نهاية الغرب؟ نحو عالم الغد
The End of the West? Towards the World of Tomorrow
الملخّص
يأتي كتاب لوسيان بويا، "نهاية الغرب؟ نحو عالم الغد"، في ثمانية عشرة فصلًا، تناول فيها العديد من المسائل التي تواجه الغرب وتضع هيمنته محل الاختبار مستقبلًا، من هجرة وتنوع ثقافي وعرقي، واحتباس حراري، وصعود الصين قوةً عالمية، وتراجع الغرب أيضًا وابتعاده عن المكانة التي كان يحتلها سابقًا. يحمل كتاب بويا عنوان كتاب وضعه الكاتب والصحافي الفرنسي، هارفيه كيمف يعالج مجموعة من القضايا التي تواجه الحضارة الغربية المعاصرة، مثل الاحتباس الحراري والتدهور البيئي وتزايد التفاوت بين الدول وداخلها، لكنه يعِد بمستقبل متفائل لأوروبا لأنها الأكثر اعتدالًا وعدلًا والأقل عدوانية من القوى العالمية الأخرى.
Abstract
Palestine Over Two Months Between Septemper 1, 2018 - October 31, 2018.
- علاقات دولية
- أوروبا
. La fin de l'occident? Vers le monde de demain عنوان الكتاب في لغته: المؤلف: لوسيان بويا Boia.Lucian سنة النشر:.2018 الناشر:.Les Belles Lettres, Paris عدد الصفحات: 108 صفحات.
مقدمة
يأتي كتاب لوسيان بويا1، نهاية الغرب؟ نحو عالم الغد، في ثمانية عشر فصلً، تناول فيها العديد من المسائل التي تواجه الغرب وتضع هيمنته محل الاختبار مستقبلً، من هجرة وتنوع ثقافي وعرقي، واحتباس حراري، وصعود الصين قوةً عالمية، وتراجع الغرب أيضًا وابتعاده عن المكانة التي كان يحتلها سابقًا. يحمل كتاب لوسيان بويا عنوان كتاب وضعه الكاتب والصحافي الفرنسي، هارفيه كيمف، يعالج مجموعة من القضايا التي تواجه الحضارة الغربية المعاصرة، مثل الاحتباس الحراري والتدهور البيئي وتزايد التفاوت بين الدول وداخلها، لكنه يعِد بمستقبل متفائل لأوروبا لأنها الأكثر اعتدالً وعدلً والأقل عدوانية من القوى العالمية الأخرى2.
أولا: الغرب بين الماضي والمستقبل
يفتتح بويا كتابه بمقدمة عنوانها "نهاية عالم" monde d'un fin La يسوق فيها فكرة استمرارية التاريخ، الذي يأبى أن يتوقف عند حدث أو آخر، كما أن الأحداث التي غالبًا ما تميز العالم لا تؤدي إلى نهايته، ولكنها تؤدي إلى نهاية عالم. ويرى المؤلف أن هناك فارقًا شاسعًا بين الماضي والحاضر، بفعل ظاهرتين مهمتين، هما: تسارع التاريخ، وميل العالم إلى التكافؤ. تظهر الظاهرة الأولى جليًا من خلال التغيير الذي أحدثه الإنترنت والهاتف النقال في الحياة الاجتماعية خلال عقدين فقط من الزمن، أما الثانية فترتبط بظاهرة أخرى لم يذكرها المؤلف صراحة في هذا الفصل، وهي ظاهرة العولمة؛ إذ يرى أن الحضارات السابقة تطورت تطورًا منفصلً، لكن منذ الاستكشافات الجغرافية أصبح العالم متحدًا، بفضل العمل القوي للغرب، وفي الاتجاه المفتوح الذي يفرضه هذا الأخير؛ فالغرب قدّم باستعمال القوة أو الإغراء النموذج المسيطر، وهو التكنولوجيا، وقدّم أيضًا باقي القيم الأساسية الأخلاقية أو السياسية أو الثقافية. أما البناءات البديلة، كالنظام الشيوعي وطوباوية العالم الثالث، فقد انهارت أمامه. يشير المؤلف في بداية الكتاب إلى فكرته الأساسية؛ فالغرب الذي وحَّد العالم وأسَّس المجتمع التكنولوجي، بدأ يُبدي علامات تعب قد تجعله