صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح.

La Fabricaccion de l’ennemie

* Ahmad Jassim al-Hussein أحمد جاسم الحسين|

Abstract

La Fabricaccion de l’ennemie [Translated into Arabic]

La fabrication de l’ennemi, ou comment tuer avec sa conscience pour soi عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح. المؤلف: بيار كونيسا. المترجم: نبيل عجّان. الطبعة: الأولى،.2015 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات: 317 صفحة.

The Making of an Enemy and How to Kill with a Clean Conscience

هذا الكتاب ودراسات نظريات الصراع

يقتضي تعقّد ظاهرة الصراعات الدولية تعدّدًا منهجيًا في مقاربتها، حتى يستطيع الباحث الإلمام بمعطيات تلك الظاهرة؛ بحيث تتواكب المناهج الوصفية والتحليلية والمقارنة لمحاولة تفسير تفاصيلها. وتشكّل سياقات نظرية الصراع في العلاقات الدولية أرضيةً لتفسير سلوكات الدول تجاه بعضها؛ إذ تُولي إدارة الحروب الحديثة، مثلً، أهمية كبيرة ل "صناعة العدو"، كونها جزءًا من إستراتيجيات نظريات الصراع مع الآخر، بحيث تدخل تلك الصناعة في إطار الحرب النفسية التي تعدّ جزءًا من الحرب الناجعة. وتُوجَّه نظريات صناعة العدوّ، غالبًا إلى الجمهور الداخلي بهدف إقناعه بمداهمة الخطر، ووقوعه الوشيك، وعليه، حتمية رص الصفوف وتحمّل الصِّعاب من أجل مواجهته. وتصبح الصراعات عنيفة بين الدول، عادةً، عندما تتجاوز تلك الدول الحالة السلميةَ في مسعاها لتحقيق أهدافها، وتحاول إيذاء الآخر، أو الهيمنة عليه1، بحيث تصل الأطراف المتنازعة إلى مرحلة الحرب بصفتها الشكل الأعنف للصراع. وهي ظاهرة دائمة التكرار في العلاقات الدولية، يجري اللجوء إليها كي تمنح الدول نفسها معطياتٍ جديدة. ويُلحظ من وجهة ثقافية، أنّ الحضارات لا تنفكّ عن إيجاد عدو تنكفئ من خلاله على نفسها أحيانًا، أو يكون سببًا في محاربتها الآخر. ولعلّ أبرز مثال على ذلك شيوع نظرية حتمية "صراع الحضارات"2، ضمن إطار الاشتغال على صورة الآخر في الثقافات. وكانت صناعة العدوّ عذرًا مقنعًا، عبر العصور، للدفاع عن المطامح الشخصية للكثير من الحكام والإمبراطوريات. بيد أنّ ما يميزها في العصر الحاضر كونها صارت صناعة متقنة، لها مؤسساتها وروّادها ومروّجوها، ومستهلكوها3. وللثقافة العربية علاقة خاصة ب "العدوّ"، كونها تميل في كثير من تفسيراتها للركون إلى نظرية المؤامرة. ويلتقي في ذلك الوعي الاجتماعي مع مصلحة الأنظمة الحاكمة؛ فقد شكّل الاتكاء على نظرية المؤامرة حالة استرخاء لدى الجمهور كي لا يقارب الكثير من تفاصيل حياته، وفي الوقت نفسه كان "العدو" الذي تحاربه الأنظمة الاستبدادية حجةً متميزة للإمعان في استبدادها. ومن الصور المعاصرة لصناعة العدو في الثقافة الغربية، الاشتغال على ظاهرتَ "الإسلاموفوبيا" و"رهاب الأجانب". وهي صور تزرعها وسائل الإعلام المعاصرة في الغرب في أذهان مواطني تلك الدول، مؤيدة ما تذهب إليه ببعض التصرفات على أرض الواقع، لتصبح جزءًا من اللاوعي الغربي، بحيث باتت في بعض صورها خطرًا مجتمعيًا، كما حدث في فرنسا، ما دفع حكومتها للبحث عن مخارج، بهدف التخفيف من وطأة حضوره وأثره في حركة المجتمع4.

وتمثّل الأدوات الإعلامية أداة رئيسة لصناعة العدو. ولعلّنا نتذكر في هذا السياق الدور الذي قامت به شبكة "سي إن إن" في حرب الخليج الأولى سنة 19915، وشبكة "فوكس نيوز" إبان الحرب على العراق سنة 2003. ويعدّ نعوم تشومسكي من أبرز الباحثين الذين التفتوا إلى آليات صناعة العدوّ الأميركية والغاية منها. ووجد مضارّها أكثر من حسناتها. وعبّ غير مرة عن استنكاره هذه الصناعة، مركّزًا على دور الإعلام السلبي في زراعتها، بخاصة استنبات العدو الشرقي المسلم المعادي لأميركا6. وتكشف اعترافات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير التي نشُرت مؤخرًا في ما يخص غزو العراق، وجهًا من وجوه زيف صناعة العدو أحيانًا؛ إذ قال: "أعتذر عن أنّ المعلومات الاستخبارية التي حصلت عليها كانت خاطئة"7. وتذكر في هذا السياق كتب "الأسرار" التي تنشر بعد مرور سنوات طويلة أو قصيرة عن مراحل سابقة مفصلية في تاريخ البلدان أو العلاقات فيما بينها، أو الحروب؛ إذ يكشف بعضها أنّ ما جرى تسويقه للجمهور، هو غير ما حدث في الواقع. وتُستخدم صناعة العدو، غالبًا، في سُبل محاربة الآخر والهجوم عليه، وليس في حروب نيل الاستقلال. ويعثر المتابع للسياسة الأميركية على الكثير من محاولات التركيز على صورة العدو وتضخيمها من مرحلة

