ما قبل حرب 1967 وما بعدها: كي لا يتجنب النقدُ النقدَ

The Turning Point of the June, 1967 War: a Genuine Critique

عزمي بشارة| Azmi Bishara @

الملخّص

​اتخذ تاريخ المشرق العربي والمنطقة وفلسطين والنظام الصهيوني مسارًا مختلفًا أطلقته نتائج حرب حزيران/ يونيو 1967 . ولهذا يمكن الحديث عمّا قبل حرب 1967 وما بعدها. ومثلت هزيمة حزيران نقطةً مفصليّةً في تاريخ العرب الحديث المعاصر، وما تزال الدول والشعوب العربية تعيش تداعياتها إلى الآن، على الرغم من سعي الأنظمة العربيّة لتمويه الهزيمة، أولًا، عبر تلطيف اللفظ نفسه، أيْ تحويله إلى "نكسة". وثانيًا، بتجاوز ذلك في محاولة قلب الهزيمة انتصارًا لأنّ إسرائيل لم تنجح في إطاحة ما سُمي "الأنظمة التقدمية". أيًا يكن، وعلى الرغم من مرور خمسين عامًا على حدوثها، لم يَجرِ التطرّق - على نحوٍ علمي- إلى أكبر إخفاق عسكري عرفه العرب في تاريخهم الحديث من منظور العلوم السياسيّة والعلوم العسكرية، وبأدواتها؛ هذا في وقتٍ صدرت فيها مئات الدراسات في إسرائيل والغرب، وهو أمرٌ يفرض إعادة تناول هذه الحرب وتقديم قراءة تحليلية وسردية عربية بشأنها.

Abstract

The June, 1967 War was a turning point in the modern history not only of Palestine and the Zionist state but also the wider region. The defeat of the Arab armies was a pivotal moment for the modern and contemporary histories of the Arab world, and has consequences which continue to reverberate today. That fact remains unchanged despite attempts by Arab governments to gloss over the severity of what happened during the war, first by employing the euphemism of Naksa (or "setback") to describe what happened and later to celebrate the fact that "progressive" Arab regimes were not toppled by the Israeli army. Despite the significance of these events, the Arabic academic literature continues to lack a serious analysis of the events of June, 1967, in stark contrast to the hundreds of academic works published by Israeli and western authors. This reality necessitates a rereading of the war, and the formulation of a new Arab narrative about it, which the author attempts in this paper.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

Te Turning Point of the June, 1967 War: a Genuine Critique

اتخذ تاريخ المشرق العربي والمنطقة وفلسطين والنظام الصهيوني مسارًا مختلف ا أطلقته نتائج حرب حزيران/ يونيو 1967. ولهذا يمكن الحديث عمّا قبل حرب 1967 وما بعدها. ومثلت هزيمة حزيران نقطة مفصليّة في تاريخ العرب الحديث المعاصر، وما تزال الدول والشعوب العربية تعيش تداعياتها إلى ا¤ن، على الرغم من سعي اž نظمة العربيّة لتمويه الهزيمة، أول ا، عبر تلطيف اللفظ نفسه، أيْ تحويله إلى "نكسة". وثانيًا، بتجاوز ذلك في محاولة قلب الهزيمة انتصارًا žنّ إسرائيل لم تنجح في إطاحة ما سُ مي "اžنظمة التقدمية". أيًا يكن، وعلى الرغم من مرور خمسين عامًا على حدوثها، لم يَجرِ التطرّق - على نحوٍ علمي - إلى أكبر إخفاق عسكري عرفه العرب في تاريخهم الحديث من منظور العلوم السياسيّة والعلوم العسكرية، وبأدواتها؛ هذا في وقتٍ صدرت فيها مئات الدراسات في إسرائيل والغرب، وهو أمرٌ يفرض إعادة تناول هذه الحرب وتقديم قراءة تحليلية وسردية عربية بشأنها.

