الجزيرة" والأزمة الخليجية: الخلفيات والتأريخ

"Al Jazeera" and the Gulf Crisis: Background and History

علي الصالح مولى| Ali el-Saleh Moula @

الملخّص

تطمح هذه الورقة إلى ا جابة عن السؤال التالي: "لماذا أدرجت دول حصار قطر طلبًا بإغلاق شبكة الجزيرة ضمن جملة المطالب المقدمة لها؟". ولم نشأ أن تكون ا جابة مباشرة أو ذات طبيعة سياسية راهنة. حاولنا أن نستقدم، وفق منظور تاريخي وجيوسياسي، السياقات المتشابكة التي نشأت فيها الجزيرة وتطورت. وعمدنا إلى رصد الرهانات التي شرعت لوجودها، والمسارات التي تحركت فيها، والمضامين التي سعت إلى ترويجها. وت خيرنا أن نبحث في مسائل محددة تتعلق بالمحيط اقليمي وردات افعال المحتملة والمتحققة على بعث قناة فضائية تقطع مع إعلام الدولة الوطنية ووظائفه التقليدية وتبني فضاءً اتصاليًا لمصلحة الجمهور وليس لمصلحة السلطة. ونزعنا، في إطار البحث عن خصوصية هذه الظاهرة، نحو تتبع الحالة ا علامية العربية بعد سنة 1996 وما تكون قد أسهمت به الجزيرة في إحداث نقلة نوعية في ممارسة الصنعة اعلامية من ناحية، وتشكيل رأي عام يتجاوز اطارين المحلي والوطني من ناحية أخرى.

Abstract

This paper seeks to determine why the countries blockading Qatar during the summer of 2017 demanded the closure of the Al Jazeera media network. The author sought to avoid conclusions rooted only in the immediate situation and instead worked towards a historical and geopolitical understanding of the interconnected factors in which Al Jazeera emerged and evolved. The paper also explores a number of the responses which Qatar's regional neighbors could be expected to take to a satellite broadcaster which broke with the tradition across the region of loyalist television stations which promoted the government's vision of the world. This paper seeks to understand the impact of Al Jazeera on the creation of a supra-national identity.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

تميزت قناة الجزيرة منذ انطلاقتها سنة 1996 بانجذاب الناس إليها بين معجبين بأدائها ومنتقدين له. ولفتت إليها أنظار الباحثين والمتخصصين، فتواترت الدراسات في شأنها، كما لم تتواتر في غيرها من وسائل الاتصال. وكان مدير البحوث في مركز الجزيرة للدراسات عز الدين عبد المولى قد أحصى ما يزيد على مئتيْ عمل أكاديمي بين سنتي 1996 و 2011 تخص هذه القناة موزعة على عدد كبير من جامعات العالم1. بدا واضحًا أن الجزيرة استطاعت أن تخرق جدار الصمت العربي الطويل، وتفتك مساحات مهمة هيمنت عليها طويلا وزارات الإعلام، وتحذف وظيفة الوسيط الثقيل بين المعلومة والمتلقي. وتَبين أنها نجحت في منافسة إمبراطوريات الإعلام العالمية، وصارت هي أيضًا مصدرًا للمعلومة، فأغنت المشهد الاتصالي العالمي، وكسرت التقاليد الاحتكارية لسوق الخبر. وليس من المبالغة القول إنها مثلت، أول مرة في تاريخ إعلام الدولة الوطنية القُطْرية، الرواية العربية لأحداث العالم الكبرى من خلال إنتاجها سردية تحمل بصمة عربية ومسلمة. وما كان ذلك ليَكون مُتاحًا لو لم تنشأ هذه الشبكة في إطار رؤية إستراتيجية واضحة المقاصد، وعبر تمويلات ضخمة لتلبية متطلبات مغامرة إعلامية غير تقليدية وغير مسبوقة. وقد بات اليوم واضحًا أنه لا جدال على قُدرة الجزيرة، بعد عمر تجاوز قليلاًالعشرين عامًا، على تشكيل رأي عام عربي وإسلامي وكوني واسع، وصناعة فضاء اتصالي مبني على قيم الحرية والديمقراطية والاختلاف والتعدد. ولا مجازفة إن ذهبنا، في هذا الصدد، إلى أن الجزيرة كانت على نحو ما صوت المقموعين والمظلومين والمشردين من دون تمييز بعضهم من بعض بسبب الفكر أو الدين أو العرق أو اللون، وأنها كانت بسبب ذلك مصدر إزعاج مستمر لأنظمة الاستبداد والتسلط. فشُنت عليها الهجمات، ولاحقتها الاتهامات، وتعرضت طواقهما في أكثر من مناسبة، وفي أكثر من مكان، للمطاردة والسجن والقتل. وتتموضع الجزيرة في قلب الأحداث مرة أخرى، إذ طالبت دولُ الحصار بإغلاقها. فما الذي يخيف فيها حتى تأتي المطالبة بغلقها؟ وهل من معقولية زمنية وأخلاقية وثقافية لمثل هذا الطلب؟

أولا: سياقات النشأة ومعركة تحرير المعلومة

لن تخوض هذه المقالة في أصل الخلاف الدائر بين قطر ومجموعة دول الحصار، فالبحث فيه يطول ويتشعب. وإنما تهدف إلى فحص مطلب واحد من مطالب هذه الدول، والتي أرسِلَت إلى قطر لتنفيذها في أفق زمني محدد، وهو المطلب المتعلق بغلق قناة الجزيرة. فما الذي يخيف في الجزيرة حتى ترتفع أصوات أربع دول بغلقها وليس فقط بتعديل اتجاهها؟ ينبغي الاعتراف بداية بأن الجزيرة لم تنشأ في سياق مشهد إعلامي تقليدي على المستوى المحلي أو الإقليمي، ولم تكن قناة تضاف إلى قائمة التلفزات العربية لتنافس على الأفلام والأغاني والمنوعات. وإنما نشأت نشأة اختراق أفقي وعمودي للنسيج المرئي والإخباري العربي، وجاءت لتُدشن فلسفة إعلامية جديدة من جهة التصور، ولتصنع فضاءً عامًا، ولتُشكّل قاعدة تلقٍ جماهيرية تتجاوز الأطر الوطنية والقومية. وتنتسب الجزيرة، من جهة الانتماء الزمني، إلى العصر المعلوماتي الجديد المُنفلت من حدود الجغرافيا والسيادة والرقابة بفضل ما وفرته تقنيات البث الفضائي، وهي بذلك تنفصل هُوَوِيًا عن فلسفة وجود الإعلام التقليدي. وحين توافرت "إمكانيّة توصيل البثّ التلفزيونيّ مباشرة إلى المستقبل]المتلقّي[وبدون وسيط وبدون أيّة إمكانيّة إلغاء أو تعطيل أو منع هذا البثّ فقدت الأنظمة سيطرتها وسيادتها واحتكارها الإعلاميّ. وشكّل هذا التطوّر منعطفًا هامٍّا في الحياة الاتّصاليّة العربية"2.

