اللغز الصِّيني: استراتيجيّة قوَّة الصِّين وتأثيرها منذ الحرب الباردة

The Chinese Enigma: China’s Strategy, Power and Impact since the Cold War

* Hikmat al-Abd al-Rahman حكمات العبد الرحمن|

الملخّص

​يحاول الكتاب من خلال مجموعة مساهمات لعدد مهم من المختصين تحليل إستراتيجية الصين وتأثير دورها في المستوى الدولي، منذ نهاية الحرب الباردة حتى عام 2016. ويحاول المساهمون كذلك أن يبينوا الانعكاسات التي يمكن أن يسببها الدور السياسي والاقتصادي والعسكري المتنامي للصين، وعمليات التحديث الواسعة التي تتبعها "بلاد إمبراطور ابن السماء".

Abstract

Through the contributions of an important number of experts, the book is trying to analyze China's strategy and the impact of its role at the international level, from the end of the Cold War to 2016.

الكلمات المفتاحية:

عنوان الكتاب في لغته:. L'énigme chinoise: Stratégie, puissance et influence de la Chine depuis la Guerre froide المؤلف: مجموعة من الباحثين بإشراف بيير جورنود Journoud.Pierre مكان النشر: باريس، فرنسا. سنة النشر:.2017 الناشر:.L'Harmattan عدد الصفحات: 430 صفحة.

لم يهتز العالم عندما نهضت الصين1 كما توقع نابليون بونابرت عام 1816، وحذر من النتائج والانعكاسات التي تترتب على نهوض التنين الصيني. لكن الصين التي أبهرت وأقلقت وأزعجت في آن واحد أصبحت مثالً يحتذى، ونموذجًا يُتبع، بالنسبة إلى كثير من الدول الطامحة إلى تحقيق تنمية ناجحة بمعدلات قياسية. فالصين، إلى جانب كونها تشكل مع كثير من الدول الآسيوية مركزًا اقتصاديًا جديدًا للعالم من خلال عملية التحديث، استطاعت الحصول على مواقف أكثر ديناميكية وتنوعًا فيما يتعلق بكثير من القضايا العالمية. وقد دأب كثير من الباحثين والأكاديميين في إطلاق أوصاف على الصين الحديثة تهتم بما وصلت إليه من تطور، وما يمكن أن تكون عليه في المستقبل؛ من قبيل إمبراطورية الوسط "ماصة الدماء"2، و"الصين المفترِسة"، والصين التي "تفرض قوانينها على العالم"، وغير ذلك من الأوصاف التي تشير، من دون شك، إلى حقيقة نظرة الغرب إلى واقع الصين ومستقبلها. ولعل هذه الأوصاف لم تأتِ من فراغ؛ فالصين برأسماليتها التي بدأتها من شنغهاي قبل ثلاثة عقود، وبنظامها الليبرالي – الشيوعي، أصبحت اليوم دولة تفترس خيرات الدول، ولا سيما ما يقع منها في القارة الأفريقية3.

أتكون الصين استطاعت تحقيق قوتها الداخلية اللازمة، كما هي الحال في اليابان والغرب المتطور، لتنطلق نحو الخارج؟ أم أنها، كما يصفها باسكال لوروت، أكثر هشاشةً مما تبدو عليه، وتعاني مشكلات ديموغرافية وسياسية وقومية، وغيابًا للديمقراطية والمساواة الاجتماعية؟ يمكن أنْ يُفضي ذلك إلى سؤالين آخرين: هل تمثل هذه المشكلات أعداء افتراضيين يهددون الصين أكثر؟ وهل تمثّل الصين تهديدًا للأرض أم تهديدًا لنفسها؟4يحاول الكتاب من خلال مجموعة مساهمات لعدد مهم من المختصين تحليل إستراتيجية الصين وتأثير دورها في المستوى الدولي، منذ نهاية الحرب الباردة حتى عام 2016. ويحاول المساهمون كذلك أن يبينوا الانعكاسات التي يمكن أن يسببها الدور السياسي والاقتصادي والعسكري المتنامي للصين، وعمليات التحديث الواسعة التي تتبعها "بلاد إمبراطور ابن السماء."

أولا: عنوان الكتاب وموضوعاته والمشاركون فيه

يصنف الكتاب موضوع المناقشة ضمن فئة كتب السياسة الدولية والعلاقات الدولية. والكتاب خلاصة عمل مشترك ضم مجموعة من الأبحاث باللغتين الفرنسية (الأكثر عددًا) والإنكليزية. وقد أراد الباحثون في هذا الكتاب تقييم إستراتيجية الصين وأهمية وجودها وقوة تأثيرها الجديدة في محيطها الإقليمي، وفي العالم. وشارك في تأليف الكتاب نحو عشرين باحثًا ينتمون إلى ثقافات مختلفة، وخلفيات متباينة، واتجاهات فكرية متنوعة، يعملون في جامعات عالمية مهمة، وفي مراكز بحثية مختصة تحت رعاية معهد البحوث الإستراتيجية التابع للمدرسة العسكرية لوزارة الدفاع الفرنسية. يتفرع الكتاب إلى محورين أساسيين، ضمن كل منهما عدد من الدراسات. أما المحور الأول الأساسي، فقد كان بعنوان "وجود الصين وتأثيره في آسيا والعالم"، وهو يضم بين دفتيه أحد عشر بحثًا؛ بحثين باللغة الإنكليزية، وتسعة أبحاث باللغة الفرنسية. يتناول البحث الأول أوضاع الصين خلال الحرب الباردة وبعدها من خلال إجراء مسح للأمن القومي الصيني. ويركز هذا المحور على إستراتيجية الصين وعلاقاتها بالمناطق المهمة للأمن القومي الصيني؛ مثل منطقة شرق آسيا وجنوب شرق آسيا، مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، والهند، وروسيا وآسيا الوسطى، والشرقين الأوسط والأدنى، وأفريقيا. وينتهي هذا المحور بالحديث عن المجالات الجديدة للعمل الإستراتيجي الصيني في علاقاتها بالاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى علاقات الصين بالولايات المتحدة الأميركية، وتنافس هذين البلدين في مجال الفضاء. وأما المحور الأساسي الثاني، وهو بعنوان "إستراتيجية الصين وقواتها العسكرية"، فيتفرع منه تسعة أبحاث تناولت أساسًا جهود الحكومة الصينية في تحديث آلتها العسكرية على اختلاف أنواعها، ومحاولات القوات العسكرية الصينية فرضَ وجودها في مناطق إستراتيجية مهمة؛ في البحر الأصفر وخليج عدن، والمحيط الهندي. وذيلت خاتمة الكتاب بقلم بارتيليمي غورمونت، مدير البحث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية، في موضوع فك رموز القوة

