مؤتمر "الجيل والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي"
Conference"The Youth, Generational Shift and Democratic Transition in Arab Countries"
الملخّص
تحت عنوان "الجيل والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي". وبحضور لافت لنخبة متميزة من الباحثين العرب من مختلف تخصّصات العلوم الاجتماعية، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدورة السادسة لمؤتمره السنوي المختصّ بقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، في مدينة الحمّامات التونسية في الفترة بين 22-24 أيلول/ سبتمبر2017. دارت فعاليات المؤتمر في ثلاث عشرة جلسة متنوّعة الموضوعات، لكنّها كانت تركّز على موضوع واحد، وهو الروابط بين قضيتَي الديمقراطية وتمكين الأجيال الجديدة.
Abstract
Conference"The Youth, Generational Shift and Democratic Transition in Arab Countries"
- الجيل
- التحول الديمقراطي
- الثورات العربية
- الوطن العربي
- تونس
- مصر
- The Youth
- Generational Shift
- Democratic Transition
- Arab Countries
تحت عنوان " الجيل والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي"، وبحضور لافت لنخبة متميزة من الباحثين العرب من مختلف تخصّصات العلوم الاجتماعية، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدورة السادسة لمؤتمره السنوي المختصّ بقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، في مدينة الحمّ مات التونسية في الفترة 22 - 24 أيلول/ سبتمبر.2017 دارت فعاليات المؤتمر في ثلاث عشرة جلسة متنوّعة الموضوعات، لكنّها كانت تركّز على موضوع واحد، وهو الروابط بين قضيتَي الديمقراطية وتمكين الأجيال الجديدة. وقد قُدِّمت العديد من الأطروحات التي انطلقت من أرضيات متعدّدة، منها التاريخ والبحث السوسيولوجي والديموغرافيا والإثنوغرافيا والتحليل الثقافي، فضلً عن العلوم السياسية. وجاء التركيز على فئة الشباب بوصفهم الفاعل الرئيس الذي يقف وراء التطوّر الراهن للمجتمعات العربية، والذي يدفع مسألة التحول الديمقراطي. هذا الملمح هو ما أكّد أهميّة المؤتمر؛ فالديمقراطية تُعدّ، بحسب ما شدّد عليه مهدي مبروك، مدير المركز العربي - فرع تونس، في كلمته الافتتاحية، بابًا للخروج من المأزق العربي الراهن، وهي تمثّل مرتكزًا للتحوّل الاجتماعي والسياسي في البلدان العربية، لا مجال لأنْ ينهض من دون استيعاب الأجيال الجديدة. وقد حمل انعقاد المؤتمر في تونس دلالة رمزية؛ إذ تقف رابحًا وحيدًا بين بلدان الربيع، تدحض تجربته – بحسب ما أشار عبد الفتاح ماضي منسق م وررع التحول الديمقراطي ومنسق المؤتمر، في كلمته – الادعاءات باستعصاء الديمقراطية عربيًا. ويظلّ نجاح قوى التغيير في تونس في بناء التوافق الوطني، وتمسّكها جميعًا بنهج سلمي لإدارة الخلافات، وتنافسها النزيه على أرضية الديمقراطية، بمنزلة الضمانة لإنجاز تجربة خلّ قة، نأمل استدامتها. وأكّد ماضي أنّ ثمة اتفاقًا عريضًا على أولوية الديمقراطية، وأنّ تعزيز المحاولات الناشئة لترسيخها في الدول العربية لا يمكن أنْ يتم من دون طاقة الأجيال الشابة وجهدها. ويمثّل إدماج هذه الأجيال مدخلً ضروريًا لتحديث أبنية الحكم والسياسة؛ وهو الأمر الذي حفّز المركز العربي على طرح قضايا الجيل ضمن أجندته البحثية العريضة التي تتوّخى عبر فاعلياتها العديدة إثراء الجهود البحثية في دراسة المجتمعات العربية، والتعريف بأبعاد التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها، وتقديم المقاربات الملائمة لمعالجتها.
أولًا: الجيل: المفهوم وانعكاساته العربية
شغلت الجدالات النظرية الجلسة الأولى التي جاءت بعنوان "الجيل: مداخل مفاهيمية"، وترأسها الباحث التونسي فرج معتوق. وأظهرت تطوّر الاهتمام بهذا المجال البحثي، وتشعّب الدراسات حوله، مع تجاوزها للحدود التقليدية لفهم الجيل من وجهه البيولوجي منطلقة مع الربيع العربي إلى أفق جديد. لمست الأوراق المعروضة ما للمفهوم من قدرة تفسيرية وسمت بعض المحدوديات التي تعترض توظيفه، والتي أمكن توظيفها في دراسة الحركات والقوى السياسية التي صعدت مع لحظة الربيع العربي. في البداية، قدّم الباحث التونسي المنجي الزيدي، في ورقته "الخلفية النظرية لمفهوم الجيل وتطبيقاته في علم اجتماع الشباب"، نقدًا عريضًا لاستخدامات المفهوم، متناولً أبعاده النظرية وتطبيقاته في علم اجتماع الشباب. وأوضح الزيدي أنّه على الرغم مما يحمله مفهوم الجيل من قدرة تفسيرية، فإنّ حدوده لا تزال غير ثابتة؛ صحيح أنّ الجيل حدث اجتماعي يرتبط بالضرورة بتطور المجتمع، لكنّه في الآن ذاته مفهوم سياسي يؤشر إلى وجود زمرة تحمل وعيًا يجمعها، يتشكل في مرحلة ما، وبه تسعى عبر آليات التعبئة السياسية إلى إحداث التغيير السياسي والاجتماعي. ويتزامن ذلك مع وجود "حدث مؤسس" يمنح هذا الجيل الهوية. وأضاف الزيدي أنّ توظيف المفهوم عربيًا أمر حديث؛ لذلك لم يزل فهمه مشحونًا بدلالات أخلاقية وأدبية، تثير التفاضل والتمايز بهذا المعنى الذي يُبطِن التنافس والصراع والخلاف، في حين أنّ البحوث حوله قد تطوّرت وبعدت كثيرًا عن هذا التناول، وتحوّلت نحو مساحة انشغال نظري وتطبيقي أرحب. وقدّم الباحث المصري أحمد تهامي، في ورقة محورها "الحراك الجيلي في سياقات الانتقال الديمقراطي: مدخل نظري في المفاهيم والمقولات التأسيسية"، طرحًا نقديًّا للمقولات النظرية المكوّنة لأطروحة الجيل، وفحص علاقة التفاعل المتبادل بين متغيراتها وسياقات التحوّل السياسي والانتقال الديمقراطي. كما ميّز بين أنواع الجيل والوحدات الجيلية التي صنّفها كارل مانهايم ومَن لحقه مِن الأكاديميين المعنيين بالموضوع. جادل تهامي بأنّ الجيل السياسي يبَرز في سياق الربيع العربي كمتغير مستقل يدفع بالمشاركة السياسية، ويؤثر في التنمية السياسية والتحول الديمقراطي. وأنّه قد يحمل تأثيرًا أعمق إنْ توافرت جملة من الأوضاع تربط أثره بإحداث تغييرات سياسية واجتماعية جذرية. وعلى الرغم من كونه في الأصل ردّة فعل تستجيب للتغيرات المجتمعية والأحداث التأسيسية، فإنه قد يسهم في خلق وعي وهويّة خاصيّن بالجيل السياسي، لكنّه لا يكفل بالضرورة ظهور جيل أكثر ديمقراطية من سابقيه، وهذا منحى إشكالي. أما الباحث التونسي جابر القفصي، فقدّم ورقة عنوانها "التمثل الشبابي للحقل السياسي وأزمة النموذج الديمقراطي"، تناول فيها "الجيل" بوصفه حالة اجتماعيّة، لا ترتبط بالضرورة بالفئة العمريّة، بل ترتبط بتلك المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تنتج أيديولوجيا شبابية، تنهض من أجل قضية أو مسألة ما. وبيّ القفصي كيفية إظهار التجربة التونسية لقدرة المعطى التواصلي على تعويض
