الموقف الأوروبي من القدس في ضوء "صفقة القرن" الأميركية

Europe's Stand on Jerusalem and the US “Deal of the Century

أديب زيادة| Adeeb Ziadeh *

الملخّص

تتناول الدراسة موقف الاتحاد الأوروبي من القدس في ضوء ما اصطلح عليه ب "صفقة القرن" والإعان الأميركي عن الاعتراف بالمدينة عاصمة موحدة لإسرائيل. وبالنظر إلى الطبيعة الخاصة التي اتسمت بها العاقة الأوروبية - الأميركية، تحاول الدراسة أن تستجلي ما إن كان الموقف الأوروبي سيظل على حاله في إطار تنفيذ أميركا صفقة القرن، أم سيتبعها في موقفها، ولا سيما في ضوء تمنّع العديد من الأطراف الدولية عن الانخراط في الصفقة. وتبرز طبيعة الموقف الأوروبي الكاسيكي والمتجدد من مسألة القدس بوصفها إحدى قضايا الوضع الدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتنظر في إمكانية انحراف أوروبا عمليًا أو انجرافها سياسيًا نحو أميركا في ضوء ضغوطات يمكن أن تنشأ مع وضع الصفقة.

Abstract

The study discusses the position of the European Union on Jerusalem and the so-called "Deal of the Century," with US recognition of the city as Israel's undivided capital. In view of the special nature of the European-American relationship, the study tries to clarify the extent to which Europe's existing position regarding the city will remain intact, given reluctance on the part of many international parties to take part in "the Deal," or if Europe now will follow and support America. The classic (and generally sustained) European position that Jerusalem is one of the "permanent status" issues between the Palestinians and the Israelis comes under scrutiny, along with the possibilities of Europe deviating from its stance and politically drifting towards America – giving in to pressures that could arise with implementation of the "the Deal".

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

مثّل الموقف الأميركي من القدس في أثناء إدارة ترامب التي اعترفت بها عاصمةً موحدة لإسرائيل في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017 مفاجأة من العيار الثقيل لكثير من اللاعبين في إطار عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بما فيهم الاتحاد الأوروبي الذي كان قد حذّر مسبقًا من عواقب الخطوة الأميركية على عملية السلام ومستقبل الصراع في المنطقة. وعلى الرغم من الدور الذي أداه الاتحاد الأوروبي في ضمان استمرارية مظاهر عملية سلام "أوسلو" منذ عام 1993، فإن الموقف الأميركي فيما يتعلق بالقدس اتسم بالازدراء الكامل لهذا الدور، إذ لم تكتف الحكومة الأميركية بتجاهل الأوروبيين، بل زادت على ذلك أن سدّدت ضربات متتالية لعملية السلام المترنحة منذ مدة طويلة عبر الإفصاح عن مواقف سلبية تتعلق بالمساعدات التي درجت الإدارة الأميركية على تقديمها للسلطة الفلسطينية ولمؤسسات أخرى، علاوةً على وقف تلك الموجّهة منها لدعم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ومؤخرًا عبر شرعنة الاستيطان في الضفة الغربية واعتباره غير مخالف للقانون الدولي، كما أتى على لسان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو1. وبهذا، تركت حكومة ترامب الظهر الفلسطيني مكشوفًا، ملقيةً بالعبء الأكبر على الأوروبيين الذين يرون أنفسهم المسؤولين مباشرة عن إبقاء السلطة الفلسطينية على قيد الحياة بحكم طبيعة الاستثمار الذي وضعوه فيها وحجمه. مباشرة بعد أن فعلت أميركا فعلتها، وجّه بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال، دعوته إلى حكومات العالم، ومنها حكومات الاتحاد الأوروبي لتحذو حذو أميركا وتعترف بالقدس عاصمةً لإسرائيل وتنقل سفاراتها إليها. لم يُجْدِ نداء نتنياهو نفعًا مع الاتحاد الأوروبي الذي كان واضحًا وصارمًا في رفضه الاعتراف بأي إجراءات خارج سياق ما يمكن أن تخرج به المفاوضات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، معلنًا تمسكه بموقفه التقليدي بهذا الشأن. يتمحور سؤال هذه الدراسة حول مدى إمكانية تأثر الاتحاد الأوروبي سلبيًا بقوة الدفع الأميركية لمبادرتها المتعلقة بصفقة القرن، ومنها الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل. فهل سيحذو الاتحاد الأوروبي حذو أميركا نهاية المطاف ويتعامل مع الأمر الواقع، أم أنه سيظل على موقفه المعلن؟ وإذا كان الجواب بالسلب، فبماذا يفترق الموقفان الأميركي والأوروبي؟ وما الظروف الموضوعية والذاتية التي من شأنها حرف قطار الاتحاد الأوروبي عن السكة كي يلتحق بنظيره الأميركي؟ وإلى أي مدى سيؤدي بروز اليمين الشعبوي في أوروبا وتحقيقه انتصارات انتخابية ملموسة دورًا في اللحاق بركب أميركا وصفقة القرن؟ في ظل عدم وجود دراسات سابقة تتناول مباشرة هذا الموضوع، تكمن أهمية الدراسة في تسليطها الضوء على طبيعة التغير الذي يمكن أن يطرأ على الموقف الأوروبي من القدس في ظل المعطيات الجديدة المرتبطة بصفقة القرن، ولا سيما في ظل ما عُرف من علاقة لصيقة تربط الاتحاد بالولايات المتحدة، ومن ثمّ، تمكين صانع القرار ذي العلاقة من البناء على هذا الموقف لتحديد الوجهة المقبلة في ظل ما يمكن أن يستجد.

