ندوة المسيحيون العرب في المشرق العربي الكبير: عوامل البقاء والهجرة، والتهجير
Conference
الملخّص
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ندوة بعنوان "المسيحيون العرب في المشرق العربي الكبير" عوامل الهجرة والتهجير وذلك في 21-22 تشرين الأول/ أكتوبر 2017. دارت فعاليات الندوة في جلسات مختلفة ضمت أوراق أكاديمية قدمها باحثون وأكاديميون عرب من بلدان مختلفة.
Abstract
Conference "Christian Arabs in the Greater Mashreq: Determinants of Continuity, Emigration and Forced Migration"
- المسيحيون العرب
- المشرق العربي
- التهجير
- العراق
- سورية
- Christian Arabs
- the Greater Mashreq
- Determinants of Continuity
- Emigration
المسيحيون في المشرق العربي بين الدور الغربي ومأزق مشروع المواطنة
عقد المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات ندوة بعنوان "المسيحيون العرب في الم قرر العربي الكبير: عوامل البقاء والهجرة، والتهجير" وذلك في 22-21 تشرين الأول/ أكتوبر 2017. وافتتحت الندوة بمحاضرتين؛ الأولى، لوزير الخارجية الأردني السابق كامل أبو جابر، تناول فيها "الدور الغربي في تسهيل هجرة المسيحيين من المشرق العربي"، واستعرض العلاقة بين المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية، ومايز بينهما. ووجد أن الغرب تاريخيًا لم يكن صديقًا للعرب؛ مسيحيين ومسلمين. أما المسيحيون العرب فلم يطلبوا الحماية من الغرب يومًا، بل كانوا مندمجين دائمًا في المجتمع الإسلامي. كما أن المسلمين لم يتسامحوا مع المسيحيين فحسب، بل قبلوا بالعيش مع المسيحيين؛ فالتسامح يعني الرضا بالعيش المشترك إكراهًا، أما القبول فيعني التساوي في حقوق العيش على أرض واحدة طواعية من المسلمين والمسيحيين معًا. وشدد أبو جابر على أن تهجير المسيحيين من المشرق العربي، هو، في حد ذاته، عداء للقومية العربية، وهو ما يصب في خدمة إسرائيل؛ لأن القومية العربية تجمع بين المسلم والمسيحي وجميع العرب، بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم، فضلً عن أن هذا التهجير سيحرم الحضارة العربية الإسلامية من جوهرها الأساسي المتمثّل بالتعددية. ولذلك، فإن هجرة المسيحيين العرب ليست مشكلة مسيحية فحسب، وإنما عربية إسلامية عامة. قدم المحاضرة الثانية المؤرخ وجيه كوثراني وجاءت بعنوان "في مأزق مشروع المواطنة وتعثّ الانتقال من نظام الرعية والملة إلى الدولة الوطنية: أوهام التسامح والحماية"، وقد وجد فيها أن أمرين أو مسارين مترابطين رافقا عملية التحوّل التاريخي للدولة في البلدان العربية، لا سيما تلك البلدان التي ارتبط تاريخها بتاريخ السلطنة العثمانية؛ هما: مسار التحوّل من دولة سلطانية (أي إمبراطورية متعددة الأديان والإثنيات) إلى دول/ أمم، ومسار يضرب بجذوره عميقًا في التجربة التاريخية الإسلامية، ويتعلّق بمسألة "أهل الذمة" في الدولة المسمّ ة "دولة إسلامية". وخلص المحاضر إلى أن الاستشهاد بنظام الملل بصفته "نظامًا متسامحًا" حيال المسيحيين، عملً بقاعدة عهود "أهل الذمة" في التاريخ الإسلامي، لا يصلح البتة لأنظمة تقول دساتيرها ب "حقوق المواطنة" و"المساواة" بين المواطنين.