  1. استعمل آلان بيرفيت هذه العبارة عنوانًا لكتابه الصادر عام.1973
  2. Luc Richard & Philippe Cohen, Le vampire du milieu: Comment la Chine nous dicte sa loi (Paris: Fayard/ Mille et une nuits, 2010), pp. 14 - 15.
  3. Ibid.
  4. Pascal Lorot, Le siècle de la Chine. Essai sur la nouvelle puissance chinoise (Paris: Choiseul, 2007), p. 258.

الصينية وصعودها، ومحاولة سبر الصعوبات التي تواجه الباحثين والمهتمين بدراسة الصين المعاصرة. إن أغلب المشاركين في تأليف هذا الكتاب من اختصاصات لها علاقة وثيقة بموضوعات الكتاب. ويمكن تصنيف المشاركين، بحسب الاختصاصات، على النحو الآتي: يأتي المختصون بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية في الدرجة الأولى، ثم يتبعهم المختصون بالعلوم العسكرية، والقضايا السياسية والإستراتيجية. في حين تظهر مشاركات المختصين بالتاريخ المعاصر وتاريخ آسيا أو من خلفيات دبلوماسية بدرجات أقل.

ثانيًا: إستراتيجية الوجود الصيني وتأثيرها في العالم

تشير أغلبية الأبحاث والدراسات المتعلقة بالصين إلى أن بكين ستعتمد على قوتها الاقتصادية والمالية الكبيرة، وأنها ستركز أكثر فأكثر على إستراتيجية الاقتصاد على المدى الطويل في سبيل اعتماد دبلوماسية إقليمية وعالمية واسعة أبلغ تأثيرًا. وسوف تؤثر تلك الإستراتيجية الصينية في طبيعة التنافس الإستراتيجي بينها وبين الولايات المتحدة وشركائهما في آسيا والمحيط الهادي؛ بحيث يصبح هذا التنافس أعمق وأشد تعقيدًا وأوسع نطاقًا وانتشارًا. وتعتمد الصين إستراتيجيتيَن متباينتيَن؛ إستراتيجية القوة (وهي إستراتيجية مباشرة) تصطدم بصعوبات متزايدة، وإستراتيجية التأثير (إستراتيجية غير مباشرة) التي تشهد تطورًا مستمرًا. فالصين، من الآن فصاعدًا، أصبحت قوة مادية كبيرة من النواحي البشرية والاقتصادية والتجارية والعسكرية والفضائية، وهي أيضًا قوة حقيقية وافتراضية بفضل التطور المذهل لصناعاتها الدفاعية وقدراتها المالية واستثماراتها القياسية في مجالات البحث والتطوير. وقد مارست الصين على امتداد عقود طويلة نفوذًا وتأثيرًا كبيرَين في محيطها الإقليمي، وهي تسعى حاليًا لأن تمارس نفوذًا وتأثيرًا مماثليَن على الصعيد العالمي.

1. مبدأ مونرو في نسخته الصينية

يشير أنتوان بونداز في بحثه المتعلق ب "مبدأ مونرو" الصيني في شرق آسيا إلى أن أحد أهم أهداف إستراتيجية الصين في آسيا هو أن تصبح دولة مهيمنة، وأن تحدّ من الهيمنة العسكرية الأميركية التي تهدد الأمن القومي الصيني. وفي هذا السياق، تنظر الصين في شأن الولايات المتحدة في القارة الأميركية خلال القرن التاسع عشر، أو ما كان يُعرف بمبدأ مونرو. ولكي تتمكن من تحقيق هذا الهدف، على بكين السعي حثيثًا للحد من التأثير الأميركي في آسيا من خلال الوسائل العسكرية والدبلوماسية على حد سواء. وقد أشار تشيو هاو Hao Qiu الباحث في جامعة الدفاع الوطنية الصينية إلى أن الولايات المتحدة تُعد تهديدًا عسكريًا لبكين حيثما توجد فيه حاملات طائراتها. ويبقى شاغل الإدارة الصينية هو الحد من النفوذ الأميركي في جنوب شرق آسيا. إلا أن مبدأ مونرو الصيني لا يعني أن الصين تسيطر على فضائها الإقليمي، وأنها نجحت بالفعل في الحد من الوجود الأميركي وتأثيره؛ فتحقيق هذا المبدأ بالنسبة إلى الصين لا يزال طموحًا بعيد المنال، لا حقيقة، في حين يظل العنصر الدبلوماسي هو العنصر الحاسم في سياسة الصين الإقليمية، وهو ما يتحدث عنه الباحث في أربعة محاور رئيسة في إستراتيجية الصين الدبلوماسية الإقليمية حين يشير إلى الحد من التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية الصينية، ولا سيما في التبت وتايوان، وقد أفرد المحور الثاني لبيان طريقة ردع الولايات المتحدة ومنعها من القيام بدوريات تجسس في مياهها الإقليمية، في حين تطرق المحور الثالث إلى كيفية ردع واشنطن عن القيام بمناورات عسكرية مشتركة مع حلفائها على الساحل الصيني، وحتى خارج حدود مناطقها الاقتصادية الخاصة. وأما المحور الرابع (المحور الأخير)، فهو منع الولايات المتحدة من التدخل في النزاعات الإقليمية الصينية، ومنع تدويل تلك النزاعات. ويبقى مبدأ مونرو الصيني مع ذلك هدفًا طموحًا للقيادة الصينية لم تظهر نتائجه بعد، وهذه حال مبدأ مونرو في نسخته الأميركية الذي ظهر عام 1823 ولم يصبح حقيقةً واقعةً إلا بعد قرون عدة.

