كتاب جيل كيبيل الجديد "رعب في فرنسا: نشأة الجهاد الفرنسي"

Gilles Kepel’s Latest Book "Terror in France: The Rise of French Jihad"

غسان العزي| Ghassan Izzi @

الملخّص

​عنوان الكتاب في لغته: Terreur dans l'Hexagone: Genèse du Djihad Français

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

Terreur dans l'Hexagone: Genèse du Djihad Français عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: رعب في فرنسا: نشأة الجهاد الفرنسي. المؤلف: Gilles Kepel & Antoine Jardin سنة النشر: 2016 الناشر: Gallimard, Paris عدد الصفحات: 330 صفحة.

بدأت شهرة جيل كيبيل في عام 1987 عندما نشر كتابه "ضواحي الإسلام: ولادة دين في فرنسا"1، ثم صدر له عدد كبير جدًا من الدراسات والكتب المتعلقة بالعالم العربي والإسلام المعاصر، منها على سبيل المثال لا الحصر: "من الجهاد إلى الفتنة"، و"جهاد"، و"إلى غرب الله"، و"انتقام الرب"، و"النبي وفرعون" وغيرها. وكيبيل أستاذ في معهد العلوم السياسية ودار المعلمين العليا في باريس، كما أنه يحاضر في جامعات أوروبية وأميركية. أما أنطوان جاردان الذي ساعد كيبيل في إنجاز كتابه الجديد، فهو عالم اجتماع متخصص في الأحياء الشعبية والضواحي. يتبنّى الكتاب مقاربة كرونولوجية لتحليل المسار التاريخي بتفاصيله الدقيقة، عبر تقسيمه إلى حقب ومراحل، تساعد على تفكيك التعقد الكبير للظاهرة المدروسة، من خلال وصل الحوادث المختلفة بعضها ببعض، واكتشاف الخط الواصل بينها، بدلا من تحليلها منفصلة. وهذا الخط عبارة عن مسار يميز فيه الكتاب بين مرحلتين أساسيتين يسميهما: الاحتضان والطفح؛ أي عملية تكون الظاهرة قبل بزوغها على السطح وانتشارها. في رأي كيبيل، يمثّل عام 2005 المفصل الأساسي بالنسبة إلى الإسلام الفرنسي من جهة، حينما حدث تحول كبير فيه، وتلك الاضطرابات وأعمال الشغب الكبرى في الضواحي الباريسية من جهة أخرى. فقد اعتلى الجيل الثالث من المهاجرين المسلمين خشبة المسرح، وانتشر نص المفكر الرئيس للجهادية الجديدة أبي مصعب السوري "النداء من أجل مقاومة إسلامية عالمية"، لتشكل هذه المصادفة بين تحولات الضواحي الفرنسية وتغير جيل قادة الإسلام الفرنسي والتحولات الأيديولوجية للجهادية الدولية(مع "داعش" بعد القاعدة )لقاءً من نوع متفجر خاص. دعا أبو مصعب السوري الشباب الفرنسي المسلم من أبناء المهاجرين الذين تأدلجوا وتدربوا عسكريًا إلى حرب أهلية في أوروبا؛ كي يتم عبرهم التدمير النهائي للغرب قبل الانتصار العالمي للإسلام. وهذه التعليمات التي اتّبعها بحرفيتها إرهابيو فرنسا وبلجيكا هي التي طبعت العقد الذي تلاها بطابعها المقيت. وفي نظر كيبيل، فإن البروباغاندا الجهادية عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ثم الربيع العربي الذي انتهى بحرب أهلية في سورية، والنداء إلى الجهاديين، سوف تسهّل كثيرًا استنفار الجهاديين الشباب في فرنسا؛ إذ منذ عام 2012 تنامى "الإرهاب الدموي" انطلاقًا من النداء المذكور لاستنفار "المؤمنين ضد الكفار". يضع كتاب كيبيل الجديد الظاهرة الجهادية في سياق تطور عام للإسلام الراديكالي في فرنسا، وتحديدًا للسلفية الجهادية؛ إذ يقول المؤلف: "في الأحياء الشعبية، حيث يظهر الإسلاميون علنًا بلباسهم الأفغاني ولحاهم، بات صعبًا جدًا، بل مستحيلا، بالنسبة إلى المسلمين حتى غير المتدينين، من الناحية الاجتماعية تناول الطعام علنًا خلال شهر رمضان". هذا الظهور للسلفية القليلة عدديًا والقوية بنفوذها أدخل قطيعة كاملة مع قيم المجتمع الفرنسي، وقدّم طريقة عيش بديلة من "الكفر" المنتشر في العالم الغربي.