ضعف الوعي التنظيمي الذي تعانيه الأحزاب السياسية. وأكّد أن الأيديولوجيا الشبابية قد عوّضت أيضًا الأيديولوجيا الأبوية، بينما عوّضت الأيديولوجيا الفردية الأيديولوجيا العائلية. وأضاف القفصي أنّ النزعة المساواتية المميزة للأيديولوجيا الشبابية من جهتها قد عوّضت النزعة التراتبية. وفي الجلسة الثانية التي كان محورها "الشباب التونسيون: اتجاهات جديدة بعد الثورة"، وترأسها منجي الزيدي، قدّمت هيئتان تونسيتان رؤاهما في الموضوع؛ إذ استعرض المدير العام للمعهد الوطني التونسي للإحصاء الهادي السعيدي صورة بيانية لتفاعلات الشباب التونسي مع قضايا الشأن العام، في حين طرح المدير العام للمعهد الوطني التونسي للاستهلاك طارق بن جازية وصفًا لقضية تحوّل أنماط الاستهلاك لدى الشباب التونسي بعد الثورة، وانعكاسات اتجاهاتهم الجديدة على المجال العام. من جهته، استعرض الباحث التونسي فتحي الجراي، في ورقة بعنوان "منزلة الشباب التونسيين الاجتماعية في سياق الانتقال الديمقراطي" مسألة تدنّي نسب المشاركة في أوساط الشباب التونسي، استنادًا إلى الإحصاءات الانتخابية. وأوضح أنّ النتائج الشديدة الانخفاض لمشاركة فئة الشباب تعكس حالة إحباط من عدم الاستجابة لتوقعاتهم؛ إذ لم ترفع السياسات الجديدة ونُخَبها عن كاهلهم هموم البطالة والتهميش. واعتبر الجراي عزوف الشباب عن المشاركة السياسية عمومًا، والانتخابات على وجه الخصوص، انسحابًا احتجاجيًا متدرجًا من النشاطات الأهلية. وخلص الباحث إلى أنّ عجز هياكل المجتمع الرسمية والأهلية، وضعف قدرة النخب على استيعاب مطالب الشباب، وإخفاقها في استقطابهم وتوظيف طاقاتهم في تفعيل الخيارات الوطنية ذات العلاقة بمعاشهم ومستقبلهم، كقضايا التعزيز الديمقراطي والإنماء المحلي والتشغيل الذاتي، تبرز كأسباب مسؤولة عن ظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة. وعلى المنوال ذاته، تناولت الجلسة الثالثة "الشباب والحراك المغربي"، وترأسها حسن الحاج علي أحمد. كانت الورقة الأولى للباحث المغربي عبد القادر بوطالب، وعنوانها "الشباب والسياسي: دراسة في طبيعة التمثلات وعوامل انحسار ظاهرة الانتساب الحزبي في المجتمع المغربي"، حاول فيها تفسير مشكلة عزوف الشباب عن الانخراط في الأحزاب المغربية من خلال تحليل طبيعة العلاقة بين الشباب والأحزاب، وتمثلات الشباب للشأن السياسي، وتصوّراتهم المتعلقة بالعمل الحزبي. وبيّ بو طالب كيف أنّ الصورة السلبية عن الأحزاب التي يحملها شباب المغرب تقف وراء انحسار مشاركتهم. وأظهر كيفية تأثير هذه الصورة في اتجاهاتهم ومواقفهم. وميّز الباحث في ورقته بين الالتزام السياسي والانخراط في الأحزاب؛ فثمّة لون من الانضمام إلى الأحزاب لا يعكس بالضرورة مبادئ الالتزام الحزبي، وإنّ ا يأتي كنوع من الموالاة للنظام أو الحركات والقوى المعارضة. وفي ظل الواقع الحزبي الضعيف بالمغرب، مالت تمثلات الشباب إلى مزيد من السلبية واللامبالاة، في حين كانت الحال في البداية قد وسَمت حراك الشباب بالجسارة والوضوح، وقد أظهرت الاحتجاجات التي قادوها رغبتهم في تغيير قواعد اللعبة. وهي الحال التي كشفت قطيعة بين جيل الحركة الوطنية المُهَيمن على الحياة الحزبية، وبين الأجيال التي أعقبتها، وخصوصًا من الشباب. أما الباحث المغربي أحمد الخطابي، فعالج في ورقته "من حراك 20 فبراير إلى حراك الريف: الخوف من الديمقراطية أم الخوف من جيل الشباب في المغرب؟"، موقع الشباب من الحراكيَن، متسائلً إن كان موقف السلطة إزاءها قد انطلق من خوف من الديمقراطية أم من خوف من الأجيال الشابّة. أحال الخطابي في مداخلته على مفهوم الجيل وتأسّسه على ميكانيزمات التغيير الاجتماعي، وحمله لتطلعات مستقبلية تتوّخى مجتمعًا ديمقراطيًا وحداثيًا. ووظّف المفهوم لمقاربة حركة 20 فبراير، واصفًا إياها بنتاج صيرورات جيلية، لم تجد ناشطيتها التي رفعت مطالب التغيير التفاعل المُكافِئ والاستجابة الواجبة من المستويات المُهيمِنة على القرار السياسي. وكان عدم تحقق تلك المطالب سببًا في تحريك ديناميات الشارع المغربي. وعبّ ت كتلة الغضب الشابّة عن نفسها في نموذجها الأوضح في حراك الريف. وبي الباحث أنّ الخوف من طموحات الجيل الشاب الذي اكتنف النخب، وما عكسه من تردّد إزاء تقديم أطروحات ديمقراطية، وتجسيد حلمها الذي حرّك هؤلاء الشباب، قد غمر بظلاله القاتمة مجمل المشهد السياسي. أخفقت النخب، في حين امتلك جيل الشباب مستوى عاليًا من الوعي السياسي، وصاغ مطالبه بأشكال احتجاجية سلمية متنوّعة ومبدِعة، وكانت ضغوطه كاشفة لعمق الأزمة التي يعيشها المجال السياسي المغربي؛ على مستوى الفعل وعلى مستوى الخطاب. وفي الموضوع نفسه، قدّم الباحث المغربي أحمد إدعلي، في ورقته التي كانت بعنوان "الدينامية الاحتجاجية لحركة 20 فبراير بين الوَهج والضمور"، مقاربته لأشكال التأطير والتأطير المضاد التي صاحبت حركة 20 فبراير، منذ توهّجها حتى ضمورها. تساءل إدعلي عن مدى نجاح الحركة الشبابية في المغرب في شرعنة وجودها، وتوجيه الفعل الجمعي الذي خلقته صَوب تبنّي منظورها للتغيير. وتوسّل في الإجابة عن هذا السؤال نظرية التأطير، طارحًا تصورًا للعمليات الفكرية الحجاجية والخطابية لهذه الحركة، ومُقيّمً لتأثيرها في الجمهور. في البداية، وُفقت الحركة، بحسب إدعلي، في إشعال فتيل الاحتجاج، كاسرةً حدود المجال السياسي التقليدي، وتحدّت أدلوجة الاستثناء المغربي التقليدية، مسبّبة الإرباك لحسابات النظام السياسي.