يتراجع، مفسحًا المجال لقوى أخرى لتأخذ مكانه في المستقبل. لكن المستقبل يصعب توقعه، فهو لم يحدث بعد، وهو لا يمكن أن يكون امتدادًا خطيًا للحاضر، كما لا يمكن أن يكون الحاضر امتدادًا خطيًا للماضي. والعوامل التي تدخل في تحديد المستقبل متعددة ومتشعبة، والعلاقات بينها معقدة، وغالبًا ما تحمل عمليات التوقع في طيّاتها الكثير من الأخطاء. ومن الطبيعي أن يقدّم لنا بويا في كتابه هذا موجزًا تاريخيًا عن الغرب وحضارتهم التي يسميها "المعجزة الغربية"، لكن بقليل من الإسهاب عن ذلك الذي جاء في كتاب سابق له "الغرب: سيرة تاريخية"3. ينطلق بويا من القرن الحادي عشر الذي كان فيه الغرب متخلّفًا مقارنة بالعرب والصينيين، لكنه بعد ذلك قطع أشواطًا مهمة ليصبح الحضارة الوحيدة، لأن الحضارات الأخرى كانت محافظة، وعلى الرغم من أنها كانت تمتلك هي الأخرى الأدوات اللازمة لبناء مجتمع تكنولوجي، فإنها إلى جانب اعتمادها على اليد العاملة من العبيد، كانت تواجه عائقًا ذهنيًا mental.Blocage ومن العوامل التي أدّت إلى صعود الغرب حضارةً وحيدة هو انفتاحه على القبائل الجرمانية بعد زوال الإمبراطورية، ما أضاف إليه خليطًا عرقيًا وثقافيًا غنيًا، والفلسفة التي أضافتها المسيحية لفهم التاريخ فهمً مختلفًا، ثم العلمانية التي أدت إلى ظهور النظرية الحديثة للتقدم، كما أن الاحتباس الحراري سنة 1000 ميلادية سمح بالامتداد الثقافي نحو الشمال ومناطق شمال الألب، بما في ذلك احتلال غرينلاند. يعتبر المؤلف ما يُسلّم به الكثيرون، من أن الغرب بنى حضارته على ما تحصّل عليه من علوم الحضارات الأخرى واكتشافاتها، لا سيما الصينية والإسلامية، غير صحيح؛ إذ امتص الغرب ما أنتجته تلك الحضارات وقام بتطويره. صحيح أن الصينيين اكتشفوا البوصلة، لكن الغرب هو من استكشف العالم، وصحيح أنهم اخترعوا الورق، لكن الغرب هو من ربطه بالطباعة التي يمكن اعتبارها "عاملً أساسيًا في الحداثة." حقق الغرب قفزة مهمة في العلوم جعلته يحتكر البحث العلمي على نحو شبه مطلق، وهو الذي ابتكر العلوم التجريبية. وهذا راجع أساسًا إلى أن الغرب، بعكس الحضارات الأخرى، ربط بين العقل واليد ليؤسس الحضارة التكنولوجية، فكانت حضارته أكثر مادية ومثالية من غيره، خاصة بعد انفصال الحياة الفكرية عن الكنيسة شيئًا فشيئًا، وظهور الثورة الصناعية في إنكلترا وانتقالها إلى دول الغرب الأخرى. ولا شك في أن العلمانية ساهمت مساهمة كبيرة في ذلك التقدم، لا سيما مع تراجع الديانات وظهور ديانات جديدة، يسميها المؤلف "الديانات الإنسانية" humaines Réligions.Les
لم يكن بويا منصفًا في حق الحضارات الإنسانية الأخرى؛ إذ بخّس كل إسهاماتها العلمية والحضارية، فهو يرى أن الآخرين لم يخترعوا شيئًا ذا أهمية، على الرغم من التقارب بين الحضارة العالمية الحالية والحضارة الغربية، فكل شيء من المصباح الكهربائي إلى الديمقراطية، خرج من المختبر الغربي. بل يبالغ حين يتساءل كيف كان ليبدو حال العالم من دون الغرب؟ ويجيب بتهكّم: ربما لا نزال ننتظر اكتشاف أميركا. كما يتبجّح بويا بأن "الغرب سيطر على العالم لأنه أصلً كان أعلى منه!"