الأزمة الخليجية وتداعياتها، الوقائع والمآلات: قراءة استشرافية

The Repercussions, Present Reality and Future Trajectories of the Gulf Crisis: a Forecasting Approach

محمد الرميحي| Mohammad al-Rumaihi @

الملخّص

في خضم اخذ والردّ على ما سُ مّى إعلاميًا "ازمة الخليجية"، بين دولة قطر والدول ا ربع؛ السعودية، وا مارات، والبحرين، ومصر، يمكن مقاربة هذه المسألة من عدة طرق تحاول الورقة تسليط الضوء عليها. ويستلزم اختلاط اوراق في هذا المشهد المعقد، التفكيك وإعادة التركيب؛ ن ثمة "تشابك ا" من جهة، و"اشتباك ا" من جهة أخرى، وثمة "إجهاض" لربيع عربي مأمولٍ، وثمة دكتاتورية ضاربة جذورها في العنف، وهناك قوى سياسية متعلقة باوهام، وأطروحاتها مفارقة للعصر. لا يمكن وصف الخلافات بين قطر والدول اربع بالحديثة. ولكن ساد اعتقاد لدى البعض أنّ كل ذلك التاريخ أصبح وراء الجميع، وتمّ تجاوزه بسبب المستجدات التي أحدثها قيام الدولة الحديثة، وهو توصيف غير دقيق بدليل تجدد ازمة بحدة أشد.

Abstract

This paper will attempt to approach the present crisis between Qatar and a group of four countries formed of Saudi Arabia, the United Arab Emirates, Bahrain and Egypt from a number of perspectives. The complexity of the present situation means that a process of deconstruction is required before the problem can be solved. Specifically, the present crisis reveals how the countries involved are both intertwined and in conflict, simultaneously; and how the players in question are in conflict over attempts to undo the Arab Spring. The conflicts between Qatar and the remaining countries have roots which stretch into history, and they also demonstrate that any belief that the birth of the modern nation-state would end those rivalries was misguided.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

في خضم الأخذ والردّ على ما سُمّى إعلاميًا "الأزمة الخليجية"، بين دولة قطر والدول الأربع؛ السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، يمكن مقاربة هذه المسألة من عدة طرق. الأولى هي طريق الحماس السياسي لوجهة نظر تنتصر لهذا الفريق أو ذاك، والنظر إلى المشهد نظرة قطاعيّة تركز في جزء منه وتغفل الآخر. والطريق الثانية هي طريق الدبلوماسي الذي يُقدم الإيجابيات، ويتمنى ألاّ يأتي أحد على السلبيات. أما الطريق الثالثة، فهي طريق الأكاديمي الذي يرى المشهد في كلياته من منظور "الطائر"، ليس فقط في تجلياته الحالية، ولكن التاريخية، وهذا ما سأحاول أن أقدم ه في هذه الورقة. وأنا أجزم بأنّ ما سأعرضه ليس بالضرورة نهائيًا، وليس بالضرورة مُرضيًا للبعض ومُغضبًا لآخرين، ولكنّه محاولة، سأكون سعيدًا إن تبنّى أحد مناقشتها والإضافة إليها وتصحيح أخطائها. وسأبدأ بعدد من التمهيدات التي أراها ضرورية؛ الأول عن الإرهاب ومنابعه في تاريخ العرب والشرق الأوسط المعاصر، والثاني عن حركة الإخوان المسلمين، وصولا إلى مناقشة الأحداث الجارية في المقام الأخير. يستلزم اختلاط الأوراق في هذا المشهد المعقد التفكيكَ وإعادة التركيب؛ لأن ثمة "تشابكًا" من جهة، و"اشتباكًا" من جهة أخرى، وثمة "إجهاض" لربيع عربيّ مأمول، وثمة دكتاتورية ضاربة جذورها في العنف، وثمة قوى سياسية متعلقة بالأوهام، وأطروحاتها مفارقة للعصر.