2. جنوب شرق آسيا مسرحًا رئيسًا لدبلوماسية حسن الجوار الصينية

يشير الكتاب إلى أن الخلافات بين الصين ودول جنوب شرق آسيا حول جزر بحر الصين الجنوبي عادت إلى الظهور في السنوات الأخيرة مع اختلاف بسيط، وهو أن ردة فعل الصين هذه المرة ظهرت أقوى من كل مرة كان يطفو فيها الخلاف على السطح. ويشرح كتاب اللغز الصيني المشكلات الحقيقية التي تقف عقبةً أمام تطوير العلاقات بين الصين ودول منظمة آسيان، على الرغم من كل الجهود التي تبذلها الصين لتقليص تلك العقبات والقيود. ويأتي مبدأ التهديد الصيني، والافتقار إلى الثقة المتبادلة التي تمنع تعميق التعاون السياسي الأمني بين الطرفيَن وتعزيزه، على رأس قائمة تلك المشكلات. وأما المشكلة الأخرى، فتتعلق بالخلاف بين الصين وبعض دول منظمة آسيان حول السيادة في بحر الصين الجنوبي، وما يمكن أن يحمله هذا الخلاف من مخاطر إستراتيجية واقتصادية وأمنية. في حين تظل النزاعات في جزر بحر الصين الجنوبي من المشكلات التاريخية التي يصعب إيجاد حلّ مباشر لها في المستقبل القريب، مع وجود تدخلات

دول تقع خارج حدود الإقليم تسعى لتحقيق مصالحها الإستراتيجية الخاصة، وتضع المزيد من الصعوبات والعوائق أمام إيجاد حلّ فوري لها. ويؤكد البحث أن لدى الصين ودول آسيان رغبةً في تحسين الثقة المتبادلة وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية الثقافية، وحرصًا على ذلك. وتأتي مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال زيارته كازاخستان عام 2013، لتشكّل منصة جديدة للتعاون بين الصين ودول آسيان، وتعبّد الطريق لتطوير العلاقات بينهما، فأضحت هذه المبادرة المحرك الأساسي للسياسة الصينية الداخلية والدبلوماسية الصينية الخارجية. وتبقى هذه المبادرة جزءًا من السياسة الناعمة التي تعتمدها الصين، بوصفها جزءًا من النمو الصيني غير المسبوق، تثيرها مخاوف سياسية وأمنية لدى دول إقليمية وعالمية5. ويخلص البحث إلى الحديث عن التوجهات الأربعة الأساسية للسياسة الخارجية الصينية التي تمثل الحلم الصيني؛ حلم السلام، والتنمية، والتعاون وعلاقات المنفعة المتبادلة التي استحضرها الرئيس الصيني جين بينغ بعد تسلمه مقاليد السلطة في الصين في آذار/ مارس 2013، إضافة إلى الكيفية التي أصبحت آسيا الوسطى من خلالها المختبر المركزي لتأثير الدبلوماسية الصينية الجديدة، وهي من أسس الصين الإستراتيجية في إعطاء البلدان المجاورة الأولوية، وتشكيل مجتمع تجمعه مصائر مشتركة.