ولكننا نسجل ملاحظة تأسيسية في هذا الشأن فنقول إن المنعطف الاتصالي المذكور لم يكنْ اختيارًا عربيًا مؤسسيًا ترعاه هيئات عربية أو إقليمية مثل جامعة الدول العربية. ولم يكن تتويجًا لمسار تحرري للمشهد السمعي - البصري العربي. وبذلك، مثّلت ولادة الجزيرة

  1. عز الدين عبد المولى(إشراف )، دليل البحوث الأكاديمية حول الجزيرة - 1996 11 20(الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون،.)2011
  2. انتصار إبراهيم عبد الخالق وآخرون، الإعلام الجديد: تطور الأداء والوسيلة والوظيفة(بغداد: الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة، 2011)، ص.37

إرباكًا للنظام السياسي العربي عمومًا، و"كانت ردود فعل أغلب الحكومات في الدول العربية متسمة بنزعة عدائية صريحة ضد القناة وضد الحكومة القَطرية"3. كما رافق نشأة القناة في محيط تقليدي ومحافظ، أسئلة مخلوطة بالشك بشأن بواعث إطلاقها في الفضاء الاتصالي العربي عمومًا، والخليجي خصوصًا. وربما وصلت الأسئلة إلى حد اتهام جهات معادية للعرب والمسلمين بالوقوف وراءها4. ولكننا نعلم أن غالب تلك الأسئلة ادعاء بسبب الخوف من الأفق الجديد الذي بدأت الجزيرة بتشكيله. ومن هنا، أسقط فيليب سيب Seib Philip ظاهرة الجزيرة في سياق الإعلام المُعَولَم، موضحًا أن "الإعلام لم يعد إعلامًا فقط، لقد أصبحتْ لديْه قاعدة جماهيريّة أوسع من أيّ وقت مضى. ونتيجة لذلك أصبح يمارس تأثيرًا غير مسبوق في السياسة الدوليّة. يمْكن للإعلام أن يكون أداة للصراع أو أداة للسّلام، وبإمكانه أن ينزع عن الحدود التقليديّة قيمتها فيوحّد الشعوب المتناثرة عبر الكرة الأرضيّة. إنّ هذه الظاهرة – تأثير الجزيرة - بصدد إعادة تشكيل العالم"5. ولم تكن الجزيرة وفق هذا المنظور وسيلة ناقلة لصورة وخبر، وإنما تعدت ذلك إلى أن تكون رؤية وسياقًا. ولذلك، مثل ميلادها منتصف تسعينيات القرن الماضي ثورة حقيقية على الإرث الإعلامي سواءً من حيث هو صناعة أو رسالة، وجاءت لتكون فاعلا في توجيه الرأي العام وصناعته. وما كان ذلك مُتَخيلا في السياسات الإعلامية العربية التقليدية التي كانت تُؤطر المتلقي العربي وتروضه وتمارس معه ضروبًا من الاحتيال والغش حين تُخفي عنه أخبارًا وتُظهِر أخرى، وحين تضخم أمرًا وتُحقر آخر. وما كان مُستغربًا حينئذ أن يلوذ العارفون بهذا الأداء المُوجه بإذاعات في بريطانيا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة أو فرنسا لالتقاط الأخبار والتحاليل ومعرفة ما يقع في العالم العربي والعالم. وقد كان المُتلقي العربي يتصيد مواعيد بث هذه الإذاعات وموجات التقاطها بعناء شديد وفي ساعات متأخرة من الليل، غير أنه كان لا يرى عنها ح وَلا. وجاءت الجزيرة فملأت الدنيا وشغلت الناس6، واستطاعت، في ضوء الإستراتيجيا التي توجه نشاطها، أن تصبح في ظرف وجيز مصدرًا بديلا للخبر. وما كان ذلك هينًا في عالم إخباري تحتكر مجالَه مؤسسات وشبكات عالمية وتتحكم فيه اتجاهات ومصالح تديرها قوى الهيمنة في العالم. والجزيرة إذ راهنت، منذ نشأتها، على أن تكون مصدرًا للمعلومة، وليست قناة وسيطة بين المصدر والمتلقي على ما جرت عليه تقاليد الإعلام العربي، هدفت إلى اختراق حواجز احتكار الخبر وتحرير المتلقي العالمي من عبودية العلامة الواحدة؛ فكانت بذلك منافسًا من أجل حرية طالب الخدمة الخبرية. وما كان مشروع تحرير المتلقي مُمكنًا من دون النجاح في افتكاك سوق المعلومة من كبار الإمبراطوريات الإعلامية.

