إيران والأزمة الخليجية: المكاسب والخسائر
Iran and the Gulf Crisis: Losses and Gains
الملخّص
تسلط الورقة الضوء على محددات الموقف ايراني من ا زمة الخليجية الرامي إلى منع أيّ تغيير في الجغرافيا السياسية في المنطقة، كما تقف على مكاسب طهران من استمرار ا زمة نتيجة خسارة الرياض بعض حلفائها التقليديين في منطقة الخليج وخارجها من جهة، وعلى خسائرها المتوقعة أيض - ا لو طال أمد ازمة أو اتجهت القوى المؤثرة فيها إلى سيناريوهات تصعيدية من شأنها زيادة التدخل ا ميركي - من جهة أخرى. وعلى الرغم من خصومتها التقليدية للسعودية، تميل دوائر سياسية عدة في طهران إلى اتخاذ موقف حذر من ازمة، خشية تبعات دولية وإقليمية لهذا الموقف؛ إذ لا تبدو إيران الرسمية في وضع سياسي جيد، فهي لم تجن مكاسب تذكر من الاتفاق النووي كما كانت تمن ي نفسها. لذلك، ربما لا ترغب في الانخراط في أزمة سياسية جديدة، في ظل وجود إدارة أميركية تناصبها العداء وتفرض عليها المزيد من العقوبات.
Abstract
This paper explores the determinants of Iran's stance towards the 2017 intra-GCC Crisis, in which the country opposes alterations to the political geography of the Gulf. The author demonstrates how Tehran simultaneously benefits from the loss of Saudi Arabia of some of its allies and stands to lose from increased American involvement in the event that the conflict is prolonged. Despite its long-standing rivalry with Saudi Arabia, many Iranian decision-makers are cautious with regards to the intra-GCC crisis, fearing the possible regional or global fallout of a more involved role. Lacking tangible benefits from the nuclear deal with the 5+1 group of countries, official Iran seems reluctant to involve itself in a crisis which could complicate both its domestic political situation and its foreign relations, especially in light of a hostile US Administration.
- الأزمة الخليجية
- إيران
- قطر
- السعودية
- ترامب
- The Gulf Crisis
- Iran
- Qatar Siege
- Saudi Arabia
في 24 أيار/ مايو 2017 بثّت بعض وسائل الإعلام العربية التابعة للإمارات والسعودية ما ادّعت أنها أخبار منقولة عن وكالة الأنباء القطرية، ومنسوبة إلى خطابٍ لأمير قطر؛ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، يمتدح فيه العلاقات القطرية الإيرانية. كانت تلك الخطوة الأولى التي تم فيها استحضار إيران إلى مشهد الأزمة الخليجية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تبع ذلك جملة من الادعاءات أرادت بها وسائل الإعلام تلك إظهار كشفٍ جديدٍ حول العلاقات القطرية - الإيرانية.
استحضار طهران والتركيز اE يراني على "السعودية"
تبع ما تقدم من بث للتصريحات الملفّقة استحضار إيران في قائمة شروط دول الحصار الأربع(السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر )التي قدمتها لحل الأزمة الخليجية ورفع الحصار ووقف إجراءاتها ضد الدوحة؛ إذ طالبت الدول الأربع قطر ب "الإعلان رسميًا عن خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران وإغلاق الملحقيات، ومغادرة العناصر التابعة والمرتبطة بالحرس الثوري الإيراني الأراضي القطرية، والاقتصار على التعاون التجاري مع إيران، بما لا يخلّ بالعقوبات المفروضة دوليًا وأميركيًا عليها، وبما لا يخلّ بأمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وقطع أيّ تعاون عسكري أو استخباراتي مع إيران"1. ومع أن قائمة المطالب(الشروط )المقدّمة من دول الحصار تأخرت أكثر من أسبوعين، فإن إيران نفسها تحدثت عن استحضارها في الأزمة في اليوم الثاني عقب إعلان دول الحصار إجراءاتها ضد قطر في 5 حزيران/ يونيو 2017؛ ذلك أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف زار تركيا بعد يومين من بدء الأزمة، والتقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته مولود شاوش أوغلو. ويبدو أن نتيجة الزيارة – على الرغم من شح المعلومات - أكدت أن إيران تتمنى من تركيا أداء دور دبلوماسي فاعل في الأزمة يحول دون إعطاء السعودية أيّ امتياز، وفي الوقت ذاته تمنع أيّ تغيير في الجغرافيا السياسية في المنطقة. وهو الموقف نفسه الذي أعلنته إيران عند اجتياح العراق للكويت في عام 1990؛ إذ أعلنت حينها أنها ضد الاجتياح وضد أي تغيير في الخريطة السياسية في منطقة الخليج العربي2. تكرر الموقف الإيراني الذي أعلنه وزير الخارجية، على لسان رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني الذي لم يتردد في انتقاد المملكة العربية السعودية انتقادًا قويًا، مؤكدًا أن الرياض "ليس لديها وزن في المنطقة لفرض شروطها على قطر"، وأن زمن فرض الشروط والتدخل في سيادة الدول قد انتهى3.