3. الصين والشرقين الأدنى والأوسط: علاقات معقدة

يقدم ليونيل فيرون الباحث في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، في مقال بعنوان "الصين في الشرق الأدنى والشرق الأوسط"، تقسيمً لمراحل تطور علاقة الصين بالشرق الأدنى والأوسط، ودور القوتين العظميين في التأثير في تلك العلاقة إلى مراحل متعددة. ولم يغفل الباحث، أيضًا، العوامل التي أثرت في كل مرحلة من هذه المراحل؛ إذ يقول على سبيل المثال إن الحادثَتين المهمتين المؤثرَتين في التوجهات الصينية الجديدة تجاه الشرق الأوسط xiya، ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي، تتمثلان في فشل عصبة الأربعة الصينية، في تشرين الأول/ أكتوبر 1976، وصعود دينغ سياو بينغ السريع، وإط قاا الإصلاحات والتحديثات الأربعة المرتكزة على التطوير الاقتصادي والتنمية التي غيرت وجه الصين ومصيرها. ويقدم الباحث الانعكاسات الإستراتيجية الصينية في المنطقة على علاقة الصين، ولا سيما بالولايات المتحدة، وعلاقة الطرفيَن بالمملكة العربية السعودية وإيران وإسرائيل، وهي من دون شك علاقة إشكالية معقدة تتعامل معها الإستراتيجية الصينية بحذر. ويشرح فيرون بوضوح طبيعة إستراتيجية الصين وأهدافها، وهي إستراتيجية تركز على تبادلية المبادئ (الدعوة إلى حل النزاعات بالطرق السلمية، والنأي بالنفس عن المشكلات الداخلية للدول)، وتركز أيضًا على المصالح (إستراتيجية عدم التدخل في شؤون الدول، واحترام سيادة أراضي كل دولة وسلامتها). وتستمد إستراتيجية تعزيز التعاون عند الصينيين أهميتها من الحفاظ على مستوى مهمّ من التعاون المتبادل مع بلدان الشرق الأوسط، في حين تركز إستراتيجية أمن الطاقة على الحفاظ على مصادر الطاقة واستمرارها، وتحافظ الإستراتيجية الاقتصادية على سهولة التبادل التجاري والاستثمار. وأما المصالح الأمنية والحضارية، فهي تحتل مرتبةً أقل أهمية6. ويعتقد الباحث أن قدرة الصين الواضحة على الحفاظ على هذا التناغم بين متطلباتها الإستراتيجية مكنتها من الحفاظ على مصالحها المتعددة والمهمة لمستقبلها، وأكسبتها ثقة واحترامًا لدى دول الشرق الأوسط التي لها حساسية مفرطة من الدول التي لها تاريخ في التدخل في شؤونها؛ من خلال وسائل حقوق الإنسان، والأقليات، والاستثمارات.

4. الصين والقارة الأفريقية: شركاء الربح المتبادل

من الأبحاث المهمة التي تضمنها الكتاب موضوع المناقشة بحث مارتينا باسان الباحثة في مركز البحوث الدولي في باريس، وقد تناولت فيه التغير والاستمرارية في سياسة الصين الأفريقية بعد الحرب الباردة؛ إذ أشارت إلى ثلاثة عوامل أساسية ساهمت في إحداث هذا التغير. فالعامل الأول يتجلى في أحداث تيان آن مين وانعكاساتها على الصين، أما العامل الثاني فيتمثل في المنافسة بين بكين وتايبيه، وأما العامل الثالث فهو التطور الاقتصادي الصيني وزيادة حاجة بكين من الطاقة الضرورية لتأمين متطلبات اقتصادها. تمثل القارة الأفريقية، من وجهة نظر صناع القرار في بكين، فرصة لتطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية وتنميتها، وإعادة تأكيد سياسة الصين الواحدة؛ ذلك أن القارة الأفريقية لم تعد بعد عام 1989 مساحة إقليمية للمنافسة السياسية بين القوى الكبرى فحسب، بل منصة، أيضًا، يمكن لبكين من خلالها أن تُظهر من خلالها دورها السلمي الفعّال بصفتها قوة كبرى، وتساهم في صنع السلام العالمي، وقد اتبعت الصين في ذلك سياسة الربح

  1. عزت شحرور، "مبادرة الحزام والطريق: رؤية نقدية"،، الجزيرة نت تقارير، 2017/5/11،
  2. شوهد في 2018/11/10، في: https://bit.ly/2FcVZWX 6 المرجع نفسه.

المتبادل. وتبقى القارة الأفريقية مجالً واسعًا وواعدًا تسعى العاصمة الصينية لتوظيفه سياسيًا من أجل تحقيق ثلاثة أهداف أساسية هي: نقل صورة إيجابية عن الصين إلى العالم، وربط خصوصية الثقافة الصينية بمبادئ التطور السلمي والعالم المتناغِم، وربط الصناعة الثقافية الصينية بالمصالح الاقتصادية الوطنية. وترى باسان أنه من ال وررري عدم إصدار حكم نهائي على العلاقات الصينية - الأفريقية، بل يجب مراقبة ما ستؤول إليه هذه العلاقات في فترة قيادة جين بينغ لجمهورية الصين الشعبية.

5. مجالات عمل إستراتيجية جديدة بين الصين والاتحاد الأوروبي

احتلت المسائل البيئية مكانًا أساسيًا في علاقات الصين بدول الاتحاد الأوروبي. وتشير ماغالي روبيرت – دوبيتيت، الباحثة في العلوم السياسية، إلى أن التعاون بين بكين وبروكسل قام على مستوييَن اثنيَن: يتمثل المستوى الأول في المفاوضات متعددة الأطراف حول القضايا الاقتصادية والسياسية الدولية، إضافةً إلى العلاقات الثنائية بينهما. في حين يتعلق المستوى الثاني بالتعاون حول قضايا مرتبطة بالمناخ بين المؤسسات والمنظمات غير الحكومية ومراكز البحوث، وهيئات أخرى غير مؤسساتية، على أن تضمن الشراكة الإستراتيجية التي تم توقيعها، في عام 2003، هذين الموضوعين. وقد كانت التنمية المستدامة منذ عقود أولويةً إستراتيجية في الأجندة السياسية الداخلية (الخطتان الخمسيتان الحادية عشرة والثانية عشرة 2015-2006) والسياسية الخارجية بالنسبة إلى العاصمة الصينية بكين. وقد وضعت قمّتَا 2005 و 2006 أساسًا مؤسساتيًا للتعاون بين الصين والاتحاد الأوربي، وفتحتا مجالات جديدة للتعاون الثنائي حول المناخ. وترى الباحثة أن وراء قيام الاتحاد الأوربي بتشجيع الصين لتطوير سوقها الخضراء (سوق التكنولوجيا الخضراء أو سوق الكربون Carbones Marchés) أسبابًا أربعة، هي: ضرورة قيام الدول الأساسية المسببة للانبعاثات الغازية بإنشاء سوق خضراء تساهم في تبادل الخبرات بأكثر فائدة. توافق السوق الصينية مع القوانين والقواعد الأوربية؛ وهي قضية مهمة جدًا بالنسبة إلى بروكسل. الحد من ت برر الكربون من بعض القطاعات مثل الصلب والألمنيوم. إنشاء سوق صينية خاصة يمكن أن تساهم في الحدّ من تصدير آليات تعتمد التقنية النظيفة من الصين. وتختم الباحثة مقالها متسائلةً عن الجوانب الإيجابية والسلبية الكامنة وراء التعاون الإستراتيجي الصيني - الأوروبي والشراكة بينهما. وتشير إلى أن التعاون في مجالات البيئة يمكن أن يخلق توترات في مجالات عدة، ويمكن أن يغذي، في الوقت نفسه، المنافسة الاقتصادية والتجارية والسياسية بين الشريكين.

