آسيان بوصفها جماعة أمنية: بين الافتراض والواقع

ASEAN as a Security Community: Between Assumption and Reality

عشور قشي| Achour Guechi *

الملخّص

تمرّ هذه السنة (2017) الذكرى الخمسون لتأسيس رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان). غير أن الأسئلة المتعلقة بهويّة الرابطة لا تزال محل نقاش حادّ في الأوساط الأكاديمية والدوائر العلمية، ولا سيما السؤال عمّا إذا كانت هذه الرابطة تشك ل جماعة أمنيّة إقليميّة، وهو سؤال أثار نقاشات حادة بين الدارسين المختصّين. ففي الوقت الذي ذهب فيه عدد من هؤلاء إلى أن آسيان تعدّ جماعةًُ أمنيةً إقليميةً متميزةً، ذهب آخرون إلى التّشكيك في وجودها، ورأوا أن أقصى ما يمكن إثباته أن آسيان لا تعدو أن تكون نظامًا أمنيًّا إقليميًّا أو حيًّا يفتقر إلى صفة الجماعة. تحاول هذه الدراسة تقديم قراءة موضوعية ومتأنية في الحجج والأدلة التي قدمها كل فريق، هادفة إلى استنتاج الرأي الأقرب إلى واقع الدينامية الأمنية الحالية الجارية ضمن حدود إقليم جنوب شرق آسيا، وتحديد الهوية الأمنية للرابطة التي حققت خمسين سنة من الوجود.

Abstract

This year marks the fiftieth anniversary of the Association of Southeast Asian Nations. Despite being half a century old, questions around ASEAN's identity and, specifically, its status as an organization for collective security, remains unanswered. Today, scholars of international relations remain divided in how they perceive ASEAN, and how to classify the inter-governmental organization, whether this regional order could rise to the definition of a "collective security community". This article seeks to provide an objective, deliberate reading of the two arguments. The author will seek to determine which of the two descriptions fits reality more closely.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

قبل نحو خمسين عامًا من الآن، وُسم إقليم جنوب شرق آسيا ب "إقليم التمرد" Revolt of Region1، ووصفه بعضهم ب "بلقان الشرق" East the of Balkans2، في حين نعته آخرون ب "إقليم الدومينو" Dominoes of Region3. ويعود إطلاق مثل تلك التوصيفات والنعوت إلى المشهد الأمني السائد خلال ستينيات القرن الماضي الذي كان قد رسم صورة قاتمة جدًّا4. لم يُرسَم المشهد الأمني فقط بواسطة اختراقات القوتين العظمييَن آنذاك؛ الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، في سياق الحرب الباردة، أو عن طريق القوى الإقليمية المجاورة، بل ساهمت في رسمه أيضًا الديناميات الأمنية المحلية التي كانت حاضرة بقوة منذ حصول دول الإقليم على استقلالها خلال أربعينيات القرن المنصرم وخمسينياته وستينياته. أطلق باري بوزان وأوليه وايفر على تلك الديناميات وصف "تكوين الصراع" الإقليمي Conflict formation5؛ نظرًا إلى انتشار الصراعات البينية التي أعقبت استقلال تلك الوحدات التي توصف بأنها ناشئة لحداثة استقلالها، إذ حاولت وحدات سياسية الهيمنة على وحدات سياسية أخرى، مثل التنافس التايلندي - الفيتنامي في كمبوديا ولاوس6، والذي انتهى باجتياح فيتنام لكمبوديا واحتلالها بين عامي 1978 و 1989. وبين سنوات 1963 - 1966 هدّدت إندونيسيا بنسف الاتحاد الماليزي الناشئ، كما كانت في نزاع مع سنغافورة، فضلً عن النزاع الإقليمي بين ماليزيا والفلبين، وانفصال سنغافورة عن الاتحاد الماليزي. وبحلول 8 آب/ أغسطس 1967، اجتمع وزراء خارجية خمس دول (ماليزيا، وإندونيسيا، والفلبين، وتايلند، وسنغافورة)، ووقّعوا "إعلان آسيان" Declaration ASEAN، المعلن عن ميلاد "رابطة أمم جنوب شرق آسيا" Nations Asian East South of Association، والمعروفة اختصارًا ب "آسيان" ASEAN. وفّر ميلاد آسيان إطارًا مهمًّ لتطوير علاقات سلمية بدلً من الصراعية، إذ انتقل الإقليم من سياسة المواجهة إلى جو التعاون والتكامل. لاحقًا، وصف عدد من الباحثين، مثل العالمين السياسييّن البارزين في مؤسسة راند؛ إنجل راباسا، وبيتر تشالك، الرابطة بالمنظمة الإقليمية الأنجح في العالم7، نظير نجاحها في نقل الإقليم نقلة نوعية فيما يتصل بالدينامية الأمنية السائدة داخل حدود الإقليم. والادعاء هنا: أن الرابطة نجحت في الحدّ من الصراعات البينية، وقلَّلت من إمكان نشوب حرب ثنائية أو تعددية؛ فالثابت أن أعضاء الرابطة المؤسّسين لم يقاتل بعضهم بعضًا منذ ميلاد المنظومة عام.1967 ومع تطور التعاون الإقليمي في جنوب شرق آسيا، بقيادة منظومة آسيان، أقرّت القمة التاسعة للرابطة في بالي بإندونيسيا، في تشرين الأول/ أكتوبر 2003، "إعلان وفاق آسيان الثاني" of Declaration II Concord ASEAN، أو ما بات يعرف ب "وفاق بالي الثاني" Bali Concord IIلإقامة جماعة آسيانية8، تتكون من ثلاثة أعمدة أساسية، هي: الجماعة السياسية والأمنية، والجماعة الاقتصادية، والجماعة الاجتماعية والثقافية، بحلول عام 20209. بعد ذلك بعام، أنشأت الرابطة برنامج عمل لتحقيق هذا الهدف. ومع مرور الوقت، زادت الطموحات في رؤية آسيان جماعة أمنية؛ فقرر قادة الرابطة، خلال قمة آسيان الثالثة عشرة بالفلبين، في كانون الثاني/ يناير 2007، تسريع وتيرة العمل لتشكيل جماعة آسيان بحلول عام 2015، بدلً من 2020. بيد أن الأمر أجِّل حتى نهاية تلك السنةُ (31 كانون الأول/ ديسمبر.)2015 هذا الخطاب الرسمي، لبناء الجماعة الآسيانية، أعقبه نقاش أكاديمي مرتجّ بشأن ما إذا كانت الدينامية الأمنية الجارية ضمن حدود الرابطة تشير إلى أنها جماعة أمنية ناشئة، مهيأة للتحول إلى جماعة أمنية ناضجة. ففي الوقت الذي نجد فيه أن كوكبة من العلماء والمنظّرين قاموا بإضفاء صفة الجماعة الأمنية على الرابطة، نجد في المقابل كوكبة أخرى قاموا بتجريدها من تلك الصفة، وجادلوا في أنها لا تعدو أن تكون نظامًا أمنيًّا إقليميًّا10 أو حيًّا يفتقر إلى صفة الجماعة، كما جادلوا في أن غياب الحرب بين دول آسيان تفسّه أسباب أخرى غير الجماعة. وفي واقع الأمر، يصطفّ كلا الرأيين وراء اتجاهين نظريين كبيرين لهما سمعتهما ومكانتهما بين مجموع نظريات العلاقات الدولية

  1. Milton Osborne, Region of Revolt: Focus on Southeast Asia (Pergamon Press: Australia, 2011).
  2. Mely Caballero- Anthony, Regional Security in Southeast Asia: Beyond the ASEAN Way (Singapore: ISEAS Publications, 2005), p. 1.
  3. Amitav Acharya, Constructing a Security Community in Southeast Asia ASEAN and the Problem of Regional Order , 2nd ed. (London: Routledge, 2009), p. 5.
  4. Ibid., p. 6.
  5. Barry Buzan & Ole Waever, Regions and Powers: The Structure of International Security (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), p.
  6. Ibid., p..134
  7. Angel Rabasa & Peter Chalk , Indonesia's Transformation and the Stability of Southeast Asia (RAND, 2001), p. 4.
  8. ضمن ما جاء في إعلان وفاق آسيان الثاني عام 2003: "ستنشأ جماعة آسيان التي تتألف من ثلاث ركائز هي: التعاون السياسي والأمني، والتعاون الاقتصادي، والتعاون الاجتماعي- الثقافي، والتي يرتبط بعضها ارتباطًا وثيقًا ببعض، ويعزز كل منها الآخر بغرض ضمان السلام الدائم، والاستقرار، والرخاء المشترك في الإقليم". انظر: " Declaration of ASEAN Concord II (Bali Concord II)," accessed on 222017/11/, at: https://goo.gl/jqh3Eg
  9. Caballero-Anthony, p. 262.
  10. يشير النظام الأمني الإقليمي مبدئيًا إلى جماعة اللاحرب؛ بمعنى أن الحرب غير موجودة ضمن حدود الإقليم، لكن مع ذلك يمكن توقعها، بل يجري التحضير لها. في مقابل ذلك، نجد أن الجماعة الأمنية الإقليمية لا تشير إلى غياب الحرب ضمن حدود الإقليم، بل تتجاوزها إلى أن الحرب لا يمكن توقعها ولا يمكن تصورها داخل الوحدات المكونة للإقليم.

