الإرهاب: بموجب هوية الفاعل أم بموجب هوية الضحية؟
What Defines Terrorism? The Identity of the Victim or that of the Victimizer?
الملخّص
يعالج هذا المقال جملة الإشكاليات المتعلقة بمفهوم "الإرهاب"، بدءًا من تعريفاته اللفظية والإجرائية، وسياقات نشأتها وتبلورها في العصر الحديث، مرورًا بالاستخدام الأداتي للمصطلح وتوظيفاته الراهنة، وأثر ذلك في تهميش قضايا الديمقراطية والعدالة والتحرر بعد أن دخلت السياسة الدولية في حلقة مفرغة ما بين "الإرهاب" و"مكافحة الإرهاب." ويحاجّ المقال بأن تعريفات "الإرهاب" الرسمية المعاصرة تحمل في طياتها خللًا منطقيًا، لكونها تركز على هوية الفاعل (من غير الدول)، وليس على هوية الضحية. وبموجبها، يُعد العنف ضد المدنيين وغير المدنيين لأهداف سياسية إرهابًا إذا كان مرتكبُه فردًا أو مجموعة أفراد، أو تنظيمًا من خارج مؤسسات الدولة. وهكذا، تختفي الحدود التمييزية الفاصلة بين الإرهاب، وحركات التحرر، والمقاومة ضد الاحتلال، والكفاح في مواجهة عنف الدولة ضد المدنيين. ويخلص المقال إلى أن الاستعمال الأداتي ل "الإرهاب" يُلحق ضررًا بالحرب على الإرهاب؛ لأنه يربكها، بتضخيم أعداد الإرهابيين، وتشويش الحدود بين الإرهابي وغير الإرهابي.
Abstract
This paper addresses problematic aspects of the concept of "terrorism" from within its present-day setting, exploring the futile conflict between "terrorism" and "counter-terrorism" which has been utilized to marginalize the discourse on democracy, justice and national liberation. The paper argues that the categorization of an event as a terrorist act based on the identity of the perpetrator, and regardless of the victims, leads to a logical fallacy. One consequence of categorizing all armed acts by non-state actors as "terrorist" is the erosion of distinctions between terrorist acts and acts of national liberation, resistance to foreign occupation and armed opposition to state violence against civilians. One conclusion of the paper is that blurring the distinctions between terrorist and legitimate acts is counterproductive to the war on terror.
- الإرهاب
- مكافحة الإرهاب
- الحرب على الإرهاب
- حركات المقاومة
- الولايات المتحدة.
- Terrorism
- Counterterrorism
- War on Terror
- Resistance Movements
- the United States
تقسيم العالم إلى فسطاطين
لا يحتاج تبيين مدى شيوع مصطلحَي "الإرهاب" و"مكافحة الإرهاب" إلى إجراء مسح إحصائي؛ فحضورهما طاغٍ يفرض نفسه على حياة الناس اليومية المعاصرة، ولا تكاد تخلو منهما نشرة إخبارية أو بيان مشترك بين قادة الدول. وقد جعلت بعض الدول مسألة مكافحة الإرهاب على رأس سلّم أولوياتها وأجنداتها المعلنة، ومعيارًا تحدّد بموجبه علاقاتها بالدول الأخرى، أو هكذا تزعم على الأقل. كما أصبح الموضوع حاضرًا بقوة في التنافس الحزبي والدعاية الانتخابية والديماغوغيا المتضمنة فيها في الدول الديمقراطية، وفي الديماغوغيا التبريرية للقمع في الدول المحكومة بأنظمة استبدادية. إنّ الوجه الآخر للتسليم بالمصطلحات الشائعة غير المدققة هو استخدامها أداتيًا؛ وفي حالة مصطلح "الإرهاب" يجري توسّله في السياسة بدمغ المعارضين الخصوم، دولً وحركاتٍ، به؛ وذلك بغرض عزلهم والتخلص منهم، إذ كاد الإرهاب يصبح كلمة سحريةً تلُقى مثل تعويذة أو لعنة، أو مثل حجاب يكتبه المشعوذ بناءً على طلبٍ لمسخ خصم أو نبذه. وفي هذه الحالة يتوقع أن يحوّله هدفًا ل "الحرب على الإرهاب"، وهي حرب متواصلة لا تُعرف لها حدود جغرافية أو زمنية. ويستعاض عن وضع أهداف محددة لها بشعار عام هو "القضاء على الإرهاب". وقد بلغ الضغط الناجم عن التلويح بتهمة "الإرهاب" أنّ الحركات والدول لم تعد تسعى إلى تدقيق المصطلح وتبيين غموضه وسهولة استخدامه سياسيًا، ولا إلى مناقشة جذوره، بقدر ما تجتهد لتثبت أنها تحاربه بموجب المعايير التي تضعها قائدة الحرب على الإرهاب، ألا وهي الولايات المتحدة الأميركية، التي حولت مكافحة الإرهاب وفرضياتها وأساطيرها وعدتها المصطلحية الأداتية إلى ما يشبه الأيديولوجية. وتتجلّ أهم إشكاليات "الحرب على الإرهاب" في عدم محدوديتها بالزمان والمكان وفي غموض ملامح العدو، وعدم تحديده. وهذا ما ينسف الأساس لاستخدام مصطلح "الحرب" أصلً. ولكن ربابنة الحرب على الإرهاب يستعيرونه، ولا يأخذونه بجدية في الوقت ذاته، فهم لا يخضعون هذه "الحرب" لقوانين الحرب المعروفة مثل تحديد العدو الذي تحاربه والذي يناقض القصف العشوائي للمدن، ومعاملة المعتقلين كأسرى حرب، إذ يعامل المعتقلون في سياق الحرب على الإرهاب باعتبارهم أدنى مرتبةً حتى من المجرمين الجنائيين العاديين. ولا تقتصر إشكاليات هذه الحرب على ذلك، بل إنها تواجه معضلة حقيقية في أنها تولّد نقيضها، أي الإرهاب، فهي تقضي على إرهابيين وتفرّخُ غيرهم باستمرار، وكأنها توجد بذاتها مبررات استمرارها. ينقسم العالم من منظور السياسيين المنشغلين بالإرهاب بوصفه موضوعًا قائمًا بذاته على رأس أجنداتهم، وكذلك بموجب خطاب إعلامييهم، إلى فسطاطيَن أحدهما للخير والآخر للشر، كما في حالة الأصوليات على أنواعها. يتألف الأول ممن يعتبرونهم إرهابيين، سواء أكانوا مجرمين أم مناضلين، قتلة أم معارضين سياسيين؛ فأداتية الإرهاب السياسية كفيلة بجمع هذا الخليط تحت مسمى الإرهاب. أما الفسطاط الثاني فيضم مكافحي الإرهاب، وهو يجمع الديكتاتوريات التي تعلن أن معارضيها إرهابيون، وحكومات الدول التي تحتل أراضي الآخرين وتعتبر مقاومة الاحتلال إرهابًا، وقادة المليشيات على أنواعها، كما يضم الديمقراطيين والبرلمانات الديمقراطية التي تكافح الإرهاب والحكومات التي تتعرض بلادها فعلً لعمليات قتل المدنيين لأهداف سياسية. والزجّ بطرف في المعسكر الأول ليس رهنًا بكونه إرهابيًا، وقبول طرف آخر في صالونات مناهضي الإرهاب ليس مرتبطًا بكونه يحارب الإرهاب فعلً، بل بالمصالح والتموضع في التحالفات الدولية والإقليمية.