ثانيًا: من تحرير السوق إلى تعريب الخبر

تُعدّ منافسة الإمبراطوريات الإعلامية العالمية تحديًا كبيرًا؛ إذ تمتلك تقاليد عريقة في تسويق المنتوج الصحفي ولها خبرة طويلة في كيفيات توجيه الرأي العام، ولها مصادر تمويل ضخمة وقدرات لوجستية هائلة وطواقم صحفية متخصصة مبثوثة في جميع زوايا العالم ومتأهبة باستمرار لخطف المعلومة أو الحدث أو الصورة وتمريرها في زمنها الحقيقي أو القياسي، ولها صلات ثابتة بمصادر صنع القرار في مراكز السياسات الدولية. وليس بِدْعًا أن الذي يحتكر السوق يفرض شروطه فيوزع لمن يشاء، ومتى يشاء، وكيف يشاء، وبالمقدار

  1. Ezzeddine Abdelmoula, Al Jazeera and Democratization: The Rise of the Arab Public Sphere (London and New York: Routledge, 2015), p. 81.
  2. ظهرت مقالات كثيرة تطعن في بواعث إطلاق قناة الجزيرة. انظر مثلا: يحيى أبو زكريا، "الهدف الصهيوني من تأسيس قناة الجزيرة"، النيل نت، 2017/4/23، شوهد في http://bit.ly/2wjSqpd وانظر: كتاب محمد أحمد أبو الرب، قطَر والجزيرة: خطابات السياسة وسياسات الخطاب(الدار البيضاء: إفريقيا للنشر، 2013)، الذي يذهب إلى أنه لو لم تُوقَف بي بي سي العربية ما كانت الجزيرة لترى النور. ومما ذهب إليه أيضًا أن الحقد والكراهية اللذيْن يميزان خطاب الجزيرة سببهما أن إغلاق بي بي سي كانت وراءه السعودية التي تعرضت لانتقادات حادة في القناة، ونتج من الإغلاق فقدان العاملين في القناة وظائفهم، فحقدوا على السعودية. وكانت الجزيرة فرصة بالنسبة إليهم للتعبير عما يكنونه من كراهية لها: " إيقافها وخسارة العاملين فيها مصدر رزقهم يمكن فهم نتائجه سيكولوجيا على أنه أنتج حالةً من الحقد
  3. فيليب سيب، تأثير الجزيرة: كيف يعيد الإعلام العالمي الجديد تشكيل السياسة الدولية، ترجمة عز الدين عبد المولى(الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون، 2011)، ص.12 2017 sz`syͿ1sɱ 6 عبر جمال عبد الله عن هذا تعبيرًا جيدًا في أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في اختصاص العلاقات الدولية فقال: "لم تترك قناة الجزيرة الفضائية الناطقة بالعربية منذ بعثها في 1996 شخصًا غير مُبال ببرامجها. يستوي في ذلك كبار الشخصيات في الممالك الخليجية، والرؤساء العرب، والمعارضون في الداخل أو في المهجر، والصحفيون، والمثقفون، ومناضلو حقوق الإنسان، أو النساء والرجال العاديون"، انظر: Jamal Abdullah, "La politique étrangère de l'Etat du Qatar (1995- 2010): contribution à la compréhension de la politique étrangère contemporaine d'un Etat du Golfe," Thèse de doctorat, Université d'Avignon, Avignon- France, 2011, p. 100, accessed on 22/7/2017, at: http://bit.ly/2vDYxaL "الجزيرة" وا زمة الخليجية: الخلفيات والتأريخ
  4. والكراهية على السعودية، تعززت وتم التعبير عنها مجددًا في القناة القطرية الناشئة، سيما وأن العلاقات السعودية- القطرية متوترة، ومن خلال الجزيرة أ تِيحَت الفرصة مجددًا لنقد السعودية بشكل أكثر تأثيرًا". وانظر كذلك: " Les secrets qui entourent la chaine Al Jazeera," Reflexion , 27/9/2011, accessed on 11/7/2017, at:http://bit.ly/2vb78ib

الذي يشاء، وبالنوعية التي يشاء. وليس ثمة ما هو أخطر من احتكار سوق المعلومة لأنه يتعلق بالإنسان في بعده الوجودي من حيث هو ذائقة وقيمة ومصير. ولذلك، لا نبالغ إن قلنا إن احتكار إمبراطوريات الإعلام المعلومة ليس هدفًا أصيلا ونهائيًا أو مطلبًا مكتفيًا بذاته؛ فمن وراء السيطرة على سوق المعلومة سيطرة على الإنسان الذي يُعدّ في بُعد من أبعاده التعريفية، كائنًا لا يحيا من دون معلومة. وكم من معلومة زلزلت الأرض تحت أقدام ساكنيها فتفجرت بسببها الصراعات والحروب والعداوات. ولا تتعدى المعلومة في هذا الإطار أن تكون مادةً لبناء رأي عام أو تغيير سياسة متبعة لا يشترط فيها الصدقية الحدثية والأخلاقية بقدر ما يشترط فيها الفاعلية في الإقناع والتأثير. وبذلك، يمثل الغرض من المعلومة شرعنة السياسات المعدة سابقًا، وليس صياغة سياسات ناتجة من المعلومة في حد ذاتها. وفي هذا السياق يأتي التساؤل: أليس الحصار الجائر المفروض على قطر اليوم سببُه معلومة، بل معلومة ثبت أنها مُصنعَة تحت الطلب عن طريق اختراق موقع وكالة الأنباء الرسمية للدولة؟

