السياسة الأمنية الجزائرية: المحددات - الميادين - التحديات

Algerian Security Policy: Determinants, Fields and Challenges

محمد علي ندور| Mohamed Ali Nador *

مرسي مشيري| Morsi Mochiri *

*

Abstract

Algerian Security Policy: Determinants, Fields and Challenges [Arabic]

عنوان الكتاب: السياسة الأمنية الجزائرية: المحددات - الميادين - التحديات المؤلف: منصور لخضاري الطبعة: الأولى سنة النشر: 2015 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عدد الصفحات: 320 صفحة.

محددات السياسة الأمنية

يجعل الباحث ما هو جيوسياسي المحدِّد الأبرز في صناعة السياسة الأمنية الجزائرية؛ فجغرافيا الجزائر الطبيعية والبشرية وعناصر هويتها الوطنية، ووقوعها على امتدادات عديدة، أنتجت فضاءات جيوسياسية تنوّعت بتنوع أسس انتمائها ومنطلقاته، بين ما رسمته الجغرافيا الطبيعية وما أفرزته الجغرافيا البشرية. ويلتقي عند موقع الجزائر المحوري ويتقاطع حوله عدد من الامتدادات، التي من الصعب ألا تخلّف الأثر العميق في الأمن الوطني؛ وهي الامتدادات التي تتداخل بشكل مركب ومتشابك، إلى قدرٍ جعل إقامة الحدود الفاصلة بين فضاءاتها أمرًا مستبعدًا. وألقى ذلك بانعكاساته الجيوسياسية على السياسة الأمنية الجزائرية، وبخاصة في خضم تزايد الأخطار والتهديدات الأمنية عبر الوطنية من قبيل الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، وتبييض الأموال؛ وهي الأخطار التي لا تهدد الجزائر فحسب، بل تشترك في ذلك مع غيرها من الدول المتوسطية وفضاء الساحل الأفريقي، إلى جانب الفضاء المغاربي.

غير أنّ الجيو-اقتصاد الجزائري - القائم أساسًا على المحروقات (النفط والغاز) ما دفع إلى وصفه بالاقتصاد الريعي - شكّل، كما يرى لخضاري، المحدد الثاني ما بعد المحدد الجيوسياسي؛ إذ يدفعه للتساؤل حول مدى قدرة الاقتصاد الجزائري على تحقيق التنمية المتوخاة، والتي من شأنها تأمين الجزائر ضد الهزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويطرح المؤلف، انطلاقًا من تحليل بعض مؤشرات الاقتصاد الجزائري، تساؤل محوريًا حول صحة هذا الاقتصاد، وقدرته التنافسية، اللتين من شأنهما حمايته من الارتدادات السلبية لأسعار المحروقات في الأسواق العالمية. وكان من أهم ما خلص إليه المؤلف، في هذا الباب، أنّ هناك علاقة طردية قائمة بين المزج بين الريع النفطي والديمقراطية لتحقيق التنمية الاقتصادية، انطلاقًا من المعادلة المبنية على أنه كلما تعزز النظام السياسي بالقيم والمبادئ الديمقراطية، رفع اقتصاده الريعي من مؤشرات التنمية، وانعكست هذه الأخيرة إيجابيًا على حياة المواطن الاجتماعية. ولا تقف محددات السياسة الأمنية الجزائرية عند ما هو جيوسياسي وجيو-اقتصادي فحسب، بل تشمل أيضًا المحددات الجيوستراتيجية والتي ركّزها المؤلف حول الآتي: أولً: الرهانات الجيوستراتيجية لفضاء الساحل الأفريقي: فالأهمية الإستراتيجية للساحل الأفريقي، بالنسبة إلى الجزائر، مستمدة من كون هذه المنطقة تشكّل الحزام الأمني المتقدم للأمن الوطني الجزائري، هذا إلى جانب تقاطعات للجزائر مع هذا الساحل ودوله من خلال امتدادات قبائل الطوارق، وبروز الظاهرة الإرهابية، وتزايد أنشطة الجماعات المسلحة، وبخاصة بعد إعلان قيام "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" عام 2007، ليلفت الأنظار إلى الساحل الأفريقي عبر عملياته الإرهابية كمً ونوعًا. وإذ شكل الجنوب الجزائري ملجأ لكثير من المهاجرين غير الشرعيين، نتيجة انفتاحه على دول الساحل الأفريقي، استحدثت وزارة الداخلية الجزائرية "الديوان الوطني لمكافحة الهجرة غير الشرعية"، الذي أنيطت به إلى جانب باقي السلطات الأمنية مهمات احتجاز المهاجرين وإعادتهم إلى بلدانهم. ولم تكن الجزائر لدى أغلب المهاجرين الأفارقة مستقرًا وملجأ، بل هي معبرٌ لهؤلاء، وهو الرهان الأكبر والأخطر مقارنة بسابقه، كما يرى لخضاري. فإلى جانب غيرها من البلدان المغاربية، تعد الجزائر في نظر الدول الأوروبية على الجانب الآخر لضفة المتوسط حاجزًا متقدمًا واستباقيًا ضد قوافل المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء. ولا تنحصر الأهمية الإستراتيجية للساحل الأفريقي في ما ذكر فحسب، إذ ترتكز أيضًا على غنى هذا الفضاء بالثروات ومصادر الطاقة، ودوره في رسم العلاقات الدولية؛ ما جعله محط اهتمام القوى العالمية، ومحل التنافس والتدخل الأجنبي؛ أي بتعبير أكثر دقة، من منطقة نفوذ فرنسي بامتياز (التاريخ)، إلى فضاء يحتل منزلة كبيرة في السياسة الخارجية الأميركية (الإرهاب)، وصولً إلى ساحل للاستثمارات الصينية (الاقتصاد.) ثانيًا: البناءات الجيوستراتيجية للفضاء المتوسطي: انطلاقًا من غنى هذا الفضاء بالبنى والهياكل المؤسساتية، ركز الباحث تحليله على إطار العلاقات الأورومتوسطية "مسار برشلونة" (1995)، الذي أسس للشراكة بين ضفتي المتوسط، بهدف تحقيق التعاون الشامل،