وفي تحليله لديناميات الإسلام الراديكالي الفرنسي، يحمّل الكتاب المسؤولية للسياسات العامة في غير مضمار، لا سيما تلك التي جعلت من السجون أفضل بيئة حاضنة لتكوين الإسلاميين، وعدم إيلاء أهمية كافية لتطور الجهاد الإلكتروني الذي يتم عبره نشر البروباغاندا المعادية للغرب، ومسؤولية بعض الإدارات الإقليمية في تمركز الجيوب السلفية، وإخفاقات المدرسة بمراحلها ثم الجامعة. وعلى نطاق أوسع، فقد ترك المجتمع الفرنسي الإسلاميين يتلاعبون بطريقة مشينة بمفهوم الإسلاموفوبيا بغية فرض وضعية "الضحية" على الفرنسيين من أصول مسلمة. وباختصار، لقد تمت الاستهانة بالنجاح، ولو الجزئي، للإسلاميين في منعهم اندماج الجيل المسلم الشاب. وهو نجاح لافت في الشريحة الأشد هشاشة ومعاناة للبطالة والتهميش، والأشد قابلية للجنوح والوقوع في الجريمة والتهريب والمخدرات وغيرها. لقد عكس مسار الاندماج في المواطنة اتجاهه، بحيث انهارت المشاركة الانتخابية للمسلمين الشباب القوية جدًا عام 2012 في الانتخابات الأوروبية عام 2014، وأتاحت صعودًا مدوّيًا لحزب لوبان. ومن مرحلة إلى أخرى، يتابع القارئ مع كيبيل تطور "السرطان الراديكالي الإسلامي" في المجتمع الفرنسي ويفهم أسبابه المتنوعة. ولا يقف الكتاب عند تحليل المسار الذي قاد إلى مجازر عام 2015، بل يوسّع إطار تفكيره عبر التحليل الموازي لصعود القومية الشوفينية لليمين المتطرف. ويرى كيبيل نمطين من الاستنفارات الاعتراضية - هما ناتج نهاية المجتمع الصناعي - جعلا "حزب العمال" باطلا ملغيًا؛ ف "الشبان العاطلون عن العمل، والذين يعيشون في الاقتصاد غير الرسمي ومن التهريب وغيره، والذين ينحدر عدد كبير منهم من جيل الهجرة كما

  1. Gilles Kepel, Les banlieues de l'islam: Naissance d'une religion en France (Paris: Ed du Seuil, 1987). 2017 sz`syͿ1sɱ كتاب جيل كيبيل الجديد "رعب في فرنسا: نشأة الجهاد الفرنسي"

في الطبقات الشعبية، لم يعودوا يجدون أنفسهم في هذا الاقتصاد". هذان النمطان الجديدان يحمل كل منهما، كما كان الحزب الشيوعي في السابق، شحنة طوباوية قوية تعيد تلميع حقيقة اجتماعية منكوبة، عبر إسقاطها على أسطورة يغدو فيها مهمشو اليوم منتصرين في الغد. ومن هنا هذا التعارض الصارخ بين نوعين من الانطواء الهوياتي "إسلاموفوبيا أو سلفية" كما يقول كيبيل، "وهما أعراض للأزمة الاجتماعية نفسها، وتجد الردود المتعارضة أحيانًا مؤيدين لها لدى شريحة من المجتمع تعيش تهميشًا لا يطاق". نجح كيبيل في إجراء هذه المقارنة بين نمطي التقوقع الهوياتي، وإن لم يذهب إلى خواتيم هذه المقاربة؛ إذ يغذي هذان المساران المتوازيان أحدهما الآخر. ربما كان على كيبيل الذهاب أبعد في تحليل خصائصهما المشتركة؛ فهذه الظاهرة المزدوجة أوروبية حتى لا نقول غربية وتحمل مخاطر جدية على السلم الأهلي، ولكنّ هذه الفكرة لم تحتلّ ما تستحقه من حيز تحليلي معمّق في الكتاب. يقع الكتاب في ستة فصول تنقسم بالتساوي إلى قسمين أو مرحلتين، هما: "مرحلة الحضانة: من كليشي إلى ساركوزي" 2012-2005)(، و"مرحلة البزوغ والانتشار: من هولاند إلى باتاكلان".)2015-2012)