كان مبلغ 140 مليون دولار ضخما حقًا سنة 1996، وهو المبلغ الذي قِيلَ إن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رصده لتحويل فكرة قناة تلفزية فضائية إلى مُنجَز على أرض الواقع، ولكنه لم يكن قطعًا في حجم الكتل المالية التي تحيا بها الشبكات الإعلامية الدولية. وكان لزامًا لتوفير مقتضيات نجاح هذه "المغامرة" استقدامُ مجموعة من ألمع الصحافيين والخبراء والباحثين والتقنيين العرب الذين ستُخاض بهم معركة تعريب المشهد الاتصالي العالمي. وليس المقصود بالتعريب صياغة المادة الإخبارية بلسان عربي. وعلى الرغم من أن لسان الجزيرة كان دومًا صقيلا ثَبْتًا أنيقًا في جميع منتجاتها، فإن جوهر التعريب في الفلسفة التي أعطتها معقولية الوجود هو بناء مشهد اتصالي عالمي بروح عربية والتزام قضايا العرب والمسلمين. ويُعدّ أول الطريق إلى التعريب استهداف المتلقي العربي بصدقية وحرفية من حيث المطلب الأخلاقي والمهني، وبغطاء مالي قادر على "زرع" الصحافيين والمحللين زرعًا شبَكيًا، وخصوصًا في مساحات التوتر والحرب من حيث التمويل والإسناد. وشاءت الأقدار الجيوسياسية أن تُلقي بالجزيرة، وهي في طور النمو، في اختبارات قاسية ومرعبة: حرب العراق وحرب غزة وحرب أفغانستان. وقد جرت العادة أن يكون إعلام المنتصر هو المصدر الوحيد للخبر والصورة. وليس يسيرًا أن "يتطفل" من يأتي من خارج إعلام المؤسسة العسكرية على أرض المعركة، وينقل لحسابه الخاص مجريات الأحداث. ولكن الجزيرة فعلت، وكان فعلها بالنسبة إلى توقعات عموم الناس أشبه ب "السقوط الحر". فقد مثّلت، من جهة، خروجًا غير آمن على المعهود من النشاط الإخباري والمرئي، ومن جهة أخرى، مجاراةً غير متكافئة لنسق اللاعبين الدوليين الكبار في المشهد الاتصالي العالمي. ومع ذلك، بدا أن ضمانات النجاح الموضوعة تحت تصرف هذه القناة كانت على درجة عالية من الوفرة لتتحول عملية "السقوط الحر" هذه إلى تفوق في مجال المعلومة الحرة. ولا ريب في أن الجزيرة نجحت في الاختبار نجاحًا كبيرًا بالنسبة إلى القاعدة الجماهيرية العربية والمسلمة، ولا ريب أيضًا في أنها تمكنت من أن تفتك لنفسها مساحة من السوق الاتصالية العالمية، وأن تخرق قواعد الاحتكار السارية. فصارت الأخبار لا تأتي كما كانت من قبل؛ نقلا عن هذه الوكالة أو تلك. فقد أصبح الخبر يأتي مِن وراء شاشة الجزيرة، وأصبحت الصورة تتحرك بعقول وأياد أصيلة وبعبَق عربي وإسلامي؛ فأضحى مصدر الخبر هو ناقله في الوقت نفسه. وهذا يحدث أول مرة في تاريخ الصناعة الاتصالية العربية. ولا شك في أن المكسب كبير عربيًا وإسلاميًا ودوليًا؛ ولو لم يكن للجزيرة إلا هذا، لكفاها. فتعريب المعلومة يساهم إلى حد كبير في تعرية مخابئ تصنيع الخبر أو تحريفه لخدمة أجندات الجهات المتحكمة في سيولة العملية الاتصالية، ويوفر للمتَلقي أرضية ملائمة لميلاد أجواء متبادلة من الثقة والحميمية بين منتج الخبر الجديد بوصفه عربيًا ومتلقيه بصفته المُستَهدَف الأساس من كل العمليات الاتصالية المعقدة والمركبة7. لم يكن فيليب سيب مبالغًا وهو يقول: "في غضون سنوات قليلة تمكنت الجزيرة من احتلال موقعها باعتبارها الصوت التلفزيوني الرئيس لوجهة النظر العربية حول الأحداث الكبرى، ونجحت تغطيتها في شد انتباه المؤسسات الإخبارية في مناطق أخرى من العالم"8. وحين تنهض الجزيرة بتأمين وجهة النظر العربية خصوصًا

  1. عبر محمد الوافي عن هذا المكسب تعبيرًا دقيقًا بقوله: "كان بعث الجزيرة المتزامن مع إلغاء وزارة الإعلام القطرية قد نظر إليه على أنه هبة مُنحت للمشاهد العربي حتى يستطيع الدخول إلى معلومة حرة ومتعددة حررها بالعربية عرب ولفائدة العرب بعد عقود من الهيمنة الأجنبية على المعلومة وخصوصًا مع وجود ال "بي بي سي" وأخيرًا مع ال "سي. إن. إن". انظر: Mohammed El Oifi, "L'effet Al-Jazeera," Politique étrangère , vol. 69, no. 3 (2004), pp. 650 - 651.
  2. سيب، ص.169

في الأحداث الكبرى، فذاك دليل على أنها كسبت رهان التعريب وجعلت للحقيقة إمكانًا آخر جديدًا تتجلى من خلاله. تجد عبارة السيناتور الأميركي هيرام وارن جونسونHiram Warren Johnson الشهيرة: "الحقيقة هي الضحية الأولى للحروب" تطبيقاتها الفعليةَ في احتكار المشهد الاتصالي من لدن الأقوياء. ولولا مركزية المعلومة في كل عملية اتصالية ما كانت مستهدفَة "بالقتل"9. وترمز كلمة القتل، بلا شك، إلى أن إخفاء الحقيقة في القضايا الكبرى تدبير يُقصد منه توجيه الرأي العام إلى حيث يرغب المتحكم فيه. ولا تتسلط تلك الرغبة، في الغالب، على طالب الخدمة الإخبارية فحسب، وإنما تتعداه إلى صناعة رأي غير مشاغب، تابع أو مساند أو مستقيل أو محايد. وبهذا، قد لا يتم تغيير الواقع في الميدان العملياتي وعلى الأرض. وربما يدرك ذلك قلة قليلة من الناس الذين تعوزهم الحيلة لنقل الحقيقة الفعلية. ووظيفة المعلومة المُرتهَنة لدى الكبار هي تغيير الواقع بقوة الافتراض عبر صناعة رأي عام واسع لمصلحته. وقتل الحقيقة في هذا السياق عمل لا أخلاقي بكل تأكيد، غير أنه عمل ضروري لإنتاج مسار واحد للفهم وردة الفعل. وحين تقتحم الجزيرة عالم المعلومة فتعربها، تكون قد باشرت مهمة تحرير الرأي العام والتقليص من أعمال القتل الرمزي للخبر. ولا نجد في هذا الصدد عبارة تبلور علاقة التلفزيون بالقتل أفضل من عبارة المخرج السينمائي الصربي أمير كوستاريكاEmir Kusturica: "إن التلفزيون أسرع من الرصاص في القتل". فالتلفزيون هو الوسيط النوعي بين "الحقيقة المغتالة" والمتلقي الذي هو في الغالب بعيد عن مواقع الأحداث، وليس من سبيل له إلى سماع هذه الحقيقة إلا التلفزيون. ولكن التلفزيون يُؤدى الخبر، ولا يؤدي الحقيقة بالضرورة لأن العلاقةَ بين الخبر والحقيقة ليست علاقةً عِليةً، وكثيرًا ما يكون الخبر صناعةً تلفزيونيةً لا صلة له مطلقًا بالحقيقة. ولذلك يُعدّ إغناء المشهد الاتصالي بالقنوات التلفزيونية ذات المرجعيات المختلفة مكسبًا مهما لتقريب المسافات بين الخبر والحقيقة. أكملت الجزيرة في سنة 2016 عامها العشرين، ولا تكشف عملية تدقيق موضوعية في سيرتها عن قدرتها فقط على الصمود في محيط إقليمي متقلب سياسيًا وفي أجواء تنافسية محتدمة بين إمبراطوريات الإعلام للسيطرة على الخبر صناعة وترويجًا، بل وعلى فرض نفسها طرفًا رئيسًا في المشهد الاتصالي العالمي. وتقول الباحثة اليابانية مي شيغينوبو Mei Shigenobu في هذا الصدد: "انقضى عقدان على إطلاق الجزيرة، وقد تحولت خلالهما من مجرد استثمار في مشروع إقليمي رائد إلى مصدر بديل للمعلومات والأخبار، ثم ارتقت إلى أن تحولت إلى لاعب مؤثر في المشهد الإعلامي العالمي. فقد باتت منافسًا قويًا على كسب الجمهور إلى جانب كل من "سي ان ان" و"بي بي سي"10. يؤكد هذا الاعتراف الذي يأتي من أكاديمية متخصصة في الإعلام أن اتساع تأثير الجزيرة واستقطابها لجمهور واسع ما كانا ليكونا لولا أنها مثلت معادلا نوعيًا للشبكات الكبرى، ومصدرًا ذا صدقية لاستقاء المعلومة.