والدراسات الأمنية - النظرية الواقعية الجديدة والنظرية البنائية. يقدّم هذان المنظوران تفسيرات وتأويلات متباينة، بل متضاربة، حيال طبيعة الدينامية الأمنية الجارية ضمن حدود الإقليم. ففي حين يشير الواقعيون إلى ضرورات العون الذاتي ومنطق ميزان القوة كعوامل رئيسة تشكل العلاقات الإقليمية، وأن احتمال وجود جماعة أمنية في جنوب شرق آسيا يمثل إشكالية كبيرة؛ بسبب السلوك المتمركز حول الدولة والقائم على المصالح الوطنية لأعضاء الرابطة، يرى البنائيون أن منظومة آسيان قد نجحت بالفعل في وضع مدونة سلوك إقليمية تركز على عدد من المعايير، مثل: عدم استخدام القوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومبدأ الإجماع عند اتخاذ القرارات الإقليمية؛ وهو ما قاد إلى ظهور هوية جماعية بين أعضاء الرابطة قادت بدورها إلى خلق جماعة أمنية آسيانية. بناءً على ما تقدم؛ تحاول هذا الدراسة الإجابة عن التساؤلات الآتية: هل آن الأوان حقًّا للنظر إلى آسيان على أنها جماعة أمنية إقليمية؟ وهل يمكن السلامَ الطويل المدى الذي تعيشه آسيان أن يكون نتيجة لوجود جماعة أمنية؟ أم هناك عوامل أخرى، غير الجماعة، تفس غياب الحرب بين دول آسيان؟ تستند دراستنا هذه إلى عدد من الأدبيات العلمية الرصينة الصادرة باللغة الأجنبية، والتي عكف على إنتاجها نخبة من العلماء والمنظّرين المختصيّن في قضايا الأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا. نوجز هنا مؤلَّف البنائي أميتاف أشاريا المعنون ببناء جماعة أمنية في جنوب شرق آسيا: آسيان ومشكلة النظام الإقليمي11، حيث استند أشاريا، عبر عمله هذا، إلى التجربة المؤسسية "الناجحة" لآسيان، ودورها في تغييب الحرب بين أعضائها منذ نشأتها عام 1967، لمعالجة موضوع بناء جماعة أمنية آسيانية، معتمدًا في ذلك على مقاربة بنائية، ترى أن التعاون بين الدول يجب أن يفهم بوصفه عملية اجتماعية. وقد خلص المؤلف إلى وجود جماعة أمنية إقليمية آسيانية ناشئة. وفي مقابل ذلك، نجد الدراسة التي أعدّها نيكولاس خو، عام 2004، والتي خصصها للرد على ادعاءات أشاريا التي تشير إلى وجود جماعة أمنية آسيانية، وهي الدراسة الموسومة ب "تفكيك الجماعة الأمنية الآسيانية: مقال مراجعة"12، والتي أتبعها بمقال آخر، عام 2015، حمل عنوان "الجماعة الأمنية الآسيانية: إجماع في غير محله"13. دعا خو، عبر هذين المقالين، أشاريا إلى إعادة النظر والتفكير مرة ثانية في كون آسيان تلبي شروط الجماعة الأمنية ومقوماتها؛ إذ رأى أن من شأن التدقيق في الأدلة التجريبية، ونهج الصرامة النظرية، أن يقود إلى استنتاج مفاده أن ادعاءات منظري الجماعة الأمنية تُعدّ أقل إقناعًا بكثير مما هو مجادل به. الملاحظ بشأن هذه الأدبيات، وأدبيات أخرى تدور في فلكها، أنها تؤيد وجهة نظر واحدة وتدافع عنها. أما دراستنا هذه فتحاول إدراج آراء كلا الفريقين، وما احتجوا به للاستدلال على صحة قولهم، ضمن حدود هذه الورقة، بكل تبصّ وموضوعية. كما تحاول، أولً، استنتاج الرأي الأقرب إلى واقع الدينامية الأمنية ضمن حدود جنوب شرق آسيا؛ وثانيًا، تحديد الهوية الأمنية للرابطة التي حققت خمسين سنة من الوجود؛ وثالثًا، وضع القارئ في جو النقاش الحادّ بين أبرز من خاضوا في موضوع هذه الدراسة.

أولًا: تأصيل نظري للمفاهيم ذات الصلة بموضوع الدراسة

في واقع الأمر، يستند موضوع الدراسة إلى مفهومين من المفاهيم الرئيسة ذات الصلة بدراسة ديناميات الأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا، هما: الجماعة الأمنية الإقليمية، والنظام الأمني الإقليمي. وبما أن الأمر كذلك، ولدواعٍ موضوعية ومنهجية، ارتأينا أن نخصّص للمفهومين مبحثًا لرفع اللبس عنهما، وتوضيح دلالاتهما، واستخلاص تعريف إجرائي لهما لبيان ما نعنيه بهما ضمن حدود الورقة.

منظور الجماعة الأمنية: من الدوتشية إلى البنائية

يُعدّ كارل دوتش أول من أدرج مفهوم "الجماعة الأمنية" ضمن حقل العلاقات الدولية عام 1957، والذي يعني مجموعة الدول التي تلتزم بعدم استخدام القوة في تسوية النزاعات البينية. ادعى دوتش أن فكرة "الجماعة الأمنية" تُعدّ شكلً من أشكال التعاون الدولي، يمكنها أن تقود، في بعض الظروف، إلى الاندماج. كما أنها، من ناحية أخرى، مساهمَةٌ لدراسة المناهج المختلفة التي قد تجعل القادة يلغون الحرب يومًا ما14. يرى دوتش أن "الشعور بال 'نحن'"، الذي تخلقه العمليات المفتوحة، مثل: الاتصالات، والمعرفة المشتركة، والمعاملات المادية وغير المادية، يُعدّ شرطًا مسبقًا وضروريًّا لتكوين الجماعة. ومن ثم، يعرّف دوتش الجماعة الأمنية بأنها "الحالة التي يسود فيها تأكيد حقيقي أن أعضاء تلك الجماعة لن يحارب بعضهم بعضًا طبيعيًّا، لكنهم سيحسمون

  1. Acharya, Constructing.
  2. Nicholas Khoo, "Deconstructing the ASEAN Security Community: A Review Essay," International Relations of the Asia-Pacific , vol. 4, no. 1 (2004), pp. 35–46.
  3. Nicholas Khoo, "The ASEAN Security Community: A Misplaced Consensus," Journal of Asian Security and International Affairs , vol. 2, no. 2 (2015), pp. 180–199.
  4. Andrej Tusicisny, "Security Communities and Their Values: Taking Masses Seriously," International Political Science Review , vol. 28, no. 4 (Sep. 2007), p. 426.