ومن وجهة نظر مختلفة، أ شيرَ – في سياق استحضار دول الحصار إيران في الأزمة الخليجية - إلى أن الأزمة ستدفع قطر نحو إيران، عبر الإجراءات التي اتخذتها دول الحصار ضد الدوحة، كما ستدفع حماس أيضًا إلى إيران. وبذلك سيتكرر السيناريو الذي حصل مع حماس عقب انتخابات عام 2006 التي فازت فيها؛ إذ رفضت دول المنطقة، ومعها دول محورية مثل الولايات المتحدة الأميركية، الاعتراف بشرعية نتائج الانتخابات، فكانت النتيجة الدفع بحماس نحو التحالف مع إيران4. يلاحَظ أن إيران تركز على السعودية تركيزًا أكبر، وذلك يرجع، أولا، إلى طبيعة الخصومة والمنافسة السعودية - الإيرانية القائمة في أكثر من ملف إقليمي؛ وهي خصومة تحوّلت إلى فصل من المواجهة انتهى بقطع العلاقات الدبلوماسية عقب الهجوم على السفارة السعودية في طهران، بسبب إعدام الرياض رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر أوائل عام 2016. ويجدر التذكير في السياق ذاته بأن إيران تسعى لعدّ الأزمة بين دول الحصار وقطر ضمن أجندتها في مواجهة السعودية؛ نظرًا إلى أن الرياض تمارس سياسة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي التي طالما انتقدت إيران بسبب هذه السياسة.
بناء عليه؛ فهذا موقفٌ مركّب يركّز على الرياض، بغض النظر عن إن كان لها دور قيادي في الأزمة. ويُفسر هذا التركيز، ثانيًا، بفهم إيران أن الرياض هي التي تقود الدول الثلاث الأخرى المحاصرة لقطر، وهي التي تنسق بينها، ويأتي هذا الفهم انعكاسًا لاشتراط دول الحصار قطع قطر علاقاتها بإيران. كما يفسر هذا التركيز الإيراني على الرياض، ثالثًا، بأن إيران تعدّ دولتي الخليج الأخريين؛ الإمارات والبحرين، أخفّ وزنًا سياسيًا في أداء دور محوري في الأزمة لولا الحضور السعودي. لذلك، فإن في التركيز على الرياض إشارة إلى ضعف اللاعبين الآخرين، وتشكيكًا في مدى قدرتهم على أداء دورٍ من دون الدعم السعودي.