ثالث ا: من تعريب الخبر إلى تحرير الوعي

اندرج إنشاء قناة الجزيرة، على المستوى المحلي، في سياق مجموعة من الإصلاحات التي دشنها الأمير حمد بن خليفة آل ثاني بوصوله إلى السلطة سنة 199511. فاقتصاديًا، شرعت قطر مذاك في تبني نهج اقتصادي ليبرالي تحرري منفتح على السوق العالمية والمبادرة الحرة. وسياسيًا، شهدت قطر سنة 1999 انتخابات محلية(بلدية )بمشاركة واضحة للمرأة، وهو حدث فريد من نوعه في شبه الجزيرة العربية. وفي سنة 2003، تبنت قطر دستورًا وأنشأت مجلسًا شوريًا عدد المنتخبين انتخابًا حرًا مباشرًا من بين أعضائه الخمسة والأربعين ثلاثون عضوًا12. وثقافيًا، ركزت مؤسسات بحثية من طراز رفيع. وتعليميًا، استقطبت فروعًا لأشهر الجامعات العالمية مثل جامعة جورجتاون، وجامعة نورث ويسترن، وجامعة كارنجي ميلون. وإعلاميًا، يُعد قرار إلغاء وزارة الإعلام حدثًا غير

  1. عن مركزية المعلومة في العملية التواصلية يقول فرنسوا برنارد هيوج François- Huyghe Bernard: "على الرغم من أن المعلومة غير مادية وقابلة للحفظ والتدوين وإعادة الإنتاج والنقل، فبإمكانها أيضًا أن تكون بضاعة قابلة للبيع والسرقة والإتلاف والتغيير
  2. مي شيغينوبو، "صعود الجزيرة كلاعب في الإعلام الدولي"، في: عز الدين عبد المولى ونور الدين الميلادي(محرران )، الجزيرة في عشرين عامًا: أثرها في الإعلام والسياسة والأكاديميا(الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون، 2016)، ص.267
  3. حول الإصلاحات وإستراتيجيات التحول راجع دراسة مهمة لحسني عبيدي: Hasni Abidi, "Qatar: une voie singulière," Géométrie , vol. 62, no. 3 (2012), pp. 15 - 30. ويحسن كذلك العودة إلى كتاب مفيد الزيدي، تاريخ قطر المعاصر - 1913 08 20(عمان: دار المنهاج للنشر والتوزيع، 2010)، فعلى الرغم من توجهه الإطرائي المبالغ فيه أحيانًا كثيرة فإن كثيرًا من المعطيات التاريخية فيه على غاية من الأهمية. انظر الفصل الثالث بالتحديد: "قطر في عهد سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني". وحول السياقات المحلية التي ظهرت فيها الجزيرة راجع مثلا: Kamel Kajja, "Al-Jazeera, Phénomène ou leurre ?" Hérodote , no. 133 (2 ème trimestre 2009), pp. 152 - 165. 12 عن الدستور القطَري راجع مثلا مقالة فيصل بعطوط التحليلية: "دستور قطر يتوج مسيرة الإصلاح"، موقع سويس أنفو، 2003/4/28، شوهد في 2017/7/16، في: http://bit.ly/2wwCDmd "الجزيرة" وا زمة الخليجية: الخلفيات والتأريخ
  4. والتحريف والاحتكار شأنها شأن أي ثروة". انظر: François-Bernard Huyghe, L'ennemi à l'ère numérique (Paris: PUF, 2001), p. 117, accessed on 30/6/2017, at: http://bit.ly/2vDYxaL 2017 sz`syͿ1sɱ