، كما أنه لو تُرك الأمر لغير الغرب سواء الصين أو غيرهم، لما كان لدينا اليوم العلم والتكنولوجيا والصناعة، ولا الديمقراطية ودولة القانون. ويعتبر بويا الإبداع والعقل التحويلي اللذين كانا سائدين في أوروبا في القرن الثامن عشر هما محرك المجتمعات الغربية. ويبرر بويا في هذا السياق الاستغلال الذي ميّز العلاقة الاستعمارية، ويفسر ذلك تفسيرًا غريبًا بقوله "الغرب كان أقوى وأكثر تطورًا[...] لو كان الأفارقة هم الذين اخترعوا الحضارة التكنولوجية لكان من المحتمل أن يفعلوا الشيء نفسه مع أوروبا"، فالمستعمرات قد تُضعف المُستعمِرين كما حدث مع إسبانيا والبرتغال، بيْد أن دولً، مثل ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية، ليست لها مستعمرات، وأداؤها أفضل بكثير من دول كانت ضحايا إمبراطورياتها مثل فرنسا وبريطانيا. يعتبر بويا العالم الذي مورس عليه ذلك أنه لم يكن عالمًا مثاليًا حتى مجيء الغرب الذي فعل أشياء سيئة بالتأكيد، ولكنه فعل أشياء جيدة أيضًا، على الرغم من أنه يقر على نحو لا لبس فيه أن الاستغلال الاستعماري كان غير عادل وقاسيًا. كما أنه يجب ألّ نلوم الأوروبيين على الرق، فالعرب قاموا بذلك قبلهم؛ إذ إنّ العبودية في الولايات المتحدة الأميركية مثلً مهّدت الطريق للأجيال اللاحقة من العبيد ليعيشوا حياة أفضل. ومع ذلك، يقر بويا أن "الغرب قلّص من مكانته في التاريخ"، بفعل ما وضعه عنوانًا للفصل الخامس، وهو قلة تقديره لذاته.
ثانيًا: التعدد الثقافي والعرقي
أصبح الغرب مؤخرًا فضاء متعدد الثقافات، وهو تطوّر مختلف وغير منتظر عند مقارنته بالمشروع الأساسي "الدولة - الأمة"، وتلك إحدى النتائج الأساسية للهجرة نحو الغرب، والمدفوعة في أغلب الأحيان بدوافع اقتصادية واجتماعية، كالفقر والبطالة وانعدام الأمن في مناطق أخرى من العالم، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك التفسير الوحيد، لأن الركود الديموغرافي الذي يشهده الغرب يجعل من ظاهرة الهجرة واقعًا مفروضًا عليه. المشكلة الأساسية التي تطرح تبعًا لذلك، هي مسألة اندماج المهاجرين في المجتمعات الغربية، فبعضهم يندمج، وآخرون في طريقهم إلى الاندماج، والبعض الآخر لا يريد ذلك، وهنا يظهر المسلمون بوصفهم أكثر المهاجرين مقاومة وعنادًا. وفي السياق نفسه، يبالغ بويا حين يعتبر أن الغرب المسيحي والغرب العلماني يتحولان شيئا فشيئًا إلى غرب مسلم. إذًا للتعدد الثقافي ميزات وله مخاطر، والمجتمعات المتجانسة على الرغم من أنها مملة، فإنها في أمان من المخاطر. بالنسبة إلى الخليط الإثني في العالم الغربي، يرى بويا أن الغرب أمام سيناريوَين: الأول يتعلق بالمحافظة على الهجرة مع رقابة أشد، ومع اندماج الأقليات كافة بما في ذلك علمنة الأقليات المسلمة، وفي هذه الحالة لن يفقد الغرب مضمونه ولا روحه، بل على العكس سيعطى جرعة انتعاش ودينامية جديدة. أما السيناريو الثاني، فليس هناك تحكّم في الهجرة مع فشل الاندماج ونمو عالٍ في الأقليات الأجنبية، ومع الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية، إضافة إلى الفوارق الاجتماعية يمكن تصور الوصول إلى نزاعات من مختلف الأنواع، بما فيها الحرب الأهلية. وفي هذا السياق يؤكد المؤلف أن "فرنسا ستصبح مسلمة في ظرف نصف قرن، ولن تبقى."