المسيحيون العرب قبل الدولة الوطنية
عالجت الجلسة الأولى من اليوم الأول للندوة "واقع المسيحيين العرب قبل نشوء الدولة الوطنية العربية الحديثة". قدم فيها يوسف كرباج بحثًا بعنوان "المسيحيون العرب في الإمبراطورية العثمانية: من معركة مرج دابق إلى معركة عين دارة"، حلل فيه ديموغرافيا المسيحيين العرب الذين بلغ تعدادهم ما يقارب 7 في المئة من سكان المشرق العربي، عندما ورث العثمانيون الهلال الخصيب عن المماليك. ويرى كرباج أنه، على الرغم من مرور مئة عام على سقوط السلطنة العثمانية، فإنه لا يزال عدد لا بأس به من المسيحيين واليهود يدافع عن السلطنة ويرى أنها حفظت الطوائف، بخلاف الدول الوطنية الحديثة. فمعركة مرج دابق التي رسخت وجود العثمانيين في المشرق العربي كانت حدثًا تاريخيًا مهمً للإسلام والمسيحية على السواء. وبخلاف المماليك الذين عاملوا المسيحية الشرقية معاملة سيئة تحت تأثير الحروب الصليبية، وفتاوى ابن تيمية وغيره، فإن سلوك السلطنة تجاههم كان مختلفًا وإيجابيًّا، ويبرز ذلك جليًا في النمو الديموغرافي للمسيحيين خلال فترة حكم العثمانيين. فبينما بلغ مسيحيو الهلال الخصيب في نهاية عهد المماليك ما نسبته 1 / 15 أمام المسلمين، تضاعفت نسبتهم أربع مرات بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، ووصلت إلى 1 / 5 في نهاية عهد السلطنة، الأمر الذي يوضح الفوارق بين العهدين من جهة، وبين العهد العثماني وعهد الدولة الوطنية من جهة ثانية، وهو عهد شهد الموجات الأكبر من هجرة المسيحيين العرب نحو الخارج. أكملت الباحثة حلا نوفل في مداخلتها التسلسل التاريخي الذي بدأه يوسف كرباج، في ورقة لها بعنوان "المسيحيون العرب في الإمبراطورية العثمانية: من معركة عين دارة إلى الحرب العالمية الأولى". فقد أثرت معركة عين دارة في عام 1711 في التركيبة الاجتماعية في جبل لبنان، بحسب رأيها؛ إذ هاجر الدروز، المنقسمون بين قيسيين ويمنيين، على نطاق واسع، إلى الداخل السوري في حوران، وحل محلهم بالتدريج المسيحيون الموارنة. وخلصت نوفل إلى أن المسيحيين استفادوا من عدم تدخل السلطنة العثمانية في شؤون الجبل اللبناني والجماعات المسيحية في كامل بلاد الشام، إلى درجة أنهم جعلوا السلطة المحلية تنتقل إلى أيدي مسيحيين مثل أسرة شهاب التي اعتنقت المسيحية. وقد تبع ذلك هجرة مسيحيين من دمشق إلى لبنان بعد دخول جيش محمد علي باشا دمشق؛ ما عزز النفوذ السياسي للمسيحيين في لبنان، لعوامل تتعلق بالنمو الديموغرافي وتعزيز سلطتهم السياسية، وهو ما مهد للعنف الطائفي في بلاد الشام عام.1860
أما المداخلة الثالثة، فقدمتها الباحثة فدوى نصيرات وبحثت فيها "أوضاع العرب المسيحيين الاجتماعية في مصر وبلاد الشام". وتناولت فيها واقع المسيحيين العرب في ظل الحكم العثماني في الفترة 1516 - 1918، ومن ثم أوضاعهم الاجتماعية قُبيل حكم محمد علي باشا لمصر وبلاد الشام وخلاله. كما بحثت في الآثار التي تركها حكم محمد علي في الأوضاع الاجتماعية للمسيحيين العرب، ووصفت الباحثة أحوالهم الاجتماعية في ظل التنظيمات العثمانية. واختتمت مداخلتها بالآثار التي تركتها الإرساليات التبشيرية في حياة العرب المسيحيين الاجتماعية.