خمسون عامًا مرّت على حرب حزيران 1967 التي احتلت فيها إسرائيل في ستة أيامٍ(منذ أن بدأ القتال حتى وقف إطلاق النار )، أراضيَ تبلغ ثلاثةَ أضعافِ مساحتِها،. ا في ذلك ما تبقّى من أرض فلسطˆ التاريخيّة، أي الضفة الغربية وقطاع غزّة اللتان وقعتَا تحت الحكم الأرد & -المصري بعد اتفاقيات الهدنة عام 1949. إثْر تلك الحرب، اتخذ تاريخ المشرق العر والمنطقة وفلسطˆ والنظام الصهيو& مسارًا مختلفًا أطلقته نتائجها. ولهذا Ðكن الحديث، بالتأكيد، ع… قبل حرب 1967 ومابعدها. سبق أن عبرّتُ يومًا عن فكرة مُفادها أنّ حزيران/ يونيو 1967، وليس أيار/مايو 1948، هو تاريخ نشوء إسرائيل الحقيقي(أو تثبيته على الأقل ). فحتى انتصارها في تلك الحرب، كانت إسرائيل - التي أرخ ت النكبةُ الفلسطينية بيومِ إعلانِ استقلالها- مشروعًا غ ̄ مستقر في نظر الحركة الصهيونيّة وما سُمّي "يهود الشتات" الذين أقنعتهم حرب 1967 أنّ إسرائيل أك 6 من مغامرة، وأنها مشروعٌ مضمون؛ فتكثّفت الهجرة إليها بعدها، وتدفقت الاستث…رات أضعافًا مضاعفةً، وانتقلت إسرائيل من اقتصاد القطاع العامّ الاستيطا& التعبوي إلى اللبرلة الاقتصادية. ك… أنّ الولايات المتحدة الأم ̄كية أبرمت التحالف الإستراتيجي معها، واقتنعت بفائدته العملية والرّهان عليها بعد هذه الحرب. فك… هو معلوم، انتصر جيش الاحتلال في هذه الحرب بسلاحٍ فرنسي وليس بسلاح أم 8 ̄، وتدفقت أموال المعونات الأم ̄كية والاستث…رات، وجرى تسليح الجيش الإسرائيلي بطائرات الفانتوم بدلا من الم ̄اج الفرنسية. أمّا بقية "قصّة" العلاقات الأم ̄ كية - الإسرائيلية إثْر تلك الحرب، فهي معروفة للجميع. لن يكون بوسعنا اليوم التطرّق إلى الأبعاد، الدوليّة والعربيّة والفلسطينيّة، كله ا، ولكنّنا سوف نُلقي ضوءًا مختلفًا عليها، أو نقاربها مقاربةً مخالفةً لما هو مألوف. خرجتْ إسرائيل من حرب 1948 بخسائر كب ̄ ة تتجاوز ما خسرته في جميع الحروب الأخرى، مقارنةً بعدد السكان في ذلك الوقت؛ على الرغم من وهن الدول العربيّة وتبعيّتها للدول الاستع… رية وارتباكها وضعف جيوشها وهشاشة المقاومة الفلسطينيّة بعد ثورةٍ منهِكة استنزفت الاقتصاد والمجتمع بˆ عامي 1936 و 1939، وعلى الرغم من التحالف البريطا& – الصهيو& أيضًا. وÀ يتلخص الفرق في التفوق الصهيو& بالمعدات والتقنيات فحسب، بل كانت Iة فجوةٌ عددية مسكوت عنها غالبًا. فقد حشدت "الهجانا" أعدادًا تفوق عديدَ مقاتلي الجيوش العربيّة مجتمعةً. وحتى من هذه الناحية، فإنّ حرب الك 6 ة ضد القلة أسطورةٌ من الأساط ̄ الصهيونية في الصراع. À يعترف العرب بتحوّل الكيان الصهيو& الاستيطا& إلى دولة بتشريد الشعب الفلسطيني عام 1948، وأصبح العداء لهذا الكيان موضوعَ تنافسٍ بˆ التيارات السياسية العربية كافّةً. ويُعَد تأث ̄ النكبة والتأثر بها من أهم دوافع الانقلابات العسكرية ضد النخب التقليدية والليبرالية التي حكمت الدول العربية بعد الاستقلال وفشلت في هذه الحرب، مثل… فشلت في حلّ المسألة الزراعية وغ ̄ها. وكنت قد أوضحت سابقًا أنّ النكبة À تقتصر على الشعب الفلسطيني الذي تحمل وزرها الأكبر، بل امتدت إلى الشعوب العربية وأصبحت عاملا مفصليًا في مجمل التطورات الداخلية للبلدان العربية، وتأسس الاستخدام الأداK للقضية الفلسطينية سواء في الصراعات الداخلية في البلدان العربية أو العلاقات البينية. وIّة N ط متكرر لضباط شاركوا في حرب 1948 وقاموا بانقلابات عسكرية في مصر وسورية والعراق. ولكنّ هؤلاء الضباط الذين قادوا الانقلابات المبررة بفجيعة خسارة الجيوش العربية لحرب عام 1948، تعرضوا لهزÐة أك 6 فداحةً عام.1967