ثالثًا: الديمقراطية والتقدم بوصفهما ديانات إنسانية
يتمتع المواطنون في الغرب بجميع حقوقهم وحرياتهم الخاصة من دون تفرقة وتمييز، وهم يتمتعون باستقلالية أكثر من غيرهم. لكن التفرد L'individualisation، الناتج من ثورة الإنترنت التي سهّلت العلاقات المباشرة بين الأفراد وجعلتهم قادرين على التنظيم والتصرف فورًا، هو سلاح ذو حدين، فقد ينتج إما التزام مسؤول لكل فرد أو عدم وجود التزام أصلً، وهنا يأتي خطر تحلل المجتمع، فيصبح كل فرد لنفسه، ومن هنا يضاعف الإنترنت قدرة الاندماج وأيضًا إمكانية الانفصال، فأجزاء كبيرة من المجتمع تحاول الاختفاء من الفضاء العام لتشكّل مجتمعات صغيرة متوازية ومستقلة، ما يطرح تساؤلً مهم حول ما إذا كانت الدولة ستعود إلى نظام القبيلة. وفي المقابل، فإن ثورة الإنترنت والتكنولوجيا تحمل بعض التناقضات؛ فالتكنولوجيا مكّنت من مراقبة الفرد كما لم يحدث في التاريخ، إذ لا توجد دولة بوليسية تمكّنت من التسلل إلى الأفراد بعمق كما تفعل الديمقراطيات المعاصرة. إذًا فنحن أمام تناقض صارخ: "من حرية أكبر فأكبر، ومن حرية أقل فأقل." تُبدي الديمقراطية بعض علامات التعب بعد إنهاء مهمتها على نحو أو آخر، والمتطلبات الاقتصادية لعصرنا غير حساسة لمبادئ الديمقراطية
وقواعدها؛ فالعولمة في جوهرها غير ديمقراطية، من خلال فرضها لقيود من دون المرور بالتصويت الشعبي. ونتيجة لذلك، أصبحت الضغوطات والتأثيرات في القرارات والتوجهات السياسية محدودة، وأصبحت الاختلافات بين اليمين واليسار بسيطة. وبالنسبة إلى أوروبا، فإن الانتقال من العواصم الأوروبية إلى بروكسل يفقد الديمقراطية عدة نقاط. يعتبر بويا التقدمProgrès بمنزلة ثالث أكبر ديانة علمانية في العصر الحديث إلى جانب الدولة والديمقراطية، وهو أيضًا ليس في أحسن أحواله؛ فاليوم لم يعد الأهم تحقيق تقدم بل وقف التراجع، ومن هنا فالغرب يعاني عجزًا في الخيال، وهذا من شأنه إضعافه وإفقاده مكانته. فبالنسبة إلى استكشاف القمر مثلً، لو لم يقم السوفيات باستفزاز الأميركيين، لما تمكّنوا من الوصول إلى القمر، فالوصول إلى القمر "كان مشروعًا شيوعيًا حققه الرأسماليون بنجاح. الأوائل قدموا الخيال، والآخرون قدموا الموارد لتحقيقه". فالتاريخ الذي قدمه الغرب للعالم هو رواية مادية لخيال كبير، ولكن اليوم يبدو أنه يفتقد الإبداع.