تمثّل الأزمة الخليجية، في تقديري، أمام هذا التشابك عرَضًا لمرض أعمق؛ هو محاولة العرب الولوج إلى العصر، ومواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بحاضرهم وتهدّد مستقبلهم. ولكنّ كثيرًا منهم يريد أن يقف في وجه الواقع ومتطلبات العصر وروح التطور، بل يتعامل مع الظواهر السياسية عبر ردّات فعل، من دون حساب دقيق وعقلاني للاستحقاقات.

اE رهاب: المفهوم وتطوره

أشار أول تعريف ل "الإرهاب" في الموسوعة البريطانية Encyclopedia Britannica في طبعات سبعينيات القرن الماضي إلى أنّ الإرهاب في الشرق الأوسط هو من أعمال "المجموعات الإرهابية الصهيونية" التي تلجأ إلى "استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية"، وذلك في الوقت الذي لم يكن قد تكوّن بعد أيّ ضرب من ضروب "الإرهاب" خارج إسرائيل. ثم تطوّر الأمر مع بروز جماعات المقاومة الفلسطينية باجتهاداتها المختلفة، فتمّ تحويل مفهوم الإرهاب إلى "تلك الجماعات" بدءًا بمنظمة التحرير الفلسطينية وانتهاءً بحركة المقاومة الإسلامية، حماس. وكان الموقف العربي بصفة عامّة يرى أنّ تلك القوى هي قوى "مقاومة للاحتلال"، ومع الزمن تخلّص بعضها من تسمية "الإرهاب"، وبقيت قوى أخرى توصف به، فضلا عن أن قوى أخرى جديدة التصق بها هذا الوصف. إذًا، التصق مفهوم الإرهاب في وقت ما بدول أو جماعات أو حركات مقاومة. وهو مفهوم نسبي؛ فالمجاهدون في أفغانستان كانوا "إرهابيين" من وجهة نظر الاتحاد السوفياتي، وهم رجال تحرير ومقاومة في نظر الولايات المتحدة والغرب والعرب. ومن هنا، تتمثّل النقطة الأساس في أن "الإرهاب" كان ولا يزال تعبيرًا سياسيًا، يحظى بالإجماع في بعض الأوقات، ويكون محل خلاف في أوقات أخرى.

مشهد "اE رهاب" قبل 11 سبتمبر وبعده

جمعتني، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، دعوة عشاء بزبيغنيو برجينسكي، مستشار الرئيس الأميركي جيمي كارتر للأمن القومي، مع مجموعة صغيرة جدًا لم يتجاوز عددُها عددَ أصابع اليد الواحدة. قال برجينسكي في تلك الجلسة إنه ثمة خطّة لخلخلة الاتحاد السوفياتي من "خاصرته اللينة". وعندما سألنا عن المقصود بالخاصرة اللينة، قال: "الجمهوريات الإسلامية". لم يحمل الضيوف ذلك الكلام على محمل الجدّ، ولكن تبينّ بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان، أن الموضوع جدّي، وخصوصًا بعد أن استقبل الرئيس رونالد ريغان في الثمانينيات ممثلي المقاومة الأفغانية، وقال جملته المشهورة وهو يلتقط معهم صورة تذكارية: "هؤلاء يذكرونني بالآباء المؤسسين للولايات المتحدة". تدفق الآلاف من "المجاهدين" العرب، مصريين وخليجيين وغيرهم من مناطق الشرق الأوسط على أفغانستان، وعضّدت تلك المجموعات مؤسسات حكومية وأهلية، نصرةً للشعب الأفغاني؛ ذلك أنّ الأفغان "إخوة في الإسلام". وفُتحت أبواب التبرعات وتدفقت الأموال، بل إنّ أجهزة رسمية مخابراتية دخلت على الخط. كان ذلك عملا سياسيٍّا استخدم أو استفاد من "أفكار" عامّة قابلة لأن تنتشر وتسود، وتجذب الشباب، وهي أفكار "الجهاد". ودخلت الولايات المتحدة

