ما محددات المشاعر الطائفية؟

What are the Determinants of Sectarian Sentiments?

Public Opinion Polling Unit وحدة استطلاع الرأي العام|

الملخّص

​يتضمّن الحيّز العام العديد من المجازات المرتبطة بمسألة المشاعر الطائفية. وعلى سبيل المثال، هناك افتراض سائد مفاده أن الفئة السكانية الأقل تعليمًا، والأكثر ضعفًا، قد تنجرف بسهولة أكبر في اتجاه تبنّي الحجج الطائفية. ومع ذلك، يمكننا - بدلًا من الاعتماد على السرديات المتناقلة - تقييم هذه المسألة تجريبيًا؛ إذ يتضمّن استطلاع المؤشر العربي مجموعة متنوعة من المؤشرات الديموغرافية والأسئلة التي تلتقط المشاعر الطائفية. ومن خلال هذه البيانات، يمكننا مباشرة تفسير العوامل التي تؤثر فعلًا في تفشّي المشاعر الطائفية.

Abstract

Many tropes exist in the public sphere regarding determinants of sectarian sentiments. For example, it is assumed that the less educated and more vulnerable might be more easily swayed by sectarian arguments. However, rather than rely anecdotal evidence, this question can be assessed empirically. The Arab Opinion Index contains a variety of demographic indicators as well as questions capturing sectarian sentiment. Using this data, factors that truly have an effect on the prevalence of sectarian sentiment can begin to be explained.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

يتضمّن الحيّز العام العديد من المجازات المرتبطة بمسألة المشاعر الطائفية. وعلى سبيل المثال، هناك افتراض سائد مفاده أن الفئة السكانية الأقل تعليمًا، والأكثر ضعف ا، قد تنجرف بسهولة أكبر في اتجاه تبنّي الحجج الطائفية. ومع ذلك، يمكننا -ا من الاعتماد بدلً على السرديات المتناقلة - تقييم هذه المسألة تجريبيًا؛ إذ يتضمّن استطاع المؤشر العربي مجموعة متنوعة من المؤشرات الديموغرافية والأسئلة التي تلتقط المشاعر الطائفية. ومن خال هذه البيانات، يمكننا مباشرة تفسير العوامل التي تؤثر فعل ا في تفشّي المشاعر الطائفية.

البيانات العامة

يشير الاستعراض السريع التالي للبيانات الصادرة عن الاستطلاع الذي أجريُ في مختلف البلدان إلى بعض الاستنتاجات اللافتة للانتباه. فعندما جرى طرح سؤال في دول محدّدة إن كان هناك اختلاف بين السُنة والشيعة في مستوى ولائهم للوطن، أتت النتائج دالةً على أن المستجيبين اللبنانیین هم الأکثر طائفية في إجاباتهم، إذ رأى 62 في المئة منهم أن هناك تفاوتًا کبیرًا بین ولاء السُنة والشیعة لوطنهم الأم. أما في الكويت والعراق، فقد انخفضت نسبة المستجيبين الذين يعتقدون أن هناك اختلافًا بينهم، إذ أجاب 40 في المئة من الكويتيين بطريقة طائفية، في حين أتت إجابات 34 في المئة فقط من المستجيبين العراقيين تحمل طابعًا طائفيًا. أما السؤال الثاني فتطرّق إلى ما إذا كان الوطن العربي يواجه، بصورة عامة، توترات طائفية بين السنة والشيعة. وعلى عكس السؤال السابق، جرى طرح هذا السؤال على جميع الدول المشاركة في استطلاع المؤشر العربي. عمومًا، يرى 44 في المئة من المستجيبين أن هناك، بالتأكيد، مستوى من التوتر الطائفي في المنطقة بين السنة والشيعة، في حين وجد 32 في المئة منهم أن هناك بعض التوتر الطائفي. ومن اللافت للانتباه، أن البلدان التي تمتاز بالتجانس المذهبي، مثل الأردن التي لا يوجد فيها عدد يذكر من السكان الشيعة، مالت فيها ردود المستجيبين إلى القول إن هناك توترًا طائفيًا يسود الوطن العربي. ففي الأردن على سبيل المثال، رأى 78 في المئة من الذين جرى استطلاع آرائهم، أن التوتر الطائفي موجود بالتأكيد، في حين وجد 13 في المئة منهم أن هناك بعض التوتر؛ ما شكّل أغلبية ساحقة بنسبة 91 في المئة من مجموع المستجيبين. وهذا يعني ضمنيًا أن المعتقد السائد بشأن التوتر بين السُ نة والشيعة ربما لا يرتبط فعليًا بالتوتر على الأرض في هذه الدول، بل قد يكون الناس مدفوعين بعوامل أخرى، مثل التمثيل في وسائط الإعلام والدعاية.