رابعًا: مستقبل الاتحاد الأوروبي
يقدم بويا مقارنة بين بناءين: الدولة وأوروبا؛ فقبل قرن إلى قرن ونصف من الآن كان الفرد يموت من أجل وطنه، وكانت الحدود تفصل بين الدول، لكن الأيديولوجيا الوطنية كغيرها من الأيديولوجيات الصادرة عن المختبر الغربي ضعفت حديثًا نتيجة لعدة أسباب، إذ دفعت ثمن النزاعات الدامية (في الحربين العالميتين الأولى والثانية) التي تحملت الوطنية الغربية مسؤوليتها، ثم أحبطت بفعل الدين الغربي الآخر الديمقراطية، كما أن الأقليات سواء أكانت إثنية أم دينية أصبحت تُسمع صوتها كل بحسب خصائصها، أضف إلى ذلك كله العولمة التي تذيب الدولة في بُعد عالمي أوسع، عن طريق إلغاء الحدود والخليط المتزايد للإثنيات والديانات، على الرغم من أن هناك دعوات إلى تقسيم العالم إلى دول متجانسة ثقافيًا ومنفصلة بحدود حقيقية. ويرى المؤلف أن الاتحاد الأوروبي مشروع ضخم وهش في الوقت نفسه؛ إذ لا توجد هوية أوروبية بل هناك مجموعة من الهويات الوطنية، وأن تاريخ أوروبا متعدد وليس تاريخًا واحدًا، كما أن عدم وجود أسطورة يجعل منه بيروقراطية أكبر من كونه عقيدة. فدول أوروبا الشرقية اندمجت في هذا المشروع لأنه لم يكن لديها خيار، والأزمة المالية والاقتصادية بيّنت العيوب والتصدعات في البناء الأوروبي على مستوى الاختلافات الثقافية، خاصة مع اختلال محور باريس - برلين الذي يُعتبر بمنزلة العمود الفقري لأوروبا، وخاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد. لكن المؤلف يرى بتفاؤل أن الطريق للوصول إلى فدرالية أوروبية لا تزال موجودة.
وبخصوص استمرار الاتحاد الأوروبي بعد الأزمة الخانقة التي عاناها مؤخرًا، يذكر بويا ثلاثة سيناريوهات ممكنة لما سيكون عليه الاتحاد في المستقبل.
1. السيناريو السلبي
لن ينجح الاتحاد الأوروبي في مواجهة الاضطرابات الحالية والتي يحتمل أن تتواصل، مع تزايد التشكيك في قدرة الاتحاد على الاستمرار، وفي هذا السياق قد تقدم بريطانيا الإشارة للتفكك، كما أن دولً أخرى أعطت تلك الإشارة مثل إسكتلندا التي تريد الانفصال عن بريطانيا، وكتالونيا عن إسبانيا.
2. السيناريو الإيجابي
لن يتفكك الاتحاد بل سيندمج أكثر، ولا نعرف إلى أي مدى. وفي هذا الإطار يصعب تصور أنه سيصبح اتحادًا فدراليًا. وأصغر ما يمكن التطلع إليه هو ترسيخ الكونفدرالية مع بثّ توازن بين ما يبقى من سيادة للدولة وما يذهب لنظام السيادة المشترك.
3. سيناريو الوفاق
ينص هذا السيناريو على قبول أن الاتحاد لن يعمل كله بالطريقة نفسها ولا بالسرعة ذاتها. لذلك فالنواة الصلبة تضم دول الشمال ما عدا بريطانيا، ودول الجنوب تشكّل منطقة ثانية أقل تقدمًا من الناحية الاقتصادية، بما في ذلك الدول التي انضمت حديثًا مثل رومانيا وبلغاريا.