مرحلة الحضانة والتكون

حدث تحول كبير في الإسلام الفرنسي خلال الفترة 2012–2005؛ ذلك أنه تفصل سبع سنوات فقط بين الاضطرابات وأعمال الشغب في عام 2005 والمقتلة التي ارتكبها محمد مراح عام 2012، وتُعدّ هذه السنوات سنوات المخاطر الكبرى، ولكن في الوقت نفسه، سنوات الفرص الضائعة. ثم تزامنت العودة المثيرة للإرهاب الجهادي في فرنسا في آذار/ مارس 2012 بصفة غريبة مع بداية حملة انتخابية قادت إلى انتخاب فرانسوا هولاند رئيسًا للجمهورية، وذلك إلى حد كبير بفضل تصويت المسلمين له بكثافة. ثم تبعت الانتخابات الرئاسية أخرى تشريعية ترشّح فيها أول مرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية أكثر من أربعمئة مرشح من أصول مهاجرة ومسلمة؛ إذ يعني تقدّم هؤلاء إلى الانتخابات تجسيدًا لسيادة الشعب الذي يعلنون بذلك أنهم جزء لا يتجزأ منه. ويلاحظ كيبيل أنه بالتوازي مع مسار الاندماج السياسي، والذي تفاخرت به مجموعة كانت تشعر في السابق أنه تم تهميشها خارج اللعبة المؤسساتية، فإن حركة خفية بدأت تظهر في وضح النهار. فقد ظهر الجيل الثالث لإسلام فرنسا عمليًا في 2004 - 2005، بين لجنة ستازي وفورة الشغب الكبرى، ليطالب بمواطنة متحررة من العُقد تنتمي إلى دين يريد الحقوق نفسها التي يتمتع بها المسيحيون واليهود المتجذرون تاريخيًا في فرنسا. فتحتْ الفجوةُ التي اقتربت من القطيعة بين هذه المواطنة السياسية الجديدة وقواعدها الاجتماعية الهشة، إضافة إلى تشتت الحقل الديني الإسلامي الفرنسي، المجالَ واسعًا أمام كل أنواع المزايدات التي خلقت الشروط الملائمة لكل مطالبة ب "إسلام كامل". فهو يقدم متخيّلا لمآزق المجتمع، وهو حل يتمتع بجاذبية، خاصة كونه يعمل على تجميع الطوباويات الراديكالية الموجودة سلفًا في أرضية اليسار واليمين المتطرفين أو يحل محلها، كما تبرهن الأعداد المتزايدة للمعتنقين الجدد للدين الإسلامي في فرنسا. تسارعت هذه الحركة بفعل التحولات التي عرفتها الجهادية الدولية؛ فقد شهد عام 2005 ارتفاع صوت "النداء من أجل مقاومة إسلامية عالمية"، والذي نظّر للإرهاب على الأرض الأوروبية محرّكًا أساسيٍّا للكفاح ضد الغرب، ووجد في الشباب المنحدر من أصول مهاجرة ويعاني صعوبة الاندماج أداتَه المفضلة. ويتقاطع هذا النص، النداء، مع منطق تنظيم القاعدة الذي كان يشرف قادته على إرهابيين قادمين من الشرق الأوسط لمهاجمة الولايات المتحدة. ويتابع كيبيل بأن النضوج الهادئ لهذه الأفكار وعلى خلفية ذهاب الجهاديين الأوروبيين للتدرب في ساحات القتال العراقية والأفغانية، أنتج الأرضية التي ظهر فيها مراح. ولكن في اللحظة نفسها التي ارتكب فيها مراح مجازر مونتوبان ثم تولوز باسم الجهاد في آذار/ مارس 2012، كانت تنتشر ظاهرة معاكسة تمامًا تمثلت في الاندماج السياسي لشباب فرنسي من أصول مهاجرة ومسلمة بالتحديد، عبر الترشح والمشاركة الكثيفة في التصويت في الانتخابات التشريعية. ويعتقد كيبيل جازمًا أن هذا الاندماج تحديدًا، مفتاح المواءمة والتوحيد لمجتمع فرنسي متعدد حول القيم المشتركة، قد تم تهديده في أعماقه بظهور الجهاد في حضنه.

