الجيوش العربية وسؤال الإصلاح بعد الربيع العربي

After the Spring: Reforming Arab Armies

فلورنس غاوب| Florence Gaub @ @@ Trans. by: Ahmed EL Morabety | ترجمة: أحمد المرابطي

الملخّص

تتناول هذه الدراسة البُعد العسكري في الربيع العربي، من خلال تسليط الضوء على ا دوار التي اضطلعت بها القوات المسلحة في الدول التي اجتاحتها رياح الثورات؛ إذ نلحَظ أن الجماهير الشعبية المحتجة التي اصطفت إلى جانبها هذه القوات نجحت في بلوغ مرادها، بينما لم تستطع الشعوب التي لم تدعمها الجيوش الصمود في وجه قمع القوات النظامية. إن ا دوار السياسية التي أخذت الجيوش العربية تؤديها اليوم لا تؤكد فاعلية هذه الجيوش وأهميتها وحسْ ب، ولكنها تحث أيض ا على إصلاح المؤسسة العسكرية في هذه البلدان. وقد أخذ سؤال إصلاح قطاع امن والدفاع يبرز بقوة في مرحلة ما بعد الربيع العربي، تجاوبًا مع ما تقتضيه المرحلة الانتقالية. وفي هذا اطار، تركز هذه الدراسة على الجوانب البنيوية صلاح القطاع امني والعسكري في دول الربيع العربي.

Abstract

This paper explores the military aspect of the Arab Spring, and specifically the role played by formal armies in the Arab Spring states. Specifically, this paper focuses on the fact that popular revolutions during the Arab Spring were successful in those countries in which the military sided with the protestors, whereas revolutionary momentum could not face down the regimes in those countries where the armies did not side with the revolution. The political functions which Arab armies carry out serve to highlight not only their significance and effectiveness as institutions, but also the need for military reform. The question of military and security sector reform has become increasingly pressing in the post-Arab Spring transitional phase, driving the author to probe the structural aspects of reform to the military and security sectors of the Arab Spring states.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

قامت ثورات الربيع العربي ضد الديكتاتوريات العربية، واحتجاجًا على الأنظمة القائمة التي ظلت المؤسسة العسكرية توجه سياساتها؛ فمعلوم أن جُل الأنظمة العربية يحكمها عسكريون، وإن كانت تقودها في الظاهر حكومات ومؤسسات مدنية. ففي تونس، كان الرئيس زين العابدين بن علي ضابطًا سابقًا في صفوف القوات الجوية، وقد استولى على الحكم في عام 1987 بمساعدة ضباط محسوبين على أكاديمية سان سير العسكرية الفرنسية. وفي مصر كان الرئيس السابق حسني مبارك قائدًا للقوات الجوية ومقاتلا مدرب ا، تولى السلطة في عام 1981 بعد اغتيال أنور السادات الذي كان هو أيضًا ضابطًا في الجيش المصري. وفي الجماهيرية الليبية، أيضًا، جاء الرئيس معمر القذافي إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري، كما أن بشار الأسد ورث السلطة من أبيه حافظ الذي سبق أن صعد إليها بالتدرج في الرتب العسكرية. ولأن الأنظمة السياسية في المنطقة قامت وتقَوت بفضل وسائل عسكرية؛ فإن القوات المسلحة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من هذه الأنظمة القمعية التي تربطها علاقة ولاء تام بها وبحكامها. وفي حمأة الحراك الثوري الذي قامت معاركه على أكتاف الجماهير الشعبية، اختلفت ردة فعل الجيوش إزاءه. في مصر وتونس، انضمت القوات المسلحة إلى المتظاهرين؛ بينما تفكك ت هذه القوات في ليبيا واليمن أمام تنامي مد الحراك الشعبي الاحتجاجي. وفي حالة سورية وحدها، اصطف الجيش كليٍّا وبمختلف مكوناته إلى جانب النظام السوري. وقد تم تفسير سلوك الجيش في مختلف هذه الدول أساسًا بالنظر إلى الوضع الداخلي لهذه الجيوش وقدراتها العسكرية1. تحاول هذه الدراسة تقويم التحديات التي تواجهها القوات المسلحة عند إصلاحها على المدى القريب والمتوسط والبعيد. وتركز على خمس دول من دول الربيع العربي(تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسورية إلى حد ما ). غير أن الدروس التي يمكن أن تُستَفاد من هذا التقويم يمكن أن تنسحب أيضًا على باقي الدول العربية. وعلى الرغم من المساعدات التي ظلت تُقدم في إطار إصلاح قطاع الأمن من طرف الولايات المتحدة الأميركية، والدول الأوروبية، وكذا بعض المؤسسات الدولية طوال العقود الأخيرة، فإن إصلاح الأمن يبقى أشمل وأوسع نطاقًا من أن يظل حبيس المقاربات التقليدية. وبكلمة؛ إن سؤال إصلاح القطاع الأمني يزداد إلحاحًا، خصوصًا بالنسبة إلى الدول التي تأثرت بأحداث الربيع العربي، وليس ذلك لأن الإصلاح ضروري في حد ذاته فحسب، ولكن، أيضًا، لأن وضع الأجهزة الأمنية والعسكرية هو الذي ساهم مساهمة كبيرة في اندلاع هذه الأحداث.

أولا: ماذا يعني إصلاح قطاع ا$ من؟

ظهر اصطلاح "إصلاح قطاع الأمن" في عام 1998، بوصفه إجراء معياريٍّا لقياس مدى فعا لية الأمن ونجاعته في الدولة. وينبني هذا الإجراء، من حيث الأساس، على معايير الحكامة المهنية، والرقابة المدنية، والمحاسبة، ولا يقتصر على تأسيس حماية حقوق الإنسان في هذا القطاع، ولكنه يركز، أيضًا، على مهنية القوات المسلحة من أجل تحسين أدائها الأمني في أفق تطبيع العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية. وجدير بالإشارة أن المؤسسة الأمنية والعسكرية في الدول المتقدمة تتميز بقدر عالٍ من الشفافية على مستوى القوانين والرؤية الفلسفية التي تُوجه سلوكها، وتؤطر كيفية عملها وممارسة مهماتها، وذلك في إطار احترامٍ تام لمقتضيات المهنية. وإذا كانت المؤسسة الأمنية في العالم المتقدم تخضع لرقابة المؤسسات المدنية المختصة التي تمثل الشعب ومساءلتها ومحاسبتها، فإن هذه القوانين والتقاليد الديمقراطية لا تقوم لها قائمة في العالم العربي؛ فالجيش لا يخضع للشعب، والدولة تدير الصراعات التي تنشب في المجتمع بالوسائل العنيفة. كما أن الدول العربية لا تثق بجيوشها، ولذا تتعمد أن لا تجهزها تجهيزًا كافيًا، حتى لا تتحول إلى قوة سياسية معارضة تهدد ها.

ثانيًا: الجوانب البنيوية E صلاح قطاع ا$من

1. غموض أدوار الجيش

إن إدراك التحديات الأمنية القائمة أو المحتمَلة وتصور الخيارات الممكنة لمواجهتها هما أمران يتم تضمينهما عادة في إستراتيجية الأمن القومي، أو ما يُسمى بالكتاب الأبيض للدفاع والأمن للدولة، وهي وثيقة تصوغ معالمها المؤسسة التنفيذية دوريٍّا لتبسيط السياسات والقرارات المتعلقة بتدريب القوات المسلحة، واقتناء الأسلحة، وتطوير كل ما يخص الإستراتيجية الدفاعية للدولة. وعلى الرغم من أن الكتاب الأبيض ليس شرطًا لا غنى عنه، فإن له أهمية قصوى. والمثير للانتباه أن معظم الدول العربية لا تملك إستراتيجية وطنية للدفاع الوطني، ويشمل هذا الحكم تونس، ومصر، والجزائر، واليمن. ومؤخرًا فقط، تمكن ت بالكاد، وبعد صراع كبير، بلدان مثل لبنان والعراق وليبيا من إرساء إستراتيجياتها الدفاعية. وفي بعض هذه الدول، نجد نوعًا من الخلط بين الإستراتيجية والعقيدة. فالعقيدة هي مجموعة التمارين والمناورات، وأنواع الجنود

  1. Florence Gaub, "Arab Armies: Agents of Change?" Chaillot Paper , no. 131 (Paris: European Union Institute for Secu rity Studies, March 2014). 2017 sz`syͿ1sɱ الجيوش العربية وسؤال ا صلاح بعد الربيع العربي

والأسلحة الموظفة في صد الهجومات المتوقعة. أما الإستراتيجية فهي خطة شاملة لتحقيق هدف أو أهداف في ظروف انعدام اليقين.