نزاعاتهم بطرق سلمية"15. وبهذا التعريف، يكون دوتش قد صنع الاستثناء بخروجه عن التقليد الذي كان سائدًا، آنذاك، خلال خمسينيات القرن الماضي، وفي أوج سيطرة النموذج المعرفي الواقعي الذي رسم صورة أشدّ تشاؤمًا لمضامين سيادة الدولة، وتعريفه للنظام الدولي بأنه "ميدانُ صراعٍ وحشيٍّ"، تسعى فيه الدول لتحقيق أمنها على حساب "أمن جيرانها"16. وفقًا لدوتش، هناك نموذجان لتحقيق أمن المجتمعات لهما علاقة بتطوير الخلفية المفاهيمية لمقاربة "الجماعة الأمنية" في بناء الأمن الإقليمي، هما: "الجماعة الأمنية الموحدة"، و"الجماعة الأمنية التعددية". أما النموذج الأول، وهو "الجماعة الأمنية الموحدة" Amalgamated Security Community، فيعني "الاندماج الرسمي لوحدتين أو أكثر من الوحدات السياسية المستقلة سابقًا في وحدة واحدة أوسع، مع حكومة مشتركة"17. هذه الأخيرة قد تكون وحدوية، أو اتحادية، مثل ما هي عليه الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، اليوم، والتي تمثّل نموذج الأمن الموحّد؛ فقد أضحت وحدة حكومية واحدة بالاندماج الرسمي لعدة وحدات مستقلة سابقًا، ولها مركز اتخاذ قرار أعلى واحد18. أما النموذج الثاني، وهو "الجماعة الأمنية التعددية" Pluralistic Security Community19، فهو قائم على ترابط أمن الدول المشترِكة في هذا النموذج، ولكنّها في الواقع تحتفظ بحكوماتها منفصلة، وباستقلالها القانوني، مثل العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وكندا20. فالأمن التعددي يتمثل، وفقًا لدوتش، بمنظومة من الدول المستقل بعضها عن بعض، والتي تتوافر فيها ضمانة حقيقية أنها لن يقاتل بعضها بعضًا. وبدلً من ذلك، ستسوِّي نزاعاتها وخلافاتها عبر مناهج أخرى غير نَهْج الحرب. لا تأتي الضمانة الحقيقية هنا من "الليفياثان" الذي يفرض السلام عبر سلطة مركزية، كما ورد عن هوبز، ولكن من المعرفة المشتركة لنيات الدول وسلوك بعضها تجاه بعض. وبالطبع، ليست هذه المعرفة يقينية تمامًا، مثلها مثل معرفة أن "الليفياثان" سيحافظ على السلام، كما يشهد بذلك تكرار الحروب الأهلية. المسألة هنا مسألة توقع وليست مسألة إمكانية21. فقيام الحرب، كما يجادل المفكر الواقعي جون ميرشايمر، كهطول المطر، أمر متوقع باستمرار22؛ لأن الاستعداد للعنف أمر متأصل في طبيعة الدول، ولكن في جماعة أمنية تعددية لم يعد يُنظر إلى الحرب على أنها سبيل مشروع لحل النزاعات. غير أن ذلك لا يمنع ظهور الصراعات، ولكن عندما تظهر فسيتم التعامل معها عن طريق المفاوضات والتحكيم أو المحاكم، حتى إن كانت التكلفة المادية للحرب منخفضة لطرف واحد أو لجميع الأطراف23. وفي تطور نظري جديد، أعاد إيمانويل أدلر ومايكل بارنيت طرح مفهوم الجماعة الأمنية وفق تصور بنائي، لتفعيل الأجندة البحثية التي استحدثها دوتش خلال خمسينيات القرن المنصرم. ركز عمل أدلر وبارنيت على دراسة تطور الجماعات الأمنية التعددية والظروف التي تنشأ في ظلها. لذلك يعرّف الباحثان الجماعة الأمنية التعددية بوصفها "إقليمً عابرًا للحدود الوطنية يضم دولً ذات سيادة، بقيت شعوبها متمسكة بتوقعات موثوقة من التغيير السلمي"24. بحسب لأدلر وبارنيت، يمكن وضع تصنيف للجماعة الأمنية وفقًا لدرجة المأسسة، أو لعمق الثقة المتبادلة. هنا، يميّز الباحثان بين نوعين من الجماعات الأمنية التعددية، هما25: الجماعة الأمنية المترابطة ترابطًا ليّنًا Loosely-coupled communities security، وتشتمل على دول ذات سيادة، وتحافظ شعوبها على توقّعات موثوقة من التغيير السلمي. ونظرًا إلى احتوائهم على بنية مشتركة من المعاني والهوية، فإن أعضاء مثل هذا النوع من الجماعة لا يتوقّعون أي نشاط عدواني من بعضهم ضد بعضهم الآخر. الجماعة الأمنية المترابطة ترابطًا صارمًاTightly coupled communities security، وتعني الكيانات التي تتميز بوجود مجتمع "العون المتبادل" aid Mutual، مع وضع ترتيبات نظام جماعيٍّ، وذلك بدل مفهوم "العون الذاتي" في تراث الواقعية/

  1. Karl Deutsch et al., Political Community and the North Atlantic Area: International Organization in the Light of Historical Experience (Princeton: Princeton University Press, 1957), p. 6.
  2. جون بيليس، "الأمن الدولي في حقبة ما بعد الحرب الباردة"، في: جون بيليس وستيف سميث، عولمة السياسة العالمية (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2004)، ص.415
  3. Deutsch et al., p. 6.
  4. Ibid.
  5. إحدى طرق التفكير بشأن الفرق بين الجماعة الأمنية التعددية ومنظومة الأمن الجماعي أن الأولى تتعلق بالنزاعات داخل الجماعة، بينما تتعلق الثانية بالنزاعات بين الجماعة وأولئك غير الأطراف فيها (سواء غير الأعضاء، أو الأعضاء الرافضون لمعايير الجماعة.) منظومة الأمن الجماعي قائمة على مبدأ المساعدة المتبادلة، أو "الكل من أجل واحد، وواحد من أجل الكل": عندما يكون أمن أحد الأعضاء مهددًا بعدوان، فإنه يفترض أن يهبّ الجميع
  6. Ibid., p. 6.
  7. ألكسندر ونت، النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية، ترجمة عبد الله جبر العتيبي (الرياض: النشر العلمي والمطابع-جامعة الملك سعود، 2006)، ص 411 -.412
  8. بيليس، ص.418
  9. ونت، ص.412 24 Emanuel Adler & Michael Barnett, "A Framework for the Study of Security Communities," in: Emanuel Adler & Michael Barnett (eds.), Security Communities (United Kingdom: Cambridge University Press, 1998), p. 30.
  10. للدفاع عنه، حتى لو لم يكن أمنهم الشخصي محلّ تهديد، في حين أن الجماعة الأمنية التعددية مؤسسة على نمط من الاعتماد الأمني المتبادل الذي لا تتوقع فيه الوحدات استخدام القوة، أو التحضير لاستخدامها، في علاقاتها السياسية بعضها مع بعض.
  11. Ibid.

الواقعية الجديدة. كما يمتلك هذا النوع من الجماعات الأمنية مؤسسات وطنية، وعبر وطنية، وفوق وطنية مشتركة، توفّر نوعًا ما من نظام الأمن الجماعي. لذلك كله؛ نعتقد أن مفهوم "الجماعة الأمنية" قد مثَّل بالفعل منفذًا لتجاوز مشكلة "المعضلة الأمنية" Dilemma Security. وضمن هذا المنظور، يرى كين بوث، ونيكولاس ويلر، أن فكرة الجماعات الأمنية تعدُّ مشروعًا أشدّ تفاؤلً لأولئك الذين لا يفكرون في أن المجتمع يجب أن يعيش قسريًا في بيئة الحرب والتحضير لها26. بالطبع، هذا لا يعني أن أعضاء الجماعة قد "نجوا" من المعضلة الأمنية نهائيًّا، ولكن تم "تجاوزها" لأن الحرب أصبحت متعذرة عمليًّا27. وعمومًا، يتفق منظرو الجماعة الأمنية الدوتشية والبنائية في أن الدينامية الأمنية بين أعضاء الجماعة الأمنية تتميز بغياب الحرب، أو أي تحضير منظم ومهم لها، مثل: التخطيط للطوارئ العسكرية، أو التحضيرات العسكرية التنافسية، أو سباق التسلح، ونحو ذلك. والسؤال المطروح هنا: هل تغيب الحرب عن إقليم جنوب شرق آسيا؟ إن كانت الإجابة تحمل معنى الإيجاب، نطرح التساؤل الثاني: ألا توجد تحضيرات منظمة ومهمة للحرب داخل حدود الإقليم؟ الإجابة ستكون ضمن الأسطر المتبقية في هذه الورقة.