وتعزيز الحوار السياسي، وتنمية الشراكة الاقتصادية والمالية، ليتواصل التنسيق ويشمل الشق الأمني إثر تأسيس مجموعة 5+5 (البرتغال، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، مالطا + الجزائر، المغرب، مصر، تونس، موريتانيا) عام 2003، كإطارٍ لفرص تنسيق جهد مواجهة التحديات الأمنية المشتركة في المتوسط (الإرهاب، والهجرة، والجريمة المنظمة.) غير أنّ هذه البناءات لم تكن نهائية، فضرورة تعزيز الطرح التشاركي للتفكير في إيجاد فرص بديلة من أجل بلورة حلول لأعقد المشكلات المتوسطية، وفي مقدمتها الصراع العربي - الإسرائيلي، دفع إلى تبني فكرة "الاتحاد من أجل المتوسط"، وهو المشروع الذي غلب عليه الموقف المترقب والمتحفظ للجزائر، بدعوى غموض انطلاقته وضبابيتها، وما شابها من تيهٍ هوياتي (فرنسي أم أوروبي)، وزاد انضمام إسرائيل إلى هذا البناء من هاجس الترقب الذي راود الحكومة الجزائرية. وعزّز التقاء توجهات حلف شمال الأطلسي "الناتو" الجديدة (ما بعد مؤتمر براغ تشرين الثاني/ نوفمبر 2002)، القائمة على التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، سبل التعاون بين الجزائر والحلف وعلاقاتهما، وبخاصة باعتبار منطقة المتوسط إحدى مركبات الهندسة الأمنية لأوروبا؛ لأن "التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب" لطالما شكل طرح الجزائر لمجابهة هذا الخطر العالمي وهذه الظاهرة العابرة للأوطان. غير أنّ الهيمنة الأميركية على الحلف، وتعارض بعض توجهات هذا الأخير مع بعض ما تراه الجزائر من ثوابت سيادتها الوطنية (الأزمة الليبية)، جعل الجزائر تبقي على قدر من التحفظ في علاقات التعاون والتقارب بين الطرفين. ثالثًا: تداعيات الصراع العربي - الإسرائيلي: يكفي اعتبار الجزائر بلدًا عربيًا لتجد نفسها معنية بالصراع. وتبعًا لاتخاذ الكيان الصهيوني كيانًا معاديًا، فمن الضروري التوقف عند محطات تقاطع الجزائر وهذا الكيان على الخريطتين الجيوسياسية والجيوسترتيجية، لمعرفة تداعيات الأمر على صناعة السياسة الأمنية الجزائرية وبنائها. فالمساندة الجزائرية التاريخية للقضية الفلسطينية، والمواقف المناصرة لنضال الشعب الفلسطيني في مسيرته من أجل تقرير المصير والاستقلال (احتضان الجزائر لمؤتمر إعلان قيام دولة فلسطين تشرين الثاني/ نوفمبر 1988)، وإيفاء الحكومة الجزائرية بتعهداتها والتزاماتها المالية التضامنية مع فلسطين، كل ذلك وضع الجزائر على خط المواجهة مع الكيان الصهيوني، فضلً عن محطات المواجهة الجزائرية – الإسرائيلية (المشاركة في حربي 1967 و.)1973 لهذا فإنّ تقاطعات الجزائر الجيوسياسية والجيوستراتيجية مع إسرائيل أملته: امتدادات الصراع العربي – الإسرائيلي: من الامتداد العربي (الجغرافي الطبيعي والبشري)، وصولً إلى الامتداد الإسلامي (الديني)، المتكامل مع الامتداد الذي قبله، والذي يكاد يصل حد التطابق. مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، المبني على رؤية تخدم المصالح الإستراتيجية الأميركية، القائمة في الأساس على ثنائية تأمين مصادر الطاقة واحتكارها من جهة، وضمان أمن إسرائيل من جهة ثانية، بوصفها الحليف الإستراتيجي الثابت، بغض النظر عن تغيرات الإدارات والسياسات الأميركية المتعاقبة منذ عام.1948 مشروع الهلال السامي: القائم على تحالف "ثالوث الطوارق – الأكراد - اليهود"، واتخذ من التجربة اليهودية، في إقامة وطن قومي، مثالً للنزعات الانفصالية ذات الخلفية الإثنية. وهنا نبه لخضاري إلى خطورة توظيف الولايات المتحدة، ومن ورائها إسرائيل للطوارق، عبر دعم بعض الانفصاليين منهم، بحجة دعوى حماية الأقليات وحق الشعوب في تقرير المصير، لتضرب بالمقابل، وفي العمق، الاستقرار الوطني والسلامة الترابية للأوطان.

ميادين السياسة الأمنية

يُرجع المؤلف ميادين السياسة الأمنية الجزائرية إلى تلك المعرّفة بمحددات عسكرية في الأساس، وهي المكترثة أساسًا بتأمين الدفاع الوطني بالدرجة الأولى، تتبعه إستراتيجية مكافحة الإرهاب، يليهما ضمان التماسك الوطني وتحقيق السلم الاجتماعي. فمنطلقات العقيدة العسكرية الجزائرية1، مرتبطة بمكانة مؤسسة الجيش ضمن الدساتير الجزائرية، والتي تنبني على الخيار الدفاعي

(الحرب الدفاعية) في استعمال القوة العسكرية، لا على الهجوم؛ بمعنى تأمين حدود البلاد وحمايتها وصون وحدتها الترابية، بالتوازي مع السعي، على الصعيد الخارجي، إلى التعاون الإقليمي والدولي في كل ما من شأنه تحقيق الأمن والدفاع وترقيتهما.