الواقع السياسي والقانوني لمسيحيي المشرق العربي
خُصصت الجلسة الثانية لدراسة "الأوضاع السياسية والقانونية للمسيحيين العرب في المشرق العربي"، فقد تناول الباحث سلام كواكبي "المشاركة السياسية للمسيحيين في الدولة المشرقية الحديثة"، وانطلق من حالة الإنكار التي وقعت فيها القيادات السياسية ورجالات الدين، لواقع التمزّق المجتمعي في المنطقة بين الطوائف والأديان، وبين المذاهب والقبائل والمناطق. فضلً عن فشل دول الاستقلال في طرح عقد اجتماعي يستند إلى المواطنة ويقوم على أسس حديثة لإدارة التنوع. واستندت مداخلته إلى سلسلة الأوهام التي تم نشرها وتصديقها من طرف المجموعات السياسية والقيادات المجتمعية، إضافةً إلى الزعامات الدينية التي ما فتئت تتحدث عن التعايش بين المجتمعات المشرقية. وأكد الباحث قضية مهمة مفادها أن ترسيخ ثقافة المواطنة، وليس الرعية، وإرساء عقد اجتماعي واضح وصحيح هما الأساس في أي عملية تشاركية سياسية لمختلف المكونات. كما أن إدارة التنوع التي فشل جميع الأنظمة في إنجاحها، ترتبط أولً وأخيرًا بتحقيق الديمقراطية ودولة القانون. أما الباحث نائل جرجس فتناول قضية "المسيحيون في سورية: بين حماية حقوقهم وتسييس حمايتهم"، محاولً تقديم تحليل موضوعي ونقدي لواقع المسيحيين في سورية، الواقعين بين مطرقة التضليل الإعلامي الذي يقوم به النظام من خلال التذرع بأنه نظام علماني حام للأقليات من الخطر الإسلامي، من ناحية، وسندان إعادة إحياء مسألة التدخلات باسم "حماية المسيحيين" في المشرق بغية تحقيق المآرب السياسية للقوى الداعمة له، من ناحية أخرى. مفندًا ادعاءات النظام السياسي تأمين حمايتهم واحترام حقوقهم من خلال تسليط الضوء على الواقع التشريعي والسياسي، في ظلّ حكم النظام السوري ومدى تأثيره في انتهاك حقوقهم، بل اتباعه سياسات مؤدّية إلى هجرتهم القسرية، آخذًا في الاعتبار واقع التحولات السياسية والإستراتيجية المهمة التي تشهدها سورية، لا سيما التغييرات الأخيرة والمرتقبة، ومدى تأثيرها في المسيحيين. وتوصل الباحث في نهاية مداخلته إلى أن الاندماج الكامل للمسيحيين لن يتحقق في ظل أنظمة استبدادية مهما كانت الضمانات التشريعية؛ فمن الضروري أن نتجه إلى ترسيخ دولة المواطنة اللادينية واللااستبدادية والتي تبدو أساسية على صعيد تأمين الحماية الدائمة للمسيحيين. تطرق الباحث مهند مبيضين في مداخلته "المسيحيون في الأردن: الدور والنفوذ"، إلى الدور الذي أدّاه مسيحيو الأردن في المشهد الوطني، معارضين في السياسة، وبناة للاقتصاد، ورجال حكم، وأطباء، وقادة مجتمع، لهم في البرلمان حضور وتأثير، وساهموا في الحركة الوطنية منذ نهايات الحكم العثماني، ويتأتى