عادي في فضاء عربي مُغلق ومستبد؛ فقد مثّلت وزارات الإعلام العربية باستمرار سلطة رقابية غشومًا وأداة للمنع والترهيب. وحين تقدم قطر على هذه الخطوة، تكون قد وضعت لبِنة في طريق تحرير الإعلام، وما كان للجزيرة أن تكون على النحو الذي نشأت عليه وفي قطر وزارة للإعلام. وينبغي الإشارة في هذا المقام إلى أن مثل هذه الاختيارات لم تكن محل رضا الجوار القطري وخصوصًا السعودية بوصفها القوة الإقليمية المهيمنة على الدول الخليجية العربية. وكان السلوك القطري الجديد نوعًا من التمرد على "الأبوة" السعودية وضربًا من التهديد للسياسات المتبعة في إدارة البيت الخليجي. لا يعني هذا أن الاختيارات القطرية حولت البلاد إلى واحة حقيقية للديمقراطية، وأن البنى التقليدية تفككت، وأن أنماط التفكير الجماعي أصبحت حداثيةً جدٍّا13. وهذا لا يعني أيضًا أن الاختيارات القطرية في مجال السياسات الخارجية والإعلامية لم تكن مُؤطرَة برغبة في افتكاك المقود الإقليمي من السعودية؛ فالواضح أن قطر كانت تريد أن تكون لاعبًا إقليميًا ودوليًا يتصدر المشهد الجيوسياسي. وكانت الجزيرة، على نحو ما، الوسيلة "'السحرية" لإخراج الدولة من ضيق الجغرافيا إلى رحابة العالم، ومن التدبير المشيَخي المحلي إلى التدخل في كثير من قضايا الدول بعَقد التسويات وفض النزاعات والمساهمة في بناء العلاقات الدولية14. ولكن ذلك لا يعني أيضًا أن ما حدث ويحدث في قطر كان قشرة خارجية لتغطية الواقع؛ فقد حدثت تغييرات كبرى في أكثر من قطاع، ويكاد المتابع يشعر بأن هذا البلد الصغير انفلت نهائيًا من أغلال المحيط الثقافي والسياسي الذي يحيا فيه. ويدل وجود الجزيرة ببث فضائي متمدد بلا انقطاع وبمضامين غير تقليدية على الرغم مما تحدثه من توترات وأزمات في العلاقات البينية خصوصًا، على أن خطط الانفصال عن أعراف المنطقة ماضية بلا تردد، ومن بين مستويات الانفصال العميقة استقلال شبكة الجزيرة عن السلطة السياسية15. بدا واضحًا أن فك الارتباط بين الإعلام والسلطة مخاطرة إقليمية حقيقية، لأن حرية الكلمة كانت باستمرار باهظة الثمن. وعلى الرغم من أن السياسة القطرية تهيأت داخليًا لحدث ضخم كهذا من خلال الإصلاحات التي قررت الدولة أن تقوم بها، فإن طموح قطر إلى الدخول في زمن سياسي وثقافي وإعلامي جديد وسط محيط إقليمي شديد المحافظة لم يكن أمرًا سهلا نظرًا إلى التناقض الحاد بين الاختيارات القطرية التحديثية واختيارات الجوار التقليدية. لذلك كانت سياسة التضييق عليها وسد المنافذ أمامها متوقعة، وتشتد كلما اقتربت من المحظور العربي16. كان تعريب المعلومة إذًا مشروعًا ضخما، ولكن معركة الجزيرة لم تكن من أجل تعريب المعلومة فقط. ولا يخالط من يتابع الزمن المخصص للبرامج الحوارية ونوعيتها والقائمين عليها والضيوف الذين يتم استدعاؤهم والتكاليف الباهظة لتغطية الحلقة النقاشية الواحدة، أدنى شك في أن قصة الجزيرة أبعد من أن تكون قصة قناة فضائية ناطقة بالعربية أريد لها أن تنافس الإمبراطوريات الإعلامية المسيطرة على المشهد الاتصالي العالمي لإشباع رغبة حاكم عربي؛ وهو الذي إن أحب أن يشبع رغباته، فلن تكون الحرية أبدًا من بينها؛ إذ لا يسمح المعقول السياسي العربي مطلقًا بأن يكون وجود الجزيرة نابعًا من رغبة في الإشباع، لأن الجزيرة ضد هذه الرغبة نظرًا إلى نوع السياقات التي جاءت بها، والمضامين التي تؤمنها، والرهانات التي تسعى إلى كسبها. ثمة أمر ما إذًا يحدث في قطر ويتجاوز الرغبة الفردية في الظهور، والتي لا ننفي إمكان وجودها. فلماذا لا تُحمَل الوقائع الكبرى التي غيرت وجه قطر على أنها جزء من وعي سياسي غير تقليدي؟ ولماذا يميل بعض الباحثين والمحللين والسياسيين إلى تفسير هذا الأمر تفسيرًا مسبوقًا بالإدانة أو الريبة؟

  1. أشار الباحث الفلسطيني منذر أحمد زكي شراب إلى الفرق بين مضامين القناة التلفزيونية القَطرية وقناة الجزيرة. وعلى الرغم مما في ملاحظته من مبالغات وأحكام يمُْكن دحض كثير منها بيسر، فإنها تصلح جزئيًا لبيان حدود التحولات الهيكلية في الثقافة والمجتمع القطَريينْ. قال: "لو رصدنا الفارق بين الإعلام القطَري المحلي والخارجي نجد هناك اختلافًا واضحًا في التغطية بين قناة قطر المحلية والجزيرة بالعربية والجزيرة بالإنجليزية. نجد مثلا أن قناة قطَر المحلية بثها الموجه لسكان قَطر يُحظر عليها مناقشة قضايا المجتمع القطري بنوع من النقد، أي نسخة كربونية كباقي القنوات الحكومية العربية، بينما بث الجزيرة العربية الموجه بالمقام الأول للمواطن العربي تغلب عليه العاطفة. وتستخدم القناة العاطفة أو ما يُطلق عليه الاستعارة لتجنيد الرأي العام العربي وِفق أجندة سياسية بحتة، في حين تستخدم الجزيرة الإنجليزية والتي هي بالأساس موجهة للرأي العام الغربي المعلومة والتنوع
  2. عن علاقة الجزيرة بالدولة القطرية راجع على سبيل المثال: محمد أحمد أبو الرب، انظر: الفصل الثاني بالتحديد: "خطاب الجزيرة وديبلوماسية قطَر". ويجب الانتباه إلى أن هذا الكتاب محكوم بنزعة نقدية أيديولوجية صارخة، وأن كثيرًا من الاستخلاصات كانت مبنية على أوهام. 15 لا شك في أن الاستقلال نسبي. فلا يوجد في المطلق استقلال كامل. والمهم أن مساحة الاستقلال كانت على درجة كبيرة من الاتساع. ولذلك كانت الكلمة حرةً إلى حد كبير، وكانت المضامين في العموم مما هو مسكوت عنه أو ممنوع التفكير فيه في التلفزات العربية.
  3. في أخبارها دون التركيز على حدث بعينه"، انظر: منذر أحمد زكي شراب، "السياسة الخارجية القطَرية في ظل التحولات السياسية العربية 2012-2003"، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، غزة، فلسطين، 2014، ص 99 -:100، في http://bit.ly/2hzMlBO
  4. يقول الكاتب الفلسطيني عبد الستار قاسم: "أصبح إغلاق الجزيرة وملاحقة مكاتبها ومراسليها سيرةً يوميةً وظاهرةً إعلاميةً وسياسيةً في الوطن العربي، وهي سيرةٌ لن تتوقف ما دامت الجزيرة وما دامت هذه الأنظمة العربية متربعة على صدور الأمة"، انظر: "الحرب على الجزيرة"، الجزيرة نت، 2010/12/15، شوهد في:2017/7/6، في http://bit.ly/2fjhUPJ