وتستلزم مواصلة المؤسسة العسكرية أداء مهماتها الدفاعية، اتباع منهجية مهنية للرقي باحترافية هذه المؤسسة وعصرنتها، بدءًا من العتاد الحربي وانتهاءً بتنمية القدرات البشرية، وما يستتبع ذلك من رصدٍ للاعتمادات المالية. ولا ينفصل تأمين الدفاع الوطني عن محور مكافحة الإرهاب وسياساته الوطنية، بداية من إجراءات إعلان حالة الطوارئ (شباط/ فبراير 1992)، وانتهاج سياسة "الكل أمني"، أي التركيز على الشق الأمني في ظل العمق السياسي والاجتماعي للأزمة، مرورًا بسياسة المصالحة الوطنية التي انطلقت مع قانون الرحمة (شباط/ فبراير 1995)، والمكملة بقانون استعادة الوئام المدني/ الوطني (تموز/ يوليو 1999)، وختمت بصدور ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. وما دام تأمين التماسك الوطني وتحقيق السلم الاجتماعي يعد، كما يرى لخضاري، ثالث وآخر ميادين السياسة الأمنية الجزائرية، والذي تهدده الانقسامات الاجتماعية، والمخاطر الطائفية، والضعف في مستوى مؤشرات التنمية، فإنّ بحث رهانات مواجهة مهدداته، ينطلق من إيلاء أهمية بالغة للتنوع اللغوي/ الثقافي، والمحافظة على التعايش بين العربية والأمازيغية، بما يبقي ويعزز اللحمة التاريخية القائمة بين أبناء الجزائر، ضمن مجتمع واحد متعدد اللغات، ومتناغم العادات والتقاليد وغني بالثقافات. ويبقى التعايش بين الجزائريين الميزابيين - الإباضيين وبين غيرهم المالكيين، أمرًا ذا شأن في صناعة السياسة الأمنية، إلى جانب وضع حلول للإشكالية الطارقية، التي تسترعي عددًا كبيرًا من المخططات الأجنبية الساعية للاستثمار في خصوصيات الطوارق، لبعث المشروعات الانفصالية، وتهديد الوحدة الترابية والمس بالانتماء الوطني، مما قد يضع الأمن الوطني الجزائري على المحك. وعلى صلة بتحقيق السلم الاجتماعي وما يترتب على افتقاده من مشكلات وأزمات تهدد أمن المواطنين وما يصحب ذلك من اضطرابات اجتماعية، تبنت الجزائر سياسات وطنية معززة للسلم الاجتماعي موجهة للشباب، وذلك عبر مباشرة الحكومات الجزائرية المتعاقبة مساعي مختلفة لدعم الشباب، وترقية أوضاعهم الاجتماعية والمهنية، بتنمية المبادرات المقاولاتية والرفع من مستويات التشغيل والتأمين ضد البطالة. كما أن هذه السياسات لم تكن موجهة فقط للشباب، فقد حظي الموظفون بحيز كبير في الأجندات الحكومية، بدءًا من مراجعة التشريعات الناظمة لعملهم، مرورًا بتحسين الأجور والتعويضات والحوافز المالية (انتقلت كتلة الأجور من 3 مليارات دولار سنة 2008 إلى 8 مليارات دولار سنة 2010)، بغية الوصول إلى ترقية وضعية الموظفين الاجتماعية.

تحديات السياسة الأمنية

ينطلق المؤلف في بحثه لتحديات السياسة الأمنية من ارتدادات الحراك العربي، وهو ما قاده، بعد الحديث عن مسار حوادث الحراك العربي، ودور الإعلام والاتصال الحديث في هذا الشأن، إلى طرح تساؤلات إشكالية بشأن حقيقة ما عرفته الساحة العربية؛ فهل ما حدث ثورات عربية؟ وما دلالة توظيف مصطلح "الربيع" لوصف الحراك العربي؟ ليختم ذلك بمناقشة: ما مدى ارتباط أو براءة هذا الحراك من التدخل الخارجي وتنفيذ الأجندات الأجنبية؟ وعلى اعتبار الجزائر قطعة لا تقبل التجزئة عن باقي البلدان العربية، فإنها لم تكن بمعزل عن موجة الحراك القائم في محيطها الإقليمي. وللالتفاف على الاحتجاجات المندلعة، على غرار الحركات التي شهدتها الجزائر في السابق، خرج الخطاب الرسمي في هذا البلد ليكرر نفسه من جديد مطلع سنة 2011، بالتركيز على أسبابها الاقتصادية وأبعادها الاجتماعية، المثيرة لها والمؤجّجة والمحرضة عليها؛ وهي المقاربة التي يسهل تبنيها بالنظر إلى السياسة الريعية التقليدية للدولة، والتي يمكن من خلالها ضمان "شراء" نوع من الأمن الاجتماعي. غير أنّ هذا الرفض للخوض في الأبعاد السياسية المتجذرة والعميقة التي يُثيرها ويُحيل إليها هكذا نوع من الحراكات، وفي ظل ذاك السياق الإقليمي الذي برز فيه، لم يكن له ما يبرره خاصة بعد اتجاه السلطة الحاكمة إلى اتخاذ خطوات في اتجاه الإصلاح السياسي.

ويرجع الباحث أسباب تحفظ الشعب الجزائري وريبته من موجة الحراك العربي، إلى طبيعة النظام السياسي الجزائري وخصائص بنيته، ومكانة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المحترمة (تجلت في خلو المطالب السياسية التي رفعها المحتجون من شعارات تنادي بإسقاطه). كما شكلت التجربة المريرة للجزائر مع العنف السياسي، خلال سنوات التسعينيات من القرن الماضي، إلى جانب الوفرة المالية المريحة للجزائر، إضافة لتداعيات التدخل الأجنبي في مسار الثورات العربية، عوامل لتكريس النفور الجزائري من الاستمرار في التقاط الفرصة السياسية للربيع العربي.