مرحلة الظهور والطفح

تمتد هذه المرحلة منذ انتخاب فرانسوا هولاند عام 2012 إلى مجازر مجلة شارلي إيبدو ومرقص باتاكلان عام 2015. يقول كيبيل إن انتخاب هولاند ثم الأكثرية الاشتراكية في البرلمان الفرنسي خلال الفترة أيار/ مايو – حزيران/ يونيو 2012، حصل إلى حد كبير بفضل تصويت المسلمين الفرنسيين الذي دشن كما يعتقد مصالحة هؤلاء الناخبين مع الدائرة العليا السياسية والمؤسساتية، وذلك بعد عهد ساركوزي الذي عمل طوال خمس سنوات على اللعب على وتر الانقسامات

وتعميقها. ومن ناحية أخرى، جرت الانتخابات غداة المجازر التي ارتكبها مراح. وهذه ظاهرة لم يتمكن أحد وقتها من قياس تشعباتها العميقة ومعانيها، ومن استباق نتائجها على السلفيين الجهاديين من الجيل الثالث من المهاجرين المسلمين. ثم دارت بقية الحوادث في عهد هولاند في ظروف أشد تعقيدًا وخطورة، من جهة تمركز الإرهاب في قلب المجتمع الفرنسي، ثم قضية الإرهابي مهدي نموش، ليصل إلى ذروته مع مقتلة شارلي إيبدو والمتجر اليهودي في منطقة فانسان في كانون الثاني/ يناير 2015، ثم مذبحة باتاكلان وسان دينيس في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه وكانت لها أصداء عالمية. ثم تلتها الظروف المريبة التي تم فيها اعتقال سيد أحمد غلام في نيسان/ أبريل من العام نفسه، ثم قطع رأس مدير شركة فرنسي على يد أحد موظفيه؛ وهو ذو ماضٍ إسلامي راديكالي في حزيران/ يونيو، والتفجير الإرهابي الذي تم إحباطه في آب/ أغسطس في القطار بين أمستردام وباريس، والذي كان يحضرّ له مغربي إسلامي مقيم في أوروبا. كل ذلك أظهر مدى التداخل الذي بات أقوى فأقوى بين الجهادية في سورية وفرنسا وبوتيرة متسارعة جدًا. لقد تسارعت الحوادث منذ أعلن تنظيم "داعش" الخلافة في 29 حزيران/ يونيو 2014 بداية شهر رمضان، وسبقت بوقت قصير هجومًا إسرائيليًا على غزة. وتسبب هذا الهجوم الإسرائيلي بتظاهرات عنيفة في فرنسا، ارتفعت فيها أصوات الجهاد والشعارات المعادية لليهود، وأحرجت المعادين التقليديين لسياسات بنيامين نتنياهو والمنتمين إلى اليسار التقدمي الفرنسي المعادي للإمبريالية. جاءت هذه التظاهرات استمرارًا لتلك التي قامت بها أو اشتركت فيها جمعيات إسلامية ضد الزواج المثلي، أو من أجل أيام عطلة مدرسية خاصة بالتلاميذ المسلمين، أو احتجاجًا على تدريس "نظرية النوع"... إلخ، ودقت إسفينًا بين المواطنين والناخبين المسلمين من جهة، والأغلبية الرئاسية الاشتراكية واليسارية من الجهة المقابلة. حدثت هزيمة اليسار في الانتخابات البلدية في آذار/ مارس 2014 في رأي كيبيل، تحديدًا بسبب امتناع سكان الأحياء الشعبية وجلهم من المسلمين عن الانتقال إلى صناديق الاقتراع. وفي عدد من هذه الحالات، أدى إدراج مرشحين إسلاميين في لوائح يمين الوسط إلى فوزها في الانتخابات، تحديدًا في منطقة سين سان دوني(التي تسكنها أغلبية مسلمة ). هذا التحالف الظرفي المحافظ بين توجهات دينية وسياسية، والمتمحور حول رفض مشترك للزواج المثلي، أفسد معادلة التناسب الذي كان قائمًا بين التصويت المسلم واليسار، بعد أقل من سنتين من قيامه في عام.2012 جرت الانتخابات الأوروبية في 25 أيار/ مايو 2014، وقد وصلت فيها "الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرفة إلى المركز الأول لأول مرة في تاريخ فرنسا، عبر خطاب مُعادٍ ل "أسلمة فرنسا"، غداة حدث مهم وهو اعتقال نموش لدى عودته من الجهاد في سورية واتهامه بارتكاب مقتلة المتحف اليهودي، والعثور على ترسانة من الأسلحة والمتفجرات في منزله. وكما غداة الحملة الانتخابية في عام 2012، فإن تداخل الإرهاب الجهادي مع المسار الانتخابي بلور وأعاد رسم فجوات إثنو-دينية تتخطى الخصومة الدهرية ما بين اليمين واليسار: من الآن فصاعدًا سوف يحصد حزب مارين لوبان اليميني المتطرف الثمرات. وفي نهاية هذا المسار، وقعت مجزرة كانون الثاني/ يناير 2015، والتي ارتكبها الأخوان كواشي وأحمدي كوليبالي، وهي تقع في مسار الأعمال الإرهابية لمراح ونموش، وتستكمل التداخل ما بين الجهاديات الفرنسية والسورية والدولية. وعلى غرار سابقيهم، فان إرهابيي السابع من كانون الثاني/ يناير 2015 قتلوا يهودًا تلبيةً لنداء "المقاومة الإسلامية العالمية"، وطبّقوا حرفيًا تعليمات أبي مصعب السوري، عبر استهداف صانعي الرأي "المعادين للإسلام" في مكاتب المجلة الساخرة شارلي إيبدو والآتية من صفوف "حركة ما بعد الثمانية والستين" soixante-) post mouvement le huitard(كما يسميها كيبيل، والتي نشرت رسومًا تهزأ برسول الإسلام، مع أنها كانت تدافع على الدوام عن قضايا المهاجرين المسلمين واندماجهم في المجتمع الفرنسي. لقد صرخ المهاجمون بعد ارتكابهم المجزرة: "لقد انتقمنا لرسول الله". دفع هذا الحدث، والذي مثّل نوعًا ثقافيًا من 11 سبتمبر، إلى ذروة الموجة الجهادية الثالثة، تمامًا كما فعلت "الغزوة" المزدوجة لنيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر بالموجة الجهادية الثانية الخاصة بتنظيم القاعدة. لقد أضحت التظاهرات الكبرى التي جاءت ردة فعل للهجوم في 11 كانون الثاني/ يناير 2015، والتي جمعت عددًا كبيرًا من زعماء الدول والحكومات في باريس، ونزول حوالى أربعة ملايين متظاهر في شوارع فرنسا، هدفًا لتأويلات وتفسيرات كثيرة عقلانية أو عاطفية)نُشر حولها الكثير من الكتب والمقالات والدراسات لتفسيرها وتحليلها وانتقادها وأحيانًا التشكيك في دوافعها الحقيقية (. وهذا النقاش الواسع، في أوساط السياسيين والمثقفين، والذي اشترك فيه كيبيل وضم كتابه عرضًا لأهم ما جاء فيه، سوف يوضع على محك المجازر العشوائية التي ارتكبت في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في باريس وسان دينيس، كما يقول. في المحصلة، يعتقد كيبيل أن المقاربة التي حكمت الفصول الستة التي يتكون منها الكتاب تمنع إعطاء معنًى مسبق لوجود جماعة اجتماعية فقط من خلال عاداتها وتقاليدها أو معتقداتها. ويستنتج أن الظاهرة الإسلامية في عدد من الأحياء الشعبية في الأراضي الفرنسية باتت اليوم