لقد كان مشروع التعريب مقدمة لمشروع التحرير الذي يتضمن طبقتين؛ تحرير الخبر وتحرير الوعي. فأما تحرير الخبر فيقتضي الانتصار على نوعين من الاستبداد: استبداد الدولة الوطنية العربية، واستبداد المؤسسات الإعلامية العالمية المحتكرة للسوق. ويبدو أن إحداث اختراقات كبرى في سياج إمبراطوريات الإعلام كان أيسر من إحداثها في بُنى دولة الاستبداد العربية. وهذا يؤكد أن الاستبداد "الوطني" الذي يصادر الحق في المعلومة هو الأشد تصلبًا وتطرفًا في معارضة مشروع تحرير الحقيقة؛ وهذا السلوك قابل للفهم، فلا شيء يهدد الاستبداد كالحرية. ولا عجب حينئذ أن تعمد مراكز الاستبداد "الوطني" إلى القيام بخطوات كثيرة ومتنوعة ضد نشاط مكاتب الجزيرة ومراسليها وبرامجها. فقد سُجن أكثر من صحافي، وأ غلق أكثر من مكتب، وصودرت تجهيزات، وسُحبت بطاقات اعتماد17. وأما تحرير الوعي فلا ريب في أن الجزيرة ساهمت بأقدار مُهمة في جذب جمهور عربي متنوع وكبير، ومثّلت له فضاءًاتصاليٍّا جذابًا ومفيدًا ومشاكسًا في الوقت نفسه. وكانت مهاراتها في الصورة والإخراج والتواصل عنصرًا مُساهما في استقطاب المتلقي من خلال إشراكه، وعلى نحو وظيفي، في النقاش والسماح له بأن يكون صاحب رأي. وهو الأمر الذي أخرج الجمهور من الوضعية السلبية التي سجنته داخلها التقاليد التلفزيونية العربية. ويُشار إلى أن فكرة التفاعل قائمة أساسًا على إيقاظ بذرة الحرية داخل المتلقي وتنميتها في ضوء أن التعبير عن الرأي هو ممارسة للحرية. وبذلك، تساعد خطوط الاتصال الحية والمباشرة التي تتيحها الجزيرة في أغلب برامجها الحوارية لمتابعيها، على تدريب المشاهد العربي على ممارسة حريته. وأما المضامين، فهي التي شذّت بها الجزيرة فعلا عن القاعدة الإعلامية العربية، وهي مضامين مستوحاة من الواقع العربي ومنغرسة في أشواق العرب إلى الديمقراطية والعدل والحرية والسلام والتقدم والرفاه الاجتماعي والنمو الاقتصادي. وعلى الرغم مما يرافق إنجاز كثير من هذه البرامج من صخب الضيوف وانفلات الأعصاب، والخروج أحيانًا عن آداب الحوار، والغرق في استدعاء الجزئيات والتفاصيل، فإن ذلك كله إن قُورب مقاربةً نفسية سياسية خفت كثافة النقد الموجه إليها. فتراث كامل وثقيل من الكبت السياسي والاجتماعي والحرمان من التعبير عن الرأي إن وجد منفذًا وتشجيعًا، تفجر وصارت القناة كفوهة بركان تنفث بطاقة كبرى كل ما تكدس في أعماق النفس المقموعة. ويكون ذلك جليٍّا مع الشخصيات السياسية المعارضة والمُهجر ة خصوصًا؛ فالشخصية العربية المقموعة حينَ تتاح لها فرصة التعبير عن نفسها تعجز عن القيام بذلك بطريقة إيجابية ومريحة، فلا تكشف إلا عن جانبها العُصابي. وعلى هذا الأساس يمكن القول، بلا تردد، إن للبرامج الحوارية وظيفة نفسية علاجية، وإن لم تقصد إلى ذلك، ووظيفة تدريبية على الحوار والتعايش والاختلاف، ووظيفة سياسية قِيَمِية، وهي ترقية الإحساس بأن الحرية حق ينبغي التمتع به، وواجب ينبغي الوفاء بمقتضياته.

لا يُثير الاستغراب وجود اسم قناة الجزيرة وملحقاتها في القائمة "العجيبة" التي نضدتها دول الحصار وطالبت دولة قطر بتنفيذها حتى تنال الرضى. كما لا يستغرب العارفون بملابسات العلاقات الخليجية -الخليجية وتعقيداتها، وخصوصًا بعد سنة 1995، لو كان في القائمة مطلب واحد فقط، وهو إغلاق شبكة الجزيرة. فلا يمكن لشبكة اختلط مداد العاملين فيها، والكلمة التي يبثونها، والصورة التي يوزعونها، بكثير من المحن والدماء، إلا أن تكون في قلب الاستهداف. فإذا كان الأميركيون قد قاموا ب "استهداف مقرّ قناة الجزيرة الإخباريّة في أفغانستان عام 2002 وفي بغداد أثناء عمليّة غزو العراق 2003 والتي أدّت إلى مقتل مراسل الجزيرة في بغداد طارق أيّوب، وساعد في تأكيد ذلك نشر صحيفة الديلي ميرور البريطانيّة في نوفمبر 2005 وثائق سريّة اشتهرت باسم وثيقة قصف الجزيرة مفادها أنّ الرئيس الأمريكيّ جورج و. بوش كان يرغب بقصف المركز الرئيسيّ بقناة الجزيرة في قطر"18، وهم، أي الأميركيون الذين ما فتئوا يكررون أنهم يسوقون للشرق الأوسط الحرية والديمقراطية، ويضخون التمويلات الطائلة للجماعات والجمعيات والأفراد المؤهلين لنشر هذه القيم، فكيف لا يشقى بالجزيرة الحكام العرب؟ وكيف نستغرب ورود طلبات لإغلاق الجزيرة؟