ويعالج لخضاري أيضًا موضوع تحديات السياسة الأمنية من خلال التوترات الأمنية الحدودية الكثيرة لهذا البلد مع جيرانه، انطلاقًا من تأزم العلاقات بين الجزائر والمغرب، بسبب التوتر الحدودي بين البلدين، الذي يعود إلى مرحلة ما بعد استقلال الدولتين، وما كاد هذا التوتر ينجلي، حتى برزت، قضية الصحراء الغربية على سطح المواضيع الخلافية بين الطرفين، مشكِّلة، نتيجة امتداداتها الجيوسياسية والإستراتيجية، تغذية كبيرة للمواقف الدولية خاصة الغربية منها؛ ما يذكي توتر العلاقات الجزائرية – المغربية. وعلى ضوء ذلك، تتحدد سياسات البلدين وإستراتيجياتهما الأمنية والدفاعية ومساعيهما التسلّحية. وتجد تعقيدات أزمة ليبيا ما بعد القذافي، مكانتها ضمن تحديات السياسة الأمنية الجزائرية، نتيجة ل: أولً، مواقف الجزائر من الأزمة والتي لا تروق المعارضة الليبية، وثانيًا، انعكاسات الانفلات الأمني على طول الشريط الحدودي الجزائري - الليبي، المدعوم بالانهيار الأمني على الجانب الشرقي من الحدود. ويسترسل الباحث ليناقش خصوصيات الجوار الجنوبي للجزائر، الموسوم بتعقيد الوضع الداخلي لمالي، مع ظهور الحركات الطوارقية (الأزوادية) المسلحة؛ إذ لم تدّخر الجزائر جهدها ومساعيها لإحلال السلام والأمن في شمال مالي، ومن ثمّ تجنب الارتدادات السلبية لوضع المنطقة المتردي على أمنها الوطني، خاصة مع تجدد خطر إقامة "وطن قومي للطوارق"، وتحالف بعض الحركات الأزوادية مع التنظيمات الإرهابية، إلى جانب تبعات التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي على الحدود مع الجزائر.

هل من تقييم للسياسة الأمنية؟

يستمر الواقع الأمني في الجزائر بمواجهة المهددات الأمنية والأخطار الواردة من دول الجوار وغيرها؛ سواء تعلق الأمر بدول غير جارة (إسرائيل)، أو الأخطار الموضوعاتية التي تهمّ بعض القضايا ذات الأبعاد عبر الوطنية مثل تحدي الإرهاب وتجارة المخدرات، أو المهددات الداخلية المرتبطة أساسًا بالحراك الاجتماعي والطبيعة الاحتجاجية للمواطن الجزائري التي غالبًا ما يغيب عنها أو يضعفها التنظيم والتأطير الحزبي والجمعوي. ويستلزم ذلك تقويم السياسات الوطنية المرتبطة بمستويات السياسة الأمنية، بدءًا بالإصلاح السياسي، وصولً إلى نجاعة السياسات الاجتماعية. وهنا نختم هذه المراجعة بما ختم به الباحث فصل "تحديات السياسة الأمنية" بالقول: "التركيز على إدامة النظام (ولو بتغيير واجهته ووجوهه) من دون الالتفات إلى حقيقة وعمق الأزمات الاجتماعية والأوضاع الإقليمية والدولية ذات التأثير في الأمن الوطني، من شأنه أن يعود بالسلبية على سياسته بأن يصيبها الضعف ويمسها الوهن إلى حد لا تستطيع معه الجزائر ككل متكامل (نظامًا ومجتمعًا ودولةً) تأمين نفسها."

* Ahmad Jassim al-Hussein أحمد جاسم الحسين|

صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح

La fabrication de l’ennemi, ou comment tuer avec sa conscience pour soi عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح. المؤلف: بيار كونيسا. المترجم: نبيل عجّان. الطبعة: الأولى،.2015 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات: 317 صفحة.