المكاسب والخسائر
على الرغم من أن التصريحات الإيرانية شحيحة، فإن ما هو متوافر يشير إلى أن ثمة حسابات لدى إيران خاصة بهذه الأزمة، مرتبطة بإمكان تحقيق طهران مكاسب، أو تقليل خسائر قد تتسبب فيها هذه الأزمة. يَرى الدبلوماسي قاسم محبعلي مدير دائرة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الإيرانية السابق؛ أن على إيران التصرف بأعلى درجات الحيطة والحذر في مواقفها تجاه الأزمة الخليجية، محذّرًا حكومته من تبنّي موقف مؤيد لقطر، مفسرًا ذلك بالقول إن قطر طوال السنوات الأخيرة وضعت إيران تحت ضغوط متعددة، مضيفًا أن خلاف دول الخليج قديم بطبيعته الدينية الوهابية أو القبائلية، وأن تبنّي موقف داعم لقطر لا يبدو خيارًا صحيحًا؛ لأنه يعتقد أن لدى قطر علاقات بطالبان وبعض التنظيمات التي يُنظر إليها على أنها "إرهابية"، كما أن قطر بالنسبة إلى محبعلي قد عملت ضد الأمن القومي الإيراني في سورية والعراق5. ويعتقد محبعلي أن الأزمة لن تُحلّ ضمن الإطار الإقليمي. لذا، على إيران مراقبة الدور الأميركي والبريطاني في حل الأزمة، مشيرًا إلى طبيعة الخلافات والسوابق التاريخية التي تدخّلت فيها الدول الكبرى، خاصةً أن الأمن والاستقرار السياسي في منطقة الخليج العربي يمثّل أهميةً كبيرةً لهذه الدول. يشير محبعلي أيضًا في السياق ذاته إلى أن على إيران أن لا ترحب بأيّ مواجهة مباشرة في المنطقة مهمْا كانت محدودة؛ وذلك لأن الأمن والاستقرار في منطقة الخليج يلقيان بظلالهما على الأمن والاستقرار في الجمهورية الإسلامية6. ومع أن التصرف بحيطة يبدو جليًا في سلوك الدبلوماسية الإيرانية في ما يتعلق بالأزمة الخليجية منذ بدئها، فإن إيران تنظر إلى الأزمة بوصفها فرصة لتحقيق بعض المكاسب، أو على الأقل، للتفكير في تحقيق بعضها. ومن هذه المكاسب؛ حدوث انقسام في ما تراه إيران "تحالفًا عربيًا" ضدها، فالتفاعلات المتسارعة وحالة التكتلات والجبهات في الأزمة الخليجية أدّت إلى انقسام الدول العربية بين محورَي الأزمة، وهو ما تراه إيران إيجابيًا، ويكمن عامل أساسي إيجابي آخر في تراجع الدور القيادي للسعودية ضمن التحالف العربي الموجه ضد إيران، والذي يركز على البعد الطائفي المذهبي، وفي الحصيلة؛ تراجع كبير في الأدوار التي تؤديها الرياض. ويشار في السياق نفسه إلى الانقسام الحاد داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وسياسة المحاور التي تسببت فيها الأزمة الخليجية؛ إذ ظهرت قطر وعمُان في محور، والسعودية والإمارات والبحرين في محور، في حين تؤدي الكويت دور الوسيط بين المحورين المتشكلين فعليًا.
من ضمن المكاسب التي تراها طهران، كذلك، في الأزمة الخليجية؛ أنها تشكّل محورًا من الدول غير الراضية عن السياسة السعودية في المنطقة، خاصةً أن الرياض تركّز على العامل المذهبي الطائفي في حشد الرأي العام العربي ضد إيران. لذا، تفتح الرياض الباب، بسبب سياستها ضد قطر، أمام بعض الدول مثل: عمُان والكويت وباكستان وتركيا ولبنان والعراق، وبهذا تخسر الرياض بعض حلفائها التقليديين لمصلحة الجبهة التي توجد إيران فيها. ربما يفتقر هذا التحليل إلى الدقة، نظرًا إلى أن الدول التي قد تغادر مربع التحالف مع السعودية لن تتجه بالضرورة إلى مربع التحالف الذي تعمل فيه إيران؛ ذلك أن الدور الإيراني في سورية، ومن قبلها في العراق، ساهم مساهمة كبيرة في تراجع كبير لقوة إيران "الناعمة"، وتغيير صورتها أمام الرأي العام، بحيث وصل الأمر إلى حد النظر إليها بمنظار الخصم الذي يقف مع الثورات المضادة للربيع العربي. ويأتي الاقتصاد ضمن أهم المكاسب التي تتوقع إيران الحصول عليها من الأزمة؛ فمن المعروف أن إيران وقطر منتجان بارزان للغاز، وأمام التطور الإيجابي في العلاقات القطرية - الروسية والعلاقات