والواقع أن ثمة أسبابًا عدة لغياب مثل هذه الوثائق المهمة؛ لعل أهمها أن التعتيم الذي يُحاط به قطاع الدفاع في هذه الدول يجعل النقاش الوطني حول قضاياه صعبًا ومحدودًا، كما أن قطاع الدفاع يستأثر به رئيس الدولة فقط مع إمكان استشارة الشخصيات التي تتبوأ مناصب عسكرية عليا في البلاد. وهذا الأمر يجعل صياغة الكتاب الأبيض للأمن مسألة غير ضرورية(أو تبدو غير ضرورية ). وأخيرًا، لا بد من التذكير بأن بؤرة اهتمام الدفاع لدى أغلب الدول العربية ظلت حينًا من الدهر مركزة على إسرائيل فقط، على الرغم من التطورات الإستراتيجية الجارية لاحقًا، وعلى الرغم من أن هذا التصور لم يؤت أ كُله، ولم يبلغ الأهداف المنشودة في الحروب التي خاضها الطرفان في الأربعينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ولعل هذا الموقف الجامد الذي طبع السياسة الدفاعية للدول العربية هو الذي يقف، إلى حد بعيد، وراء الإخفاق في تطوير نقاش مثمر وبنا ء، حول الرؤى والتصورات الأمنية والدفاعية في هذه الدول، على النحو الذي يتلاءم والتحولات العميقة التي طرأت على البيئة الإستراتيجية، الإقليمية والدولية. والواقع أن غياب وثيقة رسمية واضحة المعالم للأمن والدفاع له ما له من نتائج؛ يتمثل أهمها بافتقار القيادة العسكرية إلى تصور دقيق، وافتقاد الفاعلية في الإنفاق العسكري، وتنافر تدريبات القوات المسلحة، وانفصال العقائد عن الأهداف الإستراتيجية، وغياب تحديد الأولويات، ومن ثم العجز عن ترشيد الموارد المادية والبشرية المتاحة. كما أن غياب إستراتيجية وطنية في هذا المجال يحول دون مواكبة المستجدات الطارئة التي يتعين على أساسها تجديد الفكر العسكري، وتطوير آليات العمل داخليٍّا وخارجيٍّا على نحو دوري. ومن نافل القول هنا إن تحول مصر من المذهب السوفياتي إلى المذهب الأميركي في أواخر السبعينيات، مثلا، لم يكن ناجما عن التجديد في التفكير الإستراتيجي(على الرغم من أن عودة سيناء إلى مصر كانت في الواقع نتيجة للتقويم الإستراتيجي المهم الذي أجراه السادات آنذاك )2. غير أن هذا كله لا يعني أن مصر أو غيرها من الدول العربية لا تملك إستراتيجية بالمطلق، بل يعني، فقط، الافتقار إلى وثيقة وطنية رسمية تصلح أن تكون دليلا مرجعيٍّا للدولة في مسائل الدفاع الوطني. جدير بالإشارة أن تبعات غموض الأدوار المنوطة بالجيوش في البلدان العربية لا تنحصر في قضايا الدفاع انحصارًا ضيقًا، ولكنها تمتد لتلقي بظلالها على قطاع الأمن بمفهومه الواسع؛ إذ يُسجل أن القوات المسلحة في هذه الدول تأخذ على عاتقها حتى مهمات الأمن الداخلي، بدءًا بالسهر على تأمين الانتخابات، وصولا إلى مكافحة أعمال الشغب، وذلك بفعل غموض المسؤوليات، وغياب التمييز بين نطاق تدخل هذه القوات وتلك، وكذا التداخل بين مهمات الأجهزة الساهرة على الأمن في الدولة، الخارجية منها والداخلية. إن الطبيعة الفضفاضة وغير المحددة للأدوار والمسؤوليات التي تقوم بها المؤسسات الأمنية المختلفة لها تأثير سلبي لا ينحصر في القوات المسلحة، ولكنه ينال من جميع الفاعلين في قطاع الأمن، وهذا مما يثير أهمية الإصلاح بوصفه مدخلا لتصحيح هذا الغموض وتدارك هذه الاختلالات. ولعل من بين ما يجب القيام به في هذا الإطار إصدار الكتاب الأبيض للأمن والدفاع، الكفيل برسم الخطوط العريضة التي تنبني عليها إستراتيجية الأمن القومي للدولة.

2. التسييس المفرط للجيش

تضطلع القوات المسلحة العربية منذ بدايات الاستقلال بأدوار سياسية؛ فالانقلابات التي يقودها الضباط والاستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة(باستثناء الثورات، وانتصارات القوى المعارضة في الحروب الأهلية، والانتفاضات الشعبية )تمثّل ظاهرة سياسية متكررة في الوطن العربي. ومنذ الانقلاب العسكري الأول الذي حدث في عام 1936 في العراق، شهدت الساحة العربية نحو 60 محاولة عسكرية أخرى من هذا القبيل، نجح نصفها بالفعل في تحقيق غاياتها وأهدافها السياسية. وتُعَد سورية والعراق من أبرز البلدان التي تعرضت للانقلابات العسكرية 17( محاولة في البلد الأول و 11 محاولة في البلد الثاني )، خلافًا للاعتقاد الشائع أن الانقلابات أقل تواترًا في المجتمعات التعددية3.

  1. Risa A. Brooks, "Civil-Military Relations and Military Effectiveness: Egypt in the 1967 and 1973 Wars," in: Risa A. Brooks & Elizabeth A. Stanley (eds.), Creating Military Power: The Sources of Military Effectiveness (Redwood City, CA: Stanford University Press, 2007).
  2. Eliezer Be'eri, "The Waning of the Military Coup in Arab Politics," Middle Eastern Studies , vol. 18, no. 1 (January 1982), pp. 69 - 81.

وعلى الرغم من تراجع هذه الظاهرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإنها لم تختف. وتؤكد لنا الانقلابات الحديثة الناجحة في السودان 1989)(، والجزائر 1992)(، وموريتانيا 2008)(، ومصر –2013)(من دون ذكر المحاولات الفاشلة في العراق والسودان وموريتانيا بين عامي 1990 و 2008 - أن القوات المسلحة ما زالت تؤدي دورًا سياسيٍّا في الساحة العربية. غير أن تواتر الانقلابات لا ينهض بالضرورة دليلا على تدخل الجيش في الحياة السياسية؛ فغياب محاولات الانقلاب العسكري في سورية منذ عام 1982، مثلا، لا يعني سوى أن النظام السوري استطاع أن يقوي نفسه من خلال ضم قواته وجعلها جزءًا لا يتجزأ منه. وجدير بالذكر أن هذه الانقلابات أكثر حدوثًا في البلدان ذات الأنظمة الجمهورية، وخصوصًا التي تكون قد حدثت فيها من قبل غير مرة. كما تعرضت الأنظمة الملِكية أيضًا لمثل هذه الانقلابات، وإذا كانت المملكة المغربية والمملكة الأردنية الهاشمية استطاعتا احتواء التهديدات التي تعرضتا لها، فقد أخفقت ليبيا 1969)(والعراق 1958)(في التصدي لهذه التهديدات. أما الدول الخليجية فلم تعرف، عمومًا، تدخل العسكريين في الشؤون السياسية العامة.