22 مفهوم النظام الأمني الإقليمي

يعد "النظام الأمني الإقليمي" Regime Security Regional أحد المفاهيم الرئيسة التي باتت تحتل مكانة أساسية ضمن أدبيات الدراسات الأمنية والإقليمية؛ قصد دراسة الديناميات الأمنية الإقليمية الجارية، وتحليلها وفهمها في مختلف أرجاء المعمورة. ويعني النظام الأمني، وفقًا لمطور المفهوم روبرت جيرفيس مجموعة "المبادئ والقواعد والمعايير التي تحدّ من سلوك الأمم، مع الاعتقاد أن الآخرين سيبادلونهم السلوك نفسه. وهو مفهوم لا يشمل المعايير والتوقعات التي تيسّ التعاون فحسب، بل يتضمن أيضًا شكلً من أشكال التعاون الذي هو أكثر من أن يتعلق بمصلحة ذاتية قصيرة المدى"28. كما يعرّفها في موضع آخر بأنها "مجموعة من الدول التي تتعاون فيما بينها لإدارة نزاعاتها وتجنب الحرب، إنشادًا للحد من المعضلة الأمنية عن طريق سلوكياتهم الخاصة وافتراضاتهم بشأن سلوكيات الأطراف الأخرى"29. كما جاء تعريف روبرت كيوهان Keohan Robert للمنظومات الأمنية ليصبّ في الاتجاه نفسه، فكتب في ذلك: "تعرف الأنظمة الأمنية بانتهاج دولتين أو أكثر لسلوك تعاوني منتظم في قضايا ذات صلة بأمونها الوطنية، ومحددًا بقواعد ومعايير ضمنية أو صريحة بحيث تسمح للأمم بأن تقيد من سلوكها، مع الاعتقاد بأن الآخرين يبادلونها الاعتقاد نفسه"30. أما باري بوزان فيعرّفها بأنها "نمط من أنماط الاعتماد الأمني المتبادل الذي لا يزال محددًا بالخوف والحرب وتوقعات استعمال العنف في العلاقات السياسية البينية، لكن حين تكون تلك المخاوف والتوقعات مقيَّدة بمجموعة قواعد سلوك متفق عليها، وتوقّع أن تلك القواعد سيتم التقيد والالتزام بها"31. ما يستخلص من التعريفات السابق سردها للنظام الأمني الإقليمي أنه يُعدّ أضعف تماسكًا من الجماعة الأمنية الإقليمية، أو لنقل إن النظام الأمني يُعدّ محطة من محطات التعاون الأمني الإقليمي قبل بلوغه طور الجماعة الأمنية الإقليمية. فالنظام الأمني لا يدلّ ضمنيًا على أن العلاقات بين وحداته أصبحت منسجمة ومن دون نزاعات. والنزاعات، بالأحرى، موجودة داخل حدود النظام، لكن الفواعل المحلية عمدت إلى نهج التعاون للتعامل معها. النظام الأمني، إذًا، يصف الحالة التي تكون فيها مصالح فواعله "لا هي متطابقة كلية ولا هي متصادمة كلية"؛ فالنظام الأمني قد يُطوَّرُ ضمن علاقات عدائية، بحيث لا تزال توقعات قيام الحرب واستخدام القوة قائمة بوجود ميزان قوى إقليمي، أو حالة ردعٍ متبادلَةٍ. لكن، في مقابل ذلك، يجب أن تكون الجماعة الأمنية مستندة إلى تقارب أساسي واضح وطويل المدى للمصالح بين الفواعل بخصوص تجنب الحرب.

ثانيًا: جنوب شرق آسيا وميلاد آسيان: من المواجهة إلى التعاون

وُسم إقليم جنوب شرق آسيا، خلال الفترة التالية لعمليات تصفية الاستعمار خلال أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، بأنه إقليم "بلقان ال" قرر32، وإقليم "الدومينو"33، و"إقليم التمرد"34. أطلقت مثل هذه التوصيفات نتيجة الحروب والصراعات الدمويةُ والمنافسات الأمنية التي ميزت الإقليم آنذاك35. لذلك أطلق بوزان

  1. Ken Booth & Nicholas J. Wheeler, "Uncertainty," in: Paul D. Williams, Security Studies: an Introduction (London and New York: Routledge, 2008),
  2. Ibid., p. 143.
  3. Robert Jervis, "Security Regimes," International Organisation , vol. 36,
  4. بيليس، ص.425
  5. Helga Haftendorn, "The Security Puzzle: Theory—Building and Discipline—Building in International Security," International Studies Quarterly , vol. 35, no. 1 (1991), p. 9.
  6. Buzan & Weaver, pp. 491 - 492. p. 142.
  7. Acharya, Constructing , p. 5.
  8. Ibid. 34 Milton.
  9. no. 2 (Spring 1982), p. 357.
  10. Acharya, Constructing , p. 5.

ووايفر على الإقليم ذاته وصف "تكوين الصراع"36. وامتدت هذه الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 1967، تاريخ إنشاء رابطة أمم جنوب شرق آسيا، الهيئة التي عملت على الحد من الصراعات، وعوامل الشك والريبة، بين وحدات الإقليم؛ إذ لم تحارب الدول المؤسسة لآسيان بعضها بعضًا منذ نشأة الأخيرة، أواخر ستينيات القرن المنصرم37، وهو ما بدا كأنه محاولة لبناء جماعة أمنية إقليمية متمحورة حول منظومة آسيان38، تسعى لمعالجة النزاعات البينية عبر آليات محددة ومنتظمة من دون اللجوء إلى الحرب.

ما مهّد لوضع حدّ لحالة تكوين الصراع، والانطلاق في بناء نظام أمني يمهّد بدوره لبناء جماعة أمنية إقليمية متميزة، هو تغير الحكومة الإندونيسية عام 1967 برحيل أحمد سوكارنو، ومجيء محمد سوهارتو، ومعه سياسة "حسن الجوار"، بديلً من سياسة "المواجهة" Confrontation التي ابتدعها سابقه ضد ماليزيا وسنغافورة. هذا التحول في هرم السلطة في إندونيسيا، وما لحقه من تغير في سياسة الدولة نحو دول الجوار الإقليمي، هو ما قاد الدول الخمس (ماليزيا، وإندونيسيا، والفلبين، وتايلند، وسنغافورة) نحو إنشاء منظومة آسيان، صيف 1967، أملً أن يتمّ الحد من المعضلة الأمنية، ورغبةً في ترويج الاستقرار الإقليمي وتعزيزه. اتفق الأعضاء المؤسِّ سون عند إنشاء آسيان على ضرورة إيجاد "قاعدة متينة من العمل المشترك لتعزيز التعاون الإقليمي"39. كما سعت المنظومة الوليدة إلى وضع إطار يمكّنها من التقليل التدريجي من حالة الخوف والتنافس عبر التفاعلات المتبادلة وإجراءات بناء الثقة. وتحقيقًا لتلك الغاية، اعتمد مؤسسو آسيان مجموعة من المعايير قصد بناء علاقات سلمية بين الدول الأعضاء داخل حدود الإقليم، شكّلت لاحقًا القواعد الأساسية الناظمة للعلاقات بين الدول أعضاء مجموعة آسيان فيما يتعلق بالصراع وإنهائه. ومن بين هذه المعايير الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحل النزاعات بالوسائل السلمية، والاستقلالية الإقليمية/ أقلمة الحلول، ونبذ سياسة الأحلاف العسكرية المتعددة الأطراف، والإجماع، والتشاور في صنع القرار. ولقد قادت هذه القواعد والمعايير التي تعرف في مجموعها ب "نهج آسيان" Way ASEAN، إلى ظهور بوادر نظام أمني إقليمي لوكي تنافسي، بدلً من النظام الهوبزي الصراعي السابق، إذ تعد الرابطة أول خطوة ناجحة تبتعد عن تكوين الصراع، وتتقدم نحو إطار مؤسسي لحل النزاعات سلميًّا40. خلال سنواتها التكوينية، لم تكن لآسيان القدرة على تشكيل نظام أمنيّ إقليميّ، كما لم يكن الأمن هدفًا صريحًا على جدول أعمالها. ومع ذلك، مثّلت آسيان مرحلة جديدة وحاسمة في انتقال جنوب شرق آسيا من تشكيل الصراع إلى نظام أمني؛ إذ تمثّل آسيان اليوم القوة الدافعة للإقليمية الأمنية في جنوب شرق آسيا، ولبّ النظام الأمني للإقليم ذاته، خصوصًا مع توسّع العضوية خلال تسعينيات القرن المنصرم لتشمل كل دول الإقليم عدا تيمور الشرقية التي انفصلت عن إندونيسيا عام.2002

ثالثًا: أطروحة آسيان بوصفها جماعة أمنية: منظور بنائي

مع ميلاد رابطة آسيان، عام 1967، كان عدد من الأقلام، وكثير من الأصوات، قد شكّك في قدرة المنظومة الوليدة على الصمود والبقاء في بيئة فوضوية وسياق أزماتي41. عندما أنشئت آسيان عام 1967 كان الإقليم مقسّمً تقريبًا بكل أنواع التمايزات المحتملة؛ التاريخية، والعرقية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية. كانت إندونيسيا قد أنهت لتوها سياسة المواجهة التي انتهجتها ضد ماليزيا وسنغافورة. الأخيرة انسحبت قبيل إنشاء آسيان من الاتحاد الماليزي. ماليزيا والفلبين كانتا في صراع حول ملكية صباح. في سياق كهذا، محللون قليلون آمنوا بقدرة آسيان على الصمود والبقاء42.

  1. Buzan & Wæver, p. 97.
  2. Acharya, Constructing , p. 6.
  3. Buzan & Wæver, p. 97.
  4. ASEAN Secretariat, "The ASEAN Declaration 1967," accessed on 4/6/2017, at: https://goo.gl/xBJuBe
  5. Khoo How San, "Approaches to the Regional Security Analysis of Southeast Asia," A thesis submitted for the degree of Doctor of Philosophy, The Australian National University, 1999, p. 12.
  6. Shaun Narine, "ASEAN in the Twenty-First Century: A Skeptical Review," Cambridge Review of International Affairs , vol. 22, no. 3 (September 2009), pp. 369 - 386.
  7. Narine, p. 372; Alice D. Ba, (Re)Negotiating East and Southeast Asia Region, Regionalism, and the as Sociation of Southeast as Ian Nations (Stanford: Stanford University Press, 2009), p. 17; Anja Jetschke, "ASEAN," in: Mark Beeson & Richard Stubbs (eds.), Routledge handbook of Asian Regionalism (New York: Routledge, 2012), p. 328.