كان رأي بن غوريون أنّ حرب عام 1948، التي سُمي ت حرب الاستقلال، À تَحسم المسألة، وأنّه لO تتقبل الدول العربية وجود إسرائيل في المنطقة لابدّ من إرغامها على ذلك، بإلحاق هزÐة أخرى بها في حربٍ أخرى تُقنعها بقبول الأمر الواقع. ولهذا، فمن حيث المزاج العامّ، وبغضّ النظر عن تفاصيل بدء الحرب مع مصر أو سورية، كانت المؤسسة الصهيونية مستعدةً وجاهزةً لخوض حرب ثانية أو ثالثة، بل معنيّةً بذلك. وبعد حرب الأيام الستة، وفي العام نفسه، طرحت الحكومة الإسرائيلية في مراسلات مع الإدارة الأم ̄كية إمكانية مقايضة الأراضي التي احتلتها(ما عدا القدس )باتفاقيات سلامٍ مع الدول العربيّة. أمّا اليوم، فلا Ðكننا التأكد من جدية هذه الخطوة، وتلخص الموقف الرسمي العر ب "لاءات الخرطوم" المعروفة الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات. فقد كان المطلوب-إسرائيليًا- تجاوز قضيّة فلسطˆ، بل نسيانها، وحلّ قضية اللاجئˆ الفلسطينيˆ عربيًا، وتحقيق سلام مع الدول العربيّة يقوم على ما سُمي حينئذٍ "تسوية أراضٍ إقليميّة". Territorial compromiseعلى أساس قرار مجلس الأمن رقم 242

الحقيقة أنّه À يكن بوسع الأنظمة العربية قبول ذلك، فهو لا يعني إلا الاستسلام بعد هزÐةٍ مذلّةٍ تعرضت لها الأنظمة والجيوش العربية؛ ولكنه أصبح أمرًا واردًا إثْر استعادة بعض الثقة بالنّفس في حرب 1973، أي إنّ أهداف حرب 1967 الإسرائيلية - فيما يتعلّق بقبول إسرائيل في المنطقة وعقد اتفاقيات سلام مع الدول العربية من دون حلّ قضية فلسط ˆ - تحققت بعد حرب 1973 على الجبهة المصرية. وبعد صعود منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها المسلحة المبهر إثْر تلك الحرب، وإن كانت تأسست قبل الحرب، وأفولها بعد حربˆ أخريˆ(حرب لبنان 1982، وحرب الخليج 1991، وبينه الانتفاضة الفلسطينية )، طُبق ذلك على الجبهة الأردنية عبر التسوية معمنظمة التحرير الفلسطينيّة. لقد أصبح مبدأ "أرض مقابل الاعتراف"، الذي رفعته إسرائيل فيما بعد شعارًا عربيًا بعد أن عُدل، "الأرض مقابل السلام"، والمعنى واحد في الحقيقة. جرى هذا بعد أن توطّد في إسرائيل معسكرٌ كب ̄ يدعو إلى "السلام مقابل السلام" ويعترض على إعادة الأرض، أو يقبل بإعادة جزء من الأرض مع أكبر عدد من الفلسطينيˆ، وذلك بتحويل التسوية الإقليميّة إلى تسوية دÐوغرافيّة. À تتجل الضربةُ التي تلقّتها الحركة القومية العربية في أزمة الأنظمة التي تبنت القومية العربية أيديولوجية رسمية بعد هزÐتها في حرب 1967 فحسب، بل أيضًا في تفكيك الطرف العر في الصراع العر  - الإسرائيلي، وذلك عبر ظاهرة اتفاقيات الصلح المنفرد المصري والأرد& والفلسطيني مع إسرائيل، وعمليات التفاوض المنفصلة. وتكمن المفارقة التاريخية الكبرى في أنه حين… هزمت الأنظمة العربية التي تبنت القومية العربية أيديولوجيةً رسميةً في الحرب مع إسرائيل، انحسرت معها هذه الأيديولوجية تحديدًا، وهي التي تعتبر الصراع مع إسرائيل قضية العرب جميعًا، وليست قضية الفلسطينيˆ وحدهم. واستفادت من ذلك تلك الأنظمة التي À تتV هذه العقيدة واعتبرتها مغامِرةً، والقوى التي صعدت من داخل الأنظمة واتجهت نحو السلام المنفرد مع إسرائيل، وغطت رغبتها هذه بضع سنوات بحجج؛ مثل عدم التدخل في الشأن الفلسطيني، والحرص على ترك قضية فلسطˆ للفلسطينيˆ يقررون بشأنها ما يرونه. أما الأنظمة التي ظلت تتمسك بهذه الأفكار فلم تتنازل عن قضية فلسطˆ ولكن ليس في الصراع مع إسرائيل، بل في صراعها على البقاء وتخوين المطالبˆ بالحرية والعدالة، وكذلك في المساومة بشأن موقعها الدولي والإقليمي. وهذه الميزة(أو الورقة ك… يحلو للبعض أن يقول )انتزعتها منها منظمة التحرير في المعركة على استقلالية القرار الفلسطيني.