معترك الجهاد في أفغانستان، ومعها خطة خروج Strategy Exit، في حين أنّ الآخرين دخلوها بلا خطط تُذكر. وبعد أحداث 11 سبتمبر، تغيرّ ت بوصلة واشنطن في النظر إلى تلك المجموعات المنفلتة في الشرق الأوسط بدءًا من أفغانستان، وليس انتهاء بالبوسنة والهرسك أو بعض الدول الأفريقية. وصار الجميع يتحدث عن "محاربة الإرهاب"، ذلك "البعبع" الذي له أشكال مختلفة لأناس وجماعات ودول. زاد من أمر الإرهاب، أو ما يُسمّى لدى بعضهم "الإسلام السياسي"، ارتفاعُ موجته التشددية المتوحشة، وما قامت وتقوم به الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فقد تبنّت أيديولوجيا مذهبيّة شيعيّة لتوسيع نفوذها، غذّت، في الطرف الآخر، عداء مذهبيًا سُنيٍّا لمواجهة هذا النفوذ. وزاد من خلط الأوراق توافر أموال في دول الخليج قابلة، تحت شعارات وعواطف إيمانية، لأن تتدفق على "المجموعات" التي سُمّيت "جماعات العمل الخيري" والتي وجدت لها، مرّةً أخرى، من يتعاطف معها ويدعمها. وهكذا، اختفت الخطوط بين "العمل الخيري"، و"العمل الجهادي"، و"الإرهاب". ولذلك، فلا غرابة أن يقول عدد من الخليجيين المعتقَلين في غوانتنامو إنهم كانوا في أفغانستان ل "العمل الخيري".

مشهد التدخلات: ورقة يانصيب

قدّمتُ مطالعة عن "دول مجلس التعاون والربيع العربي"، في سنة 2012، وضمنتها معادلة، عدت إلى شرحها مطوّلا في وقت لاحق1. وفحوى المعادلة: "اشترت دول الخليج بطاقة يانصيب في الربيع العربي، ولكن دون بوليصة تأمين"، وقد كتبت آنئذ: "اعتقد البعض في البداية أن موجة التغيير في البلاد العربية، في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، هي مثل الأفلام العربية القديمة، والتي دائمًا ما تنتهي بنهاية سعيدة. ولا يزال البعض ينتظر ذلك، إلا أن الانتظار في رأيي سيطول". وقد طال بالفعل، وأمامنا زمن طويل قبل اتضاح الرؤية، وقبل أن ينجلي الغبار. قامت دول الخليج، عامّة، بتقديم مساعدات مالية ومعنوية وعسكرية وإعلامية لأطراف في دول الربيع العربي، وشمل ذلك مساعدات لقوى تراجعت أو انقلبت على "الربيع". لست هنا في مكان الحكم على الخطوة الصحيحة أو الخاطئة، ولكن من أجل القول إنّ تدخلا حدث بطرق مختلفة بعضه بطلب أميركي2، ولكن، من دون خطط واضحة لما يُراد تحقيقه، وأيضًا من دون خطة خروج، كما كان الأمر في أفغانستان. إلا أنّ الأمر اختلف هذه المرة عنها في أفغانستان، فقد اختلفت دول خليجية فيما بينها، على تحديد القوى والمجموعات التي يجب أن تُناصرِ، بل إنّ بعضها اتخذ موفقًا ضد بعض من خلال مناصرة "أصدقاء" في تلك الساحة أو هذه. هنا يكمن أحد الموضوعات الخلافية التي تفاقمت بعد ذلك، عندما انضمت إليها عناصر أخرى، مستَجدّة أو قديمة جُدّدت.