6. الفضاء: مجال آخر للعلاقات الأميركية - الصينية

يحاول غيهيم بينينت، الباحث المشارك في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، والمسؤول عن برنامج الفضاء - العلاقات الأميركية - الصينية في مجال الفضاء، فهمَ الصعود الصيني في مجال الفضاء وعلومه؛ إذ يعتمد على تفسير المدرسة الواقعية لفهم صعود الصين. ويشير جون ميرشايمر إلى أن الصين، من أجل تحقيق الهيمنة الإقليمية التي تسعى لها، لا يمكنها إلا اتباع النموذج الأميركي من خلال تبنيها شكلً صينيًا خاصًا لمبدأ مونرو وتطبيقه على منطقة آسيا والمحيط الهادي7. ويذكر المؤرخ البريطاني نيال فيرغسون أن الصين تستطيع، مع قيامها بنقل التطبيقات الخاصة التي جعلت المعجزة الصينية ممكنةً، نقل المفهوم الغربي للقوة الذي سيجعلها تتصرف بطريقة مختلفة تمامًا عما يعتقد أنه السياسة التقليدية الخارجية للصين. ويشير إيفيريت دولمان إلى أن الصين سوف تتكيف سريعًا مع الواقعية السياسية التي ستقود إلى تبني سياسة فضائية خاصة بها. بناءً على ذلك، ستكون الحرب المتوقعة مع الصين من أجل السيطرة على الفضاء الخارجي. وقد عزز هذه النظرة بوضوح التوسع في القدرات العسكرية الصينية، أو الدور الذي يضطلع به جيش التحرير الشعبي الصيني في إدارة النشاطات الفضائية الصينية8. ويختم الباحث مقاله بخلاصة مفادها أن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة في مجال الفضاء تثير لدى الكثيرين صورة المبارزة بين طرفين. ويؤكد كذلك أن أي إسقاط يتعلق بقدرات الصين وخططها، فيما يتعلق بالفضاء، يبقى فرضيات يصعب التأكد من حقيقتها؛ ذلك أن الصين غامضة يصعب تقييم نياتها ودوافعها. وردًّا على ميرشايمر، يؤكد بينينت أنه لا يوجد ما يشير إلى أن الصين ترغب في اتباع النموذج الأميركي، سواءً أكان في المبالغة في زيادة الاستثمار في الفضاء، أم في عسكرته على نحو مفرط، أم في المشاركة في تسليحه.

  1. John Mearsheimer, "The Gathering Storm: China's Challenge to US Power in Asia," The Chinese Journal of International Politics , vol. 3, no. 4 (December 2010), pp. 381 - 396.
  2. أول مرة أرسلت خلالها رجلً إلى الفضاء كانت في عام.2003

ثالثًا: إستراتيجية الصين وقواتها العسكرية

مع وصول شي جين بينغ إلى رأس هرم السلطة في جمهورية الصين الشعبية عام 2012، بدأت مرحلة جدية من تاريخ الصين السياسي والإستراتيجي. ويصف بعض الباحثين هذه المرحلة بأنها "توليفة" منتَجة من فكر ماو تسي تونغ وسياو بينغ. ولا شك في أن القدرات العسكرية للصين، والتحديث العسكري الذي تبناه جيش التحرير الشعبي الصيني، هما جزآن من مشروع الصين الأكبر والأوسع؛ أي صعود القوة الصينية في كل المجالات؛ ولهذا لا يمكن الحديث عن التحديث العسكري للصين إلا في سياق أوسع من انعكاساتها على ظهور الصين قوةً عالميةً مؤثرة وفعالة.

