؤثّرة في المنطقة العربية. فإيران الآن تصول وتجول في العالم العربي، ثمّ انتقلت إلى القارة الأفريقية، وكأنها تريد تطويق المنطقة العربية بوجه عام والخليج بوجه خاص. ونقول لقد نجحت إيران بالفعل في تنفيذ إستراتيجيتها والوصول إلى منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما يعدّ أكبر تهديد للأمن القومي لمنطقة الخليج العربي من ناحية، ومصر من ناحية أخرى. والآن بدأت منطقة الخليج تلمس ذلك التهديد بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء العاصمة اليمنية. فنجاح النفوذ الإيراني في شرق أفريقيا بوجه عام، وإريتريا بوجه خاص، ساعد إيران على أن تتخذ إريتريا محطة لإمداد الحوثيين في اليمن بالمساعدات العسكرية، وترتب عليه نجاحهم في السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء.

  1. Brian Murphy, “Sudan pushes back against Iran: Cultural centers closed, envoys banished”, The Washington Post , 2/9/2014, accessed 15/3/2016, http://wapo.st/1p8cRBv
  2. نجلاء مرعي، " إيران والنفوذ المتصاعد في (القرن الإفريقي)... في ظل الغياب العربي"، الراصد، 2012/6/20، شوهد في 2016/3/15، في: http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=5724 at:
  3. القاعدة تعتزم تشكيل جيش جهادي ضخم بافريقيا: قوات بحرية خليجية مصرية لمواجهة الحوثيين وإيران"، وفاق برس، 2014/11/5، شوهد في 2016/3/15، في: http://wefaqpress.net/news_details.php?sid=21068

المصادر والمراجع

"إيران والنفوذ المتصاعد في ’القرن الأفريقي‘"، مجلة البيان،.2016/2/15 "نشاط إيران في شرق إفريقيا بوابة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية"، إعداد مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب، مجلة قراءات أفريقية، العدد 5 (حزيران / يونيو 2010). حميد الدين، عبد الله. "هل هناك تهديد حوثي على الأمن القومي السعودي؟"، الحياة، 2014/9/29. خزار، فهد مزبان. "التوجه الإيراني إزاء أفريقيا: رؤية جيوبوليتيكية"، مجلة دراسات إيرانية، جامعة البصرة، العدد.)2011(14 الديني، يوسف عبد الله. "انهيار اليمن الواحد بحروب طائفية انقلابية: الحوثيون «حزب الله» الجديد"، المجلة،.2014/10/10 صالح، جلال الدين محمد. "القرن الأفريقي.. أهميته الإستراتيجية وصراعاته الداخلية"، مجلة قراءات أفريقية، المنتدى الإسلامي )لندن)، العدد 1.)2004(عبد الحليم، إيمان أحمد. "اختراقات مذهبية: مخاطر تنامي النفوذ الإيراني في اليمن"، السياسة الدولية،.2014/5/7 محمد، سها إسماعيل. "الدور الإيراني في أفريقيا )2013-2012 "(، التقرير الإستراتيجي الأفريقي 2012 / 13 20، صبحي قنصوه ونادية عبد الفتاح )محرران(، مركز البحوث الأفريقية، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، )يوليو.(2014

ناصر، نقولا. "اريتريا: بوابة إيران إلى اليمن والحوثيين؟"، مجلة المحرر، العدد 286، السنة 18.)2010(