  1. Heinz Jurgen Axt & Antonio Milososki & Oliver Schwarz, Conflict: a literature review (Essen: University of Duisburg, 2006), p. 1.
  2. صموئيل هنتنغتون، صدام الحضارات:. إعادة صنع النظام العالمي، طلعت الشايب (مترجم)، ط 2 (القاهرة: سطور،.)1999
  3. Mark Fenster, Conspiracy Theories: Secrecy and Power in American Culture (London: University of Minnesota press, 1999), p. 65.
  4. Ray Taras, Xenophobia and Islamophobia in Europe (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2012), p. 140.
  5. بيار كونيسا، صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح، نبيل عجان (مترجم)، ط 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.202
  6. Edward S. Herman & Noam Chomsky, Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media (New York: Pantheon, 2002).
  7. بلير يقر بوجود صلة بين حرب العراق وظهور تنظيم ’الدولة الإسلامية"‘، بي بي سي، 2015/10/25، شوهد في 2016/2/12، في: http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2015/10/151025_blair_islamic_ state_iraq_war

إلى مرحلة أخرى، ابتداءً من العدوّ الياباني وصولً إلى العدوّ السوفياتي، ثم العدوّ الإرهابي المعاصر. وقد استرعى تضخيم صورة الإرهاب المعاصر وغاياتها منه، انتباه الروائي إدواردو غاليانو، فكتب نصًا عنوانه "يوم ضد الإرهاب"، حاول أن يفسّ فيه الغاية من تضخيمه: "مطلوب لخطف البلدان. مطلوب لخنق الأجور وخفض الوظائف. مطلوب لاغتصاب الأرض، وتسميم المياه، وسرقة الهواء. مطلوب للاتّجار بالخوف"8. وازدهرت صناعة العدوّ في ربع القرن الأخير، بعد انتهاء الحرب الباردة، لأنّ نهايتها قد أعلنت وفاة العدوّ على مستوى العلاقة الغربية السوفياتية، ما جعل سياسيّي تلك الدول يحارون في كيفية إبقاء التكاتف موجودًا خلف الحكومات، بعد أن ذهبت إستراتيجية مهمة جرى الاشتغال عليها فترة طويلة، وقد أدرك السوفيات ذلك؛ إذ صرخ أرباتوف مستشار غورباتشوف متوجهًا إلى الغرب: "سنقدّم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو"ّ.

ولعلّ أبرز ما يميز هذا الكتاب "صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح"، الاعتماد على التجربة وغزارة الشواهد؛ فمن قام بتأليفه ليس باحثًا أكاديميًا ابتغى دراسة هذا الموضوع فحسب، بل سبق له أن عمل في الميدان الذي يتحدث عنه، إضافةً إلى أنّه عضَّ د عمله بمنهجية علمية لافتة للنظر، ممزوجة بأسلوب ساخر؛ إذ تناول الكثير من التفاصيل، مدعمة بالأمثلة، وقدّم تفكيكه لآليات القراءة، والأفكار التي شكّلت أرضية فكرية لها، وفقًا لميشال فييفيوركا في مقدمته لهذا الكتاب (ص. 11) لقد سبق أن نبّه أكثر من باحث إلى الأهمية الاستثنائية لصناعة العدو التي أصبحت بمنزلة "غراء" يجعل مواطني دولةٍ ما متضامنين مع دولتهم في محاربة "العدو"ّ9. فهو، وفقًا لنعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، يتنزّل ضمن إستراتيجية السيطرة على الشعوب، لتصبح جزءًا من عملية "البروباغندا" الإعلامية التي تسعى لنقل الرسائل المباشرة وغير المباشرة لعامة الناس، من ضمن مناقشتهما أساليب السيطرة في العالم10. وقد سكَّتْ صناعة العدو عددًا كبيرًا من المصطلحات التي اتّكأ عليها ذلك الخطاب؛ من مثل مصطلح "الدول المارقة" الذي برز له استعمالان: "الأول دعائي يطبّق على أعداء مصنفين، والثاني موضوعي يطبّق على دول لا تعدّ نفسها مقيدة بالأعراف الدولية، بيدَ أنّ المنطق يوحي بأن الدول الأكثر قوةً يجب أن تصنّف في الصنف الأخير إلّ إذا كان هذا ممنوعًا على المستوى الداخلي، وهذا توقُّع يؤكّده التاريخ"11. وأدرك بعض الجماعات الجهادية السلفية حسنات صناعة العدو،ّ فبات يشتغل عليه بصفته جزءًا من أيديولوجيته الفكرية، مسخّرًا فريقًا كبيرًا من الدعاة في الأراضي التي يسيطر عليها لإقناعهم بهذا العدوّ "الآخر"، وهو هنا كلّ من لا يقف معهم في كلّ بقاع الأرض، وأفيد من "صنع العدو" من أجل رصّ الصفوف في مواجهته، والقيامُ بكلّ ما من شأنه المحافظة على هذا الاستعداء12.