1. طريق الصين إلى القوة العسكرية العظمى

يشير العقيد في القوات الجوية الفرنسية جون كريستوف نويل إلى أن سياو بينغ يُعدّ المؤسِس الحقيقي لسلاح الجو الصيني؛ إذ إنه عمل على دعم كل ما من شأنه المساهمة في دعم صناعة الطيران الوطنية الصينية، وفي دعم الاستثمارات التي يمكن أن تنتج في النهاية طائرةً حربية صينية وطنية. وقد استمر التطور الصيني في مجال الصناعات الحربية وتطويرها حتى وصلت إلى مرحلة مهمّة جدًا، وما زالت تبحث عن المزيد من التطوير لسد الفجوة بين الصين والدول المتقدمة في هذا المجال. ويعتقد الباحث أن الحكم على سلاح الجو الصيني بأنه سيكون من القوى الجوية الكبرى في العالم، أمرٌ مبكر جدًا. ويعزو ذلك إلى أسباب متعددة؛ منها انعدام التوازن والترابط بين فروع سلاح الجو الصيني، واختلال توازن القوى داخل القوى الجوية الصينية، متفوقًا في مجالات ومتقدمًا بعض الشيء في مجالات أخرى، وهو ما يكشف ضعف القوات الجوية الصينية أمام القوات الجوية الأميركية، القوة الأكبر والأهم في العالم، منذ الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال دور الحظر الذي تمارسه الدول الغربية على مبيعات الأسلحة والتكنولوجيا المتقدمة للصين في عدم قدرة بكين على تحقيق ما تسعى له من التقدم. ويشير الباحث في هذا السياق إلى سيناريو من الحرب من نوع آخر يخيف الأميركيين أكثر من أي نوع آخر من الحروب في القرن الحادي والعشرين، وهو الحصول على التفوق في أي حرب جوية من خلال امتلاك المقومات والقدرة على إدخال فيروسات في رادارات العدو قبل التأكد من تدمير معدات العدوّ، سواء كان ذلك في الجو أو على الأرض.

2. التحديث العسكري من أجل ضمان الأمن والمصالح خارج الحدود

تعالج ماريان ب وررن – دواز، الباحثة في شؤون آسيا الشمالية، ومديرة برنامج الأمن البحري الدولي في معهد الأبحاث الإستراتيجية التابع للمدرسة العسكرية، في مقالها "من البحار القديمة إلى البحار البعيدة، من البحر الأصفر إلى خليج عدن: الصين في الطريق نحو القوة البحرية"، تاريخَ البحرية الصينية والجهود التي تبذلها بكين في عملية التحديث لتصبح قوة بحرية كبرى تعمل على حماية مصالحها الحيوية. وتشير إلى أن الصين، تاريخيًا، ليست قوة بحرية كبرى، وإنما قوة قارية تريد السيطرة على البحر. إلا أن النمو الصيني غير المسبوق، ووصول بكين إلى مصاف القوى الاقتصادية العالمية، دفعَا الصين إلى التعبير عن طموحاتها في السيطرة على أجوائها البحرية؛ ومن ثم البحث عن مكان لها في البحار يوازي قوتها الاقتصادية. وقد ظهر ذلك من خلال مشاركتها المجتمعَ الدولي في محاربة القرصنة قبالة ساحل الصومال. وتشرح الباحثة نظرية سلاسل الجزر d'îles Chaînes التي اعتمدتها البحرية الصينية منذ نهاية عام 1980، والتي طورها الأدميرال ليو هواتشينغ. وتتضمن هذه النظرية ثلاث مراحل؛ تهدف المرحلة الأولى إلى احتواء تايوان واليابان. وتسمح المرحلة الثانية للصين بالتدخل عسكريًا في السلسلة الجزرية الثانية التي تغطي بحر الفلبين وجزيرة غوام وغينيا الجديدة. وعلى الصين الشعبية، خلال المرحلة الثالثة التي تنتهي في عام 2020، أن تكون قد وصلت إلى مرتبة قوة بحرية معترف بها ستسمح لها بالتدخل إلى ما بعد السلسلة الجزرية الثانية. وقد أعلنت الصين أن الهدف الأساسي من عملية التحديث السريعة لبحريتها يتمثل في الحفاظ على السلامة الإقليمية، ووضع حد لمحاولات تايوان الاستقلالية، والوقوف في وجه أي ادعاءات تتعلق ببحر الصين الجنوبي. وتوضح الباحثة أن البحرية الصينية تعمل على تحقيق وجودها في المحيط الهندي، من خلال إستراتيجية عقد اللؤلؤ التي تسمح لها ببناء شبكة من القواعد البحرية تمتد حتى الشرق الأوسط؛ الأمر الذي يثير قلق حكومة نيودلهي. وتضيف الباحثة أن الصين تقترب من تحقيق حلم الصينيين ونهضة الأمة، حيث أشار الرئيس جين بينغ، عندما تولى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني عام 2012، إلى أن تصبح المملكة الوسطى قوة بحرية عالمية. فالصين، من البحر الأصفر إلى خليج عدن، ومن البحار القريبة إلى البحار البعيدة، لم تعُد تخشى أن ينظر إليها على أنها قوة بحرية عالمية. وفي بحث "الصين والمحيط الهندي: الصين تفرض نفسها دون أن تعرض الاستقرار للخطر"، يؤكد مهدي كوار، وهو باحث من جامعة