The Making of an Enemy and How to Kill with a Clean Conscience

هذا الكتاب ودراسات نظريات الصراع

يقتضي تعقّد ظاهرة الصراعات الدولية تعدّدًا منهجيًا في مقاربتها، حتى يستطيع الباحث الإلمام بمعطيات تلك الظاهرة؛ بحيث تتواكب المناهج الوصفية والتحليلية والمقارنة لمحاولة تفسير تفاصيلها. وتشكّل سياقات نظرية الصراع في العلاقات الدولية أرضيةً لتفسير سلوكات الدول تجاه بعضها؛ إذ تُولي إدارة الحروب الحديثة، مثلً، أهمية كبيرة ل "صناعة العدو"، كونها جزءًا من إستراتيجيات نظريات الصراع مع الآخر، بحيث تدخل تلك الصناعة في إطار الحرب النفسية التي تعدّ جزءًا من الحرب الناجعة. وتُوجَّه نظريات صناعة العدوّ، غالبًا إلى الجمهور الداخلي بهدف إقناعه بمداهمة الخطر، ووقوعه الوشيك، وعليه، حتمية رص الصفوف وتحمّل الصِّعاب من أجل مواجهته. وتصبح الصراعات عنيفة بين الدول، عادةً، عندما تتجاوز تلك الدول الحالة السلميةَ في مسعاها لتحقيق أهدافها، وتحاول إيذاء الآخر، أو الهيمنة عليه2، بحيث تصل الأطراف المتنازعة إلى مرحلة الحرب بصفتها الشكل الأعنف للصراع. وهي ظاهرة دائمة التكرار في العلاقات الدولية، يجري اللجوء إليها كي تمنح الدول نفسها معطياتٍ جديدة. ويُلحظ من وجهة ثقافية، أنّ الحضارات لا تنفكّ عن إيجاد عدو تنكفئ من خلاله على نفسها أحيانًا، أو يكون سببًا في محاربتها الآخر. ولعلّ أبرز مثال على ذلك شيوع نظرية حتمية "صراع الحضارات"3، ضمن إطار الاشتغال على صورة الآخر في الثقافات. وكانت صناعة العدوّ عذرًا مقنعًا، عبر العصور، للدفاع عن المطامح الشخصية للكثير من الحكام والإمبراطوريات. بيد أنّ ما يميزها في العصر الحاضر كونها صارت صناعة متقنة، لها مؤسساتها وروّادها ومروّجوها، ومستهلكوها4. وللثقافة العربية علاقة خاصة ب "العدوّ"، كونها تميل في كثير من تفسيراتها للركون إلى نظرية المؤامرة. ويلتقي في ذلك الوعي الاجتماعي مع مصلحة الأنظمة الحاكمة؛ فقد شكّل الاتكاء على نظرية المؤامرة حالة استرخاء لدى الجمهور كي لا يقارب الكثير من تفاصيل حياته، وفي الوقت نفسه كان "العدو" الذي تحاربه الأنظمة الاستبدادية حجةً متميزة للإمعان في استبدادها. ومن الصور المعاصرة لصناعة العدو في الثقافة الغربية، الاشتغال على ظاهرتَ "الإسلاموفوبيا" و"رهاب الأجانب". وهي صور تزرعها وسائل الإعلام المعاصرة في الغرب في أذهان مواطني تلك الدول، مؤيدة ما تذهب إليه ببعض التصرفات على أرض الواقع، لتصبح جزءًا من اللاوعي الغربي، بحيث باتت في بعض صورها خطرًا مجتمعيًا، كما حدث في فرنسا، ما دفع حكومتها للبحث عن مخارج، بهدف التخفيف من وطأة حضوره وأثره في حركة المجتمع5.

وتمثّل الأدوات الإعلامية أداة رئيسة لصناعة العدو. ولعلّنا نتذكر في هذا السياق الدور الذي قامت به شبكة "سي إن إن" في حرب الخليج الأولى سنة 19916، وشبكة "فوكس نيوز" إبان الحرب على العراق سنة 2003. ويعدّ نعوم تشومسكي من أبرز الباحثين الذين التفتوا إلى آليات صناعة العدوّ الأميركية والغاية منها. ووجد مضارّها أكثر من حسناتها. وعبّ غير مرة عن استنكاره هذه الصناعة، مركّزًا على دور الإعلام السلبي في زراعتها، بخاصة استنبات العدو الشرقي المسلم المعادي لأميركا7. وتكشف اعترافات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير التي نشُرت مؤخرًا في ما يخص غزو العراق، وجهًا من وجوه زيف صناعة العدو أحيانًا؛ إذ قال: "أعتذر عن أنّ المعلومات الاستخبارية التي حصلت عليها كانت خاطئة"8. وتذكر في هذا السياق كتب "الأسرار" التي تنشر بعد مرور سنوات طويلة أو قصيرة عن مراحل سابقة مفصلية في تاريخ البلدان أو العلاقات فيما بينها، أو الحروب؛ إذ يكشف بعضها أنّ ما جرى تسويقه للجمهور، هو غير ما حدث في الواقع. وتُستخدم صناعة العدو، غالبًا، في سُبل محاربة الآخر والهجوم عليه، وليس في حروب نيل الاستقلال. ويعثر المتابع للسياسة الأميركية على الكثير من محاولات التركيز على صورة العدو وتضخيمها من مرحلة

  1. Heinz Jurgen Axt & Antonio Milososki & Oliver Schwarz, Conflict: a literature review (Essen: University of Duisburg, 2006), p. 1.
  2. صموئيل هنتنغتون، صدام الحضارات:. إعادة صنع النظام العالمي، طلعت الشايب (مترجم)، ط 2 (القاهرة: سطور،.)1999
  3. Mark Fenster, Conspiracy Theories: Secrecy and Power in American Culture (London: University of Minnesota press, 1999), p. 65.
  4. Ray Taras, Xenophobia and Islamophobia in Europe (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2012), p. 140.
  5. بيار كونيسا، صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح، نبيل عجان (مترجم)، ط 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.202
  6. Edward S. Herman & Noam Chomsky, Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media (New York: Pantheon, 2002).
  7. بلير يقر بوجود صلة بين حرب العراق وظهور تنظيم ’الدولة الإسلامية"‘، بي بي سي، 2015/10/25، شوهد في 2016/2/12، في: http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2015/10/151025_blair_islamic_ state_iraq_war

إلى مرحلة أخرى، ابتداءً من العدوّ الياباني وصولً إلى العدوّ السوفياتي، ثم العدوّ الإرهابي المعاصر. وقد استرعى تضخيم صورة الإرهاب المعاصر وغاياتها منه، انتباه الروائي إدواردو غاليانو، فكتب نصًا عنوانه "يوم ضد الإرهاب"، حاول أن يفسّ فيه الغاية من تضخيمه: "مطلوب لخطف البلدان. مطلوب لخنق الأجور وخفض الوظائف. مطلوب لاغتصاب الأرض، وتسميم المياه، وسرقة الهواء. مطلوب للاتّجار بالخوف"9. وازدهرت صناعة العدوّ في ربع القرن الأخير، بعد انتهاء الحرب الباردة، لأنّ نهايتها قد أعلنت وفاة العدوّ على مستوى العلاقة الغربية السوفياتية، ما جعل سياسيّي تلك الدول يحارون في كيفية إبقاء التكاتف موجودًا خلف الحكومات، بعد أن ذهبت إستراتيجية مهمة جرى الاشتغال عليها فترة طويلة، وقد أدرك السوفيات ذلك؛ إذ صرخ أرباتوف مستشار غورباتشوف متوجهًا إلى الغرب: "سنقدّم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو"ّ.