مؤلف الكتابّ

بيار كونيسا مؤلف هذا الكتاب، مسؤول سابق في وزارة الدفاع الفرنسية. وهو باحث أكاديمي ودبلوماسي متخصص في الشؤون الإستراتيجية الدولية وخصوصًا العسكرية، وكان رئيس تحرير أول خطة إستراتيجية لدعم صادرات الأسلحة، ونائب مدير العلاقات الدولية في المفوضية العامة للتسلح. وهو محاضر في العلوم السياسية، ومستشار لمحطة فرانس 24، وعضو المجلس العلمي لمؤسسة بحوث بوبليكا. انشغل بالعنف المشَْعن الذي تقوده الدول ضد دول أخرى أو مجتمعات، بخاصة الذي تقوده القوى الغربية ضد القوى الشرقية. وعُرف كذلك مؤخرًا بمواقفه المتضامنة مع اللاجئين السوريين، واستنكاره مواقف الدول العربية والغربية منهم. واهتمّ باقتراح أساليب لمكافحة التطرف، مبينًا أنّ الوسيلة العسكرية هي الأضعف

  1. 8 إدواردو غاليانو، أطفال الزمن، تقويم للتاريخ البشري، أسامة إسبر (مترجم)، ط 1 (دمشق: دار التكوين، 2013)، ص.277
  2. نايجل غبسون، فانون المخيلة بعد - الكولونيالية، خالد عايد أبو هديب (مترجم)، ط 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.204
  3. Herman & Chomsky, p. 11.
  4. نعوم تشومسكي، الدول المارقة، استخدام القوة في الشؤون العالمية، أسامة إسبر (مترجم)، ط 1 (الرياض: مكتبة العبيكان، 2004)، ص.9
  5. 12 حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان، تنظيم "الدولة الإسلامية": الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية، ط 1 (عمان: مؤسسة فريديرش إيبرت، 2015)، ص.229

في مواجهته، واستنكر فساد الدكتاتوريات، مؤكدًا أنّها لا تقلّ خطرًا عن الإرهاب في تهديد الأمن الدولي. من أبرز مؤلفات بيار كونيسا كتابان هما: "دليل الجنة"13 الذي يتناول فيه أسباب الحروب الدينية والحلم بالجنة، سواء عند الكثير من المسيحيين أو المسلمين، مدعمً إياه بشواهد ومعلومات كثيرة، تبين أسباب تلك الحروب، موضحًا اختلاط الحلم بالواقع في أحلام المخوّضين فيها، وآليات تشويه المفاهيم الدينية وتفسيرها، بحيث صار الحلم بالجنة، وهي وعد ترغيبي يرد كثيرًا في الكتب الدينية، سببًا في اندلاع الكثير من الحروب. أمّا كتابه الآخر فهو "آليات الفوضى"14 الذي يكشف فيه الشعارات الأميركية الزائفة في السلام والديمقراطية، منطلقًا من مآل التجربة الأميركية في العراق، حيث تفاقمت الأوضاع وازدادت سوءًا، وكذلك تعددت صور الإرهاب، وكثرت حجج وجوده، ويرجع ذلك إلى ثلاثة عوامل، هي: فشل السياسات الأميركية، وشرعنة العنف عند الجماعات الجهادية، وغياب ثنائية القطب في العالم.

محتويات الكتاب ومقولاته الرئيسة

يفتتح ميشال فييفيوركا هذا الكتاب بمقدمة يتحدث فيها عن كون مؤلف الكتاب قادمًا من حقل لديه فيه معرفة وخبرة، مشيدًا بقدرته على تفكيك الفكر الكلاسيكي عبر منهجية علمية، تأخذ من آليات البحث الأكاديمي ما تحتاج إليه، مبقية على حيويتها، مبينًا أنّ من حق المتلقي مشاركة كونيسا ابتهاجه بكشف "الدناءة الفكرية لدى هؤلاء الذين يسهمون في صنع الأعداء" (ص. 11) في مقدمة الكتاب، يقف الكاتب بيار كونيسا على مفهوم الحرب والعدو، متذكرًا نماذج عدة من صناعة العدوّ تاريخيًا، مناقشًا عددًا من المصطلحات التي ترد في كتب العلاقات الدولية، من مثل الديمقراطية الحاملة للسلام، وآليات التأثير في الرأي العام، ولماذا العدوّ؟ وكيف؟ والمراحل التي يمر بها، ممعنًا النظر في المصطلحات المرافقة، مثل: العدوّ القريب والخصم العالمي، والعدوّ الحميم، والهمجي، والعدو المحجوب، وحرب الخير ضد الشر، والعدو التصوري، والعدو الإعلامي؛ مشيرًا إلى أنّه إنْ كان العدوّ بنية، فمن الممكن تفكيكها عبر المصالحة، والتكفير عن الذنب، والعفو، والاعتراف، والذاكرة المشتركة، والعدالة. وتحقيقًا لهذه المقولات الكبرى التي يعلن عنها في مقدمة الكتاب، يقسم المؤلف كتابه إلى ما أسماه "ثلاثة كتب"، هي: الكتاب الأول: ما العدوّ؟ يخصّه بسبعين صفحة، موضحًا بدايةً أن العدو حاجة ماسّة، منطلقًا من مقولةٍ ل ميزونوف مفادها أنّ الاتحاد السوفياتي سابقًا قد وُجدت فيه كلّ ميزات العدو الجيّد "فهو صلب، ثابت، ومتماسك" (ص. 23)