ملاحظات حول ردّة الفعل العربية على الحرب

لن أتوقف طويلا عند محاولة الأنظمة العربيّة Ôويه الهزÐة، غ ̄ أنّني أش ̄ إلى أمرَين بشأنه: كان ذلك، أولا، بتلطيف اللفظ نفسه، أيْ تحويله إلى "نكسة"، فكأنّ الأمر يتعلّق بزلّةٍ محزنةٍ لأنظمة تس ̄ عمومًا على طريق صحيح. وبحسب هذا الأسلوب التصويري، تكون لكلّ مس ̄ةٍ عظيمةٍ نكسةٌ أو نكسات، مثل… يكون "لكل حصانٍ كبوة". وكان التمويه، ثانيًا، بتجاوز ذلك في محاولة قلب الهزÐة انتصارًا لأنّ إسرائيل Àتنجح في إطاحة ما سُمي "الأنظمة التقدمية"، وأنّ كلّ ما استطاعت فعله هو احتلال الأرض فقط)!!(. فهذه فضيحة تستحق كُتبًا وأبحاثًا في تحليل البلاغة السياسية العربية والدÐاغوغيا التي تستبيح سائر المعاي ̄ العقلية والذهنية التي تقبع خلفه. أما عند الاعتراف بالفشل العسكري، فيقترن ذلك بالتهويل من قدرات إسرائيل وإمكاناتها إلى حدود أسطورية،.ا في ذلك "المؤامرة اليهودية العالمية" وسيطرتها على أم ̄كا؛ وهو ما استخدم لاحقًا في عملية تصفية القضية الفلسطينية وتبرير عمليات السلام المنفردة. فإذا كانت إسرائيل Ôتلك هذه القوى الخارقة يصبح أي فتات تقدمه على مائدة المفاوضات إنجازًا مه. أمّا ردّة الفعل المعارض للأنظمة العربيّة، فكانت أك 6 استعدادًا للاعتراف بالهزÐة بطبيعة الحال، فهي هزÐة الأنظمة، ولكنّها عمومًا À يُتوقف عندها ملياc، وذلك لسببˆ: أولا، لأنّ التدقيق في ما جرى أثناء الحرب، والبحث في الإخفاقات العسكريّة والتخبط في صنع القرار السياسي، كانت أمورًا تُعَد من المحظورات. والنقد العيني الذي لا يكتفي بالعموميات، في حالة القيام به، لابدّ أن Ðس م…رساتِ أنظمةٍ ظلّت قاd ةً بعد الحرب، والنّبشُ في دفاترها ومستنداتها)إن وُجِدت (ممنوعٌ، فضلا عن التعرّض لقياداتها. وقد قامت الأنظمة نفسها بالتضحية ببعض الضباط، ونشرت شائعات تقبّلها الجمهور العر برحابة صدر، منها المؤامرة والتواطؤ والخيانة، وذلك من دون تقديمِ أدلةٍ ك… هي العادة. لكنْ طوال نصف قرن، À يَجرِ التطرّق-على نحوٍ علمي- إلى أكبر إخفاق عسكري عرفه العرب في تاريخهم الحديث. وأقصد التطرق إليه من منظور العلوم السياسيّة والعلوم العسكرية، وبأدواتها؛ هذا في وقتٍ صدرت فيها مئات الدراسات في إسرائيل والغرب في تحليل الحرب وأسبابها ونتائجها وتوثيقها، وفي تحليل كل معركة من معاركها، فضلا عن كُتب الس ̄ الكث ̄ة التي كتبها القادة، ووزارة الخارجية، ووزراء الدفاع، وحتى الضباط. لهذا، إذا أردتَ أن تدرس مسارَ حرب 1967 ذاتَه، فسوف تجد نفسك أمام مكتبة كاملة صهيونية أو بريطانية