الواقع السياسي والقانوني لمسيحيي الأردن من إرث عميق في وطن يشكل واحة اعتدال في محيط يعاني بسببه المسيحيون الحروب وانعدام الاستقرار. كما أن المشاركة السياسية والدور المسيحي في الأردن لا يقعان ضمن التمييز، بقدر ما هما مستمدان من كون المسيحيين يسعون لدولة المواطنة التي إن تعذرت تكون المشاركة للحفاظ على حقوقهم وتثبيتها بصور عديدة، ولعل دورهم في الحركة الثقافية لا يقل أهمية عن أي دور آخر، فهم رواد وبناة فكر وأدب، منذ رائدهم روكس العزيزي، وأمين أبو الشعر الذي أسس أول الجرائد في الهجرة، وكذلك عودة القسوس في التشريع والقضاء، وأديب عباسي في الأدب، وحنا القسوس في الطب. أما الدور الكبير والفاعل فكان في الاقتصاد؛ إذ مثلوا بداية تكوين البرجوازية الوطنية الأردنية، من خلال العائلات التي تملكت الشركات والامتيازات والأملاك الواسعة، وذلك في نماذج عائلات مثل قعوار والنبر والمعشر وقاقيش، وغيرها. وقد سمحت أوجه نشاطهم الاقتصادي المبكر في النصف الأول من القرن العشرين في قطاعات التموين والدباغة والتبغ والبنوك والتأمين، بالانتقال إلى قطاعات جديدة لاحقًا ضمن الاستثمار في خدمات المطاعم والنقل والتكنولوجيا. أما الباحثة نيفين ملك فقدمت مداخلة عن "الأوضاع والمشاكل القانونية للأقباط في مصر ما بعد 3 تموز/ يوليو 2013"، تناولت فيها أوجه غياب الإطار القانوني الفعال والعملي في مصر لحل مشكلات المسيحيين في إطار بناء دولة الحق والقانون، مع تنامى خطاب الكراهية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية والجو العام الذي يشهد تراجعًا حادًّا للحريات العامة، فضلً عن الانسداد السياسي وإغلاق المجال العام أمام منظمات المجتمع المدني الفاعلة، ومختلف شرائح المجتمع المدني، مما ليس عائقًا أمام كتلة المسيحيين فقط، ولكن أمام الأغلبية الساحقة من الشعب المصري والاستمرار في اتباع
سياسات "فرّق تسد" ذات الأبعاد التاريخية الخطرة، وتداعياتها على تدمير النسيج الوطني. وقدمت الباحثة توصيات؛ نذكر منها: ضرورة الاعتراف بفشل الدولة في الالتزام بضمانات الحماية الواجبة، ودورها المؤسساتي في تفعيل حقوق المواطنة للمسيحيين. وأكدت وجوب العمل على وضع قواعد تشريعية حقيقية، مفصلة وعملية، تشترك أطراف المجتمع المدني، بكافة أطيافه، في وضعها، تتوافق مع المعايير الدولية؛ لتحدد التزامات مؤسسات الدولة العامة والخاصة، فيما يتعلق باحترام مبادئ تكافؤ الفرص، وحظر التمييز بين المواطنين على أي أساس، وإنشاء آليات مؤسساتية لمراقبة تنفيذ التشريعات، وجهات مخولة لفحص الشكاوى وتلقّيها، وإجراء التحقيقات والتعامل بشفافية وجاهزية مع المتضررين والشاكين.