ولعلّ أبرز ما يميز هذا الكتاب "صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح"، الاعتماد على التجربة وغزارة الشواهد؛ فمن قام بتأليفه ليس باحثًا أكاديميًا ابتغى دراسة هذا الموضوع فحسب، بل سبق له أن عمل في الميدان الذي يتحدث عنه، إضافةً إلى أنّه عضَّ د عمله بمنهجية علمية لافتة للنظر، ممزوجة بأسلوب ساخر؛ إذ تناول الكثير من التفاصيل، مدعمة بالأمثلة، وقدّم تفكيكه لآليات القراءة، والأفكار التي شكّلت أرضية فكرية لها، وفقًا لميشال فييفيوركا في مقدمته لهذا الكتاب (ص. 11) لقد سبق أن نبّه أكثر من باحث إلى الأهمية الاستثنائية لصناعة العدو التي أصبحت بمنزلة "غراء" يجعل مواطني دولةٍ ما متضامنين مع دولتهم في محاربة "العدو"ّ10. فهو، وفقًا لنعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، يتنزّل ضمن إستراتيجية السيطرة على الشعوب، لتصبح جزءًا من عملية "البروباغندا" الإعلامية التي تسعى لنقل الرسائل المباشرة وغير المباشرة لعامة الناس، من ضمن مناقشتهما أساليب السيطرة في العالم11. وقد سكَّتْ صناعة العدو عددًا كبيرًا من المصطلحات التي اتّكأ عليها ذلك الخطاب؛ من مثل مصطلح "الدول المارقة" الذي برز له استعمالان: "الأول دعائي يطبّق على أعداء مصنفين، والثاني موضوعي يطبّق على دول لا تعدّ نفسها مقيدة بالأعراف الدولية، بيدَ أنّ المنطق يوحي بأن الدول الأكثر قوةً يجب أن تصنّف في الصنف الأخير إلّ إذا كان هذا ممنوعًا على المستوى الداخلي، وهذا توقُّع يؤكّده التاريخ"12. وأدرك بعض الجماعات الجهادية السلفية حسنات صناعة العدو،ّ فبات يشتغل عليه بصفته جزءًا من أيديولوجيته الفكرية، مسخّرًا فريقًا كبيرًا من الدعاة في الأراضي التي يسيطر عليها لإقناعهم بهذا العدوّ "الآخر"، وهو هنا كلّ من لا يقف معهم في كلّ بقاع الأرض، وأفيد من "صنع العدو" من أجل رصّ الصفوف في مواجهته، والقيامُ بكلّ ما من شأنه المحافظة على هذا الاستعداء13.

مؤلف الكتابّ

بيار كونيسا مؤلف هذا الكتاب، مسؤول سابق في وزارة الدفاع الفرنسية. وهو باحث أكاديمي ودبلوماسي متخصص في الشؤون الإستراتيجية الدولية وخصوصًا العسكرية، وكان رئيس تحرير أول خطة إستراتيجية لدعم صادرات الأسلحة، ونائب مدير العلاقات الدولية في المفوضية العامة للتسلح. وهو محاضر في العلوم السياسية، ومستشار لمحطة فرانس 24، وعضو المجلس العلمي لمؤسسة بحوث بوبليكا. انشغل بالعنف المشَْعن الذي تقوده الدول ضد دول أخرى أو مجتمعات، بخاصة الذي تقوده القوى الغربية ضد القوى الشرقية. وعُرف كذلك مؤخرًا بمواقفه المتضامنة مع اللاجئين السوريين، واستنكاره مواقف الدول العربية والغربية منهم. واهتمّ باقتراح أساليب لمكافحة التطرف، مبينًا أنّ الوسيلة العسكرية هي الأضعف

  1. 8 إدواردو غاليانو، أطفال الزمن، تقويم للتاريخ البشري، أسامة إسبر (مترجم)، ط 1 (دمشق: دار التكوين، 2013)، ص.277
  2. نايجل غبسون، فانون المخيلة بعد - الكولونيالية، خالد عايد أبو هديب (مترجم)، ط 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.204
  3. Herman & Chomsky, p. 11.
  4. نعوم تشومسكي، الدول المارقة، استخدام القوة في الشؤون العالمية، أسامة إسبر (مترجم)، ط 1 (الرياض: مكتبة العبيكان، 2004)، ص.9
  5. 12 حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان، تنظيم "الدولة الإسلامية": الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية، ط 1 (عمان: مؤسسة فريديرش إيبرت، 2015)، ص.229

في مواجهته، واستنكر فساد الدكتاتوريات، مؤكدًا أنّها لا تقلّ خطرًا عن الإرهاب في تهديد الأمن الدولي. من أبرز مؤلفات بيار كونيسا كتابان هما: "دليل الجنة"14 الذي يتناول فيه أسباب الحروب الدينية والحلم بالجنة، سواء عند الكثير من المسيحيين أو المسلمين، مدعمً إياه بشواهد ومعلومات كثيرة، تبين أسباب تلك الحروب، موضحًا اختلاط الحلم بالواقع في أحلام المخوّضين فيها، وآليات تشويه المفاهيم الدينية وتفسيرها، بحيث صار الحلم بالجنة، وهي وعد ترغيبي يرد كثيرًا في الكتب الدينية، سببًا في اندلاع الكثير من الحروب. أمّا كتابه الآخر فهو "آليات الفوضى"15 الذي يكشف فيه الشعارات الأميركية الزائفة في السلام والديمقراطية، منطلقًا من مآل التجربة الأميركية في العراق، حيث تفاقمت الأوضاع وازدادت سوءًا، وكذلك تعددت صور الإرهاب، وكثرت حجج وجوده، ويرجع ذلك إلى ثلاثة عوامل، هي: فشل السياسات الأميركية، وشرعنة العنف عند الجماعات الجهادية، وغياب ثنائية القطب في العالم.