  1. من ذلك على سبيل المثال قضية الصحافيين الذين سجنوا في مصر في القضية المعروفة ب "خلية الماريوت" وما رافقها من "غرائب". فقد أطلقت السلطات المصرية سراح صحفيي الجزيرة الأجانب تحت ضغوط دولهم، وأبقت على الصحفي المصري باهر محمد في السجن مما اضطر زوجتَه إلى البحث عن جهة تمحنها هي وزوجها جنسيةً أجنبيةً حتى يحصل الزوج على حريته. انظر المعطيات في: خيري حسين، "مصر: 12 فبراير أولى جلسات إعادة محاكمة مراسلي الجزيرة"، بوابة الشرق الإلكترونية، 2015/2/8، شوهد في:2017/7/6، في http://bit.ly/2uwf3EU ويؤكد عز الدين عبد المولى سياسة استهداف الجزيرة فيقول: "أما في العالم العربي، فقد تعددت محاولات الحكومات عرقلة عمل القناة وسعت إلى التقليص من تأثيرها بمختلف الأساليب. وقد وصل الحد بالسلطة في الجزائر إلى قطع التيار الكهربائي عن العاصمة لمنع المشاهدين من متابعة أحد البرامج الحوارية". انظر: العرب والديمقراطيّة والفضاء العام في
  2. عصر الشاشات المتعدّدة: بحث في دور الجزيرة(الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربيّة للعلوم ناشرون، 2015)، ص.114 2017 sz`syͿ1sɱ 18 عزام محمد علي الجويلي، القواعد الدولية للإعلام(عمان: دار المعتز للنشر والتوزيع، 2014)، ص.59 "الجزيرة" وا زمة الخليجية: الخلفيات والتأريخ

قَطْعا، لم تكن الجزيرة خيرًا محضًا حتى ندافع عنها بأعين مغمضة. فثمة أخطاء كبيرة أو صغيرة ارتكبتها، وثمة اختيارات كثيرة أو قليلة لم تنل رضا أطياف من الناس، ومن المؤكد أن استقلاليتها لم تكن دومًا شفافة، ولكنها ليست شرًا في كل الأحوال. فقد كانت الجزيرة مُتحولا نوعيٍّا في الأداء الإعلامي العربي، وكانت الصوت الأقرب إلى أشواق الجماهير العربية الحالمة بالحرية، فضلا عن كونها تجربة اتصالية تفاعلية رائدة عاش من خلالها المتلقي الإحساس بأنه جزء من العالم الحي، وليس مادة إخبارية أو إناء تُلقى فيه المعلومة مشوهة أو مصنوعة. وتُعدّ الجزيرة، في ضوء ذلك، قطعة من الزمن المعلوماتي الراهن، وجزءًا لا يتجزأ من فلسفة الإعلام المعاصر. وشأن التجربة حين يمتد بها الزمن أن تتعلم من أخطائها، ومن النقد الذي يُوجه لها. ويُفترض في بيئة عربية مُتهَمة دومًا بالتخلف والرجعية والاستبداد أن تحرص على حماية هذه التجربة، وإسنادها، وتطويرها، والنسج على منوالها حتى تتسع السماء العربية لفضائيات تحمل الهم العربي وتستوعب قضايا الأمة. وعلى الرغم من أن الدعوة إلى إغلاق شبكة الجزيرة دعوة غير مستغربة، كما سبق التوضيح، فإنها تظل دعوة خارج معقول الزمن العالمي المتحضر، وبعيدة كل البعد عن مقتضيات بناء فضاء اتصالي عربي ديمقراطي وحرّ.

المراجع

العربية

أبو الرب، محمد أحمد. قطر والجزيرة: خطابات السياسة وسياسات الخطاب. الدار البيضاء: إفريقيا للنشر،.2013

الجويلي، عزام محمد علي. القواعد الدولية للإعلام. عمان: دار المعتز للنشر والتوزيع،.2014

الزيدي، مفيد. تاريخ قطر المعاصر - 1913 08 20. عمان: دار المنهاج للنشر والتوزيع،.2010

سيب، فيليب. تأثير الجزيرة: كيف يعيد الإعلام العالمي الجديد تشكيل السياسة الدولية. ترجمة عز الدين عبد المولى. الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون،.2011

شراب، منذر أحمد زكي. " السياسة الخارجية القطَرية في ظل التحولات السياسية العربية 2012-2003". رسالة ماجستير. جامعة الأزهر. غزة، فلسطين،.2014

عبد الخالق، انتصار إبراهيم وآخرون. الإعلام الجديد: تطور الأداء والوسيلة والوظيفة. بغداد: الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة،.2011

عبد المولى، عز الدين(إشراف ). دليل البحوث الأكاديمية حول الجزيرة 1996 - 11 20. الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون،.2011

عبد المولى، عز الدين. العرب والديمقراطيّة والفضاء العام في عصر الشاشات المتعدّدة: بحث في دور الجزيرة. الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربيّة للعلوم ناشرون،.2015

عبد المولى، عز الدين ونور الدين الميلادي(محرران ). الجزيرة في عشرين عامًا: أثرها في الإعلام والسياسة والأكاديميا. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون،.2016

ا$ جنبية

Abdelmoula, Ezzeddine. Al Jazeera and Democratization: The Rise of the Arab Public Sphere. London and New York: Routledge, 2015.

Abdullah, Jamal. "La politique étrangère de l'Etat du Qatar (1995- 2010): contribution à la compréhension de la politique étrangère contemporaine d'un Etat du Golfe." Thèse de doctorat, Université d'Avignon- Avignon, France, 2011. Abidi, Hasni. "Qatar: une voie singulière." Géométrie. vol. 62. no. 3 (2012). El Oifi, Mohammed. "L'effet Al-Jazeera." Politique étrangère. vol. 69. no. 3 (2004). Huyghe, François-Bernard. L'ennemi à l'ère numérique. Paris: PUF, 2001, Kajja, Kamel. "Al-Jazeera, Phénomène ou leurre?" Hérodote. no. 133 (2 ème trimestre 2009).