استطاعت الحركة بلورة ملامح تغيير واعدة، بيد أنّ أداءها انحدر بعد مرور أقلّ من عام على توهّجها، وعجزت عن الحفاظ على مواقعها، ومال الفعل الاحتجاجي إلى الخفوت. أرجع إدعلي هذا إلى حزمَتين من الأسباب: داخلية، أبرزها ما ارتبط بالهوية الهجينة للحركات، والتي تسببت في وقت لاحق في اشتعال الخلافات الداخلية، وأخرى خارجية ارتبطت بانحسار الديناميات الاحتجاجية عمومًا إثر التأطير المضاد الذي انتهجته الدولة؛ ما عمّق الشقاق داخل الحركة، وفرّغ طاقتها الاحتجاجية، وأوهن تعلّق الجماهير بها. في الجلسة الرابعة من اليوم الأول، والتي كان محورها "الشباب والحراك في المجال العام"، وقد ترأستها الباحثة التونسية إيمان الكشباطي، قدّمت الباحثة المغربية بشرى زكاغ ورقة عنوانها "آغورا شباب الربيع العربي: بين أعطاب الواقعي وآمال الافتراضي"، عالجت فيها مسائل الخطاب وبناء القناعات وتداول الشأن السياسي في المجال الافتراضي. وبيّنت ملامح التشابك بين هذا المجال الذي خلقه التوسع الهائل في استخدام شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وبين الواقع السياسي الحقيقي. في ظلّ الربيع العربي، بدت الآغورا، كما تصفها زكاغ، "أرضًا لمعركة تُقرَع فيها طبول الحرب على الأنظمة الفاسدة، ومجالًافتراضيًّا مؤسِسًّا للواقعي". لقد نجح الشباب في تحرير الفضاء العمومي وهيمنوا على ساحاته الافتراضية، ناقلين إيّاه من حالة فضاء الأماكن إلى فضاء التدفقات المعرفيّة. لم يكن الأمر مباراة بين ما هو واقعي وما هو افتراضي، بل انكشفت في ظلّه صور جداليّة حملتها ثنائيّات الاستبداد والحريّة، والفردي والجماعي، والخاص والعام. ولم يُخفِ التقدم الذي أحرزه الشباب في جانب التواصل المعتمد على التكنولوجيا الجديدة ضعف الحنكة السياسية التي تتولد من الممارسة الواقعية، ما أدى لاحقًا، بحسب الباحثة، إلى "انفلات الواقعي من بين أيدي الشباب." وتناول الباحث التونسي محرز الدريسي، في ورقته "الغرافيتي: دراسة شعارات الشباب في خطّ السكّة الحديدية في تونس الجنوبية"، فن الجرافيتي، طارحًا رؤية تجمع بين الإستيطيقي والسوسيولوجي، عبر تحليله للّوحات والشعارات التي رسمها الشباب في فضاء خط السكة الحديدية جنوبي تونس. صارت جدران هذا الخطّ الذي يسافر عليه الآلاف يوميًا ساحة لإعلان الشباب قناعاتهم السياسية، وعليها رسمت رسائل الجرافيتي التي تعتمد الإثارة والصدمة للمتلقّي. وقد حملت جميعها مضامين سياسية واجتماعية، وأبرزت خصوصيات الجيل الشاب، وطبيعة تمثلاته، ومأزق حضوره في الفضاء العمومي. واستعرض الدريسي، كذلك، المناحي القيمية والرمزية والتواصلية لهذه الأشكال التعبيرية الجديدة التي اعتبرها نوعًا من الممارسة النضالية. وعرض الباحث التونسي معاذ الجمايعي، في ورقة له عنوانها "دور النشاط الجمعياتي للشباب في تشكيل مجتمع مدني محلي"، حالة جمعيّة أشبال خمير التي أنشأها الشباب بمنطقة عين دراهم بمحافظة جندوبة، واتخذها مثالً تطبيقيًّا لمناقشة دور الشباب في تشكيل المجتمع المدني المحلي في تونس. أوضح الباحث انعكاس حضور الشباب القوي في فاعليّاته الحركية، وفي مسعاه لتحدّي أوضاع التهميش. لكنْ ظلّ هناك ما يعرقل تطلعاتهم، خصوصًا ما أفرزته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعانيها المناطق البعيدة عن العاصمة والمدن الكبيرة. وعدّ البطالة وضعف القدرة التمويلية من الأسباب التي تحدّ من إمكانية الدفع بالنشاطات الحركية، هذا فضلً عن عوامل نابعة من الثقافة التقليدية، عرقلت ترسيخ مفهوم التطوع وثقافته. بيّنت حالة الدراسة مَيل الشباب إلى عدم الجمع بين العمل التطوعي والعمل السياسي، مخافة النَّيل من العمل الأول ورهنه بتوجهات السياسة وموجاتها.