محتويات الكتاب ومقولاته الرئيسة

يفتتح ميشال فييفيوركا هذا الكتاب بمقدمة يتحدث فيها عن كون مؤلف الكتاب قادمًا من حقل لديه فيه معرفة وخبرة، مشيدًا بقدرته على تفكيك الفكر الكلاسيكي عبر منهجية علمية، تأخذ من آليات البحث الأكاديمي ما تحتاج إليه، مبقية على حيويتها، مبينًا أنّ من حق المتلقي مشاركة كونيسا ابتهاجه بكشف "الدناءة الفكرية لدى هؤلاء الذين يسهمون في صنع الأعداء" (ص. 11) في مقدمة الكتاب، يقف الكاتب بيار كونيسا على مفهوم الحرب والعدو، متذكرًا نماذج عدة من صناعة العدوّ تاريخيًا، مناقشًا عددًا من المصطلحات التي ترد في كتب العلاقات الدولية، من مثل الديمقراطية الحاملة للسلام، وآليات التأثير في الرأي العام، ولماذا العدوّ؟ وكيف؟ والمراحل التي يمر بها، ممعنًا النظر في المصطلحات المرافقة، مثل: العدوّ القريب والخصم العالمي، والعدوّ الحميم، والهمجي، والعدو المحجوب، وحرب الخير ضد الشر، والعدو التصوري، والعدو الإعلامي؛ مشيرًا إلى أنّه إنْ كان العدوّ بنية، فمن الممكن تفكيكها عبر المصالحة، والتكفير عن الذنب، والعفو، والاعتراف، والذاكرة المشتركة، والعدالة. وتحقيقًا لهذه المقولات الكبرى التي يعلن عنها في مقدمة الكتاب، يقسم المؤلف كتابه إلى ما أسماه "ثلاثة كتب"، هي: الكتاب الأول: ما العدوّ؟ يخصّه بسبعين صفحة، موضحًا بدايةً أن العدو حاجة ماسّة، منطلقًا من مقولةٍ ل ميزونوف مفادها أنّ الاتحاد السوفياتي سابقًا قد وُجدت فيه كلّ ميزات العدو الجيّد "فهو صلب، ثابت، ومتماسك" (ص. 23)

ويتناول جوانب موضوعه عبر عدد من العناوين الكبرى: العدو موضوع سياسي، وقانون الحرب: من الأفضل ارتداء بزة عسكرية، والعدو هو أنا آخر، والحرب العادلة: وسائل مقبولة، وضرورة قصوى، وتفوّق مضمون، والخطر الأصفر قيمة مضمونة، ومحدّدو العدو تقليعة أميركية ثقافية: علم المستقبل، وأجهزة الاستخبارات تخترع تهديدًا، وصنع العدو: روسيا بوتين. يبدأ المؤلف عرضه بمنهجية أكاديمية، من خلال انتقاء أهمّ الكتب التي تصلح مناقشتها لتكون أرضية جيدة لمنطلقاته البحثية، موضحًا أنّ فقدان هذا العدوّ قد خرق التماسك الغربي، وأنّ العدو موضوع سياسي؛ إذ يناقش في هذه الأسطر عددًا من الكتب التي كرّست صفحاتها للحديث عنه، مثل: روسو و"حالة الحرب"، وجنتيليس في "قانون الحرب"، ودو غيبير في كتابه "دراسة عامة في التكتيك"، وليدل هارت، وكذلك جهود غاستون بوتول في علم الحرب، ليصل إلى الجهود الماركسية في الحديث عن الحرب متمثلةً في كتاب إنغلز "دور العنف في التاريخ"، ولينين "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية." بعد عرض جهود المفكرين والسياسيين، يتوقف عند جهود الدبلوماسيين والعسكريين، ومراكز الدراسات الإستراتيجية والعسكرية، متناولًالاشتغالات الألمانية والأميركية في هذا المجال، مبينًا أنّ الأميركيين يعملون وفقًا لمبدأ أنّ ما يصلح لأميركا يصلح

  1. Pierre Conesa, Guide du paradis: publicité comparée des au-delà , (Paris: Éditions de l'Aube, 2011).
  2. Pierre Conesa, Mécanismes du chaos: bushisme, terrorisme et prolifération (Paris: Éditions de l'Aube, 2007).
  3. ترجم إلى العربية بعنوان: غاستون بوتول، ظاهرة الحرب، إيلي نصار (مترجم)، (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.)2007