أثبتت أحداث عام 2011 استمرار تورط الجيوش في الحياة السياسية الوطنية في الدول العربية. فقد ساهمت القوات المسلحة في اليمن وتونس في تغيير النظام السياسي بانضمامها إلى جانب الشعب، وساعدت القوات المسلحة المصرية على إطاحة الرئيس المستبد حسني مبارك ثم الرئيس المنتخب محمد مرسي، أما القوات النظامية السورية فاختارت الاصطفاف إلى جانب النظام ضد شعبه، وفي لبنان، غادر ضابط سابق القصر الرئاسي فقط من أجل أن يحل محله ضابط آخر. وعمومًا، توظف القوات المسلحة هيبتها وقوتها للضغط على الحكومات المدنية، ويكون هذا أسهل عندما تكون الدول والحكومات ضعيفة بفعل هشاشة سيادتها وشح مواردها4. إن تورط القوات المسلحة في السياسة يبقى مصدر قلق عندما يتعلق الأمر بإصلاح قطاع الأمن، حيث يكون لهذا التورط تأثير كبير في البناء الديمقراطي في البلدان العربية، بل تأثير ضار أيضًا في قدرات القوات المسلحة نفسها. وهي، بذلك، تستقيل من القيام بأهم وظائفها المتمثلة بالدفاع عن الأمة، وهذا ما يعوق التماسك والسيطرة وأداء القيادة، ويفسح المجال بقدر أكبر أمام الفساد في المؤسسة العسكرية. ولعل الهزيمة التي لحقت بمصر في حرب عام 1967 ضد إسرائيل تنهض مثالا على أن عدم الإبقاء على مسافة معينة بين الجيش والسياسة كان له بالفعل أثر سلبي في التقويم العميق والتقدير الموضوعي الدقيق للظرفية الإستراتيجية آنذاك5. ولكون النظام يرى في الجيش مصدر تهديد محتمل، فإنه يتخذ إجراءات يراها مساعدة له لمنع ارتفاع مهنية الجيش واحترافيته، وكذا قدراته الانقلابية. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك الجيش الليبي الذي أضعفه العقيد القذافي حتى أصبح عاجزًا عن خوض أي معركة طوال الحرب التي شهدتها ليبيا خلال عام 20116. إن تحييد الجيش عن معترك السياسة يخدم في الواقع مصلحته هو بالأساس، ما دام إبعاده من الصراعات السياسية يسمح ببناء جيش احترافي قائم على أسس مهنية. غير أن بلوغ هذا الهدف ليس بالأمر الهين؛ فبحسب دراسة للبنك الدولي، إن أسرع 20 بلدًا في هذا المجال استغرقت 17 سنة لبلوغ هذا المراد7. وعمومًا، تتضمن الإجراءات والتدابير الناجحة لتحييد الجيش سياسيٍّا، من بين ما يجب أن تتضمنه، احترام معايير المهنية والكفاءة في التكوين والتوظيف والترقية، وكذا خضوع القوات المسلحة للرقابة المدنية، والتمييز الدقيق بين مهمات الأمن الداخلية والخارجية، وضرورة إصدار إستراتيجية للأمن القومي تُعرف وتحدد بوضوح مهمات هذه القوات، وتموضعها في الإطار السياسي والاجتماعي للدولة.

3. غياب الرقابة المدنية

لا تقوم للرقابة المدنية على قطاع الأمن قائمة في البلدان العربية. وفي بعض الأحيان، تكون هناك رقابة شكلية فقط، وغير فعالة، وتهدف عبر استخدامها تقنيات معينة إلى إضعاف القوات المسلحة والحيلولة بينها وبين أي انقلاب ضد النظام، بدلا من العمل على تعزيز كفاءتها المهنية والدفع بها إلى حدودها القصوى. وتشمل الرقابة المدنية الفعالة: الرقابة البرلمانية، والشفافية في تخصيص الاعتمادات المالية،

  1. William R. Thompson, "Toward Explaining Arab Military Coups," Journal of Political and Military Sociology , vol. 2 (Fall 1974), pp. 237 - 250. 2017 sz`syͿ1sɱ
  2. Brooks, pp. 106 - 134.
  3. Florence Gaub, "The Libyan Armed Forces between Coup-proofing and Repression," Journal of Strategic Studies , vol. 36, no. 2 (April 2013).
  4. World Development Report 2011: Conflict, Secu rity, and Development (Washington, DC: The International Bank for Reconstruction and Development, 2011), p. 11. الجيوش العربية وسؤال ا صلاح بعد الربيع العربي

والتدبير الجيد لقطاع الدفاع، مع ضرورة وضع أطر قانونية ومؤسسية واضحة. ولا يحتاج الأمر عناءً كبيرًا لنلحظ أن مثل هذه الركائز التي تدعم الرقابة المدنية على القوات العسكرية غائبة في البلدان العربية؛ فبعض البرلمانات العربية)مثل برلمانات المغرب والأردن وعمان وقطر (لا تملك لجان دفاع مستقلة، ومسألة الدفاع الوطني في تونس تتولاها لجنة الشؤون الخارجية التي لا تمتد صلاحيتها إلى مراقبة الصناعة الوطنية للأسلحة، كما لا يحق لها أن تقول شيئًا في ما يتعلق بإرسال القوات إلى الخارج. وتقتصر وظيفة هذه اللجنة المفروض أنها تمارس رقابة مدنية على القوات المسلحة على تقديم المشورة بشأن السياسات الدفاعية الوطنية. وحتى إذا افترضنا وجود لجنة من هذا القبيل، فإن فعالية رقابتها تبقى دومًا محدودة، وهذا ما يعكس محدودية دور البرلمانات العربية في المراقبة، ليس فقط في ما يتعلق بشؤون الدفاع، ولكن في جميع المسائل والقطاعات العامة الأخرى. أما في مصر التي ما فتئت تعيش على إيقاع تحولات عديدة منذ سقوط حسني مبارك، فالأمور أشدّ تعقيدًا نوعًا ما، وثمة غموض في آليات الرقابة على القوات المسلحة. ففي دستور عام 2012، نجد أن مسألة الدفاع تتولاها لجنة فرعية تابعة للج نة المعنية بنظام الحكومة. أما دستور عام 2014 فلم يبين اللجان البرلمانية، ولكنه يحدد أن الرقابة على السلطة التنفيذية من مهمات البرلمان. وفي موضع آخر، يبدو أن الجيش هو الذي يهيمن على المدنيين ويراقبهم، وليس العكس؛ فلا بد من موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع الذي لا بد أن يكون ضابطًا بحكم القانون، ومن الممكن أن يخضع المدنيون للمحاكمات العسكرية8. وبينما يتمتع البرلمان من الناحية التقنية بإمكان ممارسة الرقابة على ميزانية الدولة، فإن هذا لا يمتد إلى ميزانية الدفاع التي تشرف عليها أو تراقبها هيئة جديدة تُدْعى مجلس الدفاع الوطني، ويرأسها رئيس الجمهورية، وتتكون من رئيس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، ووزير المالية، ووزير الداخلية، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة، وقائد أركان القوات المسلحة، وقادة القوات البحرية والجوية، وقائد عمليات القوات المسلحة، ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية. وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الدفاع الوطني لا يشمل إلا ستة أعضاء مدنيين فقط من أصل 14 عضوًا. ويختص هذا المجلس، بحسب دستور عام 2014، ب "مناقشة ميزانية القوات المسلحة التي تندرج ضمن بند من بنود الميزانية العامة للدولة"9. ويعني هذا أن البرلمان ينظر في مجموع ميزانية القوات المسلحة، ولا ينظر في التفاصيل. كما يحتاج الرئيس إلى أغلبية ثلثي مجلس النواب لإعلان الحرب وإرسال القوات إلى الخارج. الملاحَظ في هذا الصدد أن الهياكل والبنيات التي تشتغل من داخلها القوات المصرية هي نفسها التي تؤطر القوات المسلحة في الدول العربية الأخرى عمومًا، وذلك على أساس ما بينها من قواسم مشتركة تتقاطع على مستوى منع تدخل الهيئات المدنية في الشؤون الخاصة بالمؤسسة العسكرية؛ فعندما تكون مؤسسات الدولة بيروقراطية وضعيفة، وثقافة المحسوبية متغلغلة في أوساط الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكذا على مستوى صفقات التسلح وما تنطوي عليه من استغلال النفوذ ومخاطر الفساد، فإن هذه الأجهزة تكون أكثر تعرضًا للصراعات السياسية. بناء عليه؛ أمست هذه المؤسسات الدفاعية البيروقراطية في أمس الحاجة إلى الإصلاح، مع ما يستلزمه ذلك من ضرورة إبعاد القوات المسلحة من تأدية أي دور في السياسة. يجدر بنا أن نذكر أن الهيئات البرلمانية المنتخَبة ديمقراطيٍّا غالبًا ما تجابهها مشكلات بسبب قلة خبرتها في ممارسة الوظيفة الرقابية، ولا تملك حتى الأطقم الكافية المؤهلة لأداء هذه المهمة. ومثال ذلك الأعضاء الليبيون في المؤتمر الوطني العام الذين يفتقرون إلى الوضوح بشأن هوية القائد العام للقوات المسلحة، ودور وزير الدفاع، وخصوصًا علاقته مع رئيس الأركان، وكذلك دورهم في الرقابة، والوسائل المتاحة لهم10. ولا شك أن فقدان الاتساق في البناء القانوني والمؤسسي الليبي في الوضع الراهن يعيق إعادة إعمار ليبيا على نحو خطِر، كما يؤدي إلى مستوى عالٍ من التذبذب في تعيين القائمين على إدارة شؤون الدفاع في البلاد وإعفائهم11. ولذلك، تبقى مسألة التدريب ضرورية لتوضيح دور البرلمانيين ومختلف الفاعلين الأمنيين، والأدوات المتاحة لممارسة الفعل الرقابي، وتحديد الأطر القانونية القائمة. وإذا كانت القوات المسلحة ترى أن النزاعات وما تفرضه من استعجال، والحروب وما تستلزمه من سرية؛ تقتضي الحد من تدخل المدنيين في شؤونها لكون مهمات هذه القوات ذات طبيعة فريدة، وتستلزم ظروفًا فريدة للعمل والاشتغال؛ فإن هذا كله لا يبرر استثناء هذه القوات من الرقابة المدنية.