بيد أنه مع مرور الوقت، وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، بدأت أصوات التفاؤل تتعالى شيئًا فشيئًا؛ فقد أعلن عدد من المحللين الأمنيين، وعلى رأسهم أميتاف أشاريا ونور الدين صوبيي، قبول وجود نوع من الجماعة الأمنية ضمن حدود إقليم جنوب شرق آسيا. وذلك يعني أن دول الرابطة قد قبلت بعض القواعد المشتركة، علاوة على أنها تعلّمت حل نزاعاتها سلميًّا من دون اللجوء إلى استخدام القوة. كانت الرؤية التفاؤلية هذه تكمن في إدراك التلاحم السياسي المتنامي لآسيان، كما يتضح من نجاحها في قيادة ائتلاف مناهض لفيتنام في الساحة الدولية، معارضةً غزو فيتنام لكمبوتشيا (كمبوديا حاليًا) في كانون الأول/ ديسمبر 1978، وإعلانها عن منطقة التجارة الحرة لآسيان، ودورها البارز في الآبيك والمنتدى الإقليمي لآسيان، وقيادتها للهندسة الأمنية الإقليمية في جنوب شرق آسيا. ولوجود التزامات محلية قوية من طرف دول آسيان، والتي حاولت منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي تجنب أي سياسة وطنية من شأنها أن تضر بالرابطة، أعلن ديفيد إيرفين، عام 1982، أن آسيان تعد "واحدة من أنجح التجارب في التعاون الإقليمي فيما بين بلدان العالم الثالث"43. كما أقرت دراسة شيلدون سيمون عام 1982 أنه على الرغم من وجود خلافات بين الدول، فإنها ليست بالخطرة. وأشاد بإنجازات آسيان، واصفًا إياها بأنها مجموعة اقتصادية كانت "تحتضر حتى الآن"، إلا أنها تحولت إلى "أكثر التجمعات السياسية دينامية في تاريخ الإقليم"44. وعلى نحو مماثل، أعلن جيفري وايزمان، بثقة كبيرة، أن "تطور [آسيان] قد أسفر عن مجموعة جديدة من المواقف والآليات غير الرسمية، لتفادي الصراعات التي تجعل الحرب بين الدول الأعضاء غير محتملة [...]. كما أن تجربة الرابطة تشكل تحديًا مثيرًا للاهتمام للأطروحة القائلة إن الدول الديمقراطية فقط وحدها التي لا يخوض بعضها حروبًا ضد بعض"45. مع نهاية الحرب الباردة، والتحاق كل دول جنوب شرق آسيا بمنظومة آسيان، طفت فوق السطح نقاشات نظرية حادّة بين البنائيين والواقعيين حول إمكانية وصف إقليم جنوب شرق آسيا بأنه بات يشكّل جماعة أمنية إقليمية؛ فإذا كان الإقليم يمثّل جماعة أمنية فإن ذلك يعني أن الحرب بين دوله أصبحت متعذرة ولا يمكن تصورها. ضمن هذا السياق، يعتقد عدد من العلماء والمنظّرين، من ذوي الاتجاه البنائي المهتميّن بقضايا الأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا، أن الأخيرة قد وصلت إلى وضع الجماعة الأمنية ولكن في مرحلة ناشئة، نتيجة لعملية التنشئة الاجتماعية والالتزام بالقواعد الإقليمية46. ويأتي على رأس هؤلاء أميتاف أشاريا الذي خلص في دراسة له، نشرت في باسيفيك أفيرز عام 1991، إلى أن "آسيان قد برزت مع الفترة المبكرة لتسعينيات القرن المنصرم ك 'جماعة أمنية ناشئة' باعتمادها معايير العمل الجماعي، ومبادراتها المختلفة الموجهة صوب بناء هوية جماعية؛ ما ساعد على بناء جماعة أمنية إقليمية"47. وأشار أشاريا إلى وجهة نظره حول رابطة أمم جنوب شرق آسيا كجماعة أمنية في موضع آخر، مستخدمًا نسخة معدلة من مفهوم كارل دوتش للجماعات الأمنية التعددية. كما اعتقد أدلر وبارنيت، عبر عملهما عام 1997، أن الرابطة تقترب من تحقيق نموذج الجماعة الأمنية48، بينما رأى كاكويكز أن جنوب شرق آسيا قد انتقل فعلً من حالة السلام السلبي إلى وضع السلام المستقر، ومن ثم من نموذج النظام الأمني إلى نموذج الجماعة الأمنية التعددية49. واستنادًا إلى إطار الجماعات الأمنية التي اقترحها أدلر وبارنيت، يرى أشاريا أن الأسس القوية للجماعة الأمنية قد بُنيت فعلً في رابطة آسيان، إلا أنه ينفي ادعاء أدلر وبارنيت أن الجماعات الأمنية تتطلب

  1. David Irvine, "Making Haste Less Slowly: ASEAN from 1975," in: Alison Broinowski, (ed.), Understanding ASEAN (London and Basinglltoke: Macmillan Press, Ltd), p. 68.
  2. Sheldon Simon, The ASEAN States and Regional Security (Stanford: Hoover, 1982), p. 134.
  3. Geoffrey Wiseman, "Common Security in the Asia-Pacific Region," Pacific Review , vol. 5, no. 1 (1992), p. 48.
  4. Noordin Sopiee, "ASEAN and Regional Security Community," in: Mohammed Ayoob (ed.), Regional Security in the Third World: Case Studies from Southeast Asia and the Middle East (London: Croon Helm, 1986), pp. 221–234; Amitav Acharya, "A Regional Security Community in Southeast Asia?" Journal of Strategic Studies , vol. 18, no. 3 (1995), pp. 175–200; Acharya, Constructing ; J. Soedjati Djiwandono, ASEAN: An Emerging Regional Security Community? (Jakarta: Centre for Strategic and International Studies, 1991); Michael Leifer, "ASEAN as a Model of a Security Community," in: Hadi Soesastro (ed.), ASEAN in a Changed Regional and International Political Economy (Jakarta: Centre for Strategic and International Studies, 1995), pp. 129-142; Abdul Samad Paridah & Mohammad Mokhtar, "ASEAN's Role and Development as a Security Community," Indonesian Quarterly , vol. 23, no. 1 (1995), pp. 41–68; Peou Sorpong, "Merit in security community studies," International Relations of the Asia-Pacific , vol. 5, no. 2 (2005), pp. 267–274.
  5. كان لأشاريا عدد من الدراسات والكتب والمساهمات الأكاديمية، التي جادل من خلالها، منذ عام 1991 إلى اليوم، بأن مجموعة آسيان تمثل جماعة أمنية ناشئة. انظر على سبيل المثال: Amitav Acharya, "Association of Southeast Asian Nations: 'Security Community' or 'Defense Community'?" Pacific Affairs , vol. 64, no. 2 (Summer, 1991), pp. 159–178; "A Regional Security Community in Southeast Asia?" Journal of Strategic Studies , vol. 18, no. 3 (September, 1995), pp. 175–200; "Collective Identity and Conflict Management in Southeast Asia," in: Adler & Barnett (eds.), p. 213.
  6. Adler & Barnett, "Security Communities in Theoretical Perspective," in: Adler & Barnett (eds.), p. 16.
  7. Arie M. Kacowicz, Zones of Peace in the Third World: South America and West Africa in Comparative Perspective (New York: State University of New York Press, 1998), p. 24.

بيئة ليبرالية ديمقراطية50. وهكذا، وُصف أشاريا بأنه أحد المدافعين عن أطروحة "السلام الاستبدادي". وفي هذا السياق، يعلن أشاريا أنه من دون فهم للمنظور البنائي، ومن ثم للجماعة الأمنية البنائية، سيكون من العسير تفسير ظهور الرابطة بوصفها جماعة أمنية. تتمثل معايير آسيان التي تحدّث عنها أشاريا في: المعايير "القانونية - العقلانية" Legal-rational التي تشمل عدم استخدام القوة، وعدم التدخل في الشؤون المحلية، والاستقلالية الإقليمية، وتجنب سياسة الأحلاف العسكرية؛ والمعايير "السوسيو - ثقافية" Socio-cultural التي تشمل المشاورات، والإجماع، وتفضيل الآليات الشكلية على نظيرتها الرسمية51. علاوة على ذلك، يرى أشاريا أن آسيان قد غرست ثقافة مؤسسية ساعدت على إدارة النزاعات بين الدول الأعضاء، قادت إلى اعتبار آسيان جماعة أمنية ناشئة، بحيث لا يمكن توقع أن تستخدم الوحدات السياسية، أعضاء الجماعة، القوة لحل خلافاتها فيما بينها. من ناحية أخرى، يرى أشاريا أن معنى الجماعة الأمنية الآسيانية التي عناها لا تأتي بمعنى الجماعة الأمنية الدوتشية، لسبب بسيط هو استمرار بعض التوترات البينية، خصوصًا تلك التي بين سنغافورة وماليزيا، أو الصدامات الحدودية بين كمبوديا وتايلند. هذا فضل عن أن إقليم جنوب شرق آسيا، كما يرى أشاريا، لم يبلغ بعدُ مرحلة الحدود المشتركة المرنة، ولا الدرجة العالية من الاعتماد المتبادل الاقتصادي، ليبلغ طور الجماعة الأمنية الناضجة. لذلك، يميل أشاريا إلى الأخذ بمقاربة الجماعة الأمنية ذات المنظور البنائي، الأشدّ تميزًا، والأكثر تطورًا، ليثبت أن آسيان تتلاءم، إلى حد بعيد، ومفهوم الجماعة الأمنية التعددية الناشئة.