يتجلّ التناقض الكامن في عملية تقسيم العالم إلى معسكرين، بموجب أداتية مصطلحَي "الإرهاب" و"مكافحة الإرهاب"، في أن هذا التقسيم نفسه لا يتم بموجبهما، بل بموجب اعتبارات سياسية ومصلحية. ومن ثم فهو لا يفيد في حصر الإرهاب وتحديده مقدمة لمحاصرته ومكافحته، بل يعقّد هذه المهمة أكثر. أمّا أهم أثر لتقسيم العالم بموجب مصطلح "الإرهاب"، بغض النظر عن تعريفه، فهو تهميش قضايا الديمقراطية والعدالة والتحرر، لأن الشعوب والدول والمجتمع ومؤسساته يفترض بموجب ثقافة مكافحة الإرهاب أن تكون منشغلة بالإرهاب الذي يُصوّر بموجب هذا التقسيم كأنه تهديد وجودي، وأن تهدف مكافحته إلى تأمين الحياة ونمط الحياة (في حالة الدول المتقدمة)، وهذا سابق على الحريات والديمقراطية، والمسائل المتعلقة بالنظام في الدول الأخرى. فالانقسام بين غني وفقير، ومستعمِر ومستعمَر، ومستغِل ومستغَل، وبين الدكتاتوريات والشعوب التي تعاني تحت وطأتها، وبين الفساد والاستبداد وضحاياهما، يُخلي مكانه لانقسام مصطنع يهدف الجهد لجعله انقسامًا سائدًا وحيدًا إلى تهميش هذه التمايزات وطمسها. وقد جسد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرًا في تصريحاته هذا التجرد من القيم والموقف الأخلاقي حين صرّح بتاريخ 21 حزيران/ يونيو 2017 في مقابلةٍ له أنّ "الأسد
عدو للشعب السوري، لكن ليس عدوًا لفرنسا"1؛ بمعنى أنه لا يقوم بعمليات إرهابية في المدن الفرنسية خلافًا لتنظيمات إسلامية متطرفة مثل داعش. والتصريح هذا شعبوي لأنه يدرك أنّ معاناة الشعب السوري لا تهم مصوّتيه، إذ تتضاءل آلام ملايين السوريين في أعينهم في مقابل عمليات إرهاب عشوائية تقتل أفرادًا في شوارع فرنسا وتنغص حياة الفرنسيين بنشرها الشعور بانعدام الأمان. ولا تكمن الشعبوية فقط في التخلي عن الأخلاق في السياسة، بل أيضًا في التجاهل المقصود للربط العقلاني البراغماتي بين معاناة الشعوب الأخرى ونشوء الظواهر الإرهابية، وأهميته في مكافحتها. هذا الانشغال الاستحواذي بالإرهاب وتقسيم العالم بموجبه إلى فسطاطين هو في الحقيقة ظاهرة جديدة، ومثله جمعُ أنماط مختلفة جدًا من العنف تحت هذه التسمية. والأدهى أنّ جريمة العنف الموجه ضد المدنيين والمرافق المدنية والعمومية بدوافع سياسية ولأهداف سياسية (وهو في هذا المقال تعريفنا الشامل للإرهاب والذي يحدّده ويميزه من ظواهر العنف الأخرى في الوقت ذاته) قائمة فعلً، ولكن منذ أن أ علِنت الحرب الكونية على الإرهابُ تضاعفت الظاهرة ولم تنقص، وانتشرت ولم تنحسر. لقد دخلت السياسة الدولية في حلقة مفرغة من الإرهاب ومكافحة الإرهاب. ومنذ أن غدت مكافحة الإرهاب، والحرب على الإرهاب، عنوانًا لعقيدة سياسية في العلاقات الخارجية أو تسميةً لمبدأ في السياسة الخارجية لدولة عظمى كالولايات المتحدة، خصوصًا منذ تفجيرات نيويورك الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، ما انفكّت الظواهر التي يطلق عليها اسم "الإرهاب" تزداد انتشارًا، وتترسخ معها سطوة عقيدة مكافحة الإرهاب على السياسات الداخلية والخارجية للدول، بحيث أحدثت تغييراتٍ جذريةً يلمسها الإنسان العادي في حياته اليومية. كما تطوّرت تكنولوجيات كاملة لتجيب عن حاجات مكافحة الإرهاب والحرب عليه. وأصبحت كل الدول في العالم أكثر بوليسية مما كانت عليه، وحياةُ الناس الخاصّة أكثر عرضةً لتدخل مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن ورقابتها، والمطارات والفنادق والساحات العامّة تبدو مختلفةً عما كانت عليه قبل عشرين عامًا. وكذلك الرقابة على اللغة وحرية التعبير، ما المسموح أن يُقال؟ وما غير المسموح؟ وما الذي يعتبر تحريضًا على الإرهاب2؟ هل يمكننا التفكير عقلانيًا في ظاهرة بهذا الحجم، تعرَّضت لهذا القدر من التسييس، وتشغل الناس إلى هذه الدرجة؟ وهل يمكننا معالجتها خارج ردود الفعل الانطباعية المتأثرة بالمشهد والصورة والإثارة، أو تلك التحزبية والعصبية التي تميز الانشغال السياسي بما هو راهن؟
Terrorism والإرهاب Terror الإرهاب
ليس اللفظ نفسه جديدًا ولا استخدامه في السياسة طارئًا مستجدًا. فإذا حذفنا اللاحقة ism منTerrorism وبقينا مع Terror، سنجد أنّ هذا اللفظ (terreur La) قد استخدم في وصف اليعاقبة الفرنسيين بأنفسهم للسياسة التي اتبعوها في قمع من اعتبروهم أعداء الثورة وعملاء النظام القديم، حتى سُميت مرحلتهم "عهد الإرهاب." وفي خطاب أمام المؤتمر الوطني الفرنسي المتشكل بعد الثورة الفرنسية عام 1789 بعنوان "مبادئ الأخلاق السياسية"، ألقاه ماكسميليان روبسبير 1758) - (1794 Robespierre Maximilien، في 5 شباط/ فبراير 1794، قال موضحًا العلاقة بين الفضيلة والعنف الثوري الموجّه إلى أعداء الثورة: "إذا كان ربيع الحكومة الشعبية وقت السلام هو الفضيلة، فإن ربيع الحكومة الشعبية وقت الثورة هو في الوقت نفسه الفضيلة والإرهاب: الفضيلة التي بغيرها يكون الإرهاب مميتًا، والإرهاب الذي بغيره تكون الفضيلة عاجزة. ليس الإرهاب سوى العدالة عاجلةً صارمةً حازمةً. ومن ثمّ فهو انبثاق عن الفضيلة؛ إنه ليس مبدأ خاصًا بقدر ما هو ناجم عن المبدأ العام للديمقراطية مطبقًا على أشد احتياجات بلادنا إلحاحًا"3. كان هدف سياسة العنف الثوري ضد أعداء الثورة والملكيين هو حماية الديمقراطية، بمعنى حكم الشعب المؤلف في غالبيته من الفقراء، وذلك بتكثيف العدالة وفرضها بالفعل. والإرهاب هنا هو حرفيًا تمكين الفضيلة ومنحها أدوات لكي تهزم الرذيلة التي مثّلها النظام القديم، إنه تخويف بهدف الردع؛ أي تخويف أعداء الثورة، من الطبقات القديمة وعملائها، لردعهم عن الإقدام على محاولة العودة بفرنسا إلى عهد ما قبل الثورة، واستعادة امتيازات الإقطاع والإكليروس ورجالات الحكم الملكي. وقد ألحق هذا العنف الثوري حين تفاقم من دون ضبط ورقابة واعتبار لحقوق الإنسان ضررًا كبيرًا بالجمهورية؛ إذ ناقض أهداف الثورة وإعلانها الأصلي، وسرعان ما انقلب إلى داخله بتصفية كل تيار لخصومه داخل معسكر اليعاقبة نفسه. ومهد الطريق أمام عودة الملكية في مراحل معروفة ليس هنا المجال لمناقشتها. ولم تستعد الجمهورية عافيتها إلا بعد مرور ثمانية عقود.
وقد استَخدم هذا المصطلح نفسه لاحقًا مؤسّس المخابرات السوفياتية في عهد لينين فيلكس دزيرجينسكي (1926–1877) Dzerzhinsky Felix الذي صرح قائلً: "إننا نمثل في أنفسنا إرهابًا منظمً، وهذا يجب أن يقال بوضوح تام"4. وفصّل في موضع آخر أنّ الإرهاب الأحمر يشتمل على "إرهاب واعتقال وإبادة لأعداء الثورة على أساس انتمائهم الطبقي أو أدوارهم ما قبل الثورة"5. لقد كانت السياسة المعلنة لجهاز الأمن الذي أسّ سه البلاشفة بعد الثورة إرهاب أعداء الثورة وكبح جماح الثورة المضادّة، والحفاظ على منجزات الثورة البلشفية. الإرهاب في الحالتين المذكورتين هو لفظ يستخدم بمعناه الأصلي (التخويف والترويع) للدلالة على ممارسة دلالته هذه من طرف ثوريين يهدفون إلى ضبط المجتمع وتنظيمه؛ بموجب تصورهم الأيديولوجي للعدالة، ولكنه ليس مصطلحًا أيديولوجيًا قائمًا بذاته. وقد اندرجت هذه الممارسة ضمن سياسة دولة رسمية معلنة صراحة،ً ومن دون نفاق. ونعتقد أنّ الدول الحديثة جميعها تبنّت بدرجات مختلفة سياسة الردع والتخويف بالمعنى الحرفي للفظ الإرهاب ضد المعارضين ولا سيما من يمكن أن يخططوا لقلب نظام الحكم. وسياسة الإرهاب هذه تتفاوت في النوع والدرجة بين الأنظمة الشمولية ودول الطغيان والاستبداد السلطوية نفسها، وكذلك فيما بينها وبين الدول الديمقراطية التي طورت آليات رقابة على استخدام الدولة العنف. ولكن ليس هذا المقصود بالاستخدام المعاصر لمصطلح Terrorism؛ فإضافةism في آخر الكلمة تحوّل اللفظ إلى تسمية لظاهرة قائمة بذاتها، ومن ثم مصطلح يلزمه تعريف، ولم تعد تكفيه دلالة اللفظ الأصلية. وعمومًا، يعود المؤرخون في محاولتهم تقصي جذور الظاهرة المقصودة بمصطلحTerrorism تحديدًا إلى ممارسات الحركات الثورية الاشتراكية الشعبية والفوضوية في القرن التاسع عشر، أولً في روسيا القيصرية ثمّ في أوروبا، والتي كانت تستهدف أشخاصًا معينين في جهاز الدولة6؛ مثل حالة اغتيال القيصر ألكسندر الثاني بواسطة قنبلة ألقاها عضو من منظمة "نارودنايا فوليا" الثورية Narodanya Volya، المعروفة بالعربية ب "إرادة شعب"، في 13 آذار/ مارس 1881، أو مهاجمة أجهزة أمنية، أو معاقبة قادة شرطة ارتكبوا أعمال قتل أو تعذيب، أو المسؤولين عن سياساتٍ بعينها. فقد عرّفت تلك المنظمة العنف الذي تمارسه في عام 1879 على أنه: "تدمير موظفي الحكومة الأكثر تسببًا بالأذى [...] والهدف من هذا النشاط هو كسر هيبة الحكومة، وتقديم دليل مستمر على إمكانية متابعة النضال ضد الحكومة، لرفع الروح الثورية لدى الشعب بهذه الطريقة"7. يقوم هذا التعريف الدقيق لممارسة العنف من طرف حركة تعتمده هي ذاتها وسيلةً نضالية على محورين: تحديد من يستهدفهم العنف بموظفي الدولة الذين ارتكبوا بأنفسهم عنفًا أو أمروا به. الفائدة التي يجنيها النضال ضد الحكومة عبر تأمين استمراريته ورفع معنويات الشعب بإظهار أنّ الحكومة ليست محصنة أو كلية القدرة. وقد رأت هذه الحركات أنّ هذه الأعمال عادلة ومحقّة وحتى مناقبية، لأنّها تحقّق العدالة بمعاقبة مجرمين، وتردع ساسة آخرين من القيام بمثل أعمالهم، وتوفّر بهذا آلاف الضحايا الآخرين؛ أي إنّه عنفٌ هدفُه منعُ عنفٍ أكبر يسقط فيه ضحايا أكثر. ولذلك فقد حددت الهدف وابتعدت عن قتل الأبرياء، كما أكدت مناقبية من يقومون بها وفضائلهم لتمييزها من أعمال الإجرام والتخريب العبثي. وفي المرحلة ذاتها، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، نشط تيار آخر في روسيا وشرق أوروبا وجنوبها خاصة،ً تمثّل في الحركات الأناركيّة (الفوضوية) المناهضة لمؤسسات الدولة الحديثة، باعتبار هذه المؤسسات أصل الشر الاجتماعي والسياسي. ويهدف هذا التيار في ممارسته الإرهاب إلى كشف عجز الدولة، وذلك بإحداث حالة من عدم الاستقرار. لقد تراجع هذا النوع من العنف وانحسر بعد الحرب العالمية الثانية، مع تحول الدول الحديثة جميعها بمعنى ما إلى "دول بوليسية" من حيث قدرتها على ضبط الأمن والنظام، وكذلك مع ازدياد قدرتها على دمج الفئات الاجتماعية في الدولة؛ عبر مستوى المعيشة والخدمات والعملية الديمقراطية في حالة الدول الديمقراطية. وأصبح مقصورًا على حركات يساريّة متطرفة في أوروبا كما في حالة الكتائب الحمراء الإيطالية، والجيش الأحمر الياباني، وفصيل الجيش الأحمر في ألمانيا المسمى جماعة "بدر ماينهوف" وجماعة "أكسيون ديركت" في فرنسا. وهي الحركات التي واجهتها الدول الغربية المتطورة في السبعينيات والثمانينيات بعد انحسار الحراك الشبابي الطلابي في الستينيات من القرن الماضي، والذي اعتبر ثورة ثقافية أحدثت تغييرات مهمة في المجتمعات والدول الغربية المتقدمة.