خامسًا: الغرب والصين
في السابق، كانت الصين هي القوة الكبرى في العالم، لكن بعد الثورة الصناعية مالت الكفة لمصلحة الغرب، وتشير توقعات كثيرة إلى أن الصين في منتصف القرن الحادي والعشرين ستعود لتتسيّد العالم بعد تراجع الغرب. فهل سيعود العالم إلى حالته الطبيعية؟ يرى بويا أن هناك سابقة تاريخية فيما يتعلق بإمكانية سيطرة الصين، هي اليابان، التي تقدم لنا أرضية يمكن الانطلاق منها للتفكير في الصين. فاليابان دخلت في مرحلة نمو اقتصادي مدهش بعد الحرب العالمية الثانية، إذ تضاعف ناتجها المحلي الخام 15 ضعفًا خلال الفترة 1990-1950، بينما الولايات المتحدة الأميركية 4 أضعاف، وفرنسا وألمانيا 5 أضعاف، وهذا ما سمّي "المعجزة اليابانية". وكان يبدو أن اليابان قادرة على اللحاق بالولايات المتحدة الأميركية حتى التسعينيات، إذ تراجع معدل نمو اقتصادها، ودخلت في ركود بعد الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 لم تخرج منه إلى الآن. أما الصين فيعتقد المؤلف أن اقتصادها غير مبنيّ على قاعدة صلبة، فالتكنولوجيا تأتي إلى الصين من الخارج وهي لا تقوم سوى بنسخها وإعادة إنتاجها على مدى واسع بجودة أقل وبسعر أرخص، كما أنها مزيج طموح من الدول النامية والدول المتقدمة، من اقتصاد السوق والنظام السياسي الشمولي، ولا يمكنها الاستمرار في الاعتماد على اق اررض التكنولوجيا وسياسة الأجور الزهيدة المدفوعة للعمال. ومن ثمّ، تتميز الصين بعدة تناقضات، هذه التناقضات يتم احتواؤها من خلال نظامها الشمولي. كما أن حدوث انفجار اجتماعي في الصين أمر محتمل، فهي تواجه مشكلة ديموغرافية صعبة الحل، وهي تتحول إلى بلد يضم الكثير من الأشخاص المسنيّن مقابل نسبة أقل من الشباب نتيجة لسياسة الطفل الوحيد، وهذا قد يكون عامل مخاطرة. في المقابل، يجب التمييز بين الغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، فهذه الأخيرة تشهد نموًا ديموغرافيًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا مهمً. كما أن الغرب لا يزال اليوم يمثل المختبر الحصري للإبداع العلمي والتكنولوجي "فمن السهل تقليد الغرب، لكن من الصعب أخذ مكانه بوصفه عامل إبداع". وبالتوازي مع السلطة الاقتصادية والعسكرية، هناك السلطة الناعمة التي تنبع من جاذبية النموذج؛ أي "التأثير الثقافي في أسمى معناه"، وللغرب الاستخدام الحصري لمثل هذا التأثير، فالغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، اجتاح العالم بثقافته وليس بالسلاح أو الصناعة.
سادسًا: المشكلة الديموغرافية
يضع بويا الغرب في سياق مقارن بمناطق العالم الأخرى، فالغرب متفوق اقتصاديًا، وأهم من ذلك فهو متفوق تكنولوجيًا بضع مرات على باقي العالم، لكن على المستوى الديموغرافي فهو في تراجع واضح. ففي عام 1913 كان عدد سكان الغرب يمثل 21 في المئة من مجموع سكان العالم، لكنه تراجع إلى 11 في المئة فقط عام 2012. والسبب في ذلك هو تراجع الولادات في أوروبا الغربية على وجه الخصوص، نتيجة للتقدم الذي شهدته تلك المجتمعات وتغيّ دور المرأة في المجتمع، وفي الحصيلة، يدفع الغرب ثمن ديمقراطيته التي جعلت من المرأة تتخلى عن دورها في "إنتاج" الأطفال. وهنا يثير مسألة ذات أهمية، وهي الهجرة من دول العالم الأخرى إلى دول الغرب التي يعتبرها تقوم بتوازن الأمور نسبيًا، إذ تعوض الغرب عن تراجع الولادات، ولكنها تطرح مشكلات تتعلق أساسًا بالاندماج عالجها بتفصيل أكثر لاحقًا. لا تتوقف المقارنة عند تعداد السكان، بل تتجاوزها إلى المعطيات الاقتصادية، ولكن هناك نقطة فاصلة في تاريخ التفوق الغربي، هي الأزمة العالمية عام 2007 التي يعتبرها المؤلف "الحلقة الأولى لأزمة طويلة المدى، هي في الواقع علامة على التراجع البارز للعالم الغربي." إذ قبل عام 2007 كانت الاقتصادات الغربية تنمو بمعدلات بطيئة، ولكن الجزء الأكبر من دول العالم الثالث بقي مُسمَّرًا في مكانه. أما بعد الأزمة، فيبدو أن الاقتصادات الغربية لا تقوم بالأداء على نحو ملائم، قياسًا على الأداء المتميز للصين والهند اللتين تجاوز نموهما الاقتصادي النمو الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، كما أن مساهمة الصين في الناتج العالمي الخام تتعدى مساهمة دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة.