4. تحديات الوضع ا$ مني القائم

تواجه غالبية البلدان العربية تحديات وأوضاعًا أمنية مضطربة تقف عائقًا في وجه أي محاولة للإصلاح، بدءًا من الاضطرابات الداخلية

  1. Military Retain 8-Year Veto over Defense Minister in Egypt's
  2. State Information Service, "The Constitution of the Arab Republic of Egypt 2014," Ar ticle 203, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/7EtPzh 10 " GNC Empowers Abu Sahmain with 'Commander-in-Chief' Duties," Libya Herald , 23/11/2014, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/r9KyYD
  3. Constitution," Alahram Online , 20/11/2013, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/V6q3bB
  4. Libyan Rebel Leader Sacks Executive Branch of Transi tional Council," Al-Arabiya, 8/8/2011, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/DjpoRm

ومختلف أشكال التمرد، مرورًا بتنامي الأنشطة الإرهابية، والحرب الأهلية في سورية، وغير ذلك من مظاهر انعدام الأمن في مراحل ما بعد النزاع. فتونس ومصر، مثلا، تعيشان على إيقاع فوضى عارمة يتزايد نطاقها منذ عام 2011، وتشهدان خلالها تظاهرات جماهيرية، وأعمال شغب وحرق متعمد ة. وغالبًا ما تلجأ قوات الأمن المصرية غير المجهزة بما يكفي، وغير المدربة على كيفية احتواء الانفلاتات الأمنية، إلى أسلوب القمع الوحشي في تعاملها مع هذه الأعمال. فخلال البدايات الأولى لانطلاق التظاهرات في عام 2011، قُتل نحو 840 شخصًا وجُرح 646712. واعتُقل نحو 12 ألف مدني وحوكموا في المحاكم العسكرية13. وقد لوحظ بعد اندلاع هذه الأحداث حدوث صدامات متكررة بين المتظاهرين وقوات الأمن، خلف ت قتلى وجرحى. وما بين انقلابيْ صيف 2013 وربيع 2014، قُتل أكثر من 2500 مصري، وجُرح أكثر من 17 ألف شخص، بينما اعتُقل ما يزيد على 16 ألف شخص خلال التظاهرات الشعبية14. وأمام وضع أمني معقد كهذا يصعب القيام بأي إصلاح، وهذا ما أكده ذات يوم وزير الداخلية المصري السابق اللواء محمد إبراهيم15. ومع الانتشار المكثف لقوات الأمن، ارتفعت معدلات الجرائم كما تضاعفت معدلات القتل ثلاث مرات منذ بداية الربيع العربي، وتنامى كذلك حجم الاختطافات وسرقة السيارات، وكذا أحداث السطو المسلح التي تضاعفت 16 مرة16. وفي ظل هذه الظروف، دخلت الشرطة المصرية في إضراب احتجاجًا في المقام الأول على شروط عملها وغلبة الطابع السياسي عليه17. وإضافة إلى ذلك، ساهم تنامي المد الإرهابي في انهيار قوات الأمن في كثير من الدول العربية؛ فالهجمات الإرهابية في مصر التي اتسع نطاقها عبر ربوع البلاد أدت إلى هلاك 281 ضحية مصرية بين تموز/ يوليو 2013 وكانون الثاني/ يناير 2014؛ إذ تضاعف عدد الضحايا 10 مرات مقارنة بما كان عليه الأمر خلال حكم الرئيس محمد مرسي بين تموز/ يوليو 2012 وحزيران/ يونيو 2013. كما تنامى النشاط الإرهابي أيضًا في تونس وليبيا والجزائر؛ فقد خلّف هجوم تنظيم القاعدة الإرهابي على مشروع الغاز في أميناس في بداية عام 2013، 39 ضحية من الرهائن الأجانب. وتواجه ليبيا، خصوصًا، تحديات أمنية خطرة في مرحلة ما بعد النزاع، حيث تغص شوارعها بأكثر من 150 ألفًا من أفراد المليشيات المدججة بمختلف أنواع الذخائر والأسلحة، وليس ثمة أي رقابة مدنية تُذكر على قطاع الأمن. وفي المقابل، تفككت الشرطة والقوات المسلحة منذ بداية النزاع، وصارت في حاجة إلى إعادة البناء في ظل بيئة متقلبة وغير آمنة18. وفي ظل الفراغ القانوني والمؤسسي الذي يطبع الحياة العامة في ليبيا، تعمل هيئاتها التنفيذية والتشريعية جاهدة على إعادة بناء قطاع الأمن؛ فبعد ثلاث سنوات من سقوط القذافي، ما زالت ليبيا تفتقر إلى كتاب أبيض للأمن والدفاع، وليس هناك وضوح قانوني بشأن منصب رئيس الأركان العامة، ولا توجد جدولة زمنية بشأن إصلاح الأمن وإدماج المليشيات في القوات النظامية. ولا شك في أن التغييرات الدائمة لوزراء الدفاع والداخلية ورؤساء الأركان، وكذلك الأوضاع السياسية المعقدة الجارية، تحرم الدولة من كفاءات وخبرات عديدة كان من المفترض أن يُستفاد منها في إطار تدبير ناجع للمرحلة، وتطبيق فعال للتدابير والإجراءات اللازمة. وفي غياب الشروط المواتية، تظل ليبيا عاجزة عن التفاعل الإيجابي مع عروض المساعدة التي تُقدّمها إليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وعلى خلاف مصر وتونس، لا تغطي مؤسسات الأمن في ليبيا كامل التراب الوطني؛ لأنها، ببساطة، عاجزة عن أداء مهماتها بفعل افتقارها إلى التدريبات الضرورية وإلى النخب والكفاءات المؤهلة تأهيلا كافيًا. وإلى اليوم، لا تملك ليبيا أكثر من 5000 ضابط من رتبة عقيد، ولم تبدأ في تخريج دفعات من صغار الضباط إلا مؤخرًا. ولعل ما يزيد الأمور تعقيدًا ما تتعرض له مؤسسات الأمن من هجمات عدة يشنّها الإرهابيون والمدنيون على السواء19. كما تشهد الهجمات الانتقامية تناميًا ملحوظًا في مصر، ونشير هنا، على سبيل المثال، إلى تفجير مقرات للشرطة في بدايات عام 201420. وفي آذار/ مارس من العام نفسه، أصدر القضاء المصري أحكامًا بالإعدام على 529 متهما