ويتناول جوانب موضوعه عبر عدد من العناوين الكبرى: العدو موضوع سياسي، وقانون الحرب: من الأفضل ارتداء بزة عسكرية، والعدو هو أنا آخر، والحرب العادلة: وسائل مقبولة، وضرورة قصوى، وتفوّق مضمون، والخطر الأصفر قيمة مضمونة، ومحدّدو العدو تقليعة أميركية ثقافية: علم المستقبل، وأجهزة الاستخبارات تخترع تهديدًا، وصنع العدو: روسيا بوتين. يبدأ المؤلف عرضه بمنهجية أكاديمية، من خلال انتقاء أهمّ الكتب التي تصلح مناقشتها لتكون أرضية جيدة لمنطلقاته البحثية، موضحًا أنّ فقدان هذا العدوّ قد خرق التماسك الغربي، وأنّ العدو موضوع سياسي؛ إذ يناقش في هذه الأسطر عددًا من الكتب التي كرّست صفحاتها للحديث عنه، مثل: روسو و"حالة الحرب"، وجنتيليس في "قانون الحرب"، ودو غيبير في كتابه "دراسة عامة في التكتيك"، وليدل هارت، وكذلك جهود غاستون بوتول في علم الحرب15، ليصل إلى الجهود الماركسية في الحديث عن الحرب متمثلةً في كتاب إنغلز "دور العنف في التاريخ"، ولينين "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية." بعد عرض جهود المفكرين والسياسيين، يتوقف عند جهود الدبلوماسيين والعسكريين، ومراكز الدراسات الإستراتيجية والعسكرية، متناولًالاشتغالات الألمانية والأميركية في هذا المجال، مبينًا أنّ الأميركيين يعملون وفقًا لمبدأ أنّ ما يصلح لأميركا يصلح

  1. Pierre Conesa, Guide du paradis: publicité comparée des au-delà , (Paris: Éditions de l'Aube, 2011).
  2. Pierre Conesa, Mécanismes du chaos: bushisme, terrorisme et prolifération (Paris: Éditions de l'Aube, 2007).
  3. ترجم إلى العربية بعنوان: غاستون بوتول، ظاهرة الحرب، إيلي نصار (مترجم)، (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.)2007