سابعًا: آخر الصليبيين
يعتقد بويا أن الغرب الأميركي أشد تديّنًا وإيمانًا من الغرب الأوروبي، وأشد إيمانًا في علاقاته بالله، وأيضًا فيما يخص مهمته في الأرض، وهذا ما يجعل الحلم الأميركي موجودًا حتى الآن، وهو ما يعتبر التفسير الأساسي لحركية المجتمع والاقتصاد الأميركيَيّن. لذلك يعتبر بويا الأميركيين "الصليبيين الأخيرين،" وفي هذا السياق يعتقد أن الصدام مع العالم الإسلامي حول القدس أمر لا مفر منه، فحماية أميركا المُفرطة للكيان الصهيوني تندرج ضمن الطريق التي رسمها لها الإنجيل، والتي بنت جسرًا معنويًا بينها وبين الشعب المختار. وخلاصةً لهذا الكتاب الحافل بالأفكار، والذي يربط على نحو بسيط ومفيد بين الماضي والحاضر والمستقبل، يستخلص بويا أن الغرب قد
ينكسر، ولكن الطريق لا تزال أمامه كي لا يتدهور ويختفي، فعليه إيجاد الثقة بنفسه وإعادة اكتشاف طَعْم المثُل العالية التي أعطته قوة الدفع، على الرغم من أن بويا نفسه ليس متأكدًا أن ذلك سيحصل.
ثامنًا: مناقشة بعض أفكار الكتاب
يعتبر بويا أن الغرب لم يهيمن على العالم بسبب الثورة الصناعية، وهو الطرح نفسه الذي ذهب إليه إيان موريس، لما اعتبر أن الغرب لا يحكم الآن بسبب أن الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر حدثت على أراضيه ولم تحدث في الشرق4. لكن أندر غوندر فرانكAnder Gunder Frankحاجّ بأن صعود الغرب ما هو إلا انهيار للشرق أكثر منه مبادرة بأيدي الأوروبيين الغربيين5. كما أن المؤرخ الأميركي الشهير كينيث بوميرانز يعتبر أن الغرب حالفه الحظ فقط مع اكتشاف الأميركتين وإنشاء نظام تجاري حر، على نحوٍ وفّر محفزات معينة للتنمية الاقتصادية6.يذهب المؤرخ البريطاني نيال فيرغسون و إلى أن الغرب تميّز بستة تطويرات جديدة رافقتها أفكار وسلوكيات مارست دور القوى المحركة للغرب، هي: المنافسة، والعلوم، وحقوق الملكية، والطب، والمجتمع الاستهلاكي وأخلاقيات العمل7. يشير بوميرانز إلى أن العالم كان متقاربًا مدة خمسة عشر قرنًا بعد الميلاد، والخمسمئة سنة الماضية هي التي شكّلت فارقًا بين الغرب والشرق8، فالغرب لم يحكم لأنه كان أعلى من الجميع أصلً. كما أن بويا يناقض نفسه عندما يذكر في موضع آخر أن الصين كانت القوة الكبرى في العالم، إذًا الغرب لم يكن أعلى من الصين على الأقل. كما أن بويا ينكر، بوضوح، مساهمة الحضارات الأخرى في الحضارة الغربية، وهنا يمكن الإشارة إلى أن غوستاف لوبون Bon Le Gustave مثلً عنْونَ أحد فصول كتابه الشهير بحضارة العر ب "تمدين العرب لأوروبا: تأثيرهم في الشرق والغرب"، وضَّ ح فيه أن "تأثير العرب في الغرب عظيم [...] وأن أوروبا مدينة للعرب بحضارتها"، كما أشار أيضًا إلى أن الغرب لم ينقل علوم العرب وكتاباتهم فقط إلى اللغة اللاتينية، بل حتى كُتب علماء اليونان التي ترجمها المسلمون إلى لغتهم الخاصة؛ ككتب أفلاطون وأرسطو وأرخميدس9. وقد أكد جون هوبسون حديثًا أن الشرق الذي كان