تحليل إحصائي

لتحليل هذه الديناميات تحليلً أعمق، جرى وضع تحليل إحصائي أشد صرامة من خلال بلورة مقاييس جديدة واستخدام أدوات، مثل تحليل الانحدار.Regression Analysis وللقيام بذلك، تمت - بداية - عملية صوغ "مؤشر" للطائفية، وهو يتكوّن من مجموعة متنوّعة من الأسئلة تتعلّق بموضوع العلاقات بين السُنة والشيعة، ولا سيما كيفية نظرة المستجيبين إلى الناس الذين ينتمون إلى المذهب الآخر. وجرى التركيز، بخاصة، على الجوانب السياسية للمشاعر الطائفية. وعلى سبيل المثال، فإنهم يختلفون في ما يلي: مستويات الولاء للوطن. درجة الانتساب إلى الأحزاب الدينية. مدى احترام حقوق المرأة. الانخراط في الشؤون السياسة. الميل نحو احترام القوانين. تبلغ قيمة مُعامل ثبات ألفا كرونباخ score Alpha Cronbach's لهذا المؤشر 0.81، وهي نسبة عالية للاتساق الداخلي؛ ومن ثم فهو مؤشر مفيد، ويلتقط بعض المشاعر الكامنة المشتركة. وفي هذه الحالة، يعبّ هذا المؤشر عن المشاعر الطائفية. فكلما ارتفعت قيمة هذا المعامل، يجد المستجيب أكثر أنه يوجد "فرق" بين السُنة والشيعة بشأن الأبعاد المذكورة آنفًا. أثناء إلقاء نظرة أولية على هذه البيانات، يتبيّ أن المستجيبين السُنة يرون أن السُنة والشيعة لديهم معدلات اختلاف أكبر مما يجد المستجيبون الشيعة. ويعتمد هذا على متوسط درجة المؤشر الطائفي لكل مجموعة؛ فهي تبلغ 5.154 بالنسبة إلى المستجيبين السُنة، و 4.95 بالنسبة إلى المستجيبين الشيعة. بعد ذلك، يتم استخدام نموذج الانحدار البسيط، مع اعتماد المؤشر الطائفي متغيرًا تابعًا، إضافة إلى عدد من المتغيرات المستقلة ذات الصلة. وتشمل هذه المتغيرات المستويات التعليمية، والانتماء الطائفي/ الديني للمستجيب، ومستوى الدخل، والشعور بالانتماء إلى الجماعة السياسية، والعمر، والجنس. وتكمن فكرة النموذج تلك، في معرفة أي من هذه المتغيرات المستقلة تؤثر في الآراء الطائفية التي التقطها المؤشر الطائفي؛ كما هو مبيّ آنفًا. يكشف تحليل الانحدار عن بعض النتائج غير المتوقعة. أولً: وفقًا للمؤشر الطائفي، كلما ارتفع مستوى التعليم لدى المستجيب، كان من المرجح أن يعبّ عن وجود اختلاف بين السكان الشيعة والسكان السُنة. وتتسم هذه العلاقة بأهمية تبلغ مستوى P<0.01:. ثانيًا من بين الانتماءات الدينية/ المذهبية للمستجيبين في الاستطلاع، تبدو احتمالات تعبير المستجيبين الشيعة عن وجود فرق بين السنة والشيعة، أقل من غيرهم من المستجيبين، وهو ما يؤكد الاستنتاج العام من البيانات المذكورة من قبل. ثالثًا: وفقًا لهذا التحليل بلغة الأرقام، ليس للدخل والعمر والجنس أي أثر ملحوظ إحصائيًا في وجهات النظر المذهبية. رابعًا وأخيرًا: بحسب هذا الانحدار، فإن أولئك الذين يتمتعون بشعور أقل بالانتماء إلى جماعة سياسية موحّدة في وطنهم الأم، هم أيضًا أكثر عرضة للتعبير عن وجود اختلافات جوهرية بين السُنة والشيعة. وهذا أمرٌ متوقع؛ فإذا كان من المرجح أن يكون الجواب أن السكان من السُنة والشيعة في الوطن الأم لم يتوحّدوا تاريخيًا، فسترتفع نسبة التوافق بالنسبة إلى الاختلافات بين الطائفتين.