ثانيًا: الجيل والانتقال: تقاطعات عربية
تواصلت في اليوم الثاني (السبت 23 أيلول/ سبتمبر) أعمال المؤتمر، بجلسة محورها "شباب الإسلاميين: اتجاهات سياسية"، وقد ترأسها عبد الفتاح ماضي. وفي مستهلّها، أشار الباحث المصري محمود عبد الحفيظ، في ورقته "الخطاب الوطني لشباب الحركات الاحتجاجية الجديدة في مصر"، إلى أهمية تحليل هذا الخطاب، وأكّد أنّ المقاربة الأمنية لم تكن كافيةً لفضّ الحركات الاحتجاجية في مصر مع بدء الثورة، وأنّها عجزت عن الحدّ من دور ناشطيها. لكنّ هذه المقاربة ذاتها حملت ما أسماه عبد الحفيظ "فرصًا بنائيّة"، تمثلت في افتعال أزمات سياسية واجتماعية بعد 30 حزيران/ يونيو، نجحت من خلالها السلطة وتحالفاتها في تأطير تلك الفرص، لتصبح فرصًا مُدرَكة. وقد أشار الباحث إلى احتدام الصراع على الخطاب الوطني؛ فمن يملك إنتاج المعاني وإمكانية نشرها يتمكّن من السيطرة والقبول العام بمشروعه ورؤيته. وأوضح عبد الحفيظ أنّ السلطة في مصر لم تجِدّ في الصراع على هذا الخطاب فحسب، بل إنها سعت إلى احتكاره حصرًا، حتى وصل بها الأمر إلى تكثيف لغة التخوين الموجّهة إلى كل من يعارضها أو من يطالب بحقوق سياسية أو اقتصادية. أمّا الباحث التونسي محمد الجويلي، فقدّم ورقة بعنوان "سلفية تحت الطلب، أو تنشئة شبابية مُنهكَة"، راجع فيها علاقة الشباب التونسي بالظاهرة السلفية التي وصفها ب "الغامضة والملتبسة"، خصوصًا في بعدها الإيماني والعقائدي، فضلً عن مسلكها العُنفي.
وبنى الباحث مداخلته على نتائج بحث ميداني شمل عيّنة من شباب منطقة تونس الكبرى. واستعرض صور الطلب الاجتماعي من جهة الشباب على التديّن السلفي، واصفًا إيّاه بغير المعهود. أكّد الجويلي أنّ أقلّ من ثلث الشباب القاطنين ولايات تونس الكبرى، لا أكثر، يرون في الظاهرة السلفية في بعدها الإيماني العقائدي تلبية لحاجاتهم الدينية. في المقابل، رفضت الغالبية إقحام الظاهرة السلفية في الشأن السياسي. وشدّد الباحث على ضرورة مراجعة المسلمات في هذا الشأن؛ فجيل الحداثة بات يقبل بوجود النقاب في المؤسسات التعليمية، وحتى بين الصغار في المدارس الابتدائية، هذا بحسب ما أبداه نصف من استجابوا للبحث. وخلص الجويلي إلى أنّ الظاهرة السلفية، من حيث هي شكل من أشكال إعادة بناء الروابط الاجتماعية، باتت تجد قبولها لدى الشباب، وذلك من جرّاء ضعف مؤسسات التنشئة الاجتماعية وهشاشتها. واستعرض الباحث المصري ياسر فتحي "اتجاهات الإخوان المسلمين في مصر"، مفصّلً أشكال التكوين السياسي التي تعتمدها لشبابها، وحاول طرح أسئلة لتفصيل هذه التنشئة، وكيفية تفسير تمايز اتجاهات شباب الجماعة من مواقف نخبتها. وتساءل عن صور التحوّل الراهن في اتجاهات شباب الجماعة. ولاحظ فتحي غياب صور من التنشئة السياسية لشباب الجماعة، وحالة التمايز التدريجي التي نشأت بين اتجاهات الشباب ومواقف الجماعة، وكيفية الانتقال من التبنّي التام لمواقف الجماعة إلى التبنّي المتحفّظ، وصولً إلى التمايز الواضح. وكشف الباحث عن وجود أصوات شابة حملت، مبكّرًا، أفكارًا ورؤى ناقدة للمسار العام الذي اتخذته الجماعة، عمَدت إلى إعادة تقييم المواقف والأحداث، لتشمل تقييم الأفكار والرؤى والعلاقات التنظيمية داخل الجماعة. ترأس الجلسة السادسة للمؤتمر الباحث المغربي محمد فاوبار، وكان محورها "الشباب التونسيون وتساؤلات الانتقال". قدّم فيها الباحث التونسي شاكر الحوكي الورقة الأولى، وعنوانها "الشباب والثورة في تونس: هل تصلح المقاربة الجيلية أساسًا لقراءة الثورة التونسية؟." تناول الباحث فيها إشكالية ثنائية الشباب - الثورة، مستخدمًا موقع الشباب في مسار الثورة التونسية كحالة للمقاربة. شدّد الباحث على أنّ صراع الأجيال قد فرض نفسه، وذلك بفعل رغبة الشباب في احتلال موقع جديد على الخريطة السياسية على حساب الأجيال الأكبر سنًا، ممّن احتكروها طويلً. وقدّم الحوكي جملة من الملاحظات حول مسألة "الثورة الشبابية"، رافضًا جعل الثورة فعلً يحتكره الشباب، هذا بغير إنكار لكونهم الفاعل الرئيس والأبرز. وقد خلص إلى أنّ المقاربة الجيلية لا تكفي وحدها لقراءة الثورة التونسية؛ ذلك أنها تعاني نقائص في مسار تشكّلها وغموضًا في مفاهيمها وتباينًا في تصوّراتها. أما الباحثة التونسية صوفيا حنازلة والباحث السوري حمزة المصطفى، فقدّما ورقة مشتركة بعنوان "العقدة الجيليّة في الانتقال الديمقراطي بعد الثورات الشعبية: الشباب التونسيون وتحديات استدامة التوافق السياسي"، حاولا فيها مقاربة المشهد الانتقالي التونسي من خلال أطروحة "العقدة الجيلية"، وبروزها خلال الانتقال الديمقراطي. ركّز الباحثان على أنّ عملية بناء التوافقات السياسية أثناء فترات الانتقال، وبالخصوص تلك التي تجري بين قوى تقليدية قديمة، تحدّ من قدرة القوى الاجتماعية الجديدة على التعبئة، وبيّنا أنّ هذا بدوره يؤدّي إلى إنتاج ديمقراطية مجمّدة. واستعرض الباحثان واقع الشباب التونسي بعد الثورة، ضمن ثلاثة مستويات: اقتصادي، وأمني، وسياسي. وخلص الباحثان إلى أنّ التوافقات في تونس لم تستطع الارتقاء بالمردود