للعالم كلّه. وبعد أن يعرض تلك الجهود البحثية في مجال النظرية الفكرية والسياسية، ينتقل الكاتب عبر عنوان "قانون الحرب: من الأفضل ارتداء بزة عسكرية" للحديث عن موقف القانون الدولي من الحرب والعدوّ، مبينًا أنّ النزاعات التقليدية تقوم حول الحدود، أو حول وجود دولةٍ ما، ويفترض هذا أن يتوقّف قانون الحرب عند مسألتين هما: التعريف القانوني للحرب، ووضع العدو؛ ليصل بحثيًا إلى أنّ تعريف العدو هو تعريف اجتماعي أكثر منه حقوقي، لذا على صناعته أن تجيب عن تحليل هذا النوع. ثم تحت عنوان "العدو هو أنا آخر"، يتحدث عن ضرورة الآخر لتحديد الهوية، منوّهًا بجهود كلٍ من فرانسوا بار في كتابه "وهم الهوية"، ورينيه جيرار في كتابَيْه: "العنف والمقدس"، و"التخلص من كلاوزفيتز"، حيث يصل إلى أنّ "صناعة العدو توطّد الأواصر ضمن الجماعة، مهما كان الخطر الحقيقي" (ص. 35)، وأنّ العدو "مهدِّئ لحالات القلق الجماعي"، انطلاقًا من مقولة دوركهايم الشهيرة: "حين يعاني المجتمع، يشعر بالحاجة إلى أن يجد أحدًا يمكنه أن يعزو إليه ألمه، ويستطيع أن ينتقم لخيبات أمله" (ص. 36) تحت عنوان "الحرب العادلة"، ينبّه المؤلف إلى عدد من الظواهر في العالم المعاصر؛ مثل كثرة المتاحف الحربية وقلة متاحف السلام، وتأليه الحروب وقادتها، ويناقش مفهوم الحرب العادلة ويوضح أنّه مفهوم مائع ويفتقد الكثير من الأخلاق، ويتناول كيفية صناعة "الخطر الأصفر" متمثلً بالصين المواجهة للغرب. وينتقل بعد ذلك للإشارة إلى المعنييّن بتحديد العدوّ من مراكز التفكير الإستراتيجية، وما يدعى بعلم المستقبل، وفقًا للتسمية الأميركية، ناعتًا إياه بأنّه تقليعة ثقافية أميركية، مركّزًا على دور أجهزة الاستخبارات في اختراع التهديدات والأعداء، ثم يتوقف عند الإستراتيجيين غير الرسميين، قاصدًا بهم الميثولوجيين، وحجة "كلّ شيء إستراتيجي"، ومحاولة الغرب صناعة عدوّ جديد هو روسيا/ بوتين، متوقفًا عند ازدواجية المعايير التي تسم كلّ خطاب قوة، وأنّ الخطر في تسعينيات القرن الماضي كان متمثلً ببطالة التقنية، موضحًا أنّ نهاية الشيوعية قد تركت الجيوش التقليدية الغربية من دون عدوٍ على مستواها، مما خلق معضلة كبيرة، وصولً إلى تحرير الكويت، ومفهوم النظام العالمي الجديد، واعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، متسائلً عن كيفية مرور إرهابيّي ذلك اليوم من كلّ أجهزة الكشف والفحص؛ مبينًا في نهاية هذا القسم/ الكتاب أنّ ما حدث في ربع القرن الأخير قد قوّض مبادئ الخطابات الإستراتيجية للقوى بشأن استقرار العالم. في الكتاب الثاني " وجوه العدوّ" ثمة محاولة تصنيف في نحو مئة وأربعين صفحة، إذ يتحدث عن تسعة وجوه للعدوّ، تعمل دوائر القرار العالمية على بثّ الحياة فيها، كلمّا حاولت أن تتلاشى، مدركًا أن محاولته التصنيفية لألوان العدوّ ليست نهائية، وليست تلك الوجوه بمنبتّة عن بعضها، بل تتداخل فيما بينها، وما محاولته تلك إلا لهدف تأطيري محض، يجعل مقاربتها ممكنة بالنسبة إلى الكاتب والمتلقّي. ويبدأ بأكثر الوجوه تقليدية وانتشارًا، وهو "العدو القريب: نزاعات الحدود"، حيث يستفيض في عرض نماذج منه؛ من الهند وباكستان إلى سورية وإسرائيل والجزائر والمغرب. ويتحدث عن جذور هذا الوجه وآلياته الأيديولوجية، بخاصة القومي الديني الميّال لبناء ذاكرة ممتلئة بالنزاعات، مؤكدًا أنّ قراءة التاريخ تكشف أنّ أكثر من يسرّع الأزمات هم العسكريون ورجال السياسة المفتقرون إلى الشرعية، ثم يستفيض في الحديث، عبر معلومات تاريخية مفصّلة، عن حدة مسألة الحدود في كلٍ من أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا وتركيا واليونان. ثم يتحدث عن الوجه الثاني للعدوّ. وهو المنافس الكوكبي الذي اشتغلت عليه نظرية الإمبريالية الغربية، إذ جرى الحديث عن خطوط تقسيم العالم، والترويج للعدوّ، والركض في سباق التسلح العالمي، وآليات شيْطنة الآخر. وتحت عنوان "العدوّ الحميم/ الحروب الأهلية"، يتحدث عن الوجه الثالث من وجوه العدو التي تشكّل تطهيرًا فصاميًا، عبر توكيدها هوية إقصائية لجزء من الجسم الاجتماعي ضد أيّ جزء آخر؛ فيتوقف عند ألوان من دعاواها المتمثلة بأنّ الآخر يأخذ أرضي، والآخر بصفته مبيدًا عرقيًا، ليصل إلى ما مؤدّاه أنّ بعض الجماعات الدينية أو القومية يستبدل معبوده الأساسي "الإله أو القومية" بعبادة العنف. وفي إطار حديثه عن الصورة الرابعة للعدوّ، يتناول تحت عنوان "الخاضع للاحتلال كصورة للبربري" محاولات شيطنة الشعوب التي احتلها المستعمِرون، لأنّ المضطهِد إن استعمل العنف يجبر من وقع عليه العنف على الردّ بالعنف، ويذكر نماذج عدة على هذا النوع من العدو، منها ما تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين (ص. 160) وفي حديثه عن وجه العنف السادس المتمثّل ب "العدو الخفيّ أو نظرية المؤامرة"، ينبّه إلى أنّ الحديث عنه يكثر في إطار الخطاب الإسلامي، واصفًا نظرية المؤامرة بأنّها مفتاح حقيقي، دائم التجدد، لتفسير العالم وصناعة العدو، وأنّها عقد اضطهاد ديناميكي قابل للتكيّف، وهي في أحد وجوهها رواية ملحمية، إذ تقوم بعملية إشعال ذاتي، يمكن أن يشعِل بدايته أيّ شخص غير مختص، موضحًا أنّ الأنظمة الاستبدادية، خصوصًا الشيوعية، مختصة بهذا اللون من العدو، وتقدّره تقديرًا كبيرًا. أمّا الوجه السادس للعدوّ، فيتمثّل ب "العدوّ المطلق أو الحرب الكونية على الشر"، مستعرضًا نماذج من الخطاب الذي تتدثر به هذه النظرية،

بحيث يجتمع السياسي والديني، لصناعة العدو الذي يتّسم بأنّه خائن وانحرافي ومرتدّ، والنصر عليه محتّم لكنّه بعيد، فالآخر، كلّ الآخر، هو العدو، موضحًا أنّ ألوانًا من الخطاب الديني والسياسي، غربية ومشرقية، ترحّب بمثل هذا الخطاب؛ إذ يمثّل العنف الديني بعدًا رمزيًا من أجل وعد بمستقبل جميل في بلدان شهدت صعودًا للتيارات الدينية المتطرفة؛ مثل يوغسلافيا ولبنان والهند ونيجيريا وإيران والقوقاز.