اE خوان المسلمون والخليج

تُعدّ حركة الإخوان المسلمين حركة سياسية بغطاء إسلامي، نشأت وتطوّرت في مصر، بعد أن تحوّلت مصر إلى ملكيّة3 بعد ثورة سنة 1919. وكانت مصر وقتها تموج بحركات وطنية، منها الحديث ومنها التقليدي. بدأ حسن البنّا، مؤسس الحركة ومرشدها الأول، دعوته في نهاية عشرينيات القرن العشرين، ولم يكن بعيدًا عن التأثّر بعدد من الحركات الأخرى، منها تجربة الملك عبد العزيز بن سعود في الجزيرة العربية، ومنها تجارب أخرى، بعضها أوروبي يميل إلى الفاشيّة. وحملت الحركة أفكارًا عامّة نهايتها العودة إلى الخلافة، غير أنّها تطورت في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وأنشأت لها فروعًا، كبرت أو صغرت، في بعض البلاد العربية. خاضت الحركة في مصر مدٍّا وجزرًا في العمل السياسي العام؛ ففي بعض الأوقات سايرت الملك المصري، فؤاد ومن بعده فاروق، وفي أوقات أخرى اختلفت معهما، كما سايرت بعض الأحزاب الكبرى المصرية، كالوفد، وفي بعض الأوقات التزمت مع ما كان يُسمى "أحزاب الأقليّة"، غير أنها احتفظت بأفكار منها إقامة الخلافة، وعودة العصر الذهبي للمسلمين كما تراه. وساعد الحركة في توسّعها التطورات الاقتصادية والاجتماعية في مصر والجوار العربي. بناءً على ذلك، ترمي حركة الإخوان المسلمين إلى "تغيير الواقع"، وهو ما جعلها غير بعيدة عن حركة الضباط الأحرار سنة 1952، التي سُمّيت "ثورة"، بل إنّ بعض القادة في مجلس قيادة الثورة كانوا إخوانًا مسلمين أو إخوانًا سابقين. كان للحركة طموح إلى السلطة،

  1. محمد غانم الرميحي، "الخليج والربيع العربي: ورقة يانصيب دون بوليصة تأمين "، ورقة مقدّمة في ندوة دول مجلس التعاون الخليجي: السياسة والاقتصاد في ظل المتغيرات
  2. Hillary Clinton , Hard Choices (New York: Simon & Schuster, 2014). 3 كانت مصر قبل ذلك سلطنة، وكان أحمد فؤاد سلطانًا، غير أنّ بريطانيا التي اعترفت باستقلال شكليّ لمصر أعلنت الملك أحمد فؤاد عام 1921 ملكًا على مصر. ا زمة الخليجية وتداعياتها، الوقائع والمآلات: قراءة استشرافية
  3. الدولية، منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،.2014/12/8-6 2017 sz`syͿ1sɱ