أو أم ̄ كية، ولكنك ستجد ندرةً في الأدبيات البحثية العربية، وستكون مcمتن ا - في حال الحصول على معلوماتٍ متفرقة - إزاءما "تكرّم" به بعض الضباط والسياسيˆ العرب في مذكراتهم. ثانيًا، انشغل المثقفون العرب بعد الحرب.سائل مثل الصدمة الحضاريّة أو صدمة الحداثة المجددة التي أحدثتها الحرب، وقارن بعضهم أثرَها بغزو نابليون لمصر، ك… انشغلوا بصدمة اكتشاف قوّة المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة التي غالبًاما استخفوا بها، وعدو ها كيانًا هشًا مؤقتًا وعصابةً صهيونيةً حاكمةً وأشتاتًا تتجمع على أرض فلسطˆ لا تشكل شعبًا وأمّةً، خلافًا للعرب في زمن انتشار الأيديولوجية القومية. وأدى نقد الصدمة الحضارية، لاحقًا، دورًا في ميلاد تيار أ عجِب بإسرائيل وسياسييها ومؤسساتها وضباطها، باعتبارها دولة حديثة. لقد فتحت الهزÐة بابًا لنقد التخلف والبحث عن أسبابه في الجهل وانتشار الأمية، أو في التبعية الاقتصادية، أو في الدولة السلطانية، وفي الدين والتدين، وصولا إلى سيكولوجيا الإنسان العر وعقليته)ور.ا "جيناته" البيولوجية أو الثقافية (، وغ ̄ها. ك… فتحت المجال واسعًا أمام الوعظ بالحداثة والعقلانية والتقدم، وهو جهد À يخلُ من جوانب مفيدة لمسها بعضنا في أجواء سبعينيات القرن الماضي، ولكن من منظور موضوعنا اليوم، قام هذا النقد غالبًا بالقفز عن الموضوع أو تجاوزه من فرط ح…سةِ الاندفاع نحوَه. وبعد أدبيات الصدمة الحضاريّة، انتشرت أدبيات يسارية، وأخرى أيديولوجية عل…نيّة أو دينيّة تحاسب كلٌ واحدة منها الأنظمةَ من منطلقها، فتدّعي مثلا أنّه لو كان النظام يتّبع الاشتراكيّة العلميّة لَ… هُزم في الحرب، ولوكان إسلامياc لَ… اندحرت جيوشه؛ فالهزÐة عقوبةٌ إلهيّةٌ على التخلي عن تعاليم الإسلام ونظام حكمه، وكأنّ إسرائيل انتصرت لأنها كانت متمسكةً فعلا بالدين، أو هي كافرةٌ ضالة ولكنْ "سخر ها الله لمعاقبة الحكام العرب العل…نيˆ"، بل انتشرت بعض الأدبيات الإسلامية التي تؤكد Ôسك إسرائيل بالدين اليهودي في تلك الفترة، مع أنها كانت أك 6 عل…نيةً م… هي عليه اليوم، فقد ازداد منسوب التدين فيها وتورّط الدين في السياسة، بعد تلك الحرب في لقاء ما يُسمى "أرض إسرائيل التوراتية" مع كيان الدولة التي كان يحكمها حزبٌ ع…لي اشترا 8 النزعات يؤمن بالتأميم والقطاع العامّ. فإثْر الحرب، تكثفت التبريرات التوراتيّة لضمّ القدس الشرقية والضفة الغربية التي سُميت "يهودا والسامرة"، في مقابل التبريرات الأمنية للانسحاب أو الضمّ. أمّا دعاة الدÐقراطيّة، فلم يترددوا في الجزم أنّه لو كانت الأنظمة العربيّة دÐقراطيّةً، ولو كان الشعب يشارك في صنع القرار، لما وقعت الكارثة. وبغضّ النّظر عن موقفنا من الأيديولوجيات المختلفة)والمتحدّث هنا عر يُعرف نفسه، إذا اضطر