أمّا الصورة السابعة للعدو، فيخصّها كونيسا بصفحة ونصف فحسب، ويسمّيها "المحرم الديني وسيلة لكشف العدو الداخلي"، متوقفًا عند بعض التيارات الأصولية الدينية وفرماناتها المفروضة على المدنيين الذين يقعون تحت سلطتها، مثل فرمانات طالبان. ثم يتحدث عن تيار المسيحيين الصهاينة "الإحيائيين" الذين جمعوا بين المشروع الاستعماري وإرادة فرض القانون الديني على المجتمع. ويتناول الكاتب في الصورة الثامنة "العدوّ المتصوّر" الذي برزت صورته في عهد جورج بوش الابن (2008-2000)، عبر القومية التقديسية، وإحياء الفكر المتعلق بالإمبراطورية، والإمبريالية، والسيطرة، والحرب الشاملة، وحتمية اللجوء إلى القوة، وأنّ العدو غير مرئي، بل هو الإرهابي الذي يحاربنا بكلّ الوسائل، وهذا يسمح لتلك القوى بمنع ظهور أيّ منافس بحجة هذا الإرهابي. ويستعرض الكاتب في ختام هذا القسم، أحدث صورة للعدو تتمثل بما سمّ ه "العدو الإعلامي". وهي صورة جديدة له، خاصة بمرحلة ثورة المعلومات والتقنية، متحدثًا عن الإمبراطوريات الإعلامية ودورها في صناعة الحروب، مثل وكالة سي إن إن، وشبكة فوكس نيوز. وفي الكتاب الثالث " تفكيك العدو " الذي يكرّس له الكاتب سبعًا وثلاثين صفحة، يغيّ وجهة السؤال، قائلً: "هل من الممكن أن نعيش من دون عدو؟ إذا كان الجواب بنعم، فكيف نستطيع تفكيك العدو على الصعيدين الوطني والدولي؟" (ص. 234). وهذا فيه تخفّف من مقدمة الكتاب التي أكد فيها حتمية وجود عدو للدول والمجتمعات كي تبقى متراصّة. يناقش الكاتب في هذا القسم جدليتيْ رئيستيْ؛ تنطلق إحداهما من حقائق تاريخية جرى من خلالها تفكيك العدو، عبر قراءة تاريخية لعدد كبير من النزاعات التي حدثت في العالم. وتعزز الجدلية الأخرى تلك القراءة ببعض المقترحات الناجمة عن المتابعة، ووجد أنّه من الممكن الإفادة منه، إذ يشير إلى صعوبة العيش من دون عدوّ للدول، لكنّه ممكن، عبر الاعتراف بالمسؤولية والتكفير عن الذنب، متحدثًا عن عددٍ من النزاعات التي أنهيت في هذا الإطار، مشيدًا بالجهودُ الألمانية؛ فقد برهنت الحوادث أنّ المصالحة ممكنة بين أعداء وراثيين، وقد تحدّث عن الخطاب الأحادي الجانب لتفكيك العدو، وهو حل يمكن ممارسته في أيّ وقت؛ فيتحدث عن خطابات أوباما في هذا المجال. ويرى أنّ أوباما يرفض الحرب بصفتها وسيلة للمحافظة على النظام في العالم. لكن المؤلف لا يناقش الآثار المدمرة التي حدثت في بعض الدول، نتيجة تراخي مواقف أوباما (الحالة السوريّة نموذجًا.) ويشير بعد ذلك إلى أنّ المصالحة بين المتحاربين الأعداء ممكنة ومجدية، على الرغم من صعوبتها، مستشهدًا بالجهود البابوية في هذا المجال، وحالة بريطانيا أيضًا، في حين أنّ هناك دولً رفضت الدخول في أطر الحلّ، مثل تركيا تجاه الأرمن، واليابان تجاه جيرانها الآسيويين، وفرنسا تجاه الجزائر. ثم يتوقف عند عدد من النزاعات الحدودية في دول الاتحاد السوفياتي، ويوغسلافيا. ويشير إلى تجربة الاتحاد الأوروبي مثالً على إمكانية العيش من دون عدوّ؛ إذ إنّه اتحاد دون عدوّ، وهي ممارسة سياسية من أصعب الممارسات كما يقول. ثم يقف الكاتب على ما دعاه "الطرق الإبداعية" للخروج من الحروب الأهلية، عبر الصفح والنسيان والعدالة. ويناقش تجربة جيش تحرير إيرلندا، والأورغواي، منبّهًا إلى أنّ قانون العفو يعني الدفن من دون العدالة، متحدثًا عن محكمة العدل الدولية وبعض قراراتها، مشيرًا إلى تجربة عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر مع الإسلاميين المسلحين، من دون أن ينبّه الكاتب إلى أنّ تشكيل الحكومة الجزائرية كان قد سُق من الإسلاميين حينئذ. ويلفت النظر إلى أنّ الظاهرة الأحدث في تفكيك العدو هي "الصفح عبر الكلمات" من خلال مرحلة العدالة الانتقالية، مذكّرًا بما حدث في جنوب أفريقيا مثلً، وبوليفيا والأرجنتين والبرازيل وتشيلي والأورغواي والبيرو وغواتيمالا؛ موضحًا أنّ الحكومات الانتقالية قد اعتمدت قوانين عفو باسم المصالحة الوطنية، متسائلً عن إمكانية مواءمة اتفاقات السلام والمصالحة الاجتماعية مع احترام القانون الدولي، مستعرضًا تجارب عدد كبير من الدول، بحيث يصل إلى أنّ محاكمة الميليشيات مثلً ستبقى مسألة سياسية داخلية لزمن طويل، وأن العدالة الدولية هي عدالة الأقوياء، وأنّ المحاكم الدولية المؤقتة التي

تختص بجريمة محددة هي جولة تسخين للعدالة الدولية، ليصل إلى نتيجة أنّ نوابض الحرب مشدودة دائمًا، فيختم بالقول إنّ الحروب هي حروب سلطات الأيديولوجيات. ويشير كونيسا في خاتمة كتابه إلى أنّ صنع العدو، خلال العقود المقبلة، سيكون قطاعَ إنتاج ضخمً، مؤكدًا أنّ بناء العدو هو عملية اجتماعية وسياسية، خاتمًا بالقول: "هذا الكتاب ليس كتابًا يدعو إلى السلام... والنقطة التي أردت لفت الانتباه إليها هي الوزن المفرط الذي تمثّله الآليات العامة للتأملات الإستراتيجية في الديمقراطيات، والتي تولّد نزعة لا واعية إلى الحرب" (ص. 272-273)؛ كاشفًا أنّ دراسة آليات اختراع صنع العدو قد تساعد في استباق أسباب النزاعات وتقليصها.