وقد كان الإخوان مشمولين بعطف الثورة بعد قيامها، إلى درجة استثنائهم من الحلّ الذي شمل جميع الأحزاب السياسية السابقة، إلاّ أنّ صدامهم الدمويّ مع عبد الناصر ورفاقه على مراحل أوقع بهم "النكبة الأولى". وعلى إثر هذه النكبة هاجر عدد منهم إلى الخليج أو هُجر وا إليه، وذلك في الوقت الذي بدأت دوله تستقبل التدفقات الأولى من خيرات النفط وتتحوّل بالتدريج إلى بناء الدولة الحديثة. ومن هنا كانت دول الخليج في حاجة إلى الأيدي العاملة المدربة، وخصوصًا في قطاع التعليم المتوسع، فتمت الاستعانة بعدد كبير من الإخوان في هذا القطاع، في كلّ دول الخليج تقريبًا، وفي مواقع رئيسة أخرى. إلى جانب ذلك، كان للمجتمع الجديد الذي احتضن الإخوان جملة من الأهداف؛ منها الوقوف أمام ما اعتقد بعض قادة الخليج أنّ عبد الناصر يدعو إليه؛ أي "الاشتراكية" و"تغيير الأنظمة العربية". واختلط هنا الإسلام المُسيّس الذي يحمله الإخوان مع الإسلام الشعبي في الجزيرة العربية. وقد استخدم الإخوان، عامة، شيئًا من التقيّة، أي عدم الدعوة العلنيّة إلى أفكارهم السياسية في البلاد المضيفة. واستمر الوضع على هذه الشاكلة ربمّا حتى نهاية سبعينيات القرن العشرين، وقد كان مكسبًا للقوى الإخوانية ولمتخذي القرار في الخليج، على حدّ سواء. بعد ذلك، اتُخّذ الخليج مكانًا للحشد، خصوصًا في "محاربة الكفَرَة" الذين احتلوا أفغانستان. ولم تكن أجهزة الولايات المتحدة بعيدة عن هذا التحشيد، بل إنّ كثيرًا ممّن جُنّد من أبناء الخليج للذهاب إلى أفغانستان جُنّد في الولايات المتحدة4. وعلى الجانب الآخر، تأثّر بعض الطلاب الخليجيين الذين ذهبوا إلى مصر للدراسة بحركة الإخوان، وكانت بعض دول الخليج فقيرة وتحت حكم البريطانيين؛ وقد شجّع هذا "العودة إلى الإسلام". وهكذا، وجد هؤلاء في حركة الإخوان "ملاذًا نضاليًا"، وعند عودتهم إلى بلدانهم أسسوا جمعيات حملت في البداية اسم "الإرشاد"، ثم "الإصلاح"، وذلك في كلّ من الكويت والبحرين والإمارات. وقد خضعت هذه الجمعيات للشدّ والجذب مع السلطات المحلية، فحُلّت "جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي" الإماراتية سنة 19945، أمّا في البحرين والكويت فلا تزال تمارس نشاطاتها. وفي السعودية، لم يكن للإخوان أن يعملوا بالسياسة جهارًا، فتحوّل بعضهم إلى "دعوات السلف"، أي خلط أفكار إخوانية بأفكار دينيّة محليّة، وتشعبت بعض فرقهم إلى عدد من الجماعات، منها السرورية وغيرها. حصل الأمر نفسه في الكويت التي هاجر إليها بعض السلفيين العرب الذين شجّعوا أتباعهم على العمل في السياسة المباشرة؛ ومن أبرزهم الداعية السلفي المصري عبد الرحمن عبد الخالق الذي كان عنصرًا قياديٍّا في مجموعة من الطلبة السلفيين في المدينة المنورة، ثم هاجر إلى الكويت ليصبح مدرسٍّا فيها، ومن ثمّ الأب الروحي للسلفية الكويتية، وقد مُنح عبد الخالق الجنسية الكويتية سنة.2011 وإلى جانب كلّ ذلك، أنتج التعليم في بلدان الخليج، والذي قاده إما الإخوان، وإما الخري جون المحليون من محازبيهم6، خلطة إخوانيّة، قبلية، دعوية، بدوية، إغاثية وخيريّة، التحق بها العديدون لأسباب كثيرة؛ منها الوعي غير المُحصن بسوء أوضاع المسلمين في مناطق عديدة من العالم، وتوق فئة الشباب إلى الانخراط في تنظيمات تمنحهم أهميّة، والتثقيف الخاطئ، وعوامل أخرى عديدة. وبإيجاز، كان ثمّة عدد من العوامل التي جعلت من حركة الإخوان، وما تفرّع عنها من جماعات، تجد لها مكانًا في الخليج وبرضا الإدارات السياسية المختلفة، نتيجة مسايرة أو توظيف أو حتى استخدام مهّد الطريق أمام هذه الجماعات. غير أنّ ما ينبغي لنا قوله هنا أنّ تلك الجماعات التزمت إلى حدّ بعيد السلم الأهلي المحليّ، إن صحّ التعبير، إلاّ في حدود ضيقة، من قبيل محاولة الانقلاب في عمان سنة 1994، التي خطّط لها الإخوان، وكشفتها المخابرات المصرية التي أبلغت بشأنها السلطات العمانية. كما يجب أن نشير، هنا، إلى أنّ الولايات المتحدة وبريطانيا لم تدرجا حركة الإخوان في قائمة الإرهاب، على الرغم من أنهما شكّلتا لجانًا فنيّة - سياسية، للنظر في الموضوع. وهذا بخلاف بعض الدول العربية التي أدرجت الحركة في قوائم الإرهاب، مع أنّ بعض المجموعات المنتمية إلى الحركة لا تزال تعمل في بعض دول الخليج. وما يثير دول الخليج من الحركة هو علاقتها بإيران الإسلامية، وقد اعترف بعض قادة الإخوان بتلك العلاقة، بل ودعمهم الماليّ للجمهورية الإسلامية الناشئة، هذا إلى جانب العديد من الكتابات الموثّقة للعلاقة بين الحركة وإيران7.