إلى ذلك، بوصفه يسارياc اجت…عياc، ودÐقراطياc ليبرالياc من الناحية السياسيّة، هذا إذا اتفق مع المخاطَب على تعريفات هذه المصطلحات (، فإنّ سببَ الهزÐة ليس غيابَ الدÐقراطية. فقد هَزمت ألمانيا النازية دولا دÐقراطيّةً كث ̄ةً خلال الحرب العالمية الثانية، وÀ تصمد فرنسا الدÐقراطية أمام ألمانيا النازية، في حˆ صمدت بريطانيا الدÐقراطيّة وروسيا الشيوعيّة، ك À تنتصر فيتنام في مقاومتها العدوان الأم 8 ̄ بفضل الدÐقراطية، وÀ يتحرّر جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي لأنّ أيديولوجيّة المقاومة اللبنانية كانت دÐقراطيّةً أو اشتراكيّةً علميّةً أو دينيةً مذهبيةً. نحن لا نؤيّد العدالة الاجت…عية والدÐقراطية الليبراليّة لناحية المشاركة السياسيّة والحريات والحقوق المدنيّة بحجة أنها تقدم أداءً أفضل في الحروب، بل من أجل العدالة والحرية ذاته، لأنّنا نؤمن أنه أفضل من الظلم والعبودية. وعلمياc، لا Ðكن إثبات فرضيةٍ مفادها أنّ أداءَ نظامِ حكمٍ يسترشد بهاتˆ القيمتˆ يكون أفضلَ في الحروب أو أسوأ. للحرب الحديثة في عصرنا مقوماتٌ قاdة بذاتها: مثل التخطيط، والنجاعة، والتدريب، والانضباط، والتجهيز، والتسلح، والواقعية العسكرية، وتحديد العدوّ والأهداف بدقّة، والجهد الاستخباري، وتكامل القرار السياسي والعسكري أثناء الحرب... إلخ. وهذه المقومات Ðكن أن تتوافر لدى اليساريˆ واليمينˆ، والمتدينˆ وغ ̄ المتدينˆ، والدÐقراطيˆ وغ ̄ الدÐقراطيˆ. ولو تحرّرنا من النّقاش الذي يُسخّر هزÐ ة 1967 في خدمة الجهد لإثبات تفوّقِ أيديولوجيةٍ على أخرى، فيفقدمحاسن هذه الأيديولوجيا، ك… يفقد أدواتِ فهم ما جرى عام 1967 في الوقت ذاته... لو تحرّرنا من هذا كله، ونظرنا بدقّة وصرامةٍ علميتˆ إلى مجريات تلك الحرب، لأدركنا مايُفترض أن ندركه تحديدًا، وهو أنّ هذه الهزÐة À تكن حتميّةً، لا بسبب طبيعة حضارتنا و"تخلفنا"، ولابسبب غياب العدالة الاجت…عيّة والدÐقراطية. كان بالإمكان، في وضع الأنظمة العربيّة الذي كانت عليه، وفي وضع حضارتنا ك… كانت، ألا يسقط الجولان هذا السقوط المدوي، وألا يُعلَن سقوطُه قبل أن يسقط، وألا تسقط الضفة الغربية للأردن بهذه الطريقة، وأن يصمد المقاتلون في سيناء مدّةً أطول، وألا ينسحبوا مثل ذلك الانسحاب المعيب بعد أوامر من قيادةٍ مرعوبة. لقد انتقلت هذه القيادة من التظاهر بالقوة للتغطية على نتائج حرب الاستنزاف في اليمن، وإلى المزايدة وإغلاق مضايِقَ ت ̄ان والطلب إلى القوات الدولية أن تُخليَِ سيناء كأنها سوف تشنّ الحرب، وذلك من دون أن تريد الحرب فعلا... انتقلت من المزايدة والتظاهر بأنها تدعو إلى حربٍ لا تريدها في الحقيقة إلى حالة الفزع والذهول والشلل بعد القصف الإسرائيلي، فاتخذت قرارات الانسحاب السريع وغ ̄ المنظّم من سيناء.