  1. 840 Killed in Egypt's Revolution, Health Ministry Offi cial Says," Al- Masry Al-Youm , 42011/4/, accessed on 82017/6/, at: https://goo.gl/fYvchi
  2. Human Rights Watch, "Egypt: Retry or Free 12,000 after Unfair Military Trials," 10/9/2011, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/EHgdKU
  3. Michele Dunne, "Egypt's Unprecedented Instability by the Numbers," Carnegie Endowment for Inter national Peace, 24/3/2014, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/SZg147
  4. Abo Elnnaga, Press Conference of the Egyptian Minister of the Interior, 19/2/2013.
  5. Egyptians Become Victims of Soaring Crime Rate," Financial Times , 1/5/2013, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/5ydoyx
  6. Egyptian Police Go on Strike," The Guardian , 10/3/2013, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/cfuENR 2017 sz`syͿ1sɱ
  7. Florence Gaub, "A Libyan Recipe for Disaster," Survival , vol. 56, no. 1 (February-March 2014), pp. 101 - 120.
  8. Assassination Campaign Blights Eastern Libya," Financial Times , 12/12/2013, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/2V6iaE
  9. Jihadist Group Claims Egypt Police General Killing," An taranews, 29/1/2014, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/qBspz4 الجيوش العربية وسؤال ا صلاح بعد الربيع العربي

على خلفية الهجوم على أحد أقسام الشرطة21. وفي السياق نفسه، ثمة تقديرات تشير إلى أن ما بين 20 و 40 في المئة من ضباط الشرطة يتعرضون للمضايقات يوميٍّا من المدنيين في الشوارع22. باختصار، يمكن القول إن إصلاح قطاع الأمن أو إعادة بنائه تواجهه عقبات عدة؛ من قبيل ضيق الوقت، وندرة الموارد، وقلة الأطر المؤهلة. وإذا كانت التجارب الناجحة في هذا المجال، وخصوصًا في أوروبا الغربية والبلقان، ساندتها ظروف أمنية مستقرة بما فيه الكفاية، أو ضمانات وتعزيزات أمنية من جهة قوة خارجية، فإن هذه الشروط غير متاحة اليوم في البلدان العربية، على الرغم من كونها من أشدّ البلدان حاجة إلى إصلاح قطاعها الأمني.

5. محدودية الموارد المالية

تُعَد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر المناطق إنفاقًا على قواتها المسلحة؛ إذ توجد فيها ست دول من الدول العشر الأكثر إنفاقًا على التسلح في العالم: عمان 8.61) في المئة (، والسعودية 8) في المئة (، وإسرائيل 5.7) في المئة (، والأردن 4.6) في المئة (، والجزائر 4.5) في المئة (، ولبنان 4.1) في المئة (، أي مثل ما تخصصه روسيا والولايات المتحدة الأميركية للتسلح من ناتجها القومي الإجمالي أو أكثر. وعمومًا، فإن دول المنطقة ترصد للإنفاق العسكري أكثر مما تنفقه على القطاعات الاجتماعية، كالتعليم والصحة.

وعلى الرغم من أن هذه النفقات المرصودة للأمن والدفاع تبدو مرتفعة للوهلة الأولى، فإن قطاع الأمن في الدول العربية يعاني محدودية الإمكانات المادية. ففي عام 2012، أنفقت تونس 709 ملايين دولار فقط، واليمن 11439 مليون دولار، والأردن 1448 مليون دولار، ولبنان 1735 مليون دولار، وليبيا 2987 مليون دولار. وعلى الرغم من أن الجزائر تُعد من أكثر البلدان إنفاقًا على التسلح في شمال أفريقيا، فهي لم تنفق سوى جزء فقط مما تنفقه دول مثل ألمانيا 45785) مليون دولار (، والمملكة المتحدة 60840) مليون دولار (، والولايات المتحدة الأميركية 682478) مليون دولار (. ويصعب تقدير ميزانية الدفاع المصرية البالغة 4376 مليون دولار بالنظر إلى ارتباط القوات المسلحة الواسع بالنشاط الاقتصادي، من دون أن تكون مجبرة على الكشف عن تفاصيل ذلك23. وتبقى الأرقام أدنى من ذلك عمومًا في ما يخص الأمن الداخلي، على الرغم من أن أحداث عام 2011 قد أدت إلى ارتفاع الإنفاق في هذا المجال. فقد ارتفعت ميزانية وزارة الداخلية في تونس إلى 86 مليون دولار في عام 2014، وإلى 3.3 مليارات دولار في مصر، وإلى 7.2 مليارات دولار في الجزائر24، ويوجه معظم هذه النفقات إلى إحداث وظائف جديدة)تم إحداث 8700 وظيفة في تونس (، أو إحداث زيادات في رواتب العاملين في القطاع ومكافآتهم. ويعكس الإنفاق على الأمن الداخلي والخارجي، عمومًا، الاهتمام بالموظفين أكثر من التركيز على اقتناء الأسلحة ومعدات الشرطة)باستثناء دول الخليج التي تحرص على الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة (. لكن على الرغم من الاهتمام بالموظفين، فإن الصعوبات المالية تبقى ماثلة في وجه القطاع؛ فمثلا، نجد في تونس أن راتب ضابط الشرطة العادي الذي يعادل 250 دولارًا يعادل أجر سائق حافلة محلية، أو أدنى مستخدَم في مؤسسة بنكية. ويمُنح صغار الضباط المصريين نحو 800 جنيه مصري، أي ما يعادل 115 دولارًا تقريبًا في الشهر25. وعلاوة على ذلك، فإن قوات الأمن الداخلي تبذل مجهودًا فوق الحد المعتاد، وتعمل عادة 12 ساعة على الأقل يوميٍّا؛ إذ تتعدد مهماتها؛ من مراقبة أعمال الشغب، إلى التحقيق في الأعمال الجنائية، إلى مراقبة الاتج ار في المخدرات، وتتبّع أنشطة المعارضة السياسية. كما تجدر الإشارة إلى أن الشرطة القضائية غير مجهزة تجهيزًا كافيًا، وأن المحاكمات التي تباشرها تستند إلى شهادات الشهود والاعترافات أكثر منها إلى أدلة تقوم على تحليل بصمات الأصابع أو اختبار الحمض النووي، التي لا