الخطاب الإسلامي المعاصر والمسألة المسيحية
أما الجلسة الثالثة فحاولت تفكيك الخطاب الإسلامي المعاصر تجاه المسألة المسيحية؛ إذ قدم الباحث سعود المولى ورقة بعنوان "نحو قراءة نقدية في الحوار الإسلامي - المسيحي المعاصر"، مستعرضًا صورة المسيحية في العقل الإسلامي المحكومة بالسجالات العقدية القروسطية حول التوحيد والتثليث وحول الصلب والرفع وحول إنجيل برنابا كمثال معاصر، واستناد العقل الإسلامي إلى الحروب الصليبية مرجعية أخلاقية دينية في النظر إلى الغرب المسيحي في مرحلة صعوده. ولم يستطع المسلمون تخليص ذاكرتهم التاريخية الجمعية، والفصل بين مضمون الغرب الحضاري -الثقافي وتاريخه الاستعماري. كما ساهمت، بحسب رأيه، أحداث 11 سبتمبر 2001 والتطورات اللاحقة في دفع الأزمات الكامنة بين العالم العربي والغرب، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، إلى حدها الأقصى. ومن هذه الأزمات، تلك الناجمة عن سياسة "الكيل بمكيالين" التي اعتمدها الغرب منذ زمن بعيد، وانحيازه إلى إسرائيل هو في جوهر الأزمة القائمة بين العالمين العربي والغربي. وقد استفادت الاتجاهات الأصولية المتطرفة من هذه الأزمة لاكتساب شرعية شعبية في المجتمعات العربية والإسلامية؛ الأمر الذي أدى إلى نشوب أزمات خطرة في عدد من الدول العربية. وقد وجد الباحث خليل العناني في بحثه "مواطنون أم ذميون؟ تصورات جماعة الإخوان المسلمين عن الحقوق السياسية للأقباط في مصر" أن موقف الجماعة من الأقباط تحكمه ثلاثة اعتبارات أساسية؛ هي: الحساسيات الاجتماعية، والتماسك التنظيمي، والمنافسة السياسية مع القوى الدينية المحافظة، وذلك استنادًا إلى منهجية تحليل الخطاب لبياناتٍ وتصريحات لأعضاء وقادة في جماعة الإخوان المسلمين من الأقباط خلال الفترة 1981 -.2013 يمكن تفسير موقف الإخوان تجاه حقوق المواطنة أيضًا من خلال النظر في التحالفات التي عقدتها مع الجماعات الإسلامية المحافظة الأخرى، لا سيما السلفيين، فعلى الرغم من العمل ضمن مجال ديني شديد التنافس، فإن جماعة الإخوان المسلمين لا تزال حريصة دائمًا على استيعاب الجماعات الإسلامية الأخرى والحصول على دعمها. لذلك نلحظ التحول في خطاب جماعة الإخوان المسلمين أثناء الانتخابات أو مراحل الصراع السياسي تجاه غير الإسلاميين، ويكونون بذلك أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات أيديولوجية ودينية للإسلاميين الآخرين من أجل ضمان المساندة والدعم. وقعت جماعة الإخوان المسلمين في عدد من الأخطاء فيما يتعلق بمفهوم المواطنة، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال إخراج ذلك من سياقاته السياسية والزمنية لا سيما فيما يتصل بالبيئة القمعية التي عملت فيها الحركة على مدى العقود الثلاثة الماضية؛ حيث استبعد نظام مبارك الإخوان وقمعهم على نحو منهجي. كما حرص على منع جماعة الإخوان من التواصل مع المجتمع وبناء علاقة جيدة مع القوى السياسية والدينية الأخرى. قام الباحثان حيدر سعيد، وعمر محمد في بحثهما "المسيحيون في خطاب تنظيم الدولة الإسلامية: قراءة لواقع المسيحيين في خطاب تنظيم الدولة الإسلامية"، بفهم وتحليلٍ للمبنى العقائدي والجذور التاريخية للدولة الإسلامية في تعاملها مع مسيحيي الموصل، وتحليل مفهوم "الجزية" و"الجلاء"، والتحديثات التي أضافتها على العهدة العمرية، والاختلافات في رؤية الدولة الإسلامية عن بقية الجماعات الجهادية الأخرى. كما مايز الباحثان بين خطاب داعش تجاه مسيحيي الشرق ومسيحيي الغرب في أدبيات التنظيم، خاصة أن الدولة الإسلامية عندما دخلت إلى الموصل كانت قضية المسيحيين من الأمور التي ركزت عليها، وكان هناك نوع من التركيز غير الواضح على هذه القضية، فكان أول ما فعلته أن قدمت دعوة إلى رجال الدين المسيحيين في الموصل لمناقشة خيارات وجودهم في المدينة. سبق للتنظيم هذه التجربة في الرقة حين أصدر في شباط/ فبراير 2014 الوثيقة التي تعرف ب "عهد الأمان"، والذي أعطته الدولة الإسلامية لنصارى الرقة مقابل التزامهم أحكام الذمة. ويصل الباحثان إلى نتيجة مفادها أن الدولة الإسلامية استخدمت المسيحيين وقضيتهم، سواء في الرقة أو الموصل، مادة إعلامية، وعلى الرغم من الفشل الذريع في تنفيذ مفهوم عهد الأمان في الموصل، فإن إعطاء البغدادي المسيحيين
خيار الجلاء، يعتبر محاولة من الجهاديين لتطوير فكرهم نحو سياسة إعلامية جديدة، كانت سببًا، وإن موقتًا، لمواجهة الإعلام المضاد لهم.