الإيرانية - الروسية، فإن احتمال تبنّي سياسة موحدة متعلقة بسوق الغاز سيفيد إيران، وقطر وروسيا أيضًا. وعلى مستوى المواد الغذائية، أعلنت إيران استعدادها في الأيام الأولى من الأزمة تزويد قطر بالمنتجات الزراعية والمواد الغذائية عبر ثلاثة موانئ. وفي السياق نفسه فتحت إيران مجالها الجوي على نحو مكثف لمرور الطيران القطري؛ إذ أبدت استعدادها للمزيد من التعاون مع قطر في ما يتعلق بزيادة عدد الرحلات التي تعبر الأجواء الإيرانية7. وتفترض هذه المكاسب المحتملة التي تراها إيران أن الأزمة قد تطول فترةً زمنيةً تستدعي من قطر تغييرًا جذريًا في أولويات علاقاتها الخارجية، وهو أمر ربما تعمل عليه قطر، لكن في إطار أن تكون إيران أحد أهم اللاعبين البارزين فيه. قدمت قطر الشكر لإيران من دون ذكرها صراحةً في الخطاب الذي ألقاه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حول الأزمة في 21 تموز/ يوليو 2017، حين أشار إلى الدول التي فتحت مجالاتها الجوية للطيران القطري8، لكن هذا لا يعني أن تطور العلاقات سيتسارع على النحو الذي يفكر فيه بعض أصحاب القرار والمتابعين في إيران. ومن جهة أخرى، لا تبدو إيران في وضع سياسي جيد، إذ إنها لم تجنِ مكاسب تذكر بعد الاتفاق النووي كما كان متوقعًا؛ ذلك أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعادت فرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران، من شأنها أن تعطل المكاسب الإيرانية من الاتفاق؛ ما سيؤثر في تعامل الدول معها بما فيها قطر. لذا؛ من المتوقع أن يستمر التركيز على مسألة فتح الأجواء الإيرانية أمام الطيران القطري إلى حين نجاح الدوحة في البحث عن بدائل أخرى، أو إجبار دول الحصار على فتح أجوائها من دون أن يكون هناك حل كامل للأزمة. وكما أن المكاسب لها حساباتها، فلخسائر إيران المحتملة بسبب هذه الأزمة حساباتها كذلك؛ فعلى سبيل المثال، قد يعطي تبنّي إيران موقفًا مؤيدًا لقطر مبررًا لتأكيد ما ذهبت إليه دول الحصار، قد يقود إلى الإضرار بقطر. وبعبارة أخرى، تعدّ الولايات المتحدة الأميركية ودول الحصار إيران دولة إرهابية، وترعى الإرهاب؛ ما سيقوّي جانب التحالف ضد إيران وضد قطر. لذا؛ يأتي الحديث عن ضرورة أن تتعامل إيران مع الأزمة بأعلى درجات الحيطة والحذر. ثم إن التفاعل الدولي مع الأزمة قد يؤدي إلى المجيء بحلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى منطقة الخليج العربي؛ ومن ثم، يتقوّى التحالف الذي تقوده السعودية، وكذلك تركيا وإسرائيل؛ ما سيهدد إيران وحضورها السياسي في المنطقة، وأدوارها التي تبدو محل اعتراض متزايد من كثير من الدول العربية وغير العربية. تبدو إيران قلقةً من الأزمة ولكن بحذر شديد؛ فعلى الرغم من المكاسب التي تبدو في الأفق، فإنها لا ترغب في مزيد من تشتيت قدراتها السياسية والعسكرية، بل تروم أن يتمدد دورها متزامنًا مع استنزاف سياسي واقتصادي في سورية والعراق واليمن، في نوعٍ من الهدوء في منطقة الخليج، أو على الأقل، إدارة حرب باردة بينها وبين الرياض، لكن ليس إلى حدّ أزمة قد تؤثر تأثيرًا سلبيًا في أسعار النفط، وقد تؤدي إلى تزايد الوجود العسكري الأجنبي. لقد كانت إيران تبدي انزعاجًا من القواعد الأميركية في المنطقة، ولكنها الآن تواجه وجودًا عسكريًا بريطانيًا وفرنسيًا وتركيًا فيها، وهو أمر يزيد من أعباء إيران وحساباتها لتحقيق أمنها القومي في ظل وجود حضور عسكري أجنبي متنوع بجوارها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاتفاق النووي يكاد يصبح عبئًا سياسيًا على النظام الإيراني في ظل عدم تحقق النتائج المرجوة منه، وبخاصّة في الجانب الاقتصادي؛ ما يعني ارتفاع الأصوات المتشددة التي لم تكن راضيةً عن الاتفاق، ومطالبتها برد من الحكومة على العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية، وهذا يعني العودة إلى المربع الأول، حيث الحرب الكلامية بين طهران وواشنطن مع تضاعف الأعباء الاقتصادية داخل إيران. في ظل كل هذه المتغيرات الإقليمية والدولية، تبدو طهران حريصةً على المحافظة على التماسك الاقتصادي والسياسي، والنأي بالنفس ما أمكن عن الأزمة الخليجية، والاكتفاء بالمتابعة القلقة من بُعد، على أن لا يكون ذلك نأيًا كاملا ولكن جزئيًا، وذلك بسبب الخشية من تفاقم الأزمة التي ترى طهران أنها ستؤثر فيها بوصفها جزءًا من منطقة الخليج، ولأن أمنها القومي لا يتحقق على النحو الذي يأمله النظام في حال دخول المنطقة مرحلةً من عدم الاستقرار. في سياق التفكير الإيراني في الأزمة الخليجية، يجري استحضار ما حصل في أفغانستان عام 2001، وما حصل في العراق عام 2003، وكيف أن إيران كانت قلقةً من الحضور الأميركي على حدودها الشرقية والغربية. لكن القلق الإيراني كان مفرطًا في التقييم الإيراني لما بعد تينك الأزمتين؛ إذ تحولت الأزمتان إلى فرصٍ جنت منهما إيران، ولا تزال، كثيرًا من المكاسب السياسية. من هنا يسود اعتقاد عند البعض في طهران أن على إيران أن لا تغرق في القلق والتشاؤم من سيناريوهات الأزمة الخليجية، قياسًا على تجربتَيِ الحرب في أفغانستان والعراق.
يبدو من غير اليسير وضع صورة نهائية بخصوص الموقف الإيراني من الأزمة الخليجية، وميزان المكاسب والخسائر الإيرانية؛ ذلك أن الأزمة لا تزال تتفاعل، كما أن أدوار اللاعبين لم تأخذ بعد شكلها النهائي، إضافة إلى أن تأثيرات الأزمة السلبية ظهرت في دول الحصار قبل أن تظهر في الدولة المحاصرَة. تبدو طهران مشتتة من حيث حجم الملفات الأولوية بالنسبة إليها؛ إذ كان يعتقد أن الملف النووي سيكون المفتاح الذي يمكنه أن يفتح الطريق أمام بقية الملفات، وتسجل إيران نقاطًا على خصومها، لكن هذا الملف لا يبدو أنه يسير في طريق معبّدة، بل على العكس تزداد العراقيل منذ مجيء إدارة دونالد ترامب9. والأهم من ذلك أن التعقيدات التي تسود ملف العلاقات الروسية - الأميركية، والأوروبية - الأميركية، ربما لا تساعد طهران على النحو الذي يمكّنها من تجاوز الدور الأميركي، والاكتفاء بدورٍ روسيٍ أو أوروبي، وهذا في حد ذاته يمثّل عقبةً حقيقيةً تمنع إيران من جني ثمار الاتفاق النووي. إن مدى ما يمكن أن تربحه إيران أو تخسره مرتبط بالسيناريو النهائي الذي يمكن أن تُحل على أساسه الأزمة الخليجية، ومدى التغير الذي يمكن أن ينال الملفات الأساسية التي تتصادم فيها إيران مع دول الخليج أو مع قطر مثل ملفّ سورية أو اليمن؛ إذ إن حلول تلك الملفات لا يبدو أنها تلوح في الأفق. لذا؛ من المرجح أن يبقى مدى الفائدة أو عدمها مرتبطًا بسيناريو حل الأزمة، والذي يمكن أن يعزز مواجهة إيران مع السعودية ويحافظ على الوضع الراهن مع قطر. وأخيرًا، تجب الإشارة إلى أنه إذا استمرت دول الحصار في فرض حصارها الجوي على قطر، فإن طهران قد تستفيد من استخدام مجالها الجوي استفادةً أكبر، ومن تصدير بعض المنتوجات الزراعية والغذائية، لكن ذلك سيكون متأثرًا بسياسة قطر في تنويع مصادر أمنها الغذائي، وليس بالاعتماد على دولة أو دول بعينها.
المراجع
الزويري، محجوب. "محددات السياسة الأميركية تجاه إيران في عهد ترامب: بين الثابت والمتغير". دراسات. مج 4. العدد 1.(2017)