  1. كان عبد الله عزام هو عرّاب هذا التجنيد، وكان يعقد مؤتمراته تارةً في مكّة وأخرى في الولايات المتحدة.
  2. انظر: منصور النقيدان، "الإخوان المسلمون في الإمارات: التمدد والانحسار"، دبي: مركز المسبار للبحوث والدراسات، 2013/9/16، شوهد في 2017/7/15، في: http://bit.ly/1ODAl81
  3. على سبيل المثال، شغل الإخواني الإماراتي سعيد سلمان وزارة التعليم لفترة طويلة من الزمن، انظر: المرجع نفسه. هذا إلى جانب النواب والوزراء من ذوي الميول الإخوانية في البلدان الخليجية الأخرى.
  4. مثلا، حديث القيادي الإخواني يوسف ندا، وهو بمنزلة وزير المال في التنظيم الدولي للإخوان، عن أنّ الجماعة في وقت ما موّلت حكومة الثورة الإيرانية بالأغذية ومواد البناء وحتى بالأسلحة، انظر: "العلاقة الدولية للإخوان كما يراها يوسف ندا ح 2"، الجزيرة نت، http://bit.ly/2ulqKTB 2017 sz`syͿ1sɱ

أزمتا 2014 و 2017

لا يمكن وصف الخلاف القطري - السعودي بالحديث؛ فقد حدثت بعض المناوشات على الحدود في منطقة الخفوس سنة 1992، وهي جزء من مجموعة صدامات محدودة جرت بين دول الخليج في الربع الأخير من القرن العشرين بسبب خلافات حدودية كانت تجد طريقها إلى التسوية من خلال "دبلوماسية صامتة"، إن صحّ التعبير، أحيانًا، ودبلوماسية علنية أحيانًا أخرى. كما كانت ثمة خلافات قطرية - إماراتية، بعضها من جرّاء موقف إماراتيّ أبدى استياءه من طريقة تداول السلطة في قطر التي يرى فيها بعض الخليجيين تشجيعًا للتغيير غير المبرمج في الحكم. وكان تسلسل نظام الإمارة في قطر قد خضع لتجاذبات هي من طبيعة الحكم في المجتمع التقليدي في الخليج، ما قبل الدولة الحديثة وصدور الدساتير. أمّا الخلاف القطري – البحريني، فلم يكن فقط بسبب جزر حوَار التي صدر قرار ملزم من محكمة العدل الدولية بشأنها سنة 2001، ولكن أيضًا بسبب خلافات تاريخية بين العائلتين الحاكمتين، لقربهما من بعضهما وتاريخهما المشترك. اعتقد البعض، بعد اليسر الاقتصادي وتسلّم جيل مختلف من القيادات، وعدم فاعلية البحث في الأوراق القديمة، أنّ كلّ ذلك التاريخ قد أصبح وراء الجميع، وتمّ تجاوزه بسبب المستجدات التي أحدثها قيام الدولة الحديثة وترسيم الحدود وزيادة الثروة، فضلا عن التهديدات المشتركة من الخارج، أو ربمّا على الأقل توقّع الجيل الجديد من أبناء الخليج أنْ يُبنى عليه توافق واسع في حوض الخليج؛ بسبب الحتمية الجغرافية والمصلحية. أخيرًا، لا يمكن أن نتجاوز دور العامل الشخصي. وهنا، تبرز شخصية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي كان يطمح إلى أن تؤدي قطر دورًا أكبر في محيطها، ويستفيد شعبها