لكن قبل ذلك حصل تطور مهم جديد في التاريخ العالمي وهو نشوء حركات التحرر ضد الاستعمار. لقد انتقلت تسمية الإرهاب عمومًا إلى حركات المقاومة ضد الاحتلال التي قامت بعمليات مسلّحة ضد الجيوش الاستعمارية أو المستوطنين ومرافقهم المدنية أو العسكرية في آسيا وأفريقيا. فجرت مطابقة مقصودة بين الإرهاب وحركات التحرّر والمقاومة ضدّ الاحتلال الأوروبي، وفي المقابل فإن الأوروبيين أنفسهم لم يُسمّوا حركات المقاومة الأوروبية (ولا سيما الفرنسية والصربية وغيرها) ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية إرهابًا. ومن ناحية أخرى، وُجِد دائمًا تيارٌ ديمقراطي واسع في الغرب، مناهض للاستعمار، يسمي حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا باسمِها، أي حركات تحرّر وحركات مقاومة، سواء انتقد بعض الأعمال التي قامت بها ضد المدنيين الأبرياء أو لم ينتقدها. كما أن أوساطًا راديكالية في هذا التيار نظرت إلى الصراع مع الواقعين تحت الاحتلال بوصفه حالة حرب يسقط فيها مدنيون، لأن ضحايا الاستعمار هم أيضًا مدنيون أبرياء. وثمّة استثناءات اعتبُرت فيها حركات استيطانية استعمارية حركات إرهابية، وسميت كذلك من طرف المستعمِرين أنفسهم، وأبرزها حركات الإيتسل والليحي الصهيونية في فلسطين، التي اعتبرها الإنكليز إرهابية. وهي التي بدأت أوّل عمليات التفجير ضدّ المدنيين كما في تفجيرات الأسواق في القدس في تموز/ يوليو 1938، وتفجير فندق الملك داوود في القدس في 2 تموز/ يوليو 1946. كما شملت عمليات الحركات الصهيونية المتطرفة ضد الإنكليز اغتيال اللورد موينThe Lord Moyne Walter Edward Guinness في القاهرة في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1944، واغتيالهم الكونت فولك برنادوت Bernadotte Folke Count في فلسطين في 6 أيلول/ سبتمبر.1948 وقتلت العصابات الصهيونية رهائن بريطانيين في ناتانيا وفجّرت سيارة مفخخة في بلدة صرفند في 5 شباط/ فبراير 1946 وقامت بعملية تفجير للسفارة البريطانية في روما في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1946 بحقائب مفخخة. لقد استخدمت هذه الأساليب قبل أن يفطن إليها الفلسطينيون. وقد أصبح عددٌ من قادة هذه الحركات المتطرفة رؤساء وزراء، مثل مناحيم بيغن وإسحق شامير، ونواب برلمان كما هو الشأن في حالة جئولا كوهين. سُمِّيت هذه العمليات إرهابًا من طرف المستعمِرين أنفسهم، فقد كان عنفها خارجًا عن سيطرة الجهاز الاستعماري. أمّا إرهاب البريطانيين للسكان الآمنين، أو ما قامت به منظمات التيار الرئيس في الصهيونية، مثل الهاغانا، من طرد للسكان بعد ارتكاب مذابح، فلم يسمَّيا إرهابًا، إذا عُدّا غالبًا عنفًا مشروعًا لفرض النظام، أو مبررًا في إطار أعمال قتالية، أو ردة فعل على عنف الواقعين تحت الاحتلال.
تعريف الإرهاب: الضحايا هم المدنيون أم الفاعلون؟
استخدم سانت أوغسطين (في بداية القرن الخامس الميلادي؛ تحديدًا في عام 426 ميلادي) مثالً تصويريًا عن حوار مفترض دار بين الإسكندر الأكبر وقرصانٍ أسَته قواته، وذلك في الفصل الرابع من الكتاب الرابع من مؤلفه الكبير مدينة الله، وعنوانه الدال: "الممالك من دون عدالة تشبه عصابات اللصوص". ويؤكد فيه أنّ تسمية الكيانات "ممالك" لا تعني أنها لا تقوم بالسطو المسلح مدفوعة بالجشع الذي يجمعها بالعصابات، وأنّ العدالة هي التي تميزها من عصابات اللصوص. ونضيف أنه في غياب العدالة يصبح ما يميزها من العصابات استثناؤها من الحكم الأخلاقي. إنها تمنح حصانة من الحكم الأخلاقي، كما أنها لا تخضع لسيادة القانون الذي تطبقه. فالممالك تقتل وتسطو على أموال الآخرين، ولكنها لا تعتبر عصابات لصوص لأنها ممالك، وهذا اللقب يمنحها حصانة لا يمتلكها المجرمون. وبعد تأسيس أوغسطين لهذا التشبيه، يضع الحوار التالي بين القرصان والإسكندر: "يقول الإسكندر: ماذا تقصد بالسطو في عرض البحر؟ وكيف تجرؤ على ذلك؟ فيجيبه القرصان: أنا أفعل ما تفعله أنت حين تسطو على العالم كلّه، ولكن لأنّ أقوم بذلك مستخدمًا سفينة صغيرة أسمّى لصًا، أما أنت فلأنّك تفعل ذلك بأسطول كبير تسمى إمبراطورًا"8. إن ما يميز ممارسات الدولة بحسب أوغسطين هو ليس أخلاقيتها مقارنةً بعصابات المجرمين، بل إنها توضع فوق القانون. هذا التشبيه مليء بالمعاني، ويفسر تبرئة الدول من جريمة الإرهاب (لو كان تعريف الإرهاب قائمًا على استهداف المدنيين والمرافق العمومية لغايات وأغراض سياسية) أيضًا لأنّها دول. تاريخيًا، احتُفظ بوسم الإرهاب في وصف استخدام العنف خارج سياق المؤسسة الحاكمة، أو من دون إذنها. ففي بدايات القرن الماضي، أثارت حادثة اغتيال الملك اليوغسلافي ألكسندر الأول ومقتل وزير خارجية فرنسا لويس بارتو Barthou Louis، أثناء زيارة رسمية كان يقوم بها الأول في مرسيليا بفرنسا عام 1934 من طرف انفصاليين كرواتيين ويوغسلافيين، ردود فعل عنيفة في أوروبا، وقدمت الحكومة اليوغسلافية احتجاجًا لعصبة الأمم مطالبة بإجراء تحقيق عاجل، كما تقدمت الحكومة الفرنسية إلى العصبة
بمذكرة حول اتفاقية دولية لمكافحة الجرائم التي ترتكب بهدف تحقيق أغراض سياسية، أو للإرهاب. وعلى إثر ذلك، عُقد مؤتمر دولي في جنيف عام 1937 توصل فيه المشاركون إلى صياغة اتفاقية دولية لمنع الإرهاب الدولي، إذ عرّفت الإرهاب على أنه: "جميع الأفعال الإجرامية الموجهة ضد الدولة، ويُقصد منها أو يُراد بها خلق حالة من الرعب في أذهان أشخاص معينين، أو مجموعة من الأشخاص أو عموم الناس"9. كانت هذه أول محاولة في تعريف الإرهاب بموجب الفاعل، أي بكون الفاعل غير رسمي، وبأنه يرتكب عنفًا سياسيًا خارج احتكار الدولة للعنف. وتنبع سياسيته من أنه عنف موجه ضد الدولة، أما وصفه بالإرهاب فمبرر بدلالة اللفظ، إذ إنّ وسيلته في تحقيق أهدافه ضد الدولة هي خلق حالة من الرعب عند الناس.