كان ممكنًا أن يكون الأداء أفضل. وهذا، تحديدًا، ما يجب أن يُدرس. ما هي الأخطاء التي وقعت في هذه الحرب في العلاقة بˆ المستوى السياسي والعسكري في كل من سورية ومصر، وفي العلاقة بˆ القدرات العسكريّة وعمليّة صنع القرار السياسي؟ وكيف كان وضع الجيوش العربية وتدريبها وتسليحها، ووسائل اتصالها؟ ولماذا تضع خططًا لا تُنفذ؟ Iة بالطّبع حاجةٌ إلى فهْم طبيعة النظام عند مقاربه هذه الإشكاليات، ولكنّ طبيعة النظام، على أهميتها ومص ̄يتها، لا تفي بإجابة عينيّة عن كلّ إشكالية. يكتفي بعضُ من يقاربون موضوع الحرب عسكرياc، وليس أيديولوجياc، بالقول إنّ إسرائيل حسمت المعركة من الجوّ حˆ أبادت سلاحَ الط ̄ان المصري وهو رابضٌ في المطارات، ولكنْ حتى جيوش الأنظمة غ ̄ الدÐقراطيّة والمتخلفة والقمعية Ðكنها الصمود على نحوٍ أفضل بعد تدم ̄ سلاح الط ̄ان. والمقاومة في أنحاء العاÀ كله، ومنها مقاومات عربيّة في غزة وفي لبنان، تُثبت أنّه بالإمكان الصمود من دون سلاح ط ̄ان. ور.الا Ðكن تحقيق انتصار، ولكنْ Ðكن بالتأكيد ردْعُ العدوان، والصمود. وهذه كله ا أمور متعلقة بفهمِ النسبة بˆ قدرات العدو والقدرات الذاتيّة، وتكييف وسائل القتال ومناهجها.وجب ذلك. Iّة أمورٌ كث ̄ة يجب أن تُدرس ويستفاد منها على هذا المستوى. بعد الحرب قِيل الكث ̄ حول حُسن الدعاية الصهيونيّة، وعجْز الدعاية العربيّة عن التفس ̄ "للعاÀ " أنّ حرب 1967 كانت عدوانًا إسرائيليًا وليست دفاعَ القلّة عن نفسها في وجه الك 6 ة، ولا حربَ داوود أمام جوليات)جالوت (. ولا شكّ في أنّ الخطاب السياسي العر قبل الحرب، والذي ينسى أصحابه المنجرفون في حfة المزايدات بˆ الأنظمة العربية المتنافسة أنّه Iة من يرصد، وأنه سوفيُترجم إلى لغات أجنبية، قد ساهم في إظهار هذه الصورة. ك… استفادت إسرائيل من تأدية دور الضحية وربطه بالتاريخ اليهودي في أوروبا تحديدًا. وأش ̄ هنا إلى أن استخدام الهولوكوست بكثافة في الدعاية الإسرائيلية الرسمية وفي الثقافة الإسرائيلية نفسها وصناعة الهولوكوست كمكون أساسي في السياسة والثقافة انطلقت بعد عام 1967)سبق أن تطرق إلى ذلك بتوسع عدد من المؤرخˆ (. فقد كان الانشغال بها محرجًا للثقافة الصهيونية الاستيطانية قبل ذلك لأنها تذكّر بضعف يهود الشتات، وهو ما يريد "اليشوف")الساكنة الصيهونية (في فلسطˆ أن ينساه. ولكن منذ محاكمة آيخ… ن، وبعد حرب 1967، بدأ الاستخدام المكثف لها في السياسة وفي تشكيل صورة