رابعًا: أطروحة آسيان بوصفها جوارًا ونظامًا أمنيًّا وليس جماعة

يبحث هذا القسم من الدراسة حجج الذين ينفون صفة الجماعة الأمنية عن مجموعة آسيان، والتي يرون أنها لا تمثل سوى كوكبة من الدول المتجاورة التي تفتقد صفة الجماعة، أو أنها تشكل في أحسن الأحوال نظامًا أمنيًّا إقليميًّا، منطلقين في ذلك من منظورات واقعية. في واقع الأمر، يطرح الواقعيون/ الواقعيون الجدد حجّتين لدعم موقفهم حيال أمن جنوب شرق آسيا: أولً، أن الدول الإقليمية تزيد نفقاتها الدفاعية باطّراد لأنها تخشى أن تؤدي النزاعات السياسية أو التاريخية أو الادعاءات الإقليمية العديدة في المنطقة إلى صدامات عنيفة؛ وثانيًا، أن دول جنوب شرق آسيا تتصرف وفقًا لمنطق سياسة ميزان القوة، من خلال إقامة علاقات دفاعية مع الدول الكبرى ضد التهديدات الخارجية، أو كوسيلة لضمان الأمن في أوقات الغموض الإستراتيجي، وهو ما يتنافى مع أساس الجماعة الأمنية المتعلق بالتوقعات الموثوقة من التغيير السلمي طويلة المدى. ضمن هذا السياق، يرى مايكل ليفر، وهو أحد أبرز من بحثوا في أمن جنوب شرق آسيا وفق منظورات واقعية، أن المفهوم الواقعي لتوازن القوى، وليس الرؤية البنائية للهوية الإقليمية المشتركة، هو الذي يحدّد ديناميات الأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا. وعلى الرغم من أنه وصف آسيان في وقت سابق بأنها "جماعة أمنية وليدة"52، بسبب التزام الرابطة بعدم استخدام القوة في تسوية نزاعاتها البينية، فإن ليفر عدل عن موقفه ذاك، وجادل من خلال عمل لاحق في أن أعضاء الرابطة يفتقرون إلى المصالح المشتركة التي تؤهّلهم لتأسيس "جماعة أمنية حقيقية"53. بل يذهب ليفر إلى حد انتقاد الرابطة؛ لفشلها في توليد "منظور إستراتيجي مشترك" في خضم التهديدات الخارجية النابعة من القوة المتنامية للصين54. لكن خلقت الارتباطات الدفاعية مع القوى الخارجية، أيضًا، نوعًا من موازين القوة في الإقليم55. مقاربة ليفر للدينامية الأمنية في جنوب شرق آسيا وافقها عدد من كبار الباحثين في الشؤون الأمنية ذات الصلة بجنوب شرق آسيا؛ إذ أجمع هؤلاء على رفض وصف آسيان بالجماعة الأمنية56، مثل: نيكولاس خو، ولي جونس Jones Lee، وبيو سوربونغ Peou

  1. Amita Acharya, "Collective Identity and Conflict Management in Southeast Asia," in: Adler & Barnett (eds.), p. 200.
  2. Acharya , Constructing , pp. 54 - 98.
  3. Michael Leifer, ASEAN and the Security of South East Asia (London: Routledge, 1989), pp. 139, 154.
  4. Michael Leifer, Dictionary of the Modern Politics of South-East Asia (London: Routledge, 1995), p. 260.
  5. Leifer, ASEAN and the Security of South East Asia.
  6. نشير هنا إلى أن أغلب دول الإقليم يمتلك ارتباطات دفاعية مع القوى الخارجية الغربية التي تلتزم بالدفاع عن جنوب شرق آسيا. الأمثلة الأوضح ضمن هذا السياق هي التحالفات التي تربط تايلند والفلبين بالولايات المتحدة، و"الترتيبات الدفاعية للقوى الخمسة" Five Arrangements Defence Powers التي تجمع ماليزيا، وسنغافورة، والمملكة المتحدة، وأستراليا، ونيوزيلندا. والتي شُكّلت في 16 نيسان/ أبريل 1971، بلندن.
  7. James Cotton, Crossing Borders in the Asia-Pacific: Essays on the Domestic– Foreign Policy Divide (New York: Nova Science Publishers, 2002); Narayanan Ganesan, "Rethinking ASEAN as a Security Community," Asian Affairs , vol. 21, no. 4 (1995), pp. 210–226; David Martin Jones & Michael Lawrence Rainsborough Smith, "ASEAN's Imitation Community," ORBIS , vol. 46, no. 1 (2001), pp. 93–109; David Martin Jones & Michael Lawrence Rainsborough Smith, "Constructing Communities: The Curious Case of East Asian Regionalism," Review of International Studies , vol. 33, no. 1 (2007), pp. 165–186; Lee Jones, ASEAN, Sovereignty and Intervention in Southeast Asia (New York: Palgrave, 2012); Nicholas Khoo, "Deconstructing; Realism is Dead? A Journey Through Academic Myths on Asia's International Politics," ORBIS , vol. 58, no. 2 (2014), pp. 182–197.