وما زال كثير من تعريفات الإرهاب "الأكاديمية" تبدأ بوصفه عنفًا سياسيًا غير منظمٍ بقانون. فيُعرّف بروس هوفمان10 الإرهاب مثل على أنه: "سياسي لا محالة في أهدافه ودوافعه [...] تقوم به منظمة ذات سلسلة قيادة محددة أو هيكلية خلايا تآمرية (ولا يرتدي أعضاؤها أي زي رسمي أو شارة محددة)، وتُنفذ أعمالها جماعة دون الوطنية أو كيان غير حكومي"11. لا يميز الباحث في تعريفه هذا بيان العنف ضد الاحتلال، والعنف غير الشرعي داخل دولة، كما أنه لا يعتبر عمل الأفراد السياسي العنيف ضد المدنيين إرهابًا. فالإرهاب عنده يساوي المنظمات الإرهابية. وفي ستينيات القرن الماضي وسبعينياته استُخدم مصطلح "الإرهاب" في وصف أعمال عنف سياسي غير منظّم بقانون، أي خارج إطار مؤسسات الدولة، تقوم به حركات يسارية متطرفة أو يمينية متطرفة، أو حركات انفصالية مثل الباسك والجيش الجمهوري في إيرلندا الشمالية، أو مؤخرًا في حالة الحركات الدينية. ففي عام 1976، عرّف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركيFBI الإرهاب على أنه "الاستخدام غير القانوني للقوة أو العنف ضدّ أشخاص أو ممتلكات لغرض ترهيب أو إرغام الحكومة أو الشعب أو أي شريحة أخرى للدفع بأهداف سياسية أو اجتماعية وتعزيزها"12. وهو التعريف ذاته الذي تبنته وكالة حلف شمال الأطلسي NATO في عام 2003 مع إضافة التهديد بالعنف، وليس العنف فقط، وكذلك إضافة الأهداف "الدينية أو الأيديولوجية" إلى الأهداف السياسية، بدلً من "الاجتماعية"13. في الولايات المتحدة التي ظلّت بعيدة عن حركتَي اليمين واليسار الأوروبيتين، نشأت حركات عنصرية ودينية متطرفة قامت بأعمال عنف مدفوعة سياسيًّا، مثل تفجير أوكلاهوما بتاريخ 19 نيسان/ أبريل 1995؛ حيث قام تيموثي ماكفي McVeigh Timothy الجندي السابق في الجيش الأم كيرر وعضو في مليشيات يمينية متشددة بمساعدة من تيري نيكولزTerry Nichols بتفجير كبير في مركز مدينة أوكلاهوما في الولايات المتحدة الأميركية، وأسفر الانفجار عن مقتل أكثر من 160 شخصًا وتهديم العشرات من المباني14، باستثناء - ربما - حالة حركة تحرير بورتوريكو التي قامت ببعض أعمال التفجير في محلات تجارية في نيويورك وغيرها، وذلك في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي حتى عام 198015. وفي أوروبا، شهدت العاصمة النرويجية عام 2011 هجمات إرهابية نفذها النرويجي أندرس بهيرنغ بريفيكAnders Behring Breivik الذي ينتمي إلى تيار قومي يميني متطرف يكره الإسلام. وأودت هذه الهجمات بحياة أكثر من 90 شخصًا فضلً عن عشرات الجرحى16. ولم تتردد السلطات في النرويج والولايات المتحدة في اعتبار هذه عمليات إرهابية، بغض النظر عن هوية مرتكبها؛ فهي عمليات عنف قام بها فاعل غير رسمي بدافع أيديولوجي أو سياسي.
ولكن يتواصل في الإعلام والفضاء العمومي نقاش مهم وجوهري؛ فهل المقصود بالإرهاب تلك العمليات العنيفة ضد المدنيين والمرافق المدنية لأهداف سياسية؟ أم أيضًا تلك العمليات التي تستهدف أجهزة الأمن والشرطة والجيش؟ وهذا التمييز يتعلق بهويّة الضحيّة. فهل يفترض أن تكون الضحية مؤلفة من المدنيين ليعتبر العمل العنيف إرهابيًا؟ أم يشمل ذلك الجيش ورجال الأمن والشرطة؟ تعتبر الدول عمليات العنف ضد أجهزة الأمن والجيش إرهابًا، بل هذا أصل أول تعريفاتها الرسمية للإرهاب كما بينّا باعتباره عنفًا موجهًا ضد الدولة. ولكن في هذه الحالة تصبح حركات التحرر كلها إرهابية، وكذلك الحركات السياسية التي تقاوم عنف الديكتاتورية بالعنف الموجه ضد الجيش وأجهزة الأمن، وذلك بعد أن انسدّت في وجهها سبل التغيير الأخرى. وهكذا يختلط العنف العشوائي ضد المدنيين بالعمليات القتالية المنظمة الموجهة ضد جهاز دولة محتل أو قمعي يقوم بنفسه بعمليات عنف. الفرق السياسي واضح للعيان، وكذلك الهدف الأيديولوجي من طمسه. والحقيقة أنّ ثمة فرقًا مبدئيًا قيميًا بين العنف الموجه ضد الجيش وأجهزة الأمن من جهة، وذلك الذي يستهدف المدنيين. ولا نقصد الفرق بين حياة وأخرى، وإنسان وآخر، فلحياة البشر القيمة ذاتها، بل نقصد الفرق بين استهداف إنسان مدني مصادفةً واستهداف إنسان آخر بسبب الوظيفة التي يقوم بها وتمثيله لجهاز الدولة القمعي، ما يمكن فهمه كعمل دفاعي في حالات عنف الاحتلال وعنف الطغيان. هذا إضافةً إلى أنّ الجندي أو رجل الأمن هو مقاتل، ومن ثم فهو معرّض للأذى في حالات الصراع. ولا شك في أنّ قتل رجال الأمن يعتبر جريمة في حالات كثيرة ليس القتل فيها مبررًا؛ ولكننا نتحدث هنا عن الإرهاب بهدف تحديده، وليس عن مدى فداحة الجريمة، ولا عن القتل عمومًا. وكما بينّا، يدور نقاش حول تعريف آخر للإرهاب يعتمد على هويّة الفاعل، فيعتبر العنف ضد المدنيين وغير المدنيين لأهداف سياسية إرهابًا إذا كان مرتكبُه فردًا أو مجموعة أفراد، أو تنظيم من خارج مؤسسات الدولة. أمّا إذا قامت أجهزة الأمن أو الجيش بأعمال عنف وقتل ضد المدنيين بهدف الترويع لغايات سياسية، فلا يعتبر هذا الفعل إرهابًا. في حين يشمل موقفٌ أكثر نقدية أعمال أجهزة الدولة والأمن في تعريف الإرهاب، لا سيمّا إذا كان استهدافها المدنيين مقصودًا. فمثلً يحصر بريان كروزييه17 (2012-1918) الإرهاب في المتمردين على الدولة، ويضيف إليه التهديد باستخدام العنف، إذ يُعرّفه بأنه "العنف، أو التهديد باستخدام العنف، لأغراض سياسية، الذي يمارسه المتمردون أو خصومهم كسلاح. وفي الحالة الثانية [أي عنف خصوم المتمردين على الدولة]، يصبح ذلك الفعل مكافحة الإرهاب"18. وعرّفت وزارة الخارجية الأميركية في عام 1999 الإرهاب على أنه "عنف مُتعمد بدوافع سياسية ضد أهداف غير مقاتلة من طرف المجموعات دون الوطنية أو عملاء سري"19. وعرّف الاتحاد الأوروبي الإرهاب في عام 2001 على أنه "الجرائم التي يرتكبها فرد أو جماعة عمدًا ضد دولة أو أكثر، أو ضد مؤسساتها أو شعبها، بهدف التخويف أو بهدف تغيير جدّي للنظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لبلد ما أو تدميره"20. تنطلق التعريفات الرسمية المعاصرة التي تقدمها القوانين والمواثيق، إذًا، من هوية الفاعل وليس من هوية الضحية؛ أي إنّ المهم أنّ من يقوم بالقتل مدني وليس أن الضحية هو مدني، وهذا عكس ما يُظَن عادةً لأول وهلة حين نسمع مصطلح "الإرهاب"، وعكس المنطق أيضًا. فالإرهاب بالنسبة إلى هذه التعريفات عنف خارج القانون، تقوم به جماعات أو أفراد من خارج الدولة، سواء أكان موجهًا ضد مدنيين أم عسكريين. وثمة تمييز آخر يتعلق بوجود نية مبيتة أو قصد؛ أي إرادة الاستهداف الواعية. فغالبًا ما تقوم الدولة بشرح الفرق الأخلاقي المهم بينها وبين المنظمات الإرهابية في أنه في حالة سقوط مدنيين ضحايا لممارساتها القتالية لا يكون ذلك عن قصد، بل عن طريق الخطأ. فإذا لم تكن تلك النتيجة التي توصف عادةً ب "المأساوية" مقصودة، بل كان سقوطُ المدنيين أثرًا جانبيًا لعمليات قصف مثلً، أو أضرارًا جانبية كما تسمى باللغة العسكرية الأميركية Damage Collateral، فلا يُعتبر ذلك من المنظور الرسمي للدولة قابلً للمقارنة بأفعال المنظمات الإرهابية التي تستهدف المدنيين والمرافق المدنية. هذا مع أن هذه الدول تعتبر العمليات ضد قواتها إرهابًا أيضًا. وغالبًا ما تكون هذه مسألة اصطلاحية، فكون فعلٍ ما لا يعتبر إرهابًا، أو لا يصطلح عليه باعتباره إرهابًا، لا يعني أنه ليس جريمة، ولا يُعفي أصحابه من المسؤولية كما في أيّ قانون جنائي. ففي القوانين الجنائية إذا قام شخص بعملٍ نجم عنه إضرار بآخرين، أجسادهم وممتلكاتهم، فإنّ عدم القصد لا يُعفي من المسؤولية، ولا سيمّا إذا كان السبب هو الإهمال وكان الفاعل يدري أنّ ثمة احتمالً أن يتضرر أناس أو يُقتلوا نتيجة لفعله، فالإهمال هنا يصبح إجراميًا. وإذا كان