إسرائيل كوريثٍ لضحايا المحرقة وممثلٍ لهم ولقضيتهم، وبذلك يصبح تحصيل حاصل أنّ من يشن الحرب عليها هو وريث مرتكبي تلك الإبادة الج…عية. لقد أدت الضحية دور الفاعل بإتقانٍ بالغٍ، أما المجرم فتقمص دور الضحية. وهناك الكث ̄ م… Ðكن تحسينه في شرح ما جرى في تلك الحرب لناحية العدوان الإسرائيلي المُبيّت، وتواطؤ الولايات المتحدة معه في مرحلة الحرب الباردة وفي ظل تع 6 ها في فيتنام، لتلقˆ الأنظمة غ ̄ الودودة للمصالح الأم ̄كية في المنطقة درسًا. ولكن لا حاجة إلى عبقرية خاصة لندرك أنّ ما يُعبر عنه بألفاظ مثل "العاÀ" أو "المجتمع الدولي")وغ ̄ها من المصطلحات الضبابية (ر.ا يتعاطف مع الضحية؛ تحديدًا مع ضحية تُقاوم، لكنه لاينتصر لها. والشعب الفلسطيني، بالتأكيد، ضحيّةٌ لمشروع استيطا& كولونيالي. وقد أصبح ممكنًا تحقيق التعاطف الدولي معه بعد أن انتزع زمام المبادرة وناضل ضد الاحتلال. لكنْ من الصعب على "العاÀ" أن يفهم أنّ الدول العربيّة كله ا، بأنظمتها وثرواتها، عبارةٌ عن ضحيّة. المنتصرِ في هذه الحالة أك 6 إقناعًا من المهزوم الذي يدّعي أنّه الضحية. أما المنتصر عسكريًا، أو الذي يحقّق تفوقًا في مجالات أخرى فيجد من يتفهمه. ومن ثم، يتعاطف معه ويعجب به، حتى إن تعرض للشيطنة في مرحلة سابقة؛ وذلك لأنه حقق شيئًا Ðكنه الدفاع عنه، فإنجازات ألمانيا واليابان الاقتصادية ساهمت في نشوء صورة إيجابية له… بعد مرور عقدين من الحرب العالمية الثانية، وينطبق الأمر على الصˆ، بل إنّ صورة فيتنام في الولايات المتحدة À تتحول إلى سلبية.

ولذلك سيكون تخلي المهزوم عن تأدية دور الضحيّة أك 6َ واقعية وعقلانيةً في هذه الحالة، وكذلك البحث عن عناصر القوة التي Ôكّنه من التفوق والانتصار أو الصمود على الأقل. ومن هنا تنبع أهمية فحص مكامن الضعف العينيّة التي أدّت إلى الهزÐة، هذا إذا توافرت الإرادة؛ ما يعني أنّني لا أتحدث عن الأنظمة العربية الحاليّة التي فقدتها حتى أصبح بعضها يَعُد دولةَ الاحتلال حليفًا)تارة بحجة الصراع مع إيران، وطورًا بهدف الفوز في التنافس العر من أجل حظوة أوفر لدى واشنطن (، بل أخاطب من يحاول أن يطرح بدائلَ. ومُفاد رسالتي إليه أنّطرحَ بدائلَ للأنظمة القاdة.عاي ̄ أيديولوجية، وحتى قيمية، ليس كافيًا، بل سيكون على من يسعى للسلطة أن يُتقِن)وأقصد أن يعرف كيف يعمل مع مؤسسات تُتْقن (فنونًا متعلقةً بإدارة الدولة والاقتصاد والسياسة الخارجية... والحرب أيضًا.