Sorpong، وآلان كولينز Collins Alan، وإندي بايوني Endy Bayuni M.، وجيمس كوتون James Cotton، ومورغن بوتس Potts Morgan، ورالف إيمرس Emmers Ralf57. هذا الأخير رد على من ألبسوا مجموعة آسيان ثوب الجماعة الأمنية بأن العوامل الأساسية التي عملت على منع قيام حروب كبرى بين دول الرابطة تفسّها عوامل أخرى، غير الجماعة، كميزان القوة؛ إذ يرى أن الأخير يعد العامل الناظم للعلاقات البينية داخل آسيان. هذ فضلً عن أن كتابات علماء آخرين مثل: باري بوزان، وأوليه وايفر58، وتيم هكسلي59، توضح أيضًا منظورًا واقعيًّا لدينامية الأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا؛ إذ يرى هؤلاء أن احتمال وجود جماعة أمنية في جنوب شرق آسيا يمثل إشكالية كبيرة، بسبب السلوك المرتكز على الدولة والقائم على المصالح الفردية لأعضاء الرابطة. من ناحية أخرى، يثير استمرار النزاعات والتوترات الثنائية والإقليمية التي تعوق هدف التعاون من أجل تحقيق المصلحة الجماعية، تساؤلات حقيقية حول صلاحية الادعاء القائل بالجماعة الأمنية الآسيانية؛ فعجز الرابطة عن الانتقال إلى مستوى تكاملي على المستوى السياسي يوحي بأن العلاقات بين الدول في إقليم آسيان لا تختلف، في الواقع، عن العلاقات بين البلدان في أي إقليم من أقاليم العالم، إذ تحكمها حسابات المصلحة الوطنية، والقوة النسبية، لا سيما عندما تصطدم العواطف التاريخية والإثنية بالمصالح الآنية. ضمن هذا السياق، يجادل بيو سوربونغ في أن البنائيين، ومن ضمنهم أشاريا، يميلون إلى المبالغة في تقدير القوة الإيجابية ل "القواعد والمعايير"، ثم يطرح تساؤله على الصيغة التالية60: لو أن دول آسيان حقّقت، بالفعل، نموذج الجماعة الأمنية الناشئة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، هل يعني ذلك أنّ هذه الدول لن يحضّ بعضها للحرب ضد بعضها الآخر؟ وهل هذه الدول اليوم على استعداد للرد جماعيًّا على التهديدات الآتية من خارج الإقليم؟ في واقع الأمر، يعتقد خو أن دول جنوب شرق آسيا لا تفي بمتطلبات قيام جماعة أمنية وشروطها لسببين تجريبيين على الأقل61: الأول أن واقع الدول، أعضاء الرابطة، يبيِّ أنها في تحضير مستمر لاستخدام بعضها القوة ضد بعض، بل هي تستخدمها فعلً. أما الثاني فيتعلق بديناميات العلاقات داخل منظومة آسيان، مع وجود أدلة قوية ومتكررة بشأن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى داخل مجموعة آسيان. هذا الطرح يوافقه كولينز الذي يرى أن المشكلة الأخطر بالنسبة إلى آسيان، بوصفها جماعة أمنية، وفقًا لأطروحة القائلين بالجماعة، تتعلق بوجود إعدادات منظمة ومهمة للذهاب إلى محاربة بعض هذه الدول لبعضها الآخر. كما يرى أن واقع الدينامية الأمنية داخل آسيان لا يتلاءم إلا مع نموذج النظام الأمني الذي طوّره روبرت جيرفيس خلال ثمانينيات القرن الماضي، لسبب بسيط هو وجود احتمالية الحرب البعيدة62. دليل كولينز على ذلك أن "السياسة الدفاعية التي تنتهجها سنغافورة [...] تدل على قلق بالغ إزاء ردع ماليزيا". كما يرى أن "نظام القتال الذي وضعته القوات المسلحة السنغافورية مصمّم لاحتمال نشوب حرب مع ماليزيا". وهذا النوع من العلاقات الأمنية يقوم على سياسة الردع، وفي الوقت نفسه "يتسم بالتوتر الشديد وانعدام الثقة المتبادلة"63، إلى درجة دخول البلدين في سباق تسلح ثنائي. لذلك، فإن الإستراتيجيات الدفاعية التي تتضمن الاستيلاء على أقاليم عضو آخر ليس لها أي محل من الجماعة الأمنية. يذهب خو، في معارضته القائلين بالجماعة الأمنية الآسيانية، إلى حد المجادلة في أن "القوة العسكرية قد يكون لها مستقبل أكثر إشراقًا في آسيان؛ ما يدفع دعاة الجماعة الأمنية إلى الاعتقاد به". ويرى أن استخدام مفهوم الجماعة الأمنية لتوصيف التفاعلات الأمنية بين الدول الجيران، كمبوديا وميانمار، وكمبوديا وتايلند، لن يؤدي إلا إلى إساءة سمعة المفهوم. وفي واقع الأمر، قوّض الصدام المسلح الحدودي بين ميانمار وتايلند عام 200164، ولاحقًا بين كمبوديا وتايلند، قرب معبد "بريه فيهير" Vihear Preah، عامي 2008 و 2009، والذي أعقبه قرار الأولى زيادة إنفاقها العسكري65، ثم تجدُّد الصراع نفسه عام 2011، علاوة على بعض الصراعات المحلية النشطة، والنزاعات العسكرية العالقة، إمكانيةَ اجتياز عتبة النظام الأمني، والانتقال إلى طور الجماعة الأمنية. وكما يجادل سوربونغ فإن هذه الصراعات وإن لم ترقَ إلى درجة الحرب، فإنها لا تجعل من آسيان، أيضًا، جماعة أمنية إقليمية66. ضمن السياق ذاته، نجد أن ريزال زوكما Sukma Rizal، وهو أحد الداعين إلى تأسيس جماعة أمنية آسيانية، يرى أن النزاع الحدودي بين كمبوديا وتايلند يبيّ "أن أعضاء الرابطة لا يمكنهم الامتناع عن استخدام بعضهم القوة ضد بعض". ويضيف قائلً: "كيف يمكنك القول إننا جماعة إذا هاجم بعضنا بعضًا؟". لذلك يرى زوكما أن "أحلام الرابطة بأن تصبح جماعة أمنية ستظل افتراضية، ما لم تدعم

  1. Ralf Emmers, Cooperative Security and the Balance of Power in ASEAN and the ARF (London: Routledge, 2003).
  2. Buzan & Waever, p. 155.
  3. Tim Huxley, "Southeast Asia in the Study of International Relations: The Rise and Decline of a Region," Pacific Review , vol. 9, no. 2 (1996).
  4. Sorpong, p. 179.
  5. Khoo, "The ASEAN," p. 186.
  6. Alan Collins, "Forming a Security Community: Lessons from ASEAN," International Relations of the Asia-Pacific , vol. 7 (2007), p. 213. pp. 203–225
  7. Ibid., p. 216.
  8. Deniz Kocak, "Insurgencies, Border Clashes, and Security Dilemma: Unresolved Problems for ASEAN," Cejiss , no. 1 (2013), pp. 1 - 22.
  9. Sorpong, p. 179.
  10. Ibid.

الرابطة تعهدها بعدم استخدام القوة لحل مشكلاتها"67. وهو الطرح عينه الذي ذهب إليه أميتاف أشاريا، كبير المدافعين عن الأطروحة القائلة بوجود جماعة أمنية آسيانية، حين كتب: "إن النزاع على الحدود البرية بين تايلند وكمبوديا [...] قد تسبّب بالفعل في اشتباكات عسكرية؛ ما يشكل تحديًا خطرًا للادعاء القائل إن آسيان تعد جماعة أمنية"68. ثم يمضي أشاريا مؤكّدًا أن "النزاعات والتوترات بين الدول داخل آسيان لم تختفِ، ولم تصبح الحرب 'لا يمكن تصورها'، وهي السمة المميزة لجماعة أمنية 'ناضجة"'69. أما جان يان تشانغ، فيعتقد أن المسائل السابق ذكرها تؤكد افتقار دول آسيان إلى الأمن المحلي وفيما بينها. لذلك، نجده يتساءل: هل يمكن آسيان أن تكون جماعة أمنية نظرًا إلى المشكلات الحادة التي تواجهها الدول الأعضاء، مثل الادعاءات الإقليمية حول جزر سبراتلي بين بروناي، وماليزيا، والفلبين، وفيتنام؛ وكذلك عدم الاستقرار المحلي مثل جماعة الروهينجا في ميانمار، الذي يحمل تأثيرات غير مباشرة في بقية أعضاء آسيان؟70. أما إندي بايوني، فيعتقد أن آسيان تبدو، في الوقت الراهن، أشبه بالحي منها بالجماعة؛ بسبب الاختلاف الكبير في الأنظمة السياسية التي تتراوح بين الملكية المطلقة (بروناي)، والدول الشيوعية (فيتنام، ولاوس، وكمبوديا)، والمجلس العسكري (تايلند)، والدول شبه الديمقراطية (سنغافورة وماليزيا)، والديمقراطيات المتعثرة (الفلبين، وإندونيسيا، واليوم ميانمار). علاوة على ذلك، يعتقد بايوني أن هناك ندرة في القواسم المشتركة بين دول آسيان، عدا إدراك هذه الدول أن ازدهارها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحكم التخومية الجغرافية. ويذهب بايوني أبعد من ذلك ويقر أنه "على الرغم من أن المجموعة أصبحت رسميًّا جماعة آسيان منذ نهاية عام 2015، فإنه لا يمكن المرءَ أن يجد روح الجماعة، أو أن يشعر بأنه جزء من جماعة ناشئة عندما يسافر ويجتمع مع الناس العاديين في جميع أنحاء الإقليم"71. عند تحقيقه في ديناميات العلاقات فيما بين دول آسيان، رأى خو أن دول الرابطة يتدخل بعضها، بوضوح، في الشؤون الداخلية لبعضها الآخر. ويحتجّ ضمن هذا السياق بحالات التدخل التي حدثت بين ماليزيا وسنغافورة، وتايلند وكمبوديا72. كما حدد أندرو تان سلسلة من الأمثلة الأخرى للتدخل المتبادل في الشؤون الداخلية في العلاقات الإندونيسية - الماليزية خلال الفترة 2009-200773. بناءً عليه، تثير ديناميات العلاقات هذه فيما بين دول آسيان شكوكًا كبيرة حول الزعم القائل إن آسيان تمثّل جماعة أمنية.