في هذا العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أوسع بكثير مما كانت عليه عندما درس كيبيل هذه الأحياء منذ ثلاثين عامًا، ونشر نتائج دراسته في كتابٍ جلب له شهرة واسعة وقتها وهو: "ضواحي الإسلام: ولادة دين في فرنسا". ولكن هذه الأعراض والمؤشرات، بمعزل عن تقدمها المستمر، لا يمكن لها أن تختصر تنوع الجماعات الفرنسية ذات الثقافة أو الأصول المسلمة، والأرجح أنها ناتجة من صراعٍ للهيمنة عليها من النزعات "الشمولية" للإخوان المسلمين والجهاديين مرورًا بالتبليغ والسلفيين. وتقدم هذه النزعات واضح لا لبس فيه، لكنّ الإذعان للقناعة القائلة بأن هذه النزعات انتصرت، وأن هؤلاء المتطرفين باتوا يمثلون الثقافة الإسلامية والشرائح المسلمة، هو جهل مطبق بالمواطنين المسلمين المنحدرين من الثقافة الإسلامية شديدة التنوع. وفي تحليله لمسارات محاولات الهيمنة على التعبير الإسلامي، لا سيما المظاهر السياسية – الاجتماعية، والتي تلتقي مع "النداء من أجل مقاومة إسلامية عالمية" لأبي مصعب السوري مع بزوغ الجيل الثالث، أراد الكتاب أن يبرهن أنه في صفوف هذه الشرائح الاجتماعية نفسها تدور المعارك الضارية على الهيمنة. فالتخلص من "المرتدين"، أحيانًا عبر تصفيتهم جسديًا على أيدي الجهاديين الذين يحاولون إرهاب أفراد طوائفهم الدينية لدفعهم إلى تبني أفكارهم بالإكراه والعنف، يشكّل ذروة هذا المسار. وإذا كان إرهابيو عام 2015 ما يزالون بعيدين عن النصر النهائي، فمن المهم الاعتراف أن استخدام السياسيين قصيري النظر للمبادئ العلمانية الجمهورية تعويذةً أو معادلةً سحرية يُضعِف هذه المبادئ أمام التحدي الذي يفرضه الجهاد الفرنسي، والذي رسم الكتاب مساره التصاعدي منذ بداية العقد الفائت إلى اليوم. ويبقى الإرهاب في فرنسا في المحصلة مؤشرًا على الأزمة التي تعانيها الحضارة الغربية. حاول الكتاب أن يبرهن أنه بلجوئهم إلى الدين، فإن الفاعلين الذين ينسبون أنفسهم إلى "الإسلام الكامل" بصوره المختلفة، من الإثارة الهوياتية إلى التحول نحو العنف، يحوّلون مستقبلهم الاجتماعي إلى إستراتيجية سياسية. وفي مثل هذه الظروف، فإن المسجد والكنيسة والكنيس اليهودي والمعبد البوذي، والماسوني أو البروتستانتي... إلخ، لا يمكن لها أن تنصّب نفسها أبراجًا متقدمة أو بدائل لتدخّل الدولة، وإن كانت العلمانية الجمهورية تعترف بمكانة أماكن العبادة الشرعية في حضن المجتمع الإنساني. وإذا كان من مؤسسة في نهاية التحليل، يبدو للكتاب أن من الضرورة إعادة تأسيسها وبنائها لمعالجة هذا التحدي الهائل على المدى الطويل، فهي التعليم الرسمي منذ الحضانة إلى الجامعة، والتي وقعت اليوم في عوزٍ؛ سببه عجز الطبقة السياسية وافتقادها الكفاءة. وفي جولته الخاطفة لضاحية لونيل الباريسية التي تحولت لوقت قصير إلى "عاصمة للجهادية الفرنسية" في عام 2014، احتفظ كيبيل كما يقول، بصورة مكان واحد، حيث تعيش كل تشكيلات المدينة في "صداقة" تتيح لها، عبر العمل والقيم المشتركة، تخطي التفكير الطائفي والمجموعتي الضيق، هذا المكان هو المدرسة. ويأمل الكتاب أن يكون قد نجح في تقديم البراهين، على أنه من الضروري في مضمار مكافحة التطرف والإرهاب أن توضع السياسات العامة، ويفتح النقاش الوطني العام بالاعتماد على المعارف التي لا تزال تنتجها الجامعات الفرنسية.