السياسي للأحزاب الحاكمة؛ فقد هُمِّشت مشاركة الشباب في الحكومات المتتاليّة، كما غُضّ الطرف عن ضرورة تلبية احتياجاتهم، وفهم شعاراتهم، والاستجابة لتوقعاتهم من الثورة. وقدّم الباحث التونسي محمد علي بن زينة استعراضًا ل "الحراك المؤنّث في تونس"، مستندًا فيه إلى نتائج الإحصاءات الرسمية التي أظهرت تفاوت نسب التعليم بين الذكور والإناث في تونس. وسعى إلى كشف جملة من المتناقضات في المجال التربوي، على نحوٍ يستدعي النظر من عدسة العامل الجيلي، وأيضًا من عدسة الجندر، لفهم طبيعة الأدوار والتمثلات المختلفة بين الجنسين. ولمّح الباحث إلى ظاهرة الحراك التربوي لدى الفتيات التونسيات، ممّن بتِن يشغلن ما يقارب ثلثي المقاعد الجامعية، وتساءل بن زينة إنْ كان ذلك سيفضي إلى تغيير اجتماعي، في ضوء تصاعد النشاط الاقتصادي لدى الإناث، إثر تحسّن فرصهنّ في التعليم. الجلسة السابعة كان موضوعها "شباب السودان وأسئلة التحول الديمقراطي"، وقد ترأستها الباحثة اللبنانية ماريز يونس. استهل هذه الجلسة الباحث السوداني حسن الحاج علي بمداخلة موضوعها "التصدعات المتحولة: الهوية والانتماء السياسي للشباب السودانيين"، مبيّنًا أنّ التصدّعات الاجتماعية التي جاءت أثناء حكومة الإنقاذ في الفترة 1989 - 2017 على إثر الانقسامات السياسية، ربّ ا تتحول إلى هويّات سياسية وسط الشباب، على نحو يؤثر في انتمائهم السياسي، ويعطّل إمكانية حدوث التحول الديمقراطي. تناول الحاج علي حالة دارفور، منوّهًا بالتأثير المتبادل بين التصدعات الاجتماعية والبيئة السياسية الواضح فيها. وأظهر كيف أنّ السياسات الحكومية وما جرى في المجال السياسي أسهما في تحوّل الانقسامات الاجتماعية لتصدّعات سياسية لدى جيل الشباب. وقد أ عِيد رسم الهويّاتُ السياسية للشباب في مناطق النزاعات في السودان على خطوط هذه الانقسامات، بطريقة أظهرت درجة عالية من العزوف السياسي لدى الشباب، على نحو يشي بتعمّق المأزق السياسي السوداني في المستقبل.
وتناولت الباحثة السودانية عديلة أحمد تبار "عزوف الشباب عن المشاركة السياسي"، بالتطبيق على طلّ ب جامعة الخرطوم، منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 2005 إلى الفترة الراهنة. رصدت الباحثة ثلاثة أسباب لهذا العزوف: أولها البيئة السياسية العامة في السودان التي تعرقل الممارسة السياسية، وتدفع بالفاعلية إلى خارج المجال السياسي، كالعمل الخيري والتطوعي، وثانيها هيمنة الأجيال الأكبر سنًّا على العمل السياسي مع إقصاء الأجيال الشابّة، وأخيرًا تفش العنف السياسي. وقدّم الباحث السوداني أشرف عثمان الحسن ورقة عنوانها "الحقل الشبابي في السودان وإعادة تشكيل المجال العام: بحث في ديناميات الفعل الجمعي ورهانات الحضور العمومي"، تناول فيها حالة شباب "شارع الحوادث"، كحالة تصف محاولة بعث مجال عمومي تشاركي وغير تراتبي. واعتبر تجذير حضور الشباب في الشارع، وإنتاجهم فعاليات تكسر احتكار المجال العمومي، مَلمَحًا مميّزًا لهذه الحالة. ونعى في مداخلته على الأكاديميين تركيزهم على جانب منازعة السلطة في الحركات الاجتماعية، من دون الاهتمام بتتبع أشكال الفعل الجمعي غير التنازعية؛ إذ تظل في الأخير، كما يصفها عثمان، صورًا للمقاومة اليومية مستجدة، وتظلّ الحاجة إلى فهمها ضرورة، بعد تأميم السلطة للمجتمع المدني، وتقليصها معنى الدولة إلى مجرّد آلة للقمع. وخلص الباحث إلى أنّ التنبؤ بمسارات مثل هذه الحركات صعب، إذ إنها مفتوحة؛ فمن جهة قد يجتذب منطق القوة الشباب ويقنعهم بالاندماج في فاعليات السلطة، ومن جهة مناقضة، قد يتمكّن الشباب من توسعة نطاق الفعل الممكن، على نحوٍ يعيد صياغة حيّزه بعيدًا عن السلطة وباستقلال عن الصور التقليدية للفعل الجَمعي. وتحدّث في هذه الجلسة الباحث الصومالي عبد الرحمن محمود عيسى عن حالة الصومال، وعن تأثير الشباب المتصاعد في صياغة الانتقال الديمقراطي هناك. وركّز عيسى على أثر العامل الجيلي في إسقاط النظام العسكري، طارحًا تقييمً لإمكانية مشاركة فئة الشباب في إحداث انتقال ديمقراطي، ومدى تأثير المكون النخبوي الشاب في وضعية الشقاق الأهلي وحالة العنف التي تضرب الصومال. وخلص الباحث إلى أنّ توجهات الشباب الصومالي وحراكه يثبتان رفضه لادعاء وجود استعصاء صومالي على الديمقراطية. في الجلسة الثامنة التي ترأستها الباحثة التونسية منية الرقيق ضمن محور الحالات العربية، تحدّث الباحث الكويتي حسن جوهر عن "الجيل والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي: حالة دول مجلس التعاون الخليجي". أكّد الباحث في ورقته أنّ مقاربة قضية الديمقراطية في الحالة الخليجية تقتضي فهمً للحاضنة الفكرية والمؤسساتية التي يمكنها تطوير نموذج ديمقراطي، وكذا التعرف إلى مدى الملاءمة بين هذه الحاضنة والفكر والمنهج والسلوك الجديد الذي تحمله الفئات الشابّة في المجتمعات الخليجية. وقدّم جوهر فحصًا للمعيقات التي قد تتخلّل ذلك؛ منها التطرف، والعنف، والعصبية الشعبوية. وذهب الباحث إلى أنّ قدرة الشباب على إحداث تغيير سياسي تتخذ احتمالين؛ أحدهما نجاحهم في الضغط المتواصل على مفاصل الدولة على نحو يدفعها إلى تلبية حاجاتهم في مجالات السياسية العامة كالتعليم والصحة وغيرها، والآخر قدرتهم على طرح مطالبات سياسية بسقوف أعلى، قد تفضي إلى حالة من عدم الاستقرار. وبيّ الباحث التونسي أحمد عثمان، في ورقة قدمها بعنوان "الشباب التونسيون من صناعة الثورة إلى العزوف الانتخابي"، أبعاد ظاهرة العزوف الانتخابي لدى الشباب في تونس، محاولً تفسير هزال نسب تصويت الشباب في الاستحقاقات الانتخابية الأخ ةرر. واستعرض في المقابل دور الشباب في توسعة الفضاء العام بحراكهم الثوري، وانفتاحهم على أشكال متنوعة من المشاركة المدنية والسياسية. ورأى الباحث أنّ الثقل الديموغرافي لفئة الشباب، والموزّع بين صور المشاركة المختلفة السياسي منها والمدني، لا يفسّ عزوف الشباب عن الانخراط في الانتخابات، بل يفسّ ها حالة الإحباط والشعور بالخيبة من ضعف المنجز السياسي والاجتماعي عامة فيما بعد الثورة. وأوضح أنّ الاستجابة لقضايا الشباب ظلّت ضعيفة على الرغم من تولّ حكومات مختلفة لأمر البلاد، ما دفع الشباب إلى الظن أنّ هذا جحود وإنكار لما فعلوه في حراك.2011 وتناول الباحث الجزائري يوسف حميطوش، في ورقة موضوعها "الشباب والانتقال الديمقراطي في الجزائر"، مسألة تداول المناصب السياسية ومعاناتها غياب ملمح تعاقب النخب جيليًّا. وبيّ الباحث استمرار هيمنة جيل الثورة القديم، في حين ظلّ تمثيل الأجيال الأصغر محدودًا. ويبرز هذا الأمر تمكّن فكرة السلطة الأبوية بالنسبة إلى الجيل القديم، وفرضها على جيل الشباب، في ظلّ ثقافة تسوِّغها، واقتصاد ريعيّ يتم التعامل معه بوصفه موردًا سياسيًا. تدحض إرادة النظام في الانفتاح على جيل الشباب ضآلة نسب الشباب من المناصب العامة، وهو الأمر الذي أوضحه الباحث الذي خلص إلى ضرورة الانتباه لتأثير الثقافة السياسية في تسبيب التهميش، بارتكازها على قصر السلطة على نخبة الاستقلال. وأكّد أنّ ما تشهده حالة الجزائر من صراع جيليّ، ويعكسه الفشل في احتواء مطالب الشباب، سيظل عائقًا أمام إمكانية الانتقال الديمقراطي. وطرح ضرورة الفصل بين مسألتَي المشاركة وتوزيع القيم، لكي يمكن فضّ الطبيعة التسلطيّة للنظام.
وشرحت الباحثة اللبنانية ماريز يونس، في ورقتها "فاعلو الحراك المدني اللبناني"، كيفية نشأة الحراك المدني الذي شهده لبنان في عام 2015، احتجاجًا على عجز الدولة عن إيجاد حلول لمشكلة النفايات. وبيّنت الباحثة طبيعة المشاركين في هذا الحراك، وأنّ جلّهم من الفئات الشابّة، وأنّ جديد حراك عام 2015 أنّه جاء على أرضية الحقوق البيئية، وبين ارتباط وضعيتها المتدنية بطبيعة السلطة في لبنان، واستمرار المأزق الديمقراطي الذي سبّبته تراكمات سياسية واقتصادية سلبية للنظام الطائفي، إضافةً إلى تأرجح تأثير القوى السياسية في هذه الأزمة بسبب طبيعة الولاءات والمحسوبيات والانتماءات الضيقة، وعجزها عن تكوين بديل ديمقراطي يُجاوِز الوضع المأزوم الراهن. وقد خلصت يونس إلى أنّ إضعاف الحراك جاء بسبب عامليَن هما تصاعد قمع السلطة، وانقسام القوى الفاعلة في ذلك الحراك. وقد خلق الأخيرَ التمايزُ بين الفاعلين حول طبيعة الأزمة وسبُل حلّها، وبسبب تباين خلفياتهم الطائفية والأيديولوجية؛ ما أفضى إلى إضعاف التنسيق فيما بينهم. وكان من نتاج الانقسام بين قوى الحراك تعاظم حالة الإحباط لدى الجماهير وازدياد خشيتها من مواجهة القمع.
ثالثًا: تعثرات الانتقال وانحسار أدوار الشباب
في اليوم الثالث والأخير للمؤتمر (الأحد 24 أيلول/ سبتمبر) برز سؤال "الشباب وتحديات الانتقال"، عنوانًا للجلسة التاسعة، برئاسة محمد علي بن زينة. بدأ الجلسة الباحث التونسي محمد بالراشد بمداخلة عنوانها "الديمقراطية المفاجئة: الشباب العربي وتحدي الانتقال الديمقراطي"، وسأل فيها عن مآلات غياب الشباب العربي عن المشاركة السياسية، وهي الظاهرة التي غدت أبرز ملامح الحياة السياسية في تونس، والتي تناقض الدور الكبير الذي تولّ ه الشباب في مستهل الثورة. كان الشباب فاعلً في إنجاز التغيير، ثمّ خفت حضورهم في لحظة الانتقال، وأثناء وضع السياسات العامة التي تخلق أرضية هذا الانتقال. وتطرّق الباحث إلى تلك الأسباب التي تضعف الثقافة الديمقراطية لدى الشباب، وسبل تنشيطها. وخلص إلى أنّ عزوف الشباب عن الممارسة الديمقراطية سببه أزمة ثقة بين السياسيين والشباب باتت تعرقل الانتقال الديمقراطي، وصار الشباب معها أكثر انكفاءً على الذات، ويغلب عليهم الشعور بالهامشية. وضمن "قراءة سوسيولوجية في مطالب شباب الثورة التونسية وتمثلاتهم لمسار العدالة الانتقالية"، نوّهت الباحثة التونسية رحمة بن سليمان بعفويّة مشاركة الشباب التونسي في الثورة، وتحركّهم من دون قيادات حزبيّة، أو حقوقيّة، أو تنظيم مُسبق. وأكّدت الباحثة أنّ خلوّ الثورة من التخطيط المسبق قد ساهم في سيادة روح الجماعة الساكنة في الحشد؛ وهو ما أدّى إلى توحيد صفوف المحتجيّن وتوجيههم نحو هدف واحد، والمناداة بمطالب موحّدة تبلورت في عدد من الشعارات التي جرى رفعها. وعرضت الباحثة المصرية فرح رمزي، في مداخلة لها بعنوان "جيل الثورة: كيف تغيرت علاقة الشباب المصريين بالسياسة بعد 2011؟"