خاتمة

في ختام هذه الدراسة، نخلص إلى عدد من الاستنتاجات، نوجزها في النقاط الآتية: المستخلص من النقاشات الحادة، والآراء المتضاربة، المتعلقة بمدى استجابة الدينامية الأمنية الإقليمية داخل حدود آسيان للمخطط التحليلي للجماعة الأمنية الدوتشية ونظيرتها البنائية، أن لغة الجماعة مُتَّقدة وحاضرة بقوة في الخطاب الأكاديمي في جنوب شرق آسيا، إلى جانب التصريحات الصادرة عن النخبة الحاكمة في الإقليم ذاته. سواء أهِّلت آسيان كجماعة أمنية أم لم تُؤهّل، فإن وجودُ نقاش أكاديمي كهذا يعني أن رابطة أمم جنوب شرق آسيا قد قطعت شوطًا هائلً، وأدّت دورًا لا يستهان به في هندسة الأمن الإقليمي وإدارته؛ فالثابت أن أعضاء الرابطة لم يخوضوا حروبًا رئيسة بعضهم ضد بعض منذ ميلاد المنظومة أواخر ستينيات القرن المنصرم. تُعَدّ النظريتان، الواقعية والبنائية، إطارين رئيسين يُستخدمان لتحليل آسيان كجماعة أمنية؛ إذ تُسلط الأدبيات الموجودة الضوء على المنظورات المتنازعة لهذه الأطر المؤدية إلى النقاش المستقطب بين الواقعيين والبنائيين في الدراسات الأمنية في جنوب شرق آسيا. يبدو من خلال العرض الوجيز للمخطط التحليلي لمنظور الجماعة الأمنية، بشقيه الدوتشي والبنائي، وواقع العلاقات الثنائية والتعددية داخل آسيان، أن الأخيرة لا تزال غير مؤهلة لنيل وصف الجماعة الأمنية، بحيث تغيب الحرب كلية داخل آسيان آنيًا ومستقبليًّا؛ إذ لا يزال اللجوء إلى القوة خيارًا مطروحًا، كما يتضح من العلاقات البورمية - التايلندية. ونعتقد

  1. Border Disputes, Myanmar may Eclipse ASEAN's Progress," Jakarta Post , 5/5/2011, accessed on 8/11/2017, at: https://goo.gl/dWhZAM
  2. Acharya, "ASEAN 2030: Challenges of Building a Mature Political and Security Community," ADBI Working Paper Series , no. 442 (October 2013), p. 7.
  3. Ibid., p. 6.
  4. Jun Yan Chang, "Essence of Security Communities: Explaining ASEAN," International Relations of the Asia-Pacific (January 2016), p. 2.
  5. Endy M. Bayuni, "At 50, Asean is a Neighbourhood, not yet
  6. khoo, "The ASEAN," pp. 187 - 188. 73 Andrew Tan, The Arms Race in Asia: Trends, Causes and Implications (New York: Routledge, 2014), pp. 121 - 122.
  7. Community," The Straits Times , 29/7/2017, accessed on 18/11/2017, at: https://goo.gl/3jR6Na

أن دراسات المنادين بتأهيل جنوب شرق آسيا بوصفها جماعة أمنية لم تدرك أهمية القضايا المثارة داخل بلدان آسيان، كما أنها لم تُقَدِّر عُمقَ الشكوك المتبادلة. وهذا التفاؤل يقلل من حقيقة أنه على الرغم من إنشاء منظومة آسيان، فإن القضايا المشتركة بين الدول الأعضاء، والنزاعات الإقليمية والعداء التاريخي والإثني والديني، لا تزال تشكّل أساسًا قويًّا للعلاقات بين مختلف دول الرابطة. وقد أثرت هذه الديناميات في العلاقات بين دول التجمع حتى يومنا هذا، على الرغم من مضي نحو نصف قرن من الزمن على تطور التعاون الإقليمي. بناءً عليه؛ نرى أن التفكير في آسيان كجماعة أمنية يعدّ طرحًا سابقًا لأوانه. بالطبع، هذا الحكم لا يلغي أهمية آسيان ودورها، خلال السنوات الخمسين الأولى من وجودها، في تحقيق الأمن والاستقرار بين الدول الأعضاء، حتى وإن كان السلام طويل المدى الذي تعيشه المنظومة سلامًا سلبيًّا لم يتحول بعد إلى سلام مستقر ودائم. بل يكفي الادعاء هنا أن الرابطة منعت قيام حروب كبرى بين أعضائها منذ تأسيسها عام.1967

المراجع

العربية

بيليس، جون وستيف سميث. عولمة السياسة العالمية. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2004 ونت، ألكسندر. النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية. ترجمة عبد الله جبر العتيبي. الرياض: النشر العلمي والمطابع-جامعة الملك سعود،.2006

الأجنبية

Acharya, Amitav. "A Regional Security Community in Southeast Asia?" Journal of Strategic Studies. vol. 18. no. 3 (September, 1995). ________. "ASEAN 2030: Challenges of Building a Mature Political and Security Community." ADBI Working Paper Series. no. 442 (October 2013). ________. "Association of Southeast Asian Nations: 'Security Community' or 'Defence Community'?" Pacific Affairs. vol. 64. no. 2 (Summer, 1991). ________. Constructing a Security Community in Southeast Asia ASEAN and the Problem of Regional Order. 2nd ed. London: Routledge, 2009. Adler, Emanuel & Michael Barnett (eds.). Security Communities. United Kingdom: Cambridge University Press, 1998. Ayoob, Mohammed (ed.). Regional Security in the Third World: Case Studies from Southeast Asia and the Middle East. London: Croon Helm, 1986. Ba, Alice D. (Re)Negotiating East and Southeast Asia Region, Regionalism, and the as Sociation of Southeast Asian Nations. Stanford: Stanford University Press, 2009. Beeson, Mark & Richard Stubbs (eds.). Routledge Handbook of Asian Regionalism. New York: Routledge, 2012. Broinowski, Alison (ed.). Understanding ASEAN. London and Basinglltoke: Macmillan Press, Ltd. Buzan, Barry & Ole Waever. Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Caballero- Anthony, Mely. Regional Security in Southeast Asia: Beyond the ASEAN way. Singapore: ISEAS Publications, 2005. Chang, Jun Yan. "Essence of Security Communities: Explaining ASEAN." International Relations of the Asia- Pacific (January 2016). Collins, Alan. "Forming a Security Community: Lessons from ASEAN." International Relations of the Asia-Pacific. vol. 7 (2007). Cotton, James. Crossing Borders in the Asia-Pacific: Essays on the Domestic– Foreign Policy Divide. New York: Nova Science Publishers, 2002. Deutsch, Karl et al. Political Community and the North Atlantic Area: International Organization in the Light of Historical Experience. Princeton: Princeton University Press, 1957. Djiwandono, J. Soedjati. ASEAN: An Emerging Regional Security Community?. Jakarta: Centre for Strategic and International Studies, 1991.Emmers, Ralf. Cooperative

Security and the Balance of Power in ASEAN and the ARF. London: Routledge, 2003. Ganesan, Narayanan. "Rethinking ASEAN as a Security Community." Asian Affairs. vol. 21. no. 4 (1995). Haftendorn, Helga. "The Security Puzzle: Theory— Building and Discipline—Building in International Security." International Studies Quarterly. vol. 35. no. 1 Huxley, Tim. "Southeast Asia in the Study of International Relations: The Rise and Decline of a Region." Pacific Review. vol. 9. no. 2 (1996). Jervis, Robert. "Security Regimes." International Organisation. vol. 36. no. 2 (Spring 1982). Jones, David Martin & Michael Lawrence Rainsborough. "ASEAN's Imitation Community." ORBIS. vol. 46. no. 1 (2001). ________. "Constructing Communities: The Curious Case of East Asian Regionalism." Review of International Studies. vol. 33. no. 1 (2007). Jones, Lee. ASEAN, Sovereignty and Intervention in Southeast Asia. New York: Palgrave, 2012. Khoo, Nicholas. "Deconstructing the ASEAN Security Community: A Review Essay." International Relations of the Asia-Pacific. vol 4. no. 1 (2004). ________. "Realism is Dead? A Journey Through Academic Myths on Asia's International Politics." ORBIS. vol. 58. no. 2 (2014). ________. "The ASEAN Security Community: A Misplaced Consensus." Journal of Asian Security and International Affairs. vol. 2. no. 2 (2015). Kocak, Deniz. "Insurgencies, Border Clashes, and Security Dilemma: Unresolved Problems for ASEAN." Cejiss. no. 1 (2013). Leifer, Michael. ASEAN and the Security of South East Asia. London: Routledge, 1989. ________. Dictionary of the Modern Politics of South-East Asia. London: Routledge, 1995. Narine, Shaun. "ASEAN in the Twenty-First Century: A Skeptical Review." Cambridge Review of International Affairs. vol. 22. no. 3 (September 2009). Osborne, Milton. Region of Revolt: Focus on Southeast Asia. Pergamon Press: Australia, 2011. Paridah, Abdul Samad & Mohammad Mokhtar. "ASEAN's Role and Development as a Security Community." Indonesian Quarterly. vol. 23. no. 1 (1995). Rabasa, Angel & Peter Chalk. Indonesia's Transformation and the Stability of Southeast Asia. RAND, 2001. Simon, Sheldon. The ASEAN States and Regional Security. Stanford: Hoover, 1982. Soesastro, Hadi (ed.). ASEAN in a Changed Regional and International Political Economy. Jakarta: Centre for Strategic and International Studies, 1995. Sorpong, Peou. "Merit in Security Community Studies." International Relations of the Asia-Pacific. vol. 5. no. 2

Tan, Andrew. The Arms Race in Asia: Trends, Causes and Implications. New York: Routledge, 2014. Tusicisny, Andrej. "Security Communities and Their Values: Taking Masses Seriously." International Political Science Review. vol. 28. no. 4 (Sep. 2007). Williams, Paul D. Security Studies: an Introduction. London and New York: Routledge, 2008. Wiseman, Geoffrey. "Common Security in the Asia- Pacific Region." Pacific Review. vol. 5. no. 1 (1992).