هذا يصح بشأن حادث سيارة سقط فيه ضحايا أبرياء نتيجة لقيادة مخمورٍ سيارته، فإنّ هذا بالتأكيد ينطبق على طيارٍ ألقى قنابل على منطقة مأهولة بهدف قتل أفرادٍ بعينهم وليس قتل المدنيين القاطنين في هذه المنطقة المأهولة، مع إدراكه، هو ومن أعطاه الأمر بالقصف، أنّ عددًا كبيرًا من الضحايا المدنيين (الأبرياء حتى من جهة نظره) سيسقط نتيجة لفعله هذا، وذلك لسبب بسيط متمثل بأن المناطق المأهولة يقطنها مدنيون، ويفترض أنه يعرف ذلك. وما دام يعي ويدرك ما يفعل، فهذه جريمة، بل هي جريمة حرب، سواء سُمِّيَت إرهابًا أم لم تُسمَّ كذلك. وهذا في الحقيقة ليس إهمالً، بل استهداف. فالاستهداف في القانون الجنائي يكتفي بوعي الفاعل بطبيعة هدفه. وليس بالضرورة أن يكون هذا دافعه. ولا يجوز الخلط بين الدافع للقتل (الذي يعتبر توافره من الأدلة في القانون الجنائي)، والاستهداف. فالتسبب في الموت عن وعي بالفعل وهدفه هو جريمة قتل. مثل هذا يجري في الحروب عمومًا. وقد عرفت الحرب العالمية الثانية حالاتٍ من القصف المقصود للمدن من جانب الأطراف كافة بلغت ذروتها مع القصف غير المبرر عسكريًا (بل سياسيًا ولأهداف سياسية) لهيروشيما ونكازاكي بالقنبلتين النوويتين، ولم تكن الولايات المتحدة انتقائية في قصف فيتنام وكمبوديا، ولم تخلُ اعتباراتها من هدف ترويع المدنيين أو معاقبتهم جماعيًا للضغط على قيادتهم أو منعهم من إيواء مقاتلي الفيتكونغ. وينطبق ذلك على قصف إسرائيل مرافق مدنية في مصر أثناء حرب الاستنزاف، وكذلك في حروبها على لبنان وغزة، وعلى القصف المتبادل الإيراني - العراقي إبان الحرب بين البلدين، والقصف الذي يقوم به التحالف العربي لليمن منذ عام 2015. وثمة أمثلة عديدة أخرى يصعب تعدادها في هذا المقال. كما قامت الدول بعمليات أمنية ذات طابع إرهابي محض، بالمعنى الضيق الذي يقصر عادةً على التنظيمات غير الحكومية، وأقصد استخدام أجهزة الأمن أساليب الاغتيال ضد المعارضين وحتى قتل المدنيين لخلق الفوضى. وكثيرًا ما استخدمت أجهزة الأمن منظمات إرهابية لتحقيق أغراضها، كما في حالة استخدام الأنظمة الحاكمة في العراق وسورية وليبيا "تنظيم أبو نضال" المعروف ب "حركة فتح - المجلس الثوري" في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. وقد قامت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بعمليات تخريب واغتيالات متبادلة ضد حلفاء كليهما خلال الحرب الباردة. وكانت إسرائيل أول من استخدم أسلوب خطف الطائرات وإسقاطها، مع أن هذا الأسلوب عُرف عن بعض المنظمات الفلسطينية لاحقًا؛ "ففي كانون الأول/ ديسمبر 1954 اعترض سرب من الطائرات الإسرائيلية طائرة مدنية سورية، وأجبرها على الهبوط في مطار اللد، في محاولة للضغط على الحكومة السورية، لتسليمها جنودًا محتجزين لديها. وأسقط سلاح الجو الإسرائيلي طائرة مدنية ليبية فوق سيناء في 1973/2/21 راح ضحيتها 104 أشخاص، بينهم وزير خارجية ليبيا، صالح مسعود أبو يصير [...] واختطفت إسرائيل في 1973/8/10 طائرة مدنية لبنانية، لاعتقادها أن جورج حبش على متنها". وكان الإسرائيليون أول مَن استعمل الرسائل الملغومة ضد أعدائهم؛ "ففي 1947/9/3 وجهوا رسائل ملغومة إلى بعض البريطانيين في لندن انفجرت بهم وأدت أغراضها تمامًا. وبين تشرين الثاني/ نوفمبر 1962 وآذار/ مارس 1963 وجهوا رسائل ملغومة إلى العلماء الألمان في مصر، انفجرت اثنتان منها، فقتلت ستة علماء مصريين، ولم يُصب الألمان بأذى. وتكرّر هذا الأسلوب كثيرًا، فيما بعد، فانفجرت رسالة ملغومة بين يدي رئيس مركز الأبحاث الفلسطينية، الدكتور أنيس صايغ، في 1972/7/19 بترت له إصبعين، وذهبت ببعض سمعه وأفقدته بعض بصره، ثم انفجرت رسالة أخرى بين يدي القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بسام أبو شريف، في 1972/9/25 أصابته بجروح في وجهه ويديه". واغتالوا غسان كنفاني الكاتب والقيادي في الجبهة الشعبية في 8 تموز/ يوليو 1972 في الحازمية في لبنان، والكاتب ماجد أبو شرار في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 1981 في روما21. وقد حاولنا إيراد أمثلة تفصيلية عن الأنشطة الإرهابية التي نفذتها إسرائيل الدولة بعد قيامها، وذلك عن قصد لأنها من أكثر دول العالم استخدامًا لدمغ خصومها بالإرهاب ولتقسيم العالم بين إرهابيين ومكافحين للإرهاب لكي تتبوأ عضوية شرف في نادي مكافحي الإرهاب الذي يضمها مع دول كثيرة أخرى، ما كانت لتجتمع معها لو قُسم العالم بين قوى مؤيدة للاحتلال وأخرى معارضة له. لكن الإشكالية الأبرز لقمع الدول ضد المدنيين وفرض العقوبات الجماعية هي إشكالية أخلاقية متعلقة بإلحاق الضرر بالأبرياء لذنب لم يقترفوه، ولأنه من المفترض أن تكون حمايتهم وضمان أمنهم من أهم وظائف الدولة إذا كانت دولتهم، أما إذا كانت دولة معادية فيفترض أن تخوض حربها ضد دولة أو تنظيم وليس ضد الأبرياء. وأخيرًا ثمة علاقة بين عمليات الجيوش والأجهزة الأمنية، ضد المدنيين، وظاهرة الإرهاب بتعريف الدول نفسها للإرهاب. فكيف ذلك؟ عندما يقوم نظام استبداد أو سلطة احتلال بعمليات تمشيط للتجمعات السكانية واعتقالات عشوائية وفرض عقوبات جماعية، فضلً عن عمليات قصف من الجو، وكل هذا لمنع الإرهاب، وذلك في غياب قوانين تحمي المدنيين وتحاسب الأجهزة، أي من دون أن يتمكن الضحايا من التظلّم قضائيًا، أو الرد سياسيًا على هذا الإذلال والعنف، فإن بعض هؤلاء الضحايا يتكيّف مع هذا الواقع، وبعضهم يبحث عن تعبيرات سياسية للاحتجاج، ويقبل حتى بتضحيات ودفع
ثمن باهظ إذا كانت الدولة تمنع هذه التعبيرات، وبعضهم الآخر ينتظم في عمل منظمٍ سري حزبي له أهداف سياسية وقواعد تنظم العمل السياسي السلمي أو العنيف، من ضمنها مثلً عدم المس بالمدنيين، كما سيكون هناك بالتأكيد من يعبّ عن غضبه واحتقانه فنيًّا وأدبيًّا. ولكن التجربة تثبت أنه توجد دائمًا أقلية مهما كانت صغيرة من الضحايا وأبنائهم تردّ على العنف الجسدي والنفسي، ولا سيما الإذلال، بالعنف المنظم أو الفردي. وهذا يعني أنّ عنف الدولة الموجه ضد المدنيين، سواء أسمّي إرهابًا أم لم يُسمّ كذلك، يؤدي إلى توسّع نطاق الإرهاب. وهذا من أهم نقاط ضعف ما يسمى مكافحة الإرهاب؛ فمكافحة الإرهاب تتضمن دائمًا إرهابًا بمعنىTerror ولكنها تنتج إرهابًا بمعنى.Terrorism
حول ما يسمى الإرهاب الإسلامي