، نتائج بحث ميداني أجرته مع مجموعة من طلبة العلوم السياسية في جامعة القاهرة، حاولت من خلاله رصد أبرز ملامح تطور علاقة الطلاب بالسياسة من خلال مشاركاتهم في الفعل الجمعي الاحتجاجي وغير الاحتجاجي، فضلً عن مواقفهم من قضايا الشأن العام. واستعرضت الباحثة جملة من المفاهيم اعتمدتها في بحثها منها مفهوم الموقع الجيلي، والوحدة الجيليّة، والجماعة العمرية. ومن خلالها سلّطت الضوء على عملية تحوّل جماعة عمرية ضمن أوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية إلى أن تشكّل وحدة جيليّة، واعية بما يخلق لُحمتَها، ويدفع بمسلكها الجمعي، وصور تحوّلها في سياق "حدث سياسي". وخلصت رمزي إلى أنّ وعي الفئة الشابة المستجيبة بموقعها الجيليّ ودورها في الثورة رسم منحى بارزًا ومؤثرًا لعلاقتها بالسياسة منذ 2011. وأضافت أنّ ملامح تأثير البعد العمري والجيلي التي يمكن ملاحظتها الآن لا يجب أن تلفت النظر عن أهمية مراجعة طريقة استخدام مفاهيم الجيل وتوظيفها في فهم التغيرات السياسية والاجتماعية في مصر. ونوّه الباحث اليمني فيصل محبوب، في ورقة محورها "دور الشباب في عملية الانتقال السياسي في اليمن"، بنأي قطاع من الشباب عن المشاركة في آليات الحوار الوطني، ورفضهم آلياتها؛ إذ رأوا أنّها لا تلبّي الحدّ الأدنى من أهداف الثورة ومطالب ميادينها، لكنّ البعض الآخر رأى فيها وسيلةً لتحقيق تلك الأهداف. وأوضح محبوب أنّه مورست من جهة الشباب العديد من صور الضغط لإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية، وإبعاد أبناء الرئيس السابق من مناصبهم. كما فرض الشباب التوجه المدني للدولة وتمسّكوا به، وساهموا في طرح وسائل تحييد المؤسسة العسكرية والأمنية عن العمل السياسي، ومكافحة الفساد عبر استعادة الأموال والأراضي التي نُهِبت خلال حكم النظام السابق. ودعوا، كذلك، إلى محاكمة المتسببين في القتل والإصابات خلال الاحتجاجات. وعرّج الباحث على قضية العزل السياسي بوصفها قضية شائكة، وعلى كيفية إخفاق الشباب فيها. في مستهل الجلسة العاشرة التي كان موضوعها "الشباب بين الإقصاء والدمج"، وترأسها شاكر الحوكي، تحدّث الباحث المغربي محمد فاوبار
عن "سياسات الدولة في المغرب ومأزق إدماج الشباب"، محيلً سبب ذلك إلى افتقار السلطة إلى سياسة حقيقية يكون بمقدورها النهوض بالشباب المغربي، على الرغم من كِبَ إمكاناته وتنوّع قدراته. وأوضح الباحث أنّ الربيع العربي وانعكاساته في المغرب قد عجّلت بولادة معالم سياسة شبابية في المغرب، كان من أثرها تعديل الدستور ووضع خطة إستراتيجية لإدماج الشباب. لكنّ هذه السياسة لم تعرف طريقها إلى التنفيذ، بسبب عدة عوامل، كان من أبرزها استمرار البنيات السياسية القديمة ذاتها، وغياب مشروع واضح المعالم لإدماج الشباب. وتطرّق الباحث الجزائري الهادي بووشمة، في ورقة موضوعها "الشباب الجزائريون بعد ثورات 2011 بين التضمين والاستبعاد"، إلى تحوّل المجال السياسي في الجزائر إلى مجال طارد لشبابها، يدفعهم إلى الهجرة أو ممارسة عدد من مظاهر الانحراف والعنف وغيرهما؛ وهو ما عمّق أزمة الثقة لدى الشباب وعدم رضاهم عن السلطة، وقد صاحب ذلك تنامي شعورهم بالظلم والتهميش. وبيّ الباحث أنّ تضمين الشباب يرتبط صعودًا وهبوطًا بعدد من المؤشرات من أهمها التعليم، والتدريب، والتشغيل، والسكن، والاستهلاك، والمشاركة المجتمعية المدنية والسياسية. ورصد الباحث الأسباب التي أدّت إلى تعاظم الشعور بالإقصاء في الأوساط الشابة، ومنها ضعف آليات الإدماج وغياب الشفافية عن البرامج والسياسات الاجتماعية، خصوصًا في مجالات التشغيل والإسكان والضمان الاجتماعي. وخلص بووشمة إلى أنّ مظاهر ضعف الثقة في السلطة وعدم الرضا عن سياساتها، والتي تغمر الشباب في الجزائر، هي نتاج مباشر للفشل في استيعاب الفئات الشابّة، وازدياد حدّة الأزمة الاقتصادية، وشيوع مظاهر الفساد والمحسوبية، وغياب المساواة وتكافؤ الفرص. وسلّطت الباحثة المصرية شدوى رمضان، في ورقتها "سياسات الأنظمة في إبعاد المرأة عن المشاركة في العمل السياسي: دراسة في حالة الناشطات السياسيات المصريات في الفترة من 11 شباط/ فبراير 2011 - 3 تموز/ يوليو 2013"، الضوء على انتهاكات "العنف الجنسي" الذي تعرّضت له "الناشطة المصرية" في عهدَي المجلس الأعلى للقوات المسلحة والرئيس الأسبق محمد مرسي، إضافة إلى ممارسات الإقصاء الأخرى، لا سيمّا ما يتعلق بإبعادها عن المؤسسات السياسية والدستورية. وخلصت رمضان إلى أنّ الناشطة المصرية، والمرأة عمومًا، لم تحظَ بالتمثيل السياسي المُكافِئ لأدوارها في الثورة، فجاء تمثيلها ضعيفًا في المناصب الحكومية، ومجلسَ الشورى والنواب، واللجنة التأسيسية للدستور. ووجّه الباحث التونسي أنور الجمعاوي، في ورقة موضوعها "شباب تونس بعد الثورة: أشكال التهميش وسبل التمكين"، النظرَ إلى محاور ثلاثة لقضية تهميش الشباب في تونس؛ أولها، وصفي، تناول فيه تجليات تهميش الشباب في