سياقات الكتاب ورؤاه: ملاحظات ختامية

قدّم الكاتب عشرات الأمثلة على السرديات والمتخيل عن الآخر، دون أن تكون طريقة تناوله لها بصفتها منتمية إلى حقل السرديات، لأنّه كان مهتمً بأن يبقى كتابه متجذرًا في حقل نظريات الصراع وعلم الاجتماع السياسي، وتهدف السرديات، بصفتها جزءًا رئيسًا من الثقافة العالمية المعاصرة، لإيجاد شرعنة مجتمعية من خلال الاشتغال على تفاصيل فكرة كبرى، وإيجاد عالم كامل متخيل تُحاك ضمنه التفاصيل16. ومن اللافت للنظر أنّ حضور السرديات في الثقافة العالمية يظهر في الوقت الذي يتشبث فيه الأكاديميون بمزيد من الموضوعية والعلمية، كأنّ ثمة قطيعة بين مناهج البحث العلمي من جهة، وصناعة السرديات من جهة أخرى، فتتولّ ها القوى الفاعلة؛ سواء عبر الإعلام، أو من خلال صناعة الرأي العام؛ ليصبح اقتناع الجمهور بها جزءًا من قدرة القوى الفاعلة على تسويق ما تريده عبر أذرعها الإعلامية. وشكّل تسويغ الحروب جزءًا من أيديولوجية القوى الفاعلة، بل ناصرها في مسعاها، مفكرون مجَّدوا الحرب؛ فهذا هيغل يتحدث عن جدوى الحرب وأهميتها وتأثيرها في الشخصية الفردية وفي المجتمع، وأنّ الإنسان من دون احتمال الحرب والتضحيات التي تتطلبها، سيصبح ليّ العريكة ومستغرقًا في ذاته، وسيتدهور المجتمع؛ فيصبح مستنقعًا لإشباع الملذات الأنانية فتنحلّ الجماعة وينهار المجتمع نتيجة لذلك17. وبناءً عليه، نبّه الكتاب إلى الجوانب النفسية لإعلان الحروب وصناعة العدو ودور المعتقدات والقناعات في الإعلان عنها، كاشفًا دور الحروب في الظواهر الاجتماعية وتواصل الشعوب أو انقطاعها عن بعضها، وأثر الحروب الاستباقية؛ ف "كلّ حرب هي في بعض جوانبها مشروع اقتصادي، لأنّ الحرب تحتاج إلى توظيف أموال في التسلح والتموين والإنفاق إلى أن يحرز المحاربون انتصاراتهم ويعيشوا على نفقة العدو"18.

ولعلّ المقولة الرئيسة التي بنى عليها وائل حلاق كتابه "الدولة المستحيلة19"، المتمثلة باختلاف الأرضية الأخلاقية للدولة بالمفهوم الغربي، عن الأرضية الأخلاقية للدولة في المفهوم الإسلامي، يجد خير مثال لها في "صناعة العدو" التي تقوم بها القوى الغربية الفاعلة؛ إذ على الرغم من مغريات الدولة المعاصرة بالمفهوم الغربي، وهي مغريات محقّة في الديمقراطية وحرية التعبير وسواها، فهي أحلّت قوى تحَكُّم أخرى تمارس بعضها على مواطنيها، وتمارس قسمً منها على "العدو" الذي تقوم بتصنيعه. ومن خلال الأدلة والمعلومات والمناقشات المطوّلة، يكشف الكتاب أنّ صناعة العدو ليست محاولة فرض أيديولوجيا محدّدة، بل هي حاجة تنموية للمجتمعات والدول والفكر الإنساني، تحتاج إليها التنمية مثلما تحتاج إلى المصانع والمزارع وسواها. لقد أزال المؤلف البرقع المتعلق بالإدانة الافتراضية لهذا الفعل غير الأخلاقي المتعلق بشنّ الحروب، مقايسة له على المعايير الأخلاقية؛ ليستبدله بمنطق المحاججة مع حاجات الدول والقوى الكبرى. لكنّه في الوقت نفسه، أمعن في نقل مسوغات تلك الدول في الدفاع عن صناعة العدو، في نوعٍ من الحرص على الأخذ بأسباب المنهجية العلمية.

  1. نادر كاظم، "نهاية السرديات الصغرى: في تجاوز أطروحة ما بعد الحداثة"، تبي، العدد
  2. خالد المعيني، "إيران في نظريات صنع العدو الأميركية"، الجزيرة. نت، 2015/11/3، شوهد في 2016/2/12 في: http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2013/9/12 ص.285 18 بوتول، ص.47
  3. 8، المجلد 2، (ربيع 2014)، ص.74
  4. وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، عمرو عثمان (مترجم)، ط 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)،