من الثروة الجديدة الضخمة، وكان يريد أن يزفّ قطر إلى الحداثة، ويزفّ الحداثة إلى الجوار، بطريقته ومفهومه، فخطّط ل "تنمية انفجاريّة"، قدّمت لقطر عددًا من المشروعات التنموية المهمة، يُشهد لها بالكفاءة، ولا سيمّا في قطاعي التعليم والثقافة، الأمر الذي عاد بالنفع على سائر القطريين. ثم اتخذ الشيخ حمد من قناة الجزيرة الفضائية منطلقًا لما يُعرف الآن بالديمقراطية للخارج democracy Ofsfhore، من دون أن يعمل، لأسباب مختلفة، على تبنّيها محليٍّا. لذلك، ظهر في تلك السياسة شيء من الازدواجية، وكانت السياسة الخارجية القطرية قد نجحت في إقلاع قطر عالميٍّا، ساعدها في ذلك الدخل والاستثمار الضخم في السوق الدولية. حصل كلّ ذلك، والجوار إمّا صامت على مضض وإما منتظر أن تهدأ العاصفة، حتى لم يعد مكان للدبلوماسية الهادئة، وهي دبلوماسية كان يجب أنْ تكون فاعلة وواضحة قبل بدء الأزمة. فانفجرت الأزمة التي ساعد على تفاقمها الوضع القائم، خاصة ضغط عامل أسعار النفط المتراجعة وضغوط الحروب المتأججة في الجوار، وأصبح الخليج في موقع ما يُعرف ب "سجناء الجغرافيا". انفجرت الأزمة الأولى سنتي 2013 و 2014، بين قطر من جهة، والسعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى. وقتها، تمّ تجاوز الخلاف بتوقيع وثيقة، ظهرت إلى العلن مؤخرًا، ونصّت على شيء من التوافق8.

أمّا أزمة سنة 2017، فقد تغيرت المعادلة فيها قليلا بانضمام مصر إلى الدول الخليجية الثلاث. ويكمن الخلاف المعلن في أنّ الدوحة كانت ترى أنّ العلاقات الخليجية البينية لا يعتريها خلاف في الملفات الأساسية، وأنّ الدوحة متسقة كلّ الاتساق مع السياسات العامة للبيت الخليجي، إلا أنّها ترى أنّ بقية علاقاتها مع العالمين، العربي والدولي، هي جزء من سيادتها التي يجب ألاّ ينازعها عليها أحد، ومن ثمّ فهي تتصرف بناءً على ذلك. وتحاجج الدوحة بأنّ سياساتها تساند الشعوب التي تغوّلت عليها الأنظمة. وفيما يخص ملف الإخوان المسلمين، فإن الدوحة ترى أنّ عددًا من دول الخليج قد استخدمهم أداة في وقت ما. من الجانب الآخر، ترى الدول الخليجية الثلاث، ثمّ مصر، أنّ الوقت هو وقت رصّ الصفوف لمواجهة المخاطر الكبرى الشاخصة، وأنّ سياسات الدوحة مع المنظمات والدول الخارجية تضر الأمن المشترك للخليج، وكانت الإشارة إلى مصر بالذات التي خاصمتها الدوحة. في حين ترى الدول الخليجية الثلاث أن تعضيد الدولة المصرية القائمة ليس مهماٍّ للأمن المصري فقط، ولكنّه أكثر أهمية للأمن العربي، وأنّ ضعف مصر ضعف للصف العربي الذي يواجه تحديّات كبرى في أكثر من جبهة، هذا فضلا عن استضافة الدوحة بعض المعارضات