السوربون - باريس الأولى، أن السياسة الصينية في المحيط الهندي كانت موضوعًا لكثير من المقالات والمؤلفات في فترة ما بعد الحرب الباردة. وقد شهد الوجود الصيني في المحيط الهندي نموًا مهمً خلال العقود الأخيرة؛ بحيث أصبح التوسع الصيني في تلك المنطقة أمرًا لا مفر منه، وبفضله تضاعفت المناورات البحرية والتعاون العسكري مع دول المنطقة. ويمثّل المحيط الهندي منطقة مصالح اقتصادية حيوية بالنسبة إلى الصين، إلا أن السياق الإستراتيجي غير ملائم بالنسبة إليها؛ فهناك مشكلات القرصنة، ووجود المنافسين/ الأعداء الإستراتيجيين (الهند، والولايات المتحدة). وتعمل بكين على التعامل مع هذا الواقع من خلال حرصها على الحفاظ على الوضع الراهن في ميزان القوى الإقليمي، وعلى استغلال كل فرصة تجعل من وجودها العسكري أو غير العسكري أمرًا أساسيًا لا غنى عنه من جهة، وشرعيًا في عيون الدول المتشاطئة من جهة ثانية. يختم الباحث حديثه عن الواقع الإستراتيجي والجيوسياسي في المحيط الهندي، مشيرًا إلى أن وجود مصالح حيوية للصين في المحيط الهندي، مع وجود توترات هناك، يجبرها على تبني مواقف تصالحية متوازنة تجاه القوى المهيمنة في ذلك المحيط، منتظرةً كل فرصة لفرض وجودها وتعزيز نفوذها. ويبين الباحث أن المحيط الهندي، شأنه شأن أماكن أخرى كثيرة في العالم، يمثّل موطنًا للتناقضات العالمية للصين؛ التناقض بين مبادئ سياسة الصين الخارجية وقدراتها واحتياجاتها الإستراتيجية من جهة، والتناقض بين طموحات الصين في السلطة الكونية والمبادئ الأخلاقية التي تدعو إليها من جهة أخرى. ويبقى التحدي الأهم الذي تواجهه القيادة الصينية، بحسب تعبير مهدي كوار، متمثلً في قدرة بكين على التعامل مع هذه التناقضات المتزايدة مع تزايد التوترات بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية؛ الأمر الذي يفرض على بكين إعادة تأسيس مواقف إستراتيجية جديدة أشد تلاؤمًا. تبقى التكنولوجيا الأميركية وسيلة الصين للتحديث وتحقيق أهدافها الإستراتيجية. يختم الباحث في معهد البحوث الإستراتيجية في المدرسة العسكرية الفرنسية ومدير المبادرة الأوروبية حول الدراسات الأمنية الأوروبية، هوغو ميجر، كتاب اللغز الصينيبدراسة حول العولمة ونقل التكنولوجيا الأميركية والتحديث العسكري لجمهورية الصين الشعبية بعد الحرب الباردة. وفي حديثه عن عملية التحكم في الصادرات من التكنولوجيا الحساسة إلى الصين، يشير هوغو إلى ثلاثة عوامل رئيسة أثرت سلبيًا في قدرة الولايات المتحدة على إحكام سيطرتها ورقابتها على نقل السلع ذات الاستخدام المزدوج، وتنفيذ سياسة الاحتواء العسكري - التكنولوجي ضد جمهورية الصين الشعبية. يتمثل العامل الأول في إضعاف الإطار المتعدد الأطراف لمراقبة الصادرات، وهو نظام متعدد الأطراف للتحكم في صادرات الأسلحة التقليدية والسلع التكنولوجية المدنية والعسكرية ذات الاستخدام المزدوج Wassenaar COCOM. وقد كان لهذا الموقف الثلاثي لباريس ولندن وبرلين دور في إضعاف قدرة الولايات المتحدة على التأثير في التحكم في وصول التكنولوجيا الحساسة إلى الصين. ويتجلى العامل الثاني في الترابط الاقتصادي بين المتنافسين الإستراتيجيين؛ الصين، والولايات المتحدة. وقد أصبحت الصين بعد الحرب الباردة إحدى الأسواق الرئيسة للصادرات الأميركية، من ضمنها السلع ذات الاستخدام المزدوج الخاضع للضوابط التصديرية. إن التبادل الاقتصادي المتزايد بين الولايات المتحدة والصين، وأهمية السوق الصينية بالنسبة إلى الصادرات التكنولوجية الأميركية، ولَّدا ضغوطًا متزايدةً مارستها الشركات الأميركية المنتجة للتكنولوجيا العالية على الحكومة الأميركية من أجل تحرير القيود المفروضة على تلك المنتجات؛ وهو ما جعل واشنطن تذعن لهذه الضغوطات مقابل الوصول إلى السوق الصينية. وأما العامل الثالث، فهو التطور التكنولوجي والصناعي الذي كان سببًا في تآكل قدرة الولايات المتحدة على التحكم في نقل السلع ذات الاستخدام المزدوج إلى الصين. وقد عبّ أحد الموظفين في وزارة التجارة الأميركية عن ذلك بالقول: لا يمكن السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه؛ الأمر الذي يفرض على شركات الدفاع الأميركية والبنتاغون المزيد من التفوق في دمج التكنولوجيا التجارية المتقدمة في الأنظمة العسكرية. ويبحث ميجر في كيفية تأثر عملية التحديث الصينية العسكرية بالإجراءات الأميركية؛ فيقدم أمثلةً على تآكل الرقابة الأميركية وقدرتها على الحفاظ على التفوق التكنولوجي على الصين. ويذكر، في هذا المجال أساسًا، أن تراجع القدرة الأميركية في السيطرة على تدفق السلع الأميركية ذات الاستخدام المزدوج؛ من جهة أنها تساهم في تعزيز القدرة الصينية، وتحديث جيش التحرير الشعبي الصيني لتكنولوجيا نظام القيادة والتحكم والاتصالات والمعلومات والاستخبارات، وهو ما يشكل مكونًا مهمً في عملية التحديث العسكري الصيني. فالمبدأ الذي يعمل جيش التحرير الشعبي الصيني على تحقيقه هو كسب الحروب المحلية في ظروف المعلومات؛ الأمر الذي يدل على أهمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في عملية التحديث العسكرية الصينية. في ختام الدراسة، يشير الباحث إلى أن الصين ما زالت تعاني مشكلات متعلقة بامتصاص التكنولوجيا المتقدمة؛ ذلك أن اكتساب التكنولوجيا لا يترجم فوريًا، بل باكتساب المعرفة الضرورية لإنتاج التكنولوجيا نفسها. ويضيف أن ضعف قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على انتشار السلع الحساسة ذات الاستخدام المزدوج في الصين لا يبدو أنه سيؤثر تأثيرًا بالغًا في توازن القوى الأميركي - الصيني أو التفوق العسكري الأميركي، فالميزات العسكرية الأميركية ما زالت راسخة.