المشهد السياسي التونسي، وثانيها تحليلي عُنِي ببحث أسباب هذا التهميش وتداعياته على فئة الشباب، ومجمل المجتمع التونسي، وثالثها، مناقشة البدائل الممكن نهجها لإدماج الشباب وتفعيل أدوارهم في تونس ما بعد الثورة. وفي هذا جرت مناقشة طبيعة السياسات العامة التي تقصي الشباب ولا تستوعب مطالبهم وتطلعاتهم. وعرّج الباحث على مسؤولية المجتمع المدني أيضًا عن بعض هذا التهميش، من أحزاب ونقابات وجمعيات مدنية وغيرها، والكيفية التي يمكن بموجبها تجاوز هذا المأزق. في الجلسة الأخيرة التي تمحورت حول "الطلاب والانتقال الديمقراطي"، وترأسها الباحث المصري عمر عاشور، استعرض الباحث اليمني خالد الرماح، في ورقة له بعنوان "مكوّنات الثقافة الديمقراطية لدى الشباب في جامعة صنعاء وتأثير الإعلام فيها"، بواعث مشاركة الشباب الجامعي اليمني في الاحتجاجات التي أفضت إلى خلع علي عبد الله صالح، وما لحق ذلك من تطورات. وخَلص من خلال دراسة حالة طلبة جامعة صنعاء إلى وجود ثقافة سياسية مختلطة لدى شباب هذه الجامعة؛ إذ أظهروا دعمً منخفضًا لركائز أساسية في الديمقراطية كالتعددية الحزبية، ومبدأ الانتخابات التنافسية الدورية، وميل متدنيًا إلى المشاركة السياسية، ومستوى من الثقة شديد الانخفاض تجاه الآخر المختلف سياسيًّا. وأشار مقياس الثقافة الديمقراطية إلى تمتّع شباب جامعة صنعاء بمستوى متوسط من هذه الثقافة، على نحوٍ لا يتعارض مع متطلبات إقامة الديمقراطية، وإنْ لم ينعكس هذا على عمليّة التحوّل الديمقراطي انعكاسًا واضحًا. أمّا ورقة الباحث المغربي زهير سوكاح "آراء الشباب العرب في الجامعات الألمانية حول الانتقال الديمقراطي"، فقدّمت صورة عن آراء الطلاب الجامعيين العرب في ألمانيا وتصوراتهم للديمقراطية وحالة التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، ومواقفهم من "الربيع العربي"، ومدى اهتمامهم بمجريات الأحداث العربية في ضوء المخاض الذي تشهده المنطقة حاليًّا. وقد خلص الباحث إلى أن الطلاب العرب أظهروا حضورًا وتفاعلً مستمرَّين في المجال الافتراضي، على الرغم من البعد الجغرافي؛ بفضل شبكات التواصل الاجتماعي التي مكّنتهم من تجاوز غيابهم المادي والمكاني عن المنطقة العربية. وقدّم الباحثان الجزائريان العياشي عنصر ووسيلة عيسات بحثًا مشتركًا عنوانه "تمثلّات طلاب الجامعة الجزائرية للمواطنة"، حاولا فيه التعرّف إلى تصورات طلاب الجامعة عن المواطنة، ومدى وجود اختلافات في تصورهم لهذه الفكرة، وممارستها. واستخدم الباحثان في ذلك جملة من المتغيرات الديموغرافية والسوسيولوجية مثل الجنس،
والعمر، ومستوى التعليم، والاختصاص العلمي. وجرى تبنّي أربعة أبعاد لمفهوم المواطنة؛ هي الانتماء، والولاء، والمشاركة السياسية، وقيم الديمقراطية. وخلص الباحثان إلى أنّ هناك تصورًا وتمثّلً كامل للأبعاد الثلاثة الخاصة بالانتماء والولاء والديمقراطية، وإلى أنّ التمثّل ينخفض كلمّا اقتربنا من بُعد الممارسة السياسية. وهو ما يفس ضعف الميل إلى المشاركة في الشأن العام المتضمن عضوية الطلبة في التنظيمات السياسية والمجتمعية. وأظهرت الدراسة أيضًا عدم صحة القول إنّ المتغيرات المتعلقة بالتخصص الدراسي والنوع الاجتماعي تؤثّر في تمثلّات الطلاب لأبعاد المواطنة الأربعة. واعتمد الباحث الفلسطيني إيهاب محارمة، في مداخلة له موضوعها "الحركة الطلابية الفلسطينية: تحديات الواقع والقابلية للتغيير"، رصدًا لحوالى ثلاثين تظاهرة وإضرابًا طلابيًا وحالات إغلاق الجامعة، وقد جاء بعضها مصاحبًا للهبّة الشعبية التي شهدتها المدن الفلسطينية أواخر عام 2015، وأتى بعضها الآخر بسبب اعتقال الطلاب الحركييّن. رأى الباحث أنّ توقيع اتفاقية أوسلو ساهم في انتكاسة تجربة الحركة الطلابية الفلسطينية؛ ما أدّى إلى تراجع خطابها وتغييبها عن المجال العام وتحويلها إلى "راكب بالمجان" في "نفعيّة" أوسلو. وأضاف أن الانقسام الفلسطيني و"المشروع الأمني" للسلطة الفلسطينية عرقل دور الحركة الطلابية والجامعات الفلسطينية. وفي ختام المؤتمر عُقِدت حلقة نقاشيّة عنوانها "استنتاجات وآفاق"، ترأسها فتحي الجراي، وزير التعليم السابق، ورئيس الهيئة الوطنية المستقلة للوقاية من التعذيب بتونس، وقد استهلّ الجلسة باستعراض أبرز نتائج الجلسات الإحدى عشرة للمؤتمر، مؤكدًا أولوية موضوع الجيل وارتباطه بقضية الديمقراطية في البحث الاجتماعي والسياسي الراهن. وكانت أبرز المداخلات التي قدّمها الحضور تتعلق بإيلاء الجدارة لمفهوم الجيل في فهم الحراك الشعبي العربي؛ في ضوء تشابكه مع مفاهيم ومقتربات أخرى، وضرورة الاهتمام في هذا السياق بالبحوث والمناهج العابرة للتخصصات، مع إنماء قدرات الباحثين الشباب، خصوصًا، لضخّ المزيد من الطاقات البحثية في هذا المجال، ولعلّ البناء على خبرة فرع تونس في هذا المنحى من شأنه تعزيز هذا المسعى. وثمّة حاجة ملحّة كذلك إلى التفاعل بين الباحثين من مختلف التخصصات، من المعنييّن بتقاطعات قضية الشباب والإصلاح السياسي، واستثمار العدد المميّز من أولئك الباحثين الذين عرضوا بحوثهم في المؤتمر.