كغيره من المثقفين والفلاسفة أمثال ألان فنكلكرو وجان كالافاني وأريك زمور وكارولين هوارست، وقع الكاتب في بعض المغالطات والأخطاء الشائعة، عندما يؤكد مثلا أن مصطلح الإسلاموفوبيا ابتدعه الملالي الإيرانيون في عام 1979 ضد النساء المسلمات اللواتي يرفضن ارتداء الحجاب، قبل أن يعود إلى الانتشار مع قضية سلمان رشدي. لكن الحقيقة أن هذه المفردة ولدت في عام 1910 على يد ألان كيليان2في كتابه "السياسة المسلمة لفرنسا في أفريقيا الغربية". كذلك ربما كان على الكاتب التعمق أكثر في دراسة التوازي ما بين الظاهرتين الإسلامية الجهادية واليمينية الشعبوية المتطرفة التي تجتاح في هذه الأيام أوروبا كلها ولا تقف عند الحدود الفرنسية. ولكن على الرغم من بعض المآخذ يبقى الكتاب ضروريًا لمن يريد فهم مسار تطور الظاهرة الجهادية، وبتوسع الإسلام الراديكالي في فرنسا.

المراجع

Quellien, Alain. La politique musulmane dans l'Afrique occidentale franc aise. ֊ Paris: Émile Larose, 1910. Kepel, Gilles. Les banlieues de l'islam: Naissance d'une religion en France. Paris: Ed du Seuil, 1987.