مؤخرًا؛ منذ ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، نشأ مصطلح "الإرهاب الإسلامي" مرتبطًا بحركات إسلامية قامت بعمليات عنيفة ضد أجهزة الدولة ورجالاتها وضد السيّاح الأجانب والمرافق السياحية في مصر، وراج تحديدًا بعد عمليات تنظيم القاعدة، وخصوصًا ما تعرّضت له مدينة نيويورك من هجمات إرهابيّة عام 2001 نسبت إلى تنظيم القاعدة (تبنّاها هذا التنظيم) واعتبُرت أنها نفّذت بدافع ديني. وأصبح المصطلح متداولً إلى درجة أنّ البعض حين ينطق كلمة "إرهاب" أصبح يعني بها إرهابًا إسلاميًا. وقد عززت هذا الانطباع وحشية عمليات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ونزوع هذا التنظيم إلى التباهي بها؛ بإخراجها "فنيًا"، ونشرها استعراضيًا للرأي العام، وكأنها هويته التي يفتخر بها. وخلافًا للرائج عند الانفعال والغضب، المحق غالبًا، اللذَين قد يستدعيهما نفاق أوساط في السياسة والإع ماا الغربي، لا يُسمى الإرهاب إسلاميًا لكون مرتكبيه مسلمين فقط، بل لأنهم يعلنون أنهم مدفوعون بدوافع دينية إسلامية. وحين يعلن إرهابيون في الغرب أنّ دوافعهم لارتكاب أفعالهم ضد المدنيين دينية مسيحية، فإنه يسمى "إرهابًا مسيحيًا"، وقد سُمّي التنظيم الإرهابي الذي قام بأعمال تفجير ضد رؤساء البلديات في الضفة الغربية، وخطّط لتفجير المسجد الأقصى "التنظيم الإرهابي اليهودي" في الإعلام الإسرائيلي نفسه. لكن المشكلة أنّ البحث في هذا الموضوع غالبًا ما يتجاوز الانشغالَ بالظرف التاريخي الذي نشأ فيه إرهابيون مسلمون أو مسيحيون أو يهود (مثلًالتطرف القومي والديني في المجتمع المحتل في مقابل ظروف الواقع تحت الاحتلال) إلى البحث عن علاقة جوهرية بين الإسلام والإرهاب؛ فمثلما نشأت تكنولوجيات مكافحة الإرهاب والصناعة الكبيرة القائمة عليها والتي يبلغ حجمها مليارات الدولارات بالتأكيد، قامت صناعة موازية هي صناعة مكافحة التطرف الإسلامي. ومنها ما يحاول أن يؤسّس علاقة بين الإسلام نفسه والعنف أو استهداف المدنيين. ليس المجال متاحًا هنا كي نستعرض مسألة العنف الديني عبر التاريخ، ولا متسعًا للتطرق إلى التبريرات الدينية للعنف الموجّه ضدّ الهرطقة والزندقة في الحضارات والديانات المختلفة بنصوصٍ دينية وبمباركة المؤسسة الدينية. وسوف نجد دائمًا في كل دينٍ مقابلً لهذه النزعات يدعو لنبذ العنف أو التسامح أو التعايش وغيرها. ونحن لا نرى فائدة ترجى من البحث عن جذور الإرهاب في النصوص؛ فهذه كانت موجودة منذ أكثر من ألف عام يؤمن بها مئات الملايين، في حين أن الإرهاب المقصود ظاهرة محددة في الزمان والمكان والأشخاص. ولو أجري بحثٌ مقارن بين النصوص الدينية الإسلامية واليهودية لناحية العنف والدموية لكانت النتائج مفاجئة للبعض. ولا تَخلُو مساعي ربط جوهر الإسلام بالإرهاب من دوافع ثقافية عنصرية مناهضة للإسلام و"إسلاموفوبيا"، ولكن ثمّة أيضًا دوافع براغماتية متعلقة بالمصالح السياسية. فثمّة قوى سياسية يمينية مختلفة ومحافظة تحثّ على ذلك في الغرب لأنّ التعميمات دائمًا أسهل ترويجًا، وعامّة الناس يجب ألّ تُشغَل بالتفاصيل الدقيقة والتمييزات بين تياراتٍ مختلفة، والتعميم على الإسلام والمسلمين أسهل تسويقًا في أي حملة انتخابية، كما أنّ المعادين للمهاجرين ولوجود مسلمين بين ظهرانيهم، معنيون بنشر هذه الصورة عن الإسلام. وأخيرًا، وليس آخرًا، تدفع إسرائيل والحركات الصهيونية ولوبياتها في الجامعات ومراكز البحوث بهذا الاتجاه "لكي يتفهّم العالم وضع إسرائيل" دائمًا، بحيث يكون الرأي العام داعمً لسياساتها بصورة عامة ومسبقة. فبموجب هذا المنطق لا تواجه إسرائيل هذه الحركة أو تلك التي تعرفها إرهابية، بل تجد نفسها في مواجهة الإرهاب الإسلامي، أي إرهاب المسلمين جميعًا بغضّ النظر أكانوا محبي سلام أم مشعلي حروب. فهي تعيش وسط بحر من المسلمين الذين يرتبط دينهم بالإرهاب، وهذا يعني وفقًا لهذا التنظير، بحرًا من الإرهابيين المحتملين. إنّ من انخرط في عمليات إرهابية في باريس أو لندن أو الولايات المتحدة من بين المسلمين المقيمين هناك هم قلّة قليلة جدًا، أفراد لا يرقون إلى تشكيل أي نسبة، ولا حتى كسور في المئة من المسلمين المقيمين في هذه الدولة؛ فغالبية المسلمين مثل غالبية المسيحيين والعلمانيين والسكان عمومًا، منشغلون بعادية حياتهم اليومية وأسباب معيشتهم. ولكنّ التعميم على الإسلام والمسلمين يُسهّل دعاية القوى العنصرية المعادية للهجرة، ويضع كل مسلم في العالم في موقفٍ دفاعي عن ذاته وعن الإسلام، وكأنّه مذنب إلى أن تثبت براءته، وليس بريئًا إلى أن تثبت التهمة.
والعنصريون المحرضون علنًا ضد الإسلام نفسه، ورسامو الكاريكاتير الذين سخروا من الدين الإسلامي ونبيّه، والذين أشغلوا الشارع العربي في مراحل معينة أكثر مما يجب، أي أكثر مما أشغله الاحتلال وأشغلته الديكتاتوريات قبل عام 2011، هم أيضًا أقلية هامشية وأفراد، والمجتمعات الغربية، عمومًا، ليست منشغلة بهم. والسياسات الرسمية الغربية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي والمنحازة إلى المستبدين في منطقتنا بحجة الإرهاب، أو لأنها ببساطة تقف مع الأقوى، تتسبب في أذى أكبر مما تقوم به القوى المتطرفة الهامشية في هذه الدول مجتمعة. وكما في حالة العقوبات الجماعية والحروب غير المتكافئة والقصف العشوائي على المدنيين الذي يولّد الإرهاب، بل ينشره كما أظهرت التجارب المتعاقبة منذ الحرب على أفغانستان واحتلال العراق عام 2003، فإنّ هذا التحريض ضد الإسلام والمسلمين عمومًا، والتعميمات العنصرية ضدهم، تولّد أيضًا غضبًا واحتقانًا قد يدفعان إلى ردة فعل. وحتى لو كان ذلك عند قلّة قليلة جدًا من المسلمين، فإنّ أعمال قلة تكفي لإحداث الأثر الكبير الذي يحدثه الإرهابيون عادة.ً ومثلما أنّ الضجة التي يحدثها المحرضون العنصريون أكبر بكثير من وزنهم وأثرهم الحقيقي، فإنّ تداعيات ظاهرة الإرهاب وأثرها المعنوي أكبر بأضعاف من أثرها المادي الفعلي المباشر. ولا أحتاج إلى مقارنة عدد الذين يقتلون في الحروب أو يموتون في حوادث الطرق أو نتيجة لانتشار أوبئة أو من الجوع، أو حتى من جرائم القتل والإفراط في استخدام المخدرات في الولايات المتحدة وحدها، بعدد ضحايا الإرهاب. فبالتأكيد يقع الإرهاب في آخر السلّم، لكنّ تأثيره أكبر بكثير، وكذلك الانشغال الإعلامي والسياسي به. لقد عرفت الولايات المتحدة، تحديدًا، حالاتٍ كثيرةً من إطلاق النار قام بها أشخاص لم يعتبروا مجرمين إلى حين ارتكابهم فعل القتل الجماعي. ولكن هذه الحالات لم تثر ضجة دولية، بل فزعًا محليًا، وربما أفلامًا سينمائية، لأن هذه العمليات المرعبة فُسِّ ت بدوافع شخصية أو نفسية، وجرى عادةً غض النظر عن الخلفيات السياسية والاجتماعية لنشوء الشخصية العنيفة الشاذة، أو لانفجار عدوانية إنسان عادي خالٍ من السوابق الإجرامية بهذه الطريقة الدموية. وقد نشر موقع سي إن إن مؤخرًا قائمة بأشهر عشر عمليات كهذه منذ عام 1949 ننشرها هنا كما هي22: إطلاق نار استهدف حشدًا من أكثر من 20 ألف شخص تجمعوا لحضور حفل موسيقي في لاس فيغاس فجر الإثنين الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 2017، نفّذه ستيفن بادوك Stephen Paddock الذي يبلغ من العمر 64 عامًا، وقتل 58 شخصًا وأصاب أكثر من 500. وهو أسوأ حادث إطلاق نار جماعي والأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. إطلاق نار على نادي "بلس" الليلي للمثليين جنسيًّا بمدينة أورلاندو في ولاية فلوريدا، وقع في 12 حزيران/ يونيو 2016، ونفذه عمر صديقي متين Mateen Saddiqui Omar، الذي كان يعمل حارس أمن خاصًا في فلوريدا ويبلغ من العمر 29 عامًا، وقتل ما لا يقل عن 49 شخصًا وأصيب أكثر من 50 آخرين. أطلقت الشرطة النار عليه وقتلته بعد احتجازه بعض الناس رهائن فترة وجيزة. إطلاق نار داخل جامعة فرجينيا للتكنولوجيا في بلاكسبرج بولاية فرجينيا، وقع في 16 نيسان/ أبريل 