5325913
503677
424111
391019
36916
30733
2939

بعد ذلك، نحاول اعتماد مقياس مختلف للطائفية؛ إذ نطرح السؤال التالي في المؤشر العربي: "بحسب رأيك، هل يشهد العالم توترًا بين الشيعة والسُنة؟." ثم يجري تقديم إجابتين، وعلى المستجيبين أن يختاروا الإجابة التي تعبّ عن رأيهم وأن يفصحوا عن الدرجة التي يصل إليها هذا التعبير. أما الإجابة الأولى، فهي: "إن التوتر بين الشيعة والسنة هو نتيجة لاختلافات كبيرة في تفسير الدين الإسلامي"، في حين أن الإجابة الثانية هي: "على الرغم من وجود اختلافات في تفسير الدين بين الشيعة والسُنة، فإن التوتر بينهما هو نتيجة لصراع على النفوذ والسلطة." قد تبدو هاتان الإجابتان بمنزلة قُطبيَن متعارضَ ين لنطاق طيفي واحد؛ بالنسبة إلى أولئك الذين يرون أن هناك اختلافات دينية بين الطائفتين من ناحية، والذين يرون أن الخلافات السياسية هي جوهر الخلاف بين المذهبين من ناحية أخرى. وهكذا، جرى وضع مقياس؛ بحيث يعني الرقم 1" "أتفق كثيرًا مع إجابة الاختلافات الدينية" والرقم "4" "أتفق كثيرًا مع إجابة الاختلافات السياسية." بعد ذلك، جرى اعتماد هذا المقياس الطائفي الجديد بغية استخدام الانحدار اللوجستي المتعدّد الحدود Multinomial Logistic Regression، لمعرفة ما إذا كان المقياس الجديد الذي يركّز على الاختلافات الدينية مقابل الاختلافات السياسية، قد يكشف عمّ هو جديد بشأن محددات الفكر الطائفي. والنتائج متوافرة أدناه. ويتمّ تفسير الانحدار اللوجستي المتعدد الحدود بهذه الطريقة: ترتبط زيادة أحد المتغيرات بمعدل وحدة واحدة بزيادة معامل الارتباطCorrelation Coefficient أو انخفاضه في الاحتمالات اللوغاريتمية النسبية odds log Relative؛ لذلك نجد في هذا التحليل، على سبيل المثال، أنه إذا كان الشخص شيعيًا، فإن هذا يرتبط بزيادة 0.25 في الاحتمالات اللوغاريتمية النسبية بالنظر إلى اعتقاد مفاده أن الاختلافات الدينية هي أساس الخلاف بين السُنة والشيعة. وبعبارة أخرى، فإن هذا يعني أن الشيعة يرجّحون، وفق هذا النموذج، أن الاختلافات الدينية هي المسؤولة عن التوتر بين المجتمعين. وفي هذا النموذج، يتسم الدخل بأهمية إحصائية. فأولئك الذين ينعمون بدخل أعلى لا يؤمنون عادة بأن الاختلافات بين الطوائف السُنية والشيعية تحمل طابعًا دينيًا، وتنطبق العلاقة نفسها على متغيّ "الجماعة السياسية". فكلما تنامى الإحساس بالانتماء إلى الجماعة السياسية، تعزّز الاعتقاد المتمثل بأن التوتر السُني الشيعي يعود إلى اختلافات سياسية، لا دينية.

5 1544 95
5.1544.95
النموذج 1: " الطائفية "
المستوى التعليمي***0.009)0.003(
الطائفة/ المذهب
شيعي***-0.18)0.033(
مستوى الدخل-0.023)0.024(
الشعور بالجماعة السياسية
الموحدة
***-0.097)0.015(
العمر0.001)0.001(
الجنس-0.030)0.028(
حجم العينة )عدد(4197

خلاصة

بصورة عامة، يلقي هذا التحليل الأولّي بعض الضوء على محددات الطائفية. يقترح كلا النموذجين أن الإحساس بالانتماء إلى الجماعة السياسية مهم. فكلما تنامى شعور الانتماء هذا، خفتت نسبة التعبير عن آراء طائفية، أو أن شعور الانتماء إلى الجماعة السياسية يجعل المرء يعزو الخلاف بين السُنة والشيعة إلى أسباب سياسية أكثر منها دينية )أي إنها تتعلق بالهوية). وتشير البيانات إلى أن الاعتقاد أن التوتر/ الخلاف السُني - الشيعي المتأصّل لا يرتبط بالضرورة بتجربة شخصية في النزاع أو القضايا الطائفية. ففي الواقع، شهدت البلدان التي تتميز بالتكوين الطائفي الأكثر تجانسًا أكبر عدد من المستجيبين الذين يعتقدون أنه ثمة توتر جدي بين السُنة والشيعة. ومن الأمور المهمة التي تضمّنها هذا التحليل أن استطلاعات الرأي العام قد تكون مفيدة جدًا في توصيف المحددات لأفكار واتجاهات معيّنة، بطريقة جرى تفسيرها من خلال تحليل تجريبي بدلً من الاعتماد على أدلّة مستقاة من السرديات.