  1. One Dead, 529 Convicted: A Story of Judicial Revenge in Egypt," The Christian Science Monitor , 28/3/2014, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/cDxdNp
  2. In Libya, Militias Rule," Al-Monitor, 18/6/2013, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/BmExER
  3. Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI) , Military Expenditure Database 1988-2012, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/x57zEJ
  4. Tunisia Increases Defence Budget," Magharebia, 6/11/2013, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/g5SHSD; "Interior Ministry's Budget Increases," Daily News Egypt , 25/5/2013, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/F7EmBy
  5. Egypt Boosts Police Salaries as Forces Join Mounting Strikes by Doctors, Textile Workers," Foxnews, 19/2/2014, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/wSqpo3

تتوافر في بعض الحالات، كما هو الحال في مصر. هذا علاوة على أن الوحدات المتخصصة في مباشرة التحريات الجنائية لا تزال محدودة من حيث سلطتها التنفيذية، ومواردها المادية. تكمن أسباب هذا الوضع في الضائقة المالية التي تعانيها غالبية الدول العربية، باستثناء بلدان الخليج. وعلى الرغم من تحسن اقتصاد شمال أفريقيا خلال العقود الأخيرة، فإنه يبقى مع ذلك متدنيًا؛ فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، مثلا، 3112 دولارًا مقابل 49922 دولارًا في الولايات المتحدة الأميركية. أضف إلى هذا أن المؤسسات الضعيفة الأداء، ومنها المؤسسات الأمنية، ساهمت في ارتفاع معدلات البطالة، والفساد، وتدني الاستثمارات الأجنبية المباشرة. والأسوأ أن اختلال عمل المؤسسات وفقدان الأمن يعيقان التنمية الاقتصادية بقدر كبير؛ فوفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، صُنف ت مصر في الرتبة 117 من أصل 148 دولة على مستوى مؤشر المنافسة واستقلالية القضاء والأمن وسيادة القانون. ولعل ذلك يعكس، من حيث الأساس، تكاليف الإرهاب في البلد 148) من أصل 148(، والجريمة والعنف 143) من أصل 148(، والجريمة المنظمة 138) من أصل 148(، وصدقية الخدمات الشرطية 132) من أصل.(148 وإذا كانت تونس قد احتلت الرتبة 73 من أصل 148 دولة، فإنها تحتل، شأنها في ذلك شأن مصر، رتبًا دنيا على مستوى انتشار الإرهاب والعنف والجريمة المنظمة. كما تُسجل الإحصاءات نفسها في الجزائر ولبنان واليمن وليبيا. ويلاحظ، في حالة لبنان خصوصًا، أن تدهور الوضع الأمني كان له تأثير مباشر في الاقتصاد؛ إذ تقلص نموه إلى 0.9 في المئة في عام 2013، كما بدأ ينخفض معدل الناتج المحلي الإجمالي منذ بداية الأزمة في عام 2011، وتوقف الآن عند 9.7 مليارات دولار26. أما الأردن فيحتل الرتبة 28 من أصل 148 دولة في ما يتعلق بصدقية القوات الأمنية، والرتبة 13 في ما يخص الجريمة المنظمة، والرتبة 16 في ما يتعلق بانتشار العنف. وعمومًا، إن ضعف أداء المؤسسات الأمنية يبقى ناجما، جزئيٍّا، عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي هي بدورها نتاج ضعف أداء هذه المؤسسات. ولهذا؛ ليست شروط التحول الاقتصادي على المدى القريب ناضجة، ما دمنا نجد أن دولا مثل مصر والجزائر واليمن وليبيا لا تزال تأتي في مؤشر التنافسية بعدَ دول مثل غانا أو جامايكا27. غير أن هذا لا ينطبق على دول الخليج التي تمكنت من الاستفادة من عائدات النفط في بناء المؤسسات؛ إذ إن جل هذه الدول، وخصوصًا دولة قطر، تحتل رُتبًا مهمة في ما يتعلق بالمؤشرات الخاصة بأداء المؤسسات وفاعليتها. غير أن الأردن، الذي يحتل رتبًا تفوق حتى دولا أوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا والبرتغال، على مستوى صدقية قوات الشرطة ومتانتها، يدل، مع ذلك، على أن محدودية الموارد المالية لا تمثّل بالضرورة عائقًا كبيرًا يحول دون توفير شروط الأمن التي تسمح بالتنمية الاقتصادية. فالناتج المحلي الإجمالي للأردن أقل من نظيره في دول أسوأ منه، من حيث الالتزام بالمعايير الأمنية والمؤسساتية المعمول بها دوليٍّا28، غير أن هذا لا يعني أن الشرطة الأردنية تخضع للمحاسبة والشفافية واحترام حقوق الإنسان وتتوافر فيها الشروط المطلوبة29، بقدر ما يعني أنها تعمل، على الأقل، على توفير البيئة المواتية للنهوض بالتنمية الاقتصادية. ولهذا، فإن إصلاح قطاع الأمن لا تعوقه وتحده قلة الموارد المادية فحسب، ولكنه يتأثر أيضًا بالآثار الجانبية لتدني التنمية الاقتصادية، والمشكلات الأخرى؛ مثل الفساد والإرهاب والجريمة المنظمة.

6. انتشار الجيوب شبه العسكرية

تواجه دول عربية كثيرة مشكلات عدة على مستوى احتكار العنف فوق ترابها الوطني، ويؤثر هذا سلبيًا في سيرورة إصلاح قطاع الأمن فيها. ويمكن القول إن نشاط الجيوب شبه العسكرية لا يعوق تعزيز الرقابة المدنية وسيادة القانون - على أساس أنها تشتغل خارج منظومة الدولة – وحسب، ولكنه يعمل أيضًا على تعطيل كل الجهود الأخرى المتصلة بإصلاح قطاع الأمن. فالعنف الذي تمارسه أطراف غير الدولة يضر بالتنمية الاقتصادية أكثر من العنف الذي تمارسه الدولة، خصوصًا أنه لا يمكن توقع حدوثه بسهولة. كما أنه لا يضعف فقط صدقية الدولة، ولكنه يشير إلى ضعفها وتضعضعها. توجد أهم الجيوب شبه العسكرية المنظمة في المنطقة العربية في ليبيا والعراق. ففي ليبيا، انبثقت من الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد، في عام 2011، مليشيات منظمة، مكون ة من نحو 250 ألف فرد، وأخذت تنتشر مباشرة بعد نهاية النزاع، وخصوصًا في ظل غياب مؤسسات الدولة؛ إذ أصبح ما يزيد على 300 تنظيم من هذه

  1. Lebanon: Improved Security Key to Growth Revival , Institute
  2. The Arab World Competi tiveness Report 2013, World Economic Forum and the European Bank for Re construction and Development (EBRD), accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/CtLW56 2017 sz`syͿ1sɱ 28 Global Competitiveness Report 2013-2014, World Economic Forum, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/AivvGw
  3. on accessed Finance, International of at: https://goo.gl/WzqSVT
  4. Heavy Hand of the Secret Police Impeding Reform in Arab World," The New York Times , 14/11/2005, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/bzUXU7 الجيوش العربية وسؤال ا صلاح بعد الربيع العربي

التنظيمات يضطلع بمراقبة الأمن في مناطق مختلفة، مثل منصات النفط والأحياء المدنية. وعادة ما تبوء محاولات نزع سلاح تلك التنظيمات وتسريح أعضائها بالفشل؛ بسبب الحصانة الفعلية التي أصبحت تتمتع بها بعد سقوط نظام القذافي، وبفعل تردد الإرادة السياسية أيضًا.