كيف أثر سقوط الموصل في مسيحيي العراق؟
كشف الباحث يحيى الكبيسي في الجلسة الأولى من أعمال اليوم الثاني من الندوة في بحثه "الديموغرافيا المسيحية في العراق: الواقع والتسييس" عن الخلل في متابعة الأرقام التي يقدمها بعض المنظمات المحلية والجهات الدولية، لأعداد النازحين المسيحيين داخل العراق، والمهاجرين إلى خارجه، والتي تكشف عن مبالغات واضحة في هذه الأرقام. ويفسر الباحث ذلك بالاستعمال السياسي لمسألة نزوح الأقليات، وتحديدًا فيما يتعلق بالدعوة إلى منطقة حكم ذاتي، أو محافظة مسيحية، أو إقليم مسيحي في مناطق سهل نينوى. ويعزو الباحث هذا الاستعمال السياسي إلى الصراع القائم على الأرض بين إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد حول ما أطلق عليه "المناطق المتنازع عليها"، بحيث كانت الأقليات الطائفية الأكثر استهدافًا في عملية التهجير القسري؛ إذ اضطر المسيحيون على اختلاف طوائفهم إلى النزوح والهجرة غير مرة نتيجة استهدافهم بوصفهم أقليات دينية، أو استخدامهم أوراقًا سياسية في الصراع بين الجماعات الطائفية الرئيسة في العراق. وفي سياقٍ موازٍ، تطرّق سعد سلوم في بحثه "إنشاء منطقة آمنة للمسيحيين في العراق: المبررات، التحديات، والمقاربات المختلفة"، إلى المبررات الأمنية والديموغرافية لإنشاء منطقة آمنة للمسيحيين في سهل نينوى في العراق، والتي رأى أنها أثارت جدلً بين مختلف التيارات السياسية المسيحية من جهة، وبين قيادات كنسية وممثلي الأحزاب السياسية من جهة ثانية، خلال الأعوام الماضية. ومع ذلك، يرى الباحث أن القضية باتت تطرح في سياق عملي جديد بعد استهداف داعش للأقليات في محافظة نينوى. وفي مقابل خطر الهجرة الجماعية للمسيحيين، يضع ممثلو المسيحيين اليوم سيناريو للعودة المشروطة بضمانات إنشاء منطقة آمنة. ويحلل الباحث المصاعب والتحديات التي تواجه تطبيق الفكرة في مناطق المسيحيين في سهل نينوى، والتي هي في الوقت ذاته مناطق الصراع بين الجماعات الكبرى من الأكراد والعرب حول عائدية الأراضي فيها، فهي مناطق "متنازع عليها" بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد.