  1. هنا تأخرت الدبلوماسية الخليجية في نشر الوثيقة بالسرعة اللازمة، وهو دليل جزئيّ على أنّ الشفافية لم يُعمل بها وقتها. ا زمة الخليجية وتداعياتها، الوقائع والمآلات: قراءة استشرافية

الخليجية، وعدد من الملفات الفرعية الأخرى، كملف الجزيرة، وبعض الملفات التي ترى الدول الأربع أنّها تمسّ أمنها الوطني الداخلي، وهي تتهم الدوحة بأنّها لم تفهم هذه الأمور حقّ فهمها، ولم تأخذ الموضوع بالجدية التي يراها الآخرون. ومع ذلك، ينبغي لنا أن نلاحظ أنّ الأزمة لم تنفجر إلاّ مع التغيير في موقف الإدارة الأميركية الجديدة حيال عدد من الموضوعات.

سيناريوهات متوقعة

تبدو الخسارة في حال استمرار الأزمة واضحة المعالم؛ فمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي بُذل فيه جهد ضخم لكي يخرج إلى الوجود ويحقق ما تحقق حتى الآن يتعرّض لضغوط حقيقية، ستفضي بالمنطقة كلّها إلى الانكشاف. كان هذا المجلس ردٍّا سياسيٍّا لمجموعة من الهزّات والزلازل الضخمة؛ منها التغيير الثوري في إيران، والحرب الإيرانية - العراقية، وتراجع دور القوى الغربية في الأمن الإقليمي. ومن ثمّ، لن يكون أمام الدول الصغيرة والمتوسطة في منظومة الخليج إلاّ البحث بكلّ جديّة عن مخرج يحفظ للجميع أمنهم ويساعد على الاستقرار المبنيّ على الثقة. أما القوى الإقليمية التي تحاول الدخول على الخط، فحتى إن كانت تحاول المساعدة، فإنّ لها أجندتها الخاصة، ومن الخطأ السياسي الجسيم غضّ النظر عنها. ولذلك، أرى أنّ أول ما يجب الإصرار عليه هو حلّ الخلاف في البيت الخليجيّ سلميٍّا، والخطوة الثانية هي النظر الجادّ في شكل من أشكال المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، لأنّ أيّ حركة سياسيّة، مهما كان غطاؤها الأيديولوجي، لا تنتعش إلاّ في حالة الفراغ السياسي. وقد وصلت دول الخليج في العقود الخمسة الماضية إلى نضج اجتماعي وسياسي وثقافي، وهو الأمر الذي يدفعها إلى إيجاد وسائل للمشاركة في القرار، من خلال مؤسسات حديثة، يكون للشعب فيها رأي مباشر. فإن كان القلق اليوم من تنظيمات سياسية مؤدلجة بالدين، فليس ثمّة ما يمنع من قيام جماعات أخرى لها أيديولوجيا أخرى. هذا إلى جانب ضرورة صناعة "منظومة فقهية جديدة"، تضع الخط الفاصل والواضح بين الدّين والسياسة، حتى لا يُستغّل الدّين الذي يؤمن به الشعب ويتحوّل إلى مطيّة سياسيّة.

المراجع

العربية

الرميحي، محمد. "الخليج والربيع العربي: ورقة يانصيب دون بوليصة تأمين". ورقة مقدّمة في ندوة دول مجلس التعاون الخليجي: السياسة والاقتصاد في ظل المتغيرات الدولية. منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة،

النقيدان، منصور. "الإخوان المسلمون في الإمارات: التمدد والانحسار." دبي: مركز المسبار للبحوث والدراسات،:2013/9/16، في http://bit.ly/1ODAl81

ا$ جنبية

Clinton, Hillary. Hard Choices. New York: Simon & Schuster, 2014.