خاتمة

لا يمكن النظر إلى كتاب اللغز الصيني، على أنه كتاب في التاريخ أو في السياسة والعلاقات الدولية فحسب، بل هو أيضًا ذو أهمية إستراتيجية وعسكرية. فالكتاب لا يبحث في التاريخ، بل يستعين به، ويعتمد على وقائعه عند الحاجة إلى شرح بعض الحقائق الحالية. وهذا ما ذهبت إليه مقالاته التي عملت على شرح واقع الصين الحالي، وسبرِ مسارها ووجودها وتأثيرها، خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة إقليميًا ودوليًا، ولا سيما إذا علمنا أن تلك الدراسات تعاصر صعود الصين، وتأثير سلطتها، ونفوذها الحالي الذي بلغته حديثًا بعد التطور الملحوظ لموقفها من القضايا العالمية؛ السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والإستراتيجية، خلال تلك الفترة. وقد بدأت الصين تعرف الطريق المثلى التي تستطيع من خلالها الدفاع عن نفسها. فالكتاب يُعدّ عملً مهمًّ؛ بالنظر إلى الدراسات القيمة التي كتبتها مؤرخون وسياسيون وباحثون في العلاقات الدولية والإستراتيجية والعسكرية، لفهم قوة الصين الحقيقية والافتراضية وتأثيرها الإقليمي والدولي وتقييمها. ما يزال فك شيفرة لغز قوة الصين وتأثيرها يحتاج إلى وقت أطول، وإلى مزيد من الأبحاث والدراسات. فالكتاب موضوع المناقشة من الكتب المهمة التي تضاف إلى المكتبة العالمية لتساعد في الوصول إلى هدف الباحثين والمهتمين؛ وذلك بتكوين صورة علمية واضحة ومفهومة عن الصين ومستقبلها. فالأبحاث حول الصين المعاصرة تواجه عدة عقبات مرتبطة غالبًا بخصوصية إمبراطورية الوسط، على الرغم من أهميتها المتزايدة في ضوء التغيرات في الموازين الدولية. وإذا ما تم تجاوز العقبة اللغوية، يظل الوصول إلى المصادر والوثائق (المكتوبة منها والرسمية)، والتحقق منها، وصدقية التقارير والبيانات الرسمية، من أبرز العقبات أمام الباحثين والمهتمين بالصين. تكاد تتفق أغلبية الأبحاث والدراسات - ومن بينها كتاب اللغز الصيني- على أن الصين غالبًا ما تتبنى إستراتيجيات آمنة فيما يتعلق بالقضايا الدولية الحساسة؛ فهي لا تتخذ أي موقف لها قبل أن تعرف مواقف الدول الأخرى وتبني عليها موقفها. وقد تمّ وصف ذلك ب "دبلوماسية دولة المقاعد الخلفية"؛ في إشارة إلى أنها لا تسعى لصدارة المواقف فيما يتعلق بالمسائل الدولية. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى عوامل داخلية اقتصادية تتعلق بالتنمية، وعوامل سياسية تتعلق بطبيعة الحكم ودور الحزب الشيوعي الصيني9. يمثّل الاطلاع على مضمون كتاب اللغز الصيني فرصةً ثمينةً لفهم أعمق وأشمل لعلاقات الصين الدولية، ويكوّن صورةً أوضح عن إستراتيجية الصين وقوة تأثيرها على مسرح الأحداث الدولية. وقد حاول القائمون على الكتاب أن يغطوا كل الملفات الحساسة التي تتعلق بإستراتيجية الصين. فغدا الكتاب فرصةً لتكوين نظرة استشرافية لمستقبل الصين، ولما يمكن أن تكون عليه في المستقبل. وبالنظر إلى تعدد الأبحاث وتنوعها، يقدم الكتاب – إجمال - رؤيةً جديدةً عرضتها وجهات نظر علمية أوروبية مختصة، على مستوى عال من المهنية والحيادية من شأنها أن تساعد على فهم أفضل وأوسع لمستقبل علاقات الصين الخارجية ولدبلوماسيتها، وتأثيرهما العالمي.

المراجع

العربية

شحرور، عزت. "مبادرة الحزام والطريق: رؤية نقدية." تقارير. الجزيرة نت. 2017/5/11، في: https://bit.ly/2FcVZWX عبد العظيم، صالح سليمان. "الصين تتجه كونيًا: القوة غير المكتملة." مراجعة كتب. مركز الجزيرة للدراسات. 2013/7/23، في: https://bit.ly/2BcLWKf

الأجنبية

Cohen, Philippe & Luc Richard. Le vampire du milieu: Comment la Chine nous dicte sa loi. Paris: Fayard/ Mille et une nuits, 2010. Lorot, Pascal. Le siècle de la Chine. Essai sur la nouvelle puissance chinoise. Paris: Choiseul, 2007. Mearsheimer, John. "The Gathering Storm: China's Challenge to US Power in Asia," The Chinese Journal of International Politics. vol. 3. no. 4 (December 2010).