هجرة مسيحيي الشرق: خطاب القبول والرفض
تناولت الجلسة الثانية مسألة "هجرة مسيحيي الشرق: خطاب القبول والرفض"، قدّم فيها الباحث روبين شموئيل في دراسته "ما الحل لغير المسلم أمام خيارات: الإسلام، أو الجزية، أو السيف؟" نبذة تاريخية عن الآشوريين المسيحيين في العراق، وبيّ الأصول التاريخية لهذه الجماعة بوصفهم من أقدم الشعوب في العالم التي اعتنقت المسيحية. كما طرح الباحث لاحقًا دور الآشوريين ومساهمتهم في تطوير الدولة والحضارة الإسلاميتين. ويقع على عاتق من تبقى من مسيحيي الشرق، بحسب رأيه، مسؤولية تنبيه أجيالهم إلى أهمية الارتباط الوجداني والكياني بالأرض والطبيعة والمجتمع، حتى لا تستمر الهجرة جرحًا نازفًا. وبخلاف ذلك، فإن الهجرة ستكون خيارًا يُجب عليه المسيحيون. وخلص الباحث إلى أن هناك ثلاثة خيارات لبقاء المسيحيين في المنطقة: دولة المواطنة الديمقراطية، أو نظام استبدادي يفرض الحماية (مع أنه ليس ثمة ضمان لسلوك هذه الأنظمة)، أو حماية دولية، على غرار ما حدث لكردستان العراق عام.1991 حلل شادي لويس في بحثه "اضطهاد ووطنية ومواطنة: البنية الخطابية للمسألة القبطية" البنى القانونية والسياسية للطائفية في مصر وآلياتها المؤسسية، مع انطلاق الثورة المصرية في عام 2011، وتتبع الباحث تشكّل الخطابات الاجتماعية عن "الأقباط" وتحولاتها، بدءًا من خطابَ "الوطنية" و"الاضطهاد" بداية القرن الماضي، وصول إلى خطابَ "المواطنة" و"الاستشهاد الجديد" في خضم الثورة المصرية وبعدها. وختم مداخلته بمجموعة من التوصيات بخصوص سياسات منظمات المجتمع المدني والدولة والمؤسسات الكنسية وبرامجها اللازمة لدعم خطابات بديلة، تتجاوز مفاهيم الأقلوية والاضطهاد المهيمنة، وتتيح للأقباط الانخراط في المجال العام، والمساهمة في إعادة تشكيله. سعى ماجد حسن علي في بحثه "انحسار الوجود وفقدان الهوية: هجرة مسيحيي العراق وسورية بين مواقف التشجيع والرفض، قراءة في خطاب الكنائس والتنظيمات السياسية المسيحية المحلية" إلى تحديد الأسباب والدوافع التي عجلت الهجرة والنزوح الجماعي للمسيحيين، ثم تناول المواقف المتباينة لمختلف الجهات الخارجية حول تشجيع الهجرة واستيعابها لأكبر عدد من المهاجرين المسيحيين، أو الداخلية التي تطالبهم بالبقاء، لا سيما مواقف ومخاوف لبعض القادة المسيحيين، معتمدًا في ذلك على قراءة الخطاب العلني لرجال الدين والكنائس والتنظيمات السياسية المسيحية المحلية ومحاولاتها
ردع عمليات الهجرة والحد منها. ورأى الباحث أن دراسة هجرة المسيحيين من حيث الإحصاءات ليست بالأمر الهين؛ بسبب شح المصادر والمعطيات التي تعالج هذه القضية، وبسبب الفوضى وعدم الاستقرار السياسي وطبيعة الأنظمة الحاكمة في كلا البلدين، والسلطات الرسمية فيهما نادرًا ما تنشر معلومات حول قضايا تتعلق بالأقليات. كما أنه من الصعب الحصول على إحصاءات دقيقة من البلدان التي تستضيف هؤلاء المهاجرين، لا سيما أنهم غالبًا ما يوفرون بيانات عامة عن المهاجرين من بلاد الشرق الأوسط من دون تحديد بلدانهم.