2007، نفذه سيونغ هوي تشو Cho Seung-Hui، وهو طالب في الجامعة كان يبلغ من العمر 23 عامًا، وقد أطلق النار في موقعين داخل الحرم الجامعي، ما أسفر عن مقتل 32 شخصًا وإصابة عدد غير محدد من الأشخاص، قبل أن ينتحر. إط قاا نار على مدرسة "ساندي هوك" الابتدائية بولاية كونيتيكت، في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2012، نفذه آدم لانزا Lanza Adam الذي كان يبلغ من العمر 20 عامًا، وأطلق النار على 20 طفلً تراوح أعمارهم بين الست والسبع سنوات، وستة أشخاص بالغين من موظفي المدرسة وأعضاء هيئة التدريس، قبل أن ينتحر. وعثر المحققون في وقت لاحق على نانسي لانزا، والدة القاتل، مقتولة من جرّاء طلقة نارية. وبلغ العدد النهائي لضحاياه 27 قتيل. إطلاق نار في الكنيسة المعمدانية الأولى في بلدة ساذرلاند سبرينغز الريفية في ولاية تكساس، في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، أسفر عن مقتل 26 قتيلً. عثرت السلطات على مُطلق النار، ديفن باتريك كيلي Kelley Patrick Devin، ميتًا بعد مطاردة قصيرة، بيد أنه لم يكن واضحًا إن كان قُتل أو انتحر. وحادثة إطلاق النار الجماعي هذه هي الأكثر دموية في تاريخ ولاية تكساس. إطلاق نار على كافتيريا "لوبيز" في ولاية تكساس، في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1991، نفّذه جورج هينارد Hennard George، الذي كان يبلغ من العمر 35 عامًا، حطم شاحنته الصغيرة عبر جدار الكافتيريا، ثم خرج منها وأطلق النار على الموجودين، ما أسفر عن مقتل 23 شخصًا، ثم انتحر. إط قاا نار في مطعم ماكدونالدز في سان يسيدرو بولاية كاليفورنيا، في 18 تموز/ يوليو 1984، نفّذه جيمس هوبرتي Huberty James، البالغ من العمر 41 عامًا، فقد كان مسلحًا
بمسدس رشاش (أوزي)، وأطلق النار على 21 من البالغين والأطفال في المطعم، ثم قتلته الشرطة بعد ساعة من الهجوم. حادثة إطلاق نار في جامعة تكساس بتاريخ 1 آب/ أغسطس 1966، قام بها تشارلز ويتمان Whitman Joseph Charles، وهو جندي أم كيرر سابق، وقد قتل 16 شخصًا وأصاب 30 آخرين على الأقل من برج في جامعة تكساس، وقَتلته الشرطة في البرج. وكان ويتمان قد قتل والدته وزوجته في وقت سابق من يوم الهجوم. في 2 كانون الأول/ ديسمبر 2015، فتح الزوجان سيد رضوان فاروقSyed Rizwan Farook وتشفين مالكTashfeen Malik النارَ على حشد موظفين في "مركز إنلاند الإقليمي" في سان برناردينو، وقتل 14 شخصًا، ثم قتلتهما الشرطة في تبادل لإطلاق النار في وقت لاحق من يوم الهجوم. هجوم إدموند بولاية أوكلاهوما، في 20 آب/ أغسطس 1986، حيث قتل ساعي البريد، الموظف بدوام جزئي، باتريك هنري شيريل Sherrill Henry Patrick، مسلحًا بثلاثة مسدسات، 14 عاملً من عمال البريد في عشر دقائق، ثم انتحر برصاصة في الرأس. ويدّعي عديد المواطنين العرب والمسلمين في الدول الغربية المتقدمة، ومعهم تيارات وقوى ديمقراطية، أنّ مطلق النار حين يكون عربيًا أو مسلمً تميل السلطات، وقبلها الإعلام الشعبوي، إلى القفز مباشرةً إلى تصنيفها عملية إرهابية، بمعنى أنها سياسية أو مدفوعة بدوافع دينية، ولا يُنظَر بجدية إلى الخلفيات الاجتماعية، أو إلى فهم الشخصية الفردية أو الحالة النفسية. وهذا ليس نقاشًا بشأن المصطلح فقط؛ فاعتبار القتل الجماعي تعبيرًا عن شذوذ فردي، حتى لو كان الفاعل عربيًا أو مسلمً، يبرّئ بقية المسلمين والعرب، أما النظر إلى الفعل بوصفه إرهابيًا مدفوعًا بدوافع دينية أو سياسية فيعمم الشبهة. والحقيقة أن المحلل والباحث لو دققَا في سلوك جزء على الأقل من أولئك الذين يدّعون أنهم قاموا بفعل القتل العشوائي لدوافع دينية، وأخذا بعين الاعتبار ماضيهم الذي قد يكون جنائيًا قبل التحول إلى الدين، فسوف يصلان إلى نتيجة أنّ البعد السياسي (الذي يقود تصنيف فعل العنف بصفته إرهابيًا) هو قشرة لشخصية إشكالية لا تختلف كثيرًا عن الحالات التي تتعامل معها الدولة بوصفها حالات نفسية أو شذوذًا فرديًا أو غير ذلك من التصنيفات. وهذا مهم في حد ذاته لأنه يصعّب التعميم، أو لا يشرعنه. وعلينا أن نذكر أنه يصعّبه ولا يمنعه. ففي كثير من الدول يسهل نشر أفكار مسبقة تدين الأجانب (مسلمين، وغير مسلمين) بجنايات عادية، مثل السرقة والنصب والاحتيال وغيرها، بغض النظر عن نسبة مرتكبيها الحقيقية من بينهم. إنّ الأفراد المسلمين الذين قاموا بعمليات إرهابية ضد المدنيين في فرنسا وألمانيا وبريطانيا في مرحلة الحرب على التنظيم الذي يسمي نفسه الدولة الإسلامية قد أسهموا في تأجيج العداء للمسلمين واللاجئين عمومًا في هذه الدول. ومن يقتل ثلاثة مدنيين أو أربعة في شارع في لندن أو عشرات في باريس، لا يستهدفهم تحديدًا، بل يستهدف هذه الضجة وهذا الأثر الذي يُدخل المجتمع في حالة فزع، وذلك تحديدًا لأنّ الناس الذين قتلوا غير مستهدفين شخصيًا، وبما أنّهم غير مستهدفين فإن أي شخص آخر قد يكون عرضةً للاعتداء والقتل. وهذا يمسّ مباشرةً بالغاية الأصلية من وجود الدولة، أي حفظ الأمن والأمان، ما يدفع الدولة إلى العمل على إثبات حضورها وسطوتها لاستعادة هيبتها في نظر مواطنيها. ووسائل التواصل الحديثة والمشهد الذي تحدثه بعد الفعل الإرهابي والمحللون ومدّعو الاختصاص بظاهرة الإرهاب الذين يستضافون، هؤلاء جميعًا يكمّلون المهمة بتوسيع دائرة التأثير. فيتحوّل تأثير قنبلة يدوية إلى ما يشبه تأثير قنبلة نووية. وبهذا المعنى فإن الأخصائيين في مكافحة الإرهاب غالبًا ما يتحولون إلى أخصائيين في نشر تأثيره وتحقيق أهداف من يقوم بالفعل الإرهابي. هذا إضافةً إلى التعميمات الشعبوية التي تثير الاشتباه في المسلمين عمومًا. ولذلك فإنّ القوى الديمقراطية تجيب عن ظاهرة الإرهاب بالقول: إن أفضل علاج مباشر لظاهرة الإرهاب هو محاربتها والتعامل معها بحجمها الحقيقي في الوقت ذاته، أي مواصلة الحياة الطبيعية وعدم إثارة حالة رعب أو فزع. فقد أثّرت مكافحة الإرهاب في نمط حياة الناس أكثر مما أثّر الإرهاب نفسه مباشرةً بأضعاف مضاعفة.
بين التبرير والتفسير
ثمّة إشكالية أخرى لا بدّ من التطرّق إليها في النهاية، وهي تتلخص في تحويل تفسير خلفيات الإرهاب الاجتماعية والسياسية إلى تبرير له. إذ لا يجوز تبريره. وتثبت التجربة أنّ الأعمال الإرهابية التي تستهدف المدنيين، تُحدث أيضًا تأثيرًا معاكسًا لمنطلقات الإرهاب الأصلية. فهي تدفع إلى جعل الدول أكثر تشدّدًا وأكثر بوليسية، كما تُحدث أثرًا سلبيًّا في الرأي العام، ولا سيما حينما يكون العنف عشوائيًا، أي لا يمكن التنبؤ بفئة ضحاياه، ولا حتى بحده الأدنى، بمعنى أنّه غير موجّه ضد المحتلين، أو المستوطنين في مستعمرة مثلً، ولا ضد السجون أو أجهزة الأمن أو السياسيين أو الجنود، ولا يرافقه برنامج سياسي مقبول. فهو تعسفي. وأيّ إنسان، في أيّ دولة، يمكن أن يكون ضحيته؛ بهذا يتحول إلى عدو للبشرية كلّها. وفي العادة، لا يطرح من يمارسون الإرهاب الديني برامج سياسية واقعية. وفي غياب برنامج واقعي يمكن الناس أن يفهموه، لا يضغط الناس على حكوماتهم لتلبية بعض المطالب للتخلص من الإرهاب، فالمطالب نفسها، إذا وُجدت في حالة
الإرهاب المدفوع دينيًا، غير مقبولة للناس وغير مفهومة لهم أصل. ولهذا يتّحد الناس خلف حكوماتهم في مواجهته، بل يطالبونها بتشدّد أكبر، ويصبحون أكثر تشددًا من حكوماتهم في طلب الاستقرار.