أكثر تقدمًا خلال الفترة 1800-500 لو لم يساعد الغرب، لما كان لهذا الأخير أن يتخطى الحدود للحداثة10. وبالنسبة إلى التعدد الثقافي والعرقي، يقول بويا إن القبائل الجرمانية التي اختلطت بالمجتمعات الغربية أضافت إليها غنى ثقافيًا مهم. يتناقض هذا الكلام، إذًا، مع ما سيأتي فيما بعد حول التعدد الثقافي والعرقي في الغرب حديثًا، والذي يعتبر حاملً لكثير من المخاطر. وفي السياق نفسه، لا يتوقف بويا عن ذكر حالة فرنسا، وكأنه يريد أن يكون ملكيًا أكثر من الملك، هنا تجدر الإشارة إلى الفيلسوف الفرنسي إدغار موران الذي افتتح كتابه الذي كتبه سوية مع باتريك سنغاني بالعبارة الآتية: "فرنسا في الواقع هي جمهورية متعددة الثقافات"، ويضيف "فرنسا هي نفسها كلية، ليس فقط بتنوعها الثقافي التاريخي، لكن أيضًا من خلال الغنى الثقافي الذي أدمجته حديثًا"؛ ذلك أن "الوحدة من غير التنوع ستكون تجانسًا مصطنعًا، مدمرًا للغنى"11. ومن المُحيّ أن يضع أكاديمي في بداية القرن الحادي والعشرين نظّارات هتلر ليرى العالم أشبه بمساحة عيش للمجتمعات الغربية، والأغرب من ذلك أن يتلاعب بالتاريخ ليقدم لنا نظرة مخادعة لأحداث دموية ولاأخلاقية سادت الصعود البارز للغرب؛ فإسبانيا والبرتغال، الدولتان الاستعماريتان بحسب بويا، تضررتا من مستعمراتهما. ومستغرَب جدًا تبرير المؤلف ممارسات استعمارية كثيرة على نحو يشوبه كثير من اللاأخلاقية، بداعي أن أبناء مجتمعٍ ما كان مستعمرًا قد تقاتلوا وأراقوا دماء بعضهم البعض بعد الاستقلال، مثلما برّر احتلال فرنسا الجزائر، بيْد أن الجزائريين اقتتلوا في تسعينيات القرن العشرين، ولا علاقة لفرنسا بذلك. هذا مبرر أيضًا لما فعله البريطانيون والفرنسيون في السكان الأصليين لأميركا، إذ إن الشمال والجنوب قادا حربًا أهلية طاحنة منتصف القرن التاسع عشر.
المراجع
العربية
لوبون، غوستاف. بحضارة العر. ترجمة عادل زعيتر. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2013
الأجنبية
Boia, Lucian. L'occident: Une interprétation historique. Paris: Les Belles Lettres, 2007. Fergusson, Niall. Civilization: The West and the Rest. New York: Penguin Books Ltd., 2011. Hobson, John M. The Eastern Origins of the Western University Cambridge Cambridge: Civilization. Press, 2004. Kempf, Hervé. Fin de l'occident: Naissance d'un mond e. Paris: Seuil, 2013. Morin, Edgar & Patrick Singaïny. La France Une et Multiculturelle: Lettres aux citoyens de France. Paris: Fayard, 2012. Morris, Ian. Why the West Rules for Now: The Patterns of History, and What they Reveal about the Future. Farrar: Strauss and Giroux, 2010. Pomeranz, Kenneth. The Great Divergence: China, Europe, and the Making of the Modern World Economy. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000.