يستفيد مقاتلو المليشيات من رواتبهم 3140) دولارًا للمقاتل المتزوج، و 1884 دولارًا للمقاتل غير المتزوج (من دون إلزامهم بتقديم الأدلة المادية على مشاركتهم في القتال، ولا بإرجاع الأسلحة. وفي أيار/ مايو 2012، منحهم القانون رقم 38 حصانة على أساس ما يقومون به من "أفعال أمنية وعسكرية ومدنية في إطار ضمان نجاح الثورة وأهدافها"30، على الرغم مما تشمله هذه الأعمال من قتل، وتشريد قسري، ومصادرة ممتلكات، واعتقال خارج إطار القانون. هكذا أصبحت هذه المليشيات تزداد قوةً خارج نظم الرقابة والسيطرة. ويشار إلى أن مقاتلي المليشيات حاصروا البرلمان الانتقالي في ربيع عام 2013، وأجبروا أعضاءه على التصويت لتأييد قانون مثير للجدل يتعلق بحظر تولي أي شخص تربطه علاقة بنظام القذافي البائد منصبًا عامٍّا. كما كان لاشتداد عود هذه المليشيات آثار سلبية أخرى؛ أبرزها تراجع إنتاج ليبيا من النفط تراجعًا ملحوظًا من 1.4 مليون برميل في اليوم في بداية عام 2012 إلى 230 ألف برميل، متسببًا في خسارة قدرها 10 مليارات دولار31. وفي العراق، تراجع نوعًا ما شكل المليشيات التي برزت في البلاد في بداية ما بعد عام 2003، لكنها لم تُحَل نهائيٍّا بعد؛ فما زالت تنتشر في العراق عشرات المليشيات، إضافة إلى كثير من التنظيمات الجهادية. لكن على خلاف هذه الأخيرة، فإن المليشيات تشتغل في إطار أفق سياسي يرتبط بمستقبل العراق، كما أنها لا توظف الأساليب غير المتماثلة. وبهذا، هي تمثّل تحديًا لقوات الدولة النظامية، وخصوصًا أنها تطرح نفسها بديلا منها. وهناك على الأقل ست مليشيات سنية مختلفة الأحجام والأهداف)من دون ذكر التنظيمات الجهادية الثلاثة: "تنظيم القاعدة في العراق"، و"أنصار الإسلام"، و"أنصار الشريعة"(. وهذه المليشيات هي: "أبناء العراق")أو ما يعرف أيضًا بمجلس الصحوة أو الصحوة، وهي التي كسبتها الحكومة العراقية في إطار مواجهتها تنظيم القاعدة (، و"جيش رجال الطريقة النقشبندية"، و"كتائب ثورة العشرين"، و"الجيش الإسلامي في العراق"، و"حماس في العراق"، و"جيش المجاهدين". أما المليشيات الشيعية في العراق فتندرج أيضًا في ستة تنظيمات، وهي: "جيش المهدي" الذي هو تنظيم مسلح يقوده مقتدى الصدر، وتم حله رسميٍّا في عام 2008، والتعويض عنه ب "كتائب اليوم الموعود" التي يقدر عدد أفرادها ب 5000 فرد حتى كتابة هذه الأسطر)أيلول/ سبتمبر 2014(. ومن بين حلفاء هذا التنظيم نجد "عصائب أهل الحق" التي أ سس ت مباشرة بعد انشقاقها عن "جيش المهدي" في عام 2006، وتراوح عدد أعضائها بين 2000 و 3000. ومن هذه المليشيات أيضًا "كتائب حزب الله" التي تتكون من 400 فرد، وتستفيد من دعم إيراني مهم، وأيضًا "شبكة الشيباني" المعروفة باسم "كتائب سيد الشهداء"، ويبلغ عدد أعضائها نحو 200 فرد، وهي مختصة بالتهريب. وإذا كانت "منظمة بدر" ذات الصلة ب "المجلس الأعلى الإسلامي" في العراق قد اندمجت في الجيش العراقي، فإن بقايا هذه المنظمة ما زالت مستمرة في التحرك والاشتغال خارج الأطر القانونية. ويشاع أن كل هذه التنظيمات تنشط حاليٍّا في الحرب الأهلية في سورية إلى جانب النظام السوري32. إن نزع سلاح هذه المجموعات المسلحة وتسريح أعضائها وإعادة إدماجهم ليست بعملية تقنية صرف، ولكن يتعين التعامل مع المسألة في إطار تصور سياسي واسع وجامع. ففي لبنان، يستلزم نزع سلاح "حزب الله" إجماعًا مجتمعيٍّا واسعًا؛ وفي العراق، تعكس كثرة المليشيات قصور مؤسسات الدولة العراقية واستياء السنة من مرحلة ما بعد نظام صدام حسين؛ وفي ليبيا، تفتقر الحكومة المركزية إلى الشرعية والقدرة اللازمتين للقيام بنزع السلاح. وعمومًا، فإن مسألة نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تقتضي حلاٍّ سياسيٍّا ومقاربة شمولية.

  1. Libya Grants Immunity to 'Revolutionaries'," Al-Arabia , 3/5/2012, accessed on 8/9/2017, at: https://goo.gl/4zzxde
  2. Libya Oil Output Dives after Key Field Shut," Al jazeera, 23/2/2014, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/LDXwwi
  3. Michael Knights, "Iran's Foreign Legion: The Role of Iraqi Shiite Militias in Syria," The Washington Institute, 27/6/2013, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/ftKbyj; "Mapping Militant Organizations, Iraq," Stanford University, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/LbgD2Q