إنّ الإرهاب الأخطر هو المتجسّد في العنف العدمي الانتقامي بلا هدف سياسي محدد، والذي ينشأ في مراحل أزمات الحركات الثورية وانحلالها، أو تراجعها أمام عنف الأنظمة المضاد، ولا سيما في غياب القيادة الموحدة والمشروع السياسي القابل للتحقيق، وفي مراحل انتشار النزعة الانتقامية المعززة بشعارات دينية أو طائفية أو غيرها. ولا شك في أنه ثمة تحدٍّ كبير في فهم خلفيات الإرهاب من جهة انسداد سُبل التعامل مع بؤس الواقع الاجتماعي والسياسي، واليأس من البحث عن مخارج من واقع الظلم (القومي أو الطائفي أو الاجتماعي)، والتهميش الذي غالبًا ما يرافقه التعرض لعنف معنوي أو جسدي. ولكن لا يجوز أن يتحول هذا التفسير إلى لوم كل القوى التي تواطأت على تكريس هذا الواقع، وتحميلها المسؤولية، وتبرئة مرتكب الفعل نفسه. يرتكب تبرير هذا النوع من الإرهاب خطيئتين: الأولىأخلاقية، لأن قتل مدنيين أبرياء جريمة مدانة. وإذا أردنا أن نتشارك بوصفنا بشرًا لا بد من أن نتشارك في بعض القيم الأساسية، ومن أهمها حياة البشر وحق الإنسان في الحياة، لا يوجد لأحد الحق في سلب إنسان بريء حياته أو سلب أطفالٍ أهلهم أو سلب الأهل أطفالهم. والثانية، سياسية وأخلاقية معًا، وذلك من خلال الضرر الذي تلحقه هذه العمليات بالضحايا أنفسهم التي تسعى للانتقام لهم أو الدفاع عنهم. فالشعب الذي يناضل من أجل التحرر من الاستبداد والطغيان هو صاحب قضية عادلة مفهومة، ويمكن أن يمارس كفاحًا مسلحًا منظم في حالات مثل انسداد وسائل التعبير والطرق السياسية السلمية، وتورّط الجيش في الصراع السياسي ضد المعارضة، وفرض العقوبات الجماعية على الشعب. ولكن يفترض أن يكون هذا الكفاح منظمّا بقيادة موحدة وبرنامج بديل للوضع القائم، وبأهداف محدّدة أيضًا. أمّا إذا رافقه أعمال قتل عشوائية انتقامية للتنفيس عن العنف المتراكم في النفوس، أو مدفوعة بدوافع دينية أو علمانية متطرفة من دون برنامج سياسي أو محدد، أو تهدف نظريًا إلى إقامة طغيان جديد، فإنّ ما يحصل هنا أكبر من خطأ سياسي براغماتي، إنّه ممارسة للطغيان، وتحالف موضوعي مع نظام الطغيان القائم. ومن هنا فإن اتخاذ موقف واضح ضد هذه الأعمال والفكر الذي تبُرَّر به مهمة ملحة على جدول أعمال أي حركة سياسية أو قوى اجتماعية تسعى لتحقيق العدالة والحرية والكرامة الإنسانية. لهذا الغرض يجب تحديد الظاهرة بدقة، فليس أيّ عنفٍ ضدّ الاحتلال وقوّاته أو الاستبداد وأجهزته القمعية يسمى إرهابًا، وسواء اتفقنا على واقعيته أو عمليته براغماتيًا، أو اختلفنا في ذلك، فإنه لا يجمع هذا النوعَ من الأعمال شيءٌ بمن يحمل حزامًا ناسفًا ويفجر نفسه في حافلة أو محطة قطار أو في شارع يزدحم بالمارة. وحتى لو اصطلحت دول على جمع هذه الظواهر كلها تحت اسم الإرهاب، فإن السياسات المترتبة على هذا التعريف الجامع ستكون خاطئة وتؤدّي إلى ضحايا أكثر. وعودةً إلى بداية هذا المقال، فإنّ بعض الحكومات تستغل سطوة فكرة مكافحة الإرهاب في السياسات الخارجية لكي تعتبر كل معارض سياسي لها إرهابيًّا حتى لو لم يكن إرهابيًا، ولم يستخدم العنف حتى ضد أجهزتها الأمنية القمعية. إنها تعتقد أنه أصبح للتسمية سحرٌ. فما إن تطلقها على شخصٍ أو جماعة حتى يُحدث ذلك تداعياتٍ سلبية في الذهن السياسي الغربي والأميركي خاصةً، ما يُحدِث تعاطفًا مع النظام الذي غالبًا ما يقوم هو نفسه بأعمال إرهابية ضد مجموعات سكانية كاملة بهدف التخويف والردع أو المعاقبة الجماعية. يُلحق هذا الاستخدام الأداتي لمصطلح "الإرهاب" ضررًا بالحرب على الإرهاب؛ لأنه يربكها بتشويش الحدود بين الإرهابي وغير الإرهابي، ولأنه يضخّم عدد الإرهابيين بدلً من أن يقلله. العنف السياسي في النهاية ظاهرة اجتماعية سياسية وليس ظاهرة دينية أو قومية أو لسانية أو غيرها. ويبدو أنّه في ظروف اجتماعية سياسية محدّدة حينما يتعرّض الناس للتهميش والفقر والإهمال والإذلال والقمع العنيف يحدث عند بعضهم، عند قلة منهم، ردّة فعل عنيفة أو انتقامية، قد تتحول إلى فعل سياسي إرهابي. ويحدث تفاعلٌ مهم يصعب تشخيصه بدقة (ولا أعرف مدى أهمية تشخيصه) بين تركيب الشخصية التي لديها هذه القابلية (فليس كل المعرَّضين للظروف نفسها يقومون بعمليات إرهابية)، وتوافر العامل التنظيمي أو الأيديولوجي أو غيره من العوامل التي تعزز هذا التأثر بالأوضاع الاجتماعية والسياسية وهذه الحساسية والقابلية للعنف وتسيّسه وتدفعه في هذا الاتجاه. قد ينتج الإرهاب من مأزق مشروع تحرري وفشله وتدهوره أخلاقيًا، أو فشل العمل السياسي السلمي، وانسداد أيّ أفق للتغيير بالطرق السلمية. كما رأينا بعد قمع الثورات العربية السلمية، وتحديدًا بعد
الرد العنيف والقمعي الشامل الصادر عن قوى الثورة المضادة في مصر وسورية وغيرها، وخنق كل تعبير سياسي سلمي منظم. ولا يحدث الانتقال إلى العنف العشوائي الانتقامي في هذه الظروف عند جميع من مارسوا النضال السياسي السلمي، وتعرضوا للقمع العنيف، بل يحدث عند أشخاص ذوي بنية نفسية وعاطفية معينة. والتنظيمات العنيفة التي تدعو إلى أنماط حكم أو أنماط حياة غير مقبولة وغير قابلة لأيّ مساومة مع الواقع الراهن تجد أنصارًا أو مؤيدين في هذه البيئة. وبعدها تبدأ ديناميكية جديدة من الفعل وردة الفعل. وتثبت التجربة أنّه لا توجد حلول شاملة وسحرية أمنية عسكرية لظاهرة الإرهاب، ولا حتى في السياسات الاقتصادية والاجتماعية وحدها. ولا بدّ من أن يكون الجهد متضافرًا وبعيد المدى، وليس بالضرورة من زاوية ما يسمى مكافحة الإرهاب، فالعدالة والحرية والمساواة والتنمية البشرية وصون حقوق الإنسان ومكافحة العنصرية هي أهداف قائمة بذاتها، وليس فقط لأنها تخلق بيئة مضادة لنمو الإرهاب. وهكذا يجب التعامل معها. إنّ من يتعامل مع هذه القضايا أداتيًا، ومن منطلق إخضاعها لما يسمى مكافحة الإرهاب الذي يوضع في مرتبة أعلى منها، إنما يخطئ الهدف ويخسر في المجالين.
المراجع
العربية
بورادوري، جيوفانا. الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا. ترجمة وتقديم خلدون النبواني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013
الأجنبية
Augustine, Saint. The City of God: Against the Pagans. R. W. Dyson (ed. & trans.). 9 th ed. Cambridge, NY: Cambridge University Press, 2013. Berman, Ilan & J. Michael Waller (eds.). Dismantling Tyranny: Transitioning Beyond Totalitarian Regimes. Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 2006. Commission of the European Communities. Council Framework Decision on Combating Terrorism. Brussels: 2001. Crozier, Brian. The Rebels: A Study of Post-war Insurrections. London: Chatto & Windus, 1960. FBI. LEAA. National Advisory Committee on Criminal Justice Standards and Goals. Disorders and Terrorism: Report of the Task on Disorders and Terrorism. Washington, DC: Department of Justice, 1976. Herik, Larissa van den & Nico Schrijver. (eds.). Counter- terrorism Strategies in a Fragmented International Legal Order: Meeting the Challenges. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Hoffman, Bruce. Inside Terrorism. 2 nd ed. New York: Columbia University Press, 2006. Iviansky, Ze'ev. "Individual Terror: Concept and Typology." Journal of Contemporary History. vol. 12. no 1. (January 1977). Law, Randall David. Terrorism: A History. Cambridge, UK: Polity, 2016. League of Nations. Convention for the Prevention and Punishment of Terrorism. Geneva: 16 November 1937, at: http://bit.ly/2mdF3Gg Leggett, George. The Cheka: Lenin's Political Police. Oxford: Oxford University Press, 1987. NATO Standardization Agency. NATO Glossary of Terms and Definitions (English and French). AAP-6. Brussels: NATO, 2004. US Department of State. Patterns of Global Terrorism 1999. Washington, DC: Department of State, 2000. Wilson, M. & J. Lynxwiler. Abortion Clinic Violence as Terrorism. Birmingham: University of Alabama at Birmingham, 1988. Žižek, Slavoj (ed.). Robespierre, Virtue and Terror. London & New York: Verso, 2007.