للعالم كلّه. وبعد أن يعرض تلك الجهود البحثية في مجال النظرية الفكرية والسياسية، ينتقل الكاتب عبر عنوان "قانون الحرب: من الأفضل ارتداء بزة عسكرية" للحديث عن موقف القانون الدولي من الحرب والعدوّ، مبينًا أنّ النزاعات التقليدية تقوم حول الحدود، أو حول وجود دولةٍ ما، ويفترض هذا أن يتوقّف قانون الحرب عند مسألتين هما: التعريف القانوني للحرب، ووضع العدو؛ ليصل بحثيًا إلى أنّ تعريف العدو هو تعريف اجتماعي أكثر منه حقوقي، لذا على صناعته أن تجيب عن تحليل هذا النوع. ثم تحت عنوان "العدو هو أنا آخر"، يتحدث عن ضرورة الآخر لتحديد الهوية، منوّهًا بجهود كلٍ من فرانسوا بار في كتابه "وهم الهوية"، ورينيه جيرار في كتابَيْه: "العنف والمقدس"، و"التخلص من كلاوزفيتز"، حيث يصل إلى أنّ "صناعة العدو توطّد الأواصر ضمن الجماعة، مهما كان الخطر الحقيقي" (ص. 35)، وأنّ العدو "مهدِّئ لحالات القلق الجماعي"، انطلاقًا من مقولة دوركهايم الشهيرة: "حين يعاني المجتمع، يشعر بالحاجة إلى أن يجد أحدًا يمكنه أن يعزو إليه ألمه، ويستطيع أن ينتقم لخيبات أمله" (ص. 36) تحت عنوان "الحرب العادلة"، ينبّه المؤلف إلى عدد من الظواهر في العالم المعاصر؛ مثل كثرة المتاحف الحربية وقلة متاحف السلام، وتأليه الحروب وقادتها، ويناقش مفهوم الحرب العادلة ويوضح أنّه مفهوم مائع ويفتقد الكثير من الأخلاق، ويتناول كيفية صناعة "الخطر الأصفر" متمثلً بالصين المواجهة للغرب. وينتقل بعد ذلك للإشارة إلى المعنييّن بتحديد العدوّ من مراكز التفكير الإستراتيجية، وما يدعى بعلم المستقبل، وفقًا للتسمية الأميركية، ناعتًا إياه بأنّه تقليعة ثقافية أميركية، مركّزًا على دور أجهزة الاستخبارات في اختراع التهديدات والأعداء، ثم يتوقف عند الإستراتيجيين غير الرسميين، قاصدًا بهم الميثولوجيين، وحجة "كلّ شيء إستراتيجي"، ومحاولة الغرب صناعة عدوّ جديد هو روسيا/ بوتين، متوقفًا عند ازدواجية المعايير التي تسم كلّ خطاب قوة، وأنّ الخطر في تسعينيات القرن الماضي كان متمثلً ببطالة التقنية، موضحًا أنّ نهاية الشيوعية قد تركت الجيوش التقليدية الغربية من دون عدوٍ على مستواها، مما خلق معضلة كبيرة، وصولً إلى تحرير الكويت، ومفهوم النظام العالمي الجديد، واعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، متسائلً عن كيفية مرور إرهابيّي ذلك اليوم من كلّ أجهزة الكشف والفحص؛ مبينًا في نهاية هذا القسم/ الكتاب أنّ ما حدث في ربع القرن الأخير قد قوّض مبادئ الخطابات الإستراتيجية للقوى بشأن استقرار العالم. في الكتاب الثاني " وجوه العدوّ" ثمة محاولة تصنيف في نحو مئة وأربعين صفحة، إذ يتحدث عن تسعة وجوه للعدوّ، تعمل دوائر القرار العالمية على بثّ الحياة فيها، كلمّا حاولت أن تتلاشى، مدركًا أن محاولته التصنيفية لألوان العدوّ ليست نهائية، وليست تلك الوجوه بمنبتّة عن بعضها، بل تتداخل فيما بينها، وما محاولته تلك إلا لهدف تأطيري محض، يجعل مقاربتها ممكنة بالنسبة إلى الكاتب والمتلقّي. ويبدأ بأكثر الوجوه تقليدية وانتشارًا، وهو "العدو القريب: نزاعات الحدود"، حيث يستفيض في عرض نماذج منه؛ من الهند وباكستان إلى سورية وإسرائيل والجزائر والمغرب. ويتحدث عن جذور هذا الوجه وآلياته الأيديولوجية، بخاصة القومي الديني الميّال لبناء ذاكرة ممتلئة بالنزاعات، مؤكدًا أنّ قراءة التاريخ تكشف أنّ أكثر من يسرّع الأزمات هم العسكريون ورجال السياسة المفتقرون إلى الشرعية، ثم يستفيض في الحديث، عبر معلومات تاريخية مفصّلة، عن حدة مسألة الحدود في كلٍ من أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا وتركيا واليونان. ثم يتحدث عن الوجه الثاني للعدوّ. وهو المنافس الكوكبي الذي اشتغلت عليه نظرية الإمبريالية الغربية، إذ جرى الحديث عن خطوط تقسيم العالم، والترويج للعدوّ، والركض في سباق التسلح العالمي، وآليات شيْطنة الآخر. وتحت عنوان "العدوّ الحميم/ الحروب الأهلية"، يتحدث عن الوجه الثالث من وجوه العدو التي تشكّل تطهيرًا فصاميًا، عبر توكيدها هوية إقصائية لجزء من الجسم الاجتماعي ضد أيّ جزء آخر؛ فيتوقف عند ألوان من دعاواها المتمثلة بأنّ الآخر يأخذ أرضي، والآخر بصفته مبيدًا عرقيًا، ليصل إلى ما مؤدّاه أنّ بعض الجماعات الدينية أو القومية يستبدل معبوده الأساسي "الإله أو القومية" بعبادة العنف. وفي إطار حديثه عن الصورة الرابعة للعدوّ، يتناول تحت عنوان "الخاضع للاحتلال كصورة للبربري" محاولات شيطنة الشعوب التي احتلها المستعمِرون، لأنّ المضطهِد إن استعمل العنف يجبر من وقع عليه العنف على الردّ بالعنف، ويذكر نماذج عدة على هذا النوع من العدو، منها ما تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين (ص. 160) وفي حديثه عن وجه العنف السادس المتمثّل ب "العدو الخفيّ أو نظرية المؤامرة"، ينبّه إلى أنّ الحديث عنه يكثر في إطار الخطاب الإسلامي، واصفًا نظرية المؤامرة بأنّها مفتاح حقيقي، دائم التجدد، لتفسير العالم وصناعة العدو، وأنّها عقد اضطهاد ديناميكي قابل للتكيّف، وهي في أحد وجوهها رواية ملحمية، إذ تقوم بعملية إشعال ذاتي، يمكن أن يشعِل بدايته أيّ شخص غير مختص، موضحًا أنّ الأنظمة الاستبدادية، خصوصًا الشيوعية، مختصة بهذا اللون من العدو، وتقدّره تقديرًا كبيرًا. أمّا الوجه السادس للعدوّ، فيتمثّل ب "العدوّ المطلق أو الحرب الكونية على الشر"، مستعرضًا نماذج من الخطاب الذي تتدثر به هذه النظرية،