7. الافتقار إلى إدراك الحاجة إلى اE صلاح

إن افتقار الدول العربية إلى إدراك حاجتها إلى إصلاح قطاع الأمن يُعَد من أهم المشكلات التي تحول دون بلوغ هذا المقصد. ولا شك في أن الجهات التي تقاوم الإصلاح لا تجعل محاولات الدولة في هذا الصدد صعبة وحسب، ولكنها تعطل هذه العملية نهائيٍّا. ولهذا، صار من الأهمية بمكان الكشف عن أسباب المقاوَمة التي تبديها هذه الجهات حتى يساعد ذلك في وضع الإستراتيجيات الممكنة لمواجهتها. نجد من خلفيات معارضة الإصلاح أن خدمات الأمن في البلدان المعنية تحظى بنوع من الرضا، أو أنها، على الأقل، كانت تحظى بذلك. فقبل الربيع العربي، كانت معدلات القتل في مصر، مثلا، تمثل فقط خُمس نظيرتها في أميركا. ولهذا، فإن أي منطق للتغيير لم يكن دائمًا بدهيٍّا ومبرر ا ما دامت الخدمات الأمنية تبدو كافية. وحتى بعدما تغير الأمر منذ عام 2011 – إذ تضاعفت معدلات القتل في مصر من 774 حالة في عام 2010 إلى 2144 حالة في عام 201233 - فإن المواطنين العرب مرتاحون وراضون عن الخدمات الأمنية التي توفرها دولهم)انظر الجدول (. وبحسب دراسة أجريت في 12 بلدًا عربيٍّا34، كان 67 في المئة من المستجوَبين راضين كثيرًا أو قليلا عن أداء أجهزة الأمن في بلدانهم الأصلية، مع وجود تفاوتات كبيرة طبعًا بين مختلف هذه البلدان. وسُجل ت أعلى نسبة من الارتياح في دول مثل الأردن والسعودية وموريتانيا 90) في المئة (، بينما بلغت نسبة الارتياح ما بين 60 في المئة و 75 في المئة في السودان ولبنان ومصر وتونس وفلسطين. وإجمالا، يشعر المواطن بارتياح أقل تجاه خدمات الأمن في الدول التي تشهد اضطرابات سياسية دورية، مثل المواطن العراقي الذي لا يرتاح إلا بنسبة 57 في المئة فقط في ما يتعلق بأداء المؤسسات الأمنية. ما يثير الانتباه في هذا الشأن هو أن القوات المسلحة في البلدان العربية هي أعلى المؤسسات القائمة في الدولة تمتعًا بثقة المواطنين؛ إذ إن 77 في المئة من المواطنين العرب يثقون قليلا أو كثيرًا بهذه القوات. كما أن 55 في المئة من المستجوَبين يثقون بقوات الشرطة في بلدانهم. وفي مقابل ذلك، نجد 47 في المئة فقط من المستجوَبين يثقون بالحكومة، و 36 في المئة يثقون بالمؤسسة التشريعية، و 23 في المئة يثقون بالأحزاب السياسية القائمة في هذه البلدان35. وعلى الرغم من أن الربيع العربي قد مثّل تحديًا لقوات الأمن الداخلي، حتى في أوج النفور من الشرطة في مصر كان موقف 39 في المئة من المستجوَبين من قوات الشرطة إيجابيٍّا36. كما أن الدستور المصري الجديد استحدث مؤسسة جديدة، وهي المجلس الأعلى للأمن، أوكِلت إليها مهمة الاستشارة بصدد كل القوانين المتعلقة بالشرطة. وأصبح جهاز الشرطة، بحكم النص، أوفى للشعب مما مضى)انظر المادتين 206 و 207(. ومع ذلك يواجه إعمالُ مبدأ المحاسبة مقاومةً وضغطًا كبيرين. فحينما حاول وزير الداخلية إقالة قائد قوات التدخل الذي اته م بإطلاق النار على متظاهرين، انسحب الآلاف من ضباط الأمن من مقرات عملهم، ودخلوا في إضراب، مؤكدين أنهم "لا يمكن أن يقدم وا أنفسهم أكباش فداء لعائلات الضحايا". وقد تمكنوا بالفعل من رد قرار الإقالة. وعمومًا، إن أفراد الشرطة والعسكريين في جميع الدول العربية يحاكَمون أمام المحاكم العسكرية، ولا يستفيدون من إجراءات العدالة المدنية. بيد أن هذا لا يعني أن ضباط الشرطة يمكثون أحرارًا طلقاء؛ ففي مصر مثلا، حُكم على الملازم أول محمود صبحي الشناوي بالسجن ثلاث سنوات بعد إطلاق النار على متظاهرين في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، بينما حوكم محمود صلاح محمود وعواد سليمان - ضابطا الشرطة المسؤولان عن موت خالد سعيد في عام 2010 - بالسجن 10 سنوات. لكن في المقابل، لم يحاكَم أحد من الضباط التسعة المتهمين، في عام 2012، عقب أعمال الشغب التي دارت في أحد ملاعب كرة القدم، وأودت بحياة ما لا يقل عن 74 شخصًا37. كما بُرّئ الضباط الستة الذين كانوا وراء موت 83 متظاهرًا في الإسكندرية في عام 2011، من التهم المنسوبة إليهم38. إن الحصانة التي يتمتع بها أفراد الأجهزة الأمنية والعسكرية تحول دون توفير الأجواء المواتية لمأسسة عملية الإصلاح وتقعيد مبدأ المحاسبة. لكن تبعات أحداث عام 2011 سمحت بخلق وضع جديد، عدّ فيه المجتمع أفرادَ الأمن مجرمين وجناةً، فأصبح يُنظَر إلى مقرات الشرطة في تونس وليبيا ومصر على أنها رموز للنظام السابق. ولذلك، فإن محاولات الإصلاح في بيئة عدّت أجزاءً كبيرةً من البنيان الأمني القائم معادية؛ لقيت مقاومة شديدة. ولا يمكن التغلب على المعارضة المؤسسية للتغيير في قطاع الأمن إلا بإشراك هذا القطاع في عملية الإصلاح.

  1. Egyptians Become Victims of Soaring Crime Rate."
  2. 34 هذه البلدان هي: الجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، ولبنان، وموريتانيا، والمغرب، وفلسطين، والسعودية، والسودان، وتونس، واليمن.
  3. 35 The Arab Opinion Project: The Arab Opinion Index (Doha: Arab Center for Research and Policy Studies, March 2012), p. 46. 2017 sz`syͿ1sɱ
  4. Egyptians Embrace Revolt Leaders, Religious Parties and Military, As Well," Pew Research Center Global Attitudes Project, 25/4/2011), accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/P5Jkcy
  5. 37 "75 Charged in Deaths at Soccer Riot in Egypt," The New York Times , 152012/3/, accessed on 82017/6/, at: https://goo.gl/WbEo17
  6. 38 " Verdict in Police Brutality Case in Egypt May Be Excep tion," Al- Monitor, 4/3/2014, accessed on 8/6/2017, at: https://goo.gl/eTevUu الجيوش العربية وسؤال ا صلاح بعد الربيع العربي جدول معدل القتل العمد لكل مئة ألف نسمة (2011-1995) المصدر: "UNODC Homicide Statistics 2013," United Nations Office on Drugs and Crime, accessed on 8/6/2017, at: https://www.unodc.org/gsh/en/data.html
2011201020092008200720062005
0.80.70.81.00.80.90.6الجزائر
0.50.91.10.60.40.90.6البحرين
3.32.31.11.20.90.70.7مصر
غير متاح1.41.41.41.71.61.5المغرب
غير متاح2.21.96.02.62.13.8لبنان
غير متاحغير متاحغير متاحغير متاحغير متاح1.81.3الأردن
غير متاحغير متاحغير متاح1.1غير متاحغير متاحغير متاحتونس
غير متاحغير متاح2.22.23.11.82.9الكويت
غير متاحغير متاحغير متاح0.92.50.20.7قطر
غير متاحغير متاحغير متاحغير متاح1.01.01.2السعودية
غير متاحغير متاح4.23.94.14.24.6اليمن
4.74.75.05.45.75.85.6الولايات المتحدة
21.822.421.722.820.421.022.0البرازيل

تعدّ القطاعات الأمنية والعسكرية من أهم ركائز الدولة العربية. ونظرًا إلى العلاقة الجدلية القائمة بين الأمن والتنمية، فإنه يستحيل النهوض بالتنمية الاقتصادية في غياب الأمن، كما أن تدهور الوضع الاقتصادي هو الذي قاد بالدرجة الأولى إلى الانتفاضات التي عرفتها المنطقة في عام 2011، وهي الأحداث التي أكدت أن إصلاح قطاع الأمن أصبح ضرورة ملحة. وإذا كان الفاعلون المدنيون يؤدون دورًا رئيسًا في سيرورة الفترة الانتقالية التي تعيشها دول المنطقة، فلا شك في أن إدراكهم لحاجاتهم الأمنية سيساهم بقدر أكبر في تقوية فرص التعاون في ما بينهم، في إطار عملية الإصلاح التي يرنو إليها المواطنون والجهات الدولية الداعمة.

المراجع

Be'eri, Eliezer. "The Waning of the Military Coup in Arab Politics." Middle Eastern Studies. vol. 18, no. 1 (January 1982). Brooks, Risa A. & Elizabeth A. Stanley (eds.). Creating Military Power: The Sources of Military Effectiveness. Redwood City, CA: Stanford University Press, 2007. Gaub, Florence. "A Libyan Recipe for Disaster." Survival. vol. 56. no. 1 (February-March 2014). ________. "Arab Armies: Agents of Change?" Chaillot Paper. no. 131. Paris: European Union Institute for Secu- rity Studies, March 2014. ________. "The Libyan Armed Forces between Coup- proofing and Repression." Journal of Strategic Studies. vol. 36. no. 2 (April 2013). Global Competitiveness Report 2013 - 2014. World Economic Forum. at: https://goo.gl/AivvGw Lebanon: Improved Security Key to Growth Revival. Finance. international of Institute at: https://goo.gl/WzqSVT The Arab Opinion Project: The Arab Opinion Index. Doha: Arab Center for Research and Policy Studies, March 2012. The Arab World Competi tiveness Report 2013. World Economic Forum and the European Bank for Re construction and Development (EBRD). at: https://goo.gl/CtLW56 Thompson, William R. "Toward Explaining Arab Military Coups." Journal of Political and Military Sociology. vol. 2 (Fall 1974). World Development Report 2011: Conflict, Secu rity, and Development. Washington, DC: The International Bank for Reconstruction and Development, 2011.