ونبّه الكتاب إلى تغيّ آليات صناعة العدو، تبعًا للعوامل المؤثّرة في صناعة الرأي العام مع الموجة الثالثة عالميًا، مشيرًا إلى دور السينما ومحطات التلفزيون في تسويق فكرة العدو، وشراكة الإعلام؛ مبرزًا أنّ خوض الحرب مع الأفكار لا يقلّ أهميةً عن خوض الحرب على الإرهاب، كاشفًا عددًا من أساليب تكوين الرأي العام في تكريس فكرة العدو. ووقف الكاتب في مواطن عدّة من كتابه على مفاهيم محددة بصفتها مفاهيم قيمية خالصة يجب الانتصار لها مثل العدالة والحق، حاشدًا الكثير من الشواهد للتدليل على ذلك. لكنّه، أشار إلى أنّ السياسة ليست فرعًا من فروع دراسة الأخلاق، أو الظواهر الاجتماعية، بل هي عالم له قوانينه وقواعده؛ بحيث تحاول حقول علم الاجتماع السياسي والعلاقات الدولية والقانون الدولي الحديث عن بعض تفاصيلها، لذلك فإنّه من الصعوبة بمكان الحديث في السياسة عن أصدقاء أو أعداء دائمين، بل يمكن إيجاد شركاء أو ذوي مصالح متبادلة. وقد سرد الكاتب الكثير من الأمثلة على الانقلابات في السياسة وتحولّات أصدقاء الأمس نحو أعداء اليوم. ينتصر الكتاب لتلك القيم الأصيلة التي من المألوف أن يناصرها الإنسان الطبيعي، ويستنكر المؤسسات الحاكمة للدول الفاعلة والشركات التي تقف خلفها، ويتحدث عن إرهاب الدول وما تفرضه من وصاية على الرأي العام الذي تقوده نحو ما تريد. ويقترح الكاتب آليات لتفكيك العدو من الصعب التسليم بها، لكنّه يحاول تعضيد ما يذهب إليه بالأدلة. ويكشف للمتلقي أنّ الأنظمة الاستبدادية التي سقطت، هي الأنظمة التي مات عدوّها، أو فشلت في صناعة العدو؛ فقد استنبت بعض الأنظمة عدوًا له يضمن بقاءه، وها هو الوضع السوري يقدّم خير دليل، وما كان بمقدور النظام السوري القيام بتلك الصناعة وإقناع الغرب بها لولا المساعدة الإيرانية الروسيّة التي جعلته ممثلً يخي الغرب بينه وبين الإرهاب. لكن قراءة التاريخ أيضًا تكشف أنّ نهاية المستبدّين حتمية، لكن عدد الضحايا غالبًا ما يكون كبيرًا. يعجّ الكتاب بغزارة في المعلومة التاريخية في مواطنَ كثيرة منه تكاد أن تشكّل عبئًا على منهجيته البحثية أحيانًا؛ فقد غدَا في مواضع عدة كتابًا معلوماتيًا يهتم بسرد المعلومة، دون أن يعطيها الحق المفصّل في النقاش والحوار والاختلاف والتمعّن والتعليق. وبدا أنّ الكاتب كان معنيًا بسرد المعلومات وتعضيد أفكاره بالشواهد الكثيرة دون ممايزتها أحيانًا. لكنّه كان يدرك أنّ كتابه في إحدى قراءاته يدخل في إطار دراسات العلاقات الدولية، وأنّه قد يتعرض للكثير من محاولات سوء الفهم؛ لذلك حرص في مواطن عدة على مزج التحليل بالمعلومة التي تكررت في غير موضع وفي أكثر من وجه، في رغبةٍ منه ليشمل كل التفاصيل، ويحيط بكلّ جوانب موضوعه. ولا ينفك الكتاب عن الإشارة إلى تناقض الإرادة الدولية في مواقفها، وأنّ ما يصلح في منطقة لا يصلح في منطقة أخرى؛ إذ يهتم كثيرًا بالقبض على التناقضات في المواقف الدولية من ظواهر متشابهة بأطر متناقضة، مستعملً أسلوبًا ساخرًا مقتضبًا في الحديث عنها. ولجأ الكاتب في الوقت نفسه إلى العبارات المائعة في بعض المواطن التي تستدعي وضوحًا في ما يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهو الذي لم ينفكّ عن تسمية الأشياء بمسمّياتها في مواطن أخرى من كتابه، وكان الوضع الفلسطيني خير مثال لعدد من القضايا التي طرحها لكنّه تجنّب الإشارة إليه إلّ في حالات نادرة. وبدا الكتاب، من جهة أخرى، محيطًا بمراجعه الرئيسة، مع قدرته على استحضار الشواهد الملائمة في الموضع الملائم، إضافةً إلى توازن شواهده شرقًا وغربًا؛ بحيث إنّه قدّم صورة وافية للعدو وتناقضاته في مختلف أنحاء الكرة الأرضية، ونمَّت شواهده عن موضوعية بحثية كانت تتوضّ ح تفاصيلها في أعماق الكتاب. كشف الكاتب الكثير من الأقاويل التي تعدّ في مختبرات صناعة العدو؛ كي تخرج تلك الصناعة متقنة، غير أنّه لم يفد من حقل معرفي مهمّ في كشف ضحالتها، والسياقات الحاضنة لها، وهو حقل تحليل السرديات المعاصرة الذي بات يشكّل ظاهرة معرفية مهمة في مرحلة ما بعد الحداثة، يضاف إلى ذلك أنّ انشغاله بالمعلومة التاريخية والمقارنات قد فوّت عليه في مواضع عدة فرصة الإفادة من نظريات تحليل الخطاب التي كان من الممكن توظيفها لتأويل ماهيات الخطابات المستعملة في صناعة العدو.