المسيحيون العرب في بلاد الشام: الهجرة والتهجير
اختتمت أعمال اليوم الثاني من الندوة بجلسة سلطت الضوء على الهجرة والتهجير لمسيحيي بلاد الشام؛ إذ تساءل عبد الله حنا في بحثه "التجمعات الرئيسة للمسيحيين في سورية وهجراتهم الداخلية والخارجية" عن أسباب هجرة مسيحيي سورية داخليًا وخارجيًا، وقام بقراءة في دوافعها الاقتصادية؛ إذ ساهمت التطورات الاقتصادية – الاجتماعية والفكرية الجارية في سورية بعد الاستقلال في عملية دمج السكان، وبدأت تتوضّ ح معالم الدولة الحديثة التي أقامها الانتداب الفرنسي، وأخذت تساهم في ظهور دولة وطنية مركزية عاصمتها دمشق. وعاش المسيحيون في ظل الدولة الوطنية في منتصف القرن العشرين حالةً من السلم والأمن. ولكن الظواهر السلبية التي ظهرت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين مع انحسار مرحلة النهوض الوطني، أدت إلى انبعاث المشاعر العشائرية والطائفية والمذهبية، وأصبحت هي المهيمنة في مستهل القرن الحادي والعشرين؛ ما قاد إلى اهتزاز مواقع المسيحيين وبدْء ظهور تراجع دورهم السابق. ولاحظ الباحث أنّ نسبة هجرة سكان الأرياف المسيحيين إلى المدن أعلى من نسبة هجرة المسلمين. ويعود السبب، بحسب رأيه، إلى أنّ المسيحي المهاجر إلى المدن والمقيم في الأحياء المسيحية تختفي عنده عقدة الأقلية التي كان يعانيها في قريته، وتتراجع عنده "عقدة الخوف" من "الإسلام" وما يسمعه من المتقدمين في السن من دفع الجزية والطَّورقة وغيرها من المظاهر التي زالت، ولكنها لا تزال مختزنة في الذاكرة الجمعية. أما مداخلة الباحث سمير سعيفان فقد تناولت "تأثير مناخات الصراع في سورية منذ آذار/ مارس 2011" في هجرة المسيحيين السوريين؛ إذ ساهمت إستراتيجيات النظام ضد الانتفاضة ومن بينها تخويف الأقليات، ومنها المسيحيون، من الانتفاضة لدفعهم بعيدًا عنها، إضافة إلى تأثير تأسلم الانتفاضة وخلق الريبة بل الخوف من المعارضة في أوساط المسيحيين، فضلً عن دور المجموعات الجهادية، خاصة "داعش"، في زيادة خوف المسيحيين. ومع استمرار الصراع، كانت قناعات المسيحيين تتسع كل يوم بأنّ سورية لن تعود كما كانت. وقامت برامج استقبال اللاجئين السوريين في الدول الأوروبية وكندا وأستراليا بدور مهم في تشجيع المسيحيين على الهجرة. وركز سعيفان على دراسة حالة مشخصة لهجرة مسيحيين من "مدينة السقيلبية" وهي مدينة مسيحية أرثوذكسية في منطقة الغاب، وتقع على خط تلاقي مناطق السنة مع مناطق العلويين. وفي الختام، تناول متري الراهب في ورقته "المسيحيون الفلسطينيون بين الهجرة والتهجير: تجربة قرن"، موجات الهجرة الفلسطينية المسيحية الرئيسة في النصف الأول من القرن العشرين، وبالتحديد الهجرة إلى دول أميركا اللاتينية بداية القرن العشرين؛ إذ يمثّل الجيل الرابع من هؤلاء اليوم قرابة نصف مليون لاتيني أميركي من أصول مسيحية فلسطينية. كما رأى الباحث في نكبة فلسطين عام 1948 نكبة مسيحية بكل المعايير. وتناول في القسم الثاني من مداخلته واقع هجرة المسيحيين من فلسطين في السنين العشر الأخيرة من خلال تحليل نتائج الأبحاث والدراسات التي قامت بها مجموعة "ديار."