أولا: المقاربة الأوروبية النظرية إزاء "عملية سلام أوسلو"

ترى المدرسة الليبرالية أن بناء السلام والأمن والاستقرار ممكن من خلال تعزيز الشراكة وبناء المؤسسات، وتشييد البنى الاقتصادية والسياسية وتعميق التعاون المبني على القواعد القانونية المنبثقة من المواثيق والأعراف والاتفاقيات الدولية ذات العلاقة. فمن شأن الاعتمادية المتبادلة وتمتين الروابط بين الفاعلين الدوليين تعظيم إحساسهم بالخسائر المحتملة إذا ما لجؤوا إلى الصراع بدلً من الاحتكام إلى لغة العقل والمفاوضات وحلّ النزاعات بالطرق السلمية الأخرى. ترى هذه المدرسة الفكرية أن الانحرافات في سيرورة الأمور ليست نابعة من الفاعلين السياسيين في حدّ ذاتهم لاعتبارات تتعلق بجوهرهم، بقدر ما هي صادرة عن مؤسسات أو أجهزة ذات مصالح تتسم بالشذوذ عن الإرادة الدولية، ومعنية بتخريب جهود السلام، وهو ما يستدعي تكاتف المجتمع الدولي أو مجموعة من الفاعلين الدوليين لضمان الأمن والسلم الدوليين، ولجم تلك النزوات غير المنسجمة مع قواعد القانون الدولي والاتفاقيات التي وقعتها الأطراف ذات العلاقة. صحيح أن الاتحاد الأوروبي ليس متماشيًا مع ما تطرحه المدرسة الليبرالية بحذافيره، إلا أن محاولاته في بناء سلام أوسلو تنبع منها، في سعي منه لبناء صيغ من شأنها ضمان مستقبل تتعايش فيه الأطراف وفي خلفيتها الذهنية جسامة الثمن الذي يمكن أن تدفعه في حال العودة عن خيار السلام. عمل الاتحاد الأوروبي على هذا تاركًا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يتصارعان في إطار عملية سلام تفاوضية، ولو أنها كانت شكلية، لبناء حالة تتغير فيها الرؤى والتصورات والأفكار، وربما تُعاد فيها صياغة الهويات على قواعد جديدة تتعلق بالصراع وطبيعته، أملً في التوصل إلى مشترك ينسجم مع ما تطرحه المدرسة

  1. US Says Israeli Settlements are No Longer Illegal," BBC , 18/11/2019, accessed on 10/1/2020, at: https://bbc.in/3c8nk8k

البنائية في العلاقات الدولية. وترى هذه المدرسة أن تفاعل التصورات واشتباك الرؤى، أخذًا وعطاءً، يمكّن من الوصول إلى معانٍ جديدة لقوالب فكرية مستحدثة لدى الأطراف المعنية يمكن من خلالها بناء نوع من التعايش على أسس وقواعد تمّت صناعتها، وإعادة صناعتها عبر سلسلة من الحوارات والنقاشات والمفاوضات على مدار الوقت2. صفقة القرن، بما حملته من تمهيد يتعلق بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمةً لإسرائيل، مثّلت انحرافًا خطيرًا عن مسيرة ممتدة منذ عام 1993 ترى في القدس عاصمةً لدولتين، وهو ما ينذر، من وجهة النظر الأوروبية، بتدمير جهود بذلها الاتحاد الأوروبي على مدار عقود لبناء تعايش في المنطقة يمكن من خلاله تشييد السلام والاستقرار. فهل ستذهب منطلقات الاتحاد الأوروبي الليبرالية بهذا الشأن مع الرياح الأميركية، أم أن أوروبا ستفعّل آليات حماية دولية من نوع آخر يمكن من خلالها كبح جماح الأحداث، ومنعها من التدهور في ضوء مستجدات ما بعد الخطوات الأميركية المرتبطة بصفقة القرن؟ هذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه في هذه الدراسة.

ثانيًا: محددات الموقف الأوروبي

ورد في إعلان البندقية، في عام 1980: "ترى الدول الأعضاء التسع في الجماعة الأوروبية أن الروابط التقليدية والمصالح المشتركة التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط تُلزمهم بالقيام بدور خاص وتطلب منهم الآن أن يعملوا بطريقة ملموسة نحو السلام"3. انطلاقًا من هذه العلاقة التقليدية والروابط الخاصة بالشرق الأوسط، فقد كان للاتحاد الأوروبي دومًا محددات تمثل موجهات عامة تحكم السياسات الأوروبية تجاه المنطقة. وتتسم هذه الموجهات بالسيولة والليونة في بعض الأحيان، بينما تتسم في بعضها الآخر بالصلابة وبوضع خطوط حمراء يمكن الدول الأوروبية أن تسلك كل الطرق الممكنة لضمان عدم تجاوزها. ويمكن تقسيم تلك المحددات أربعة أقسام:

1. محددات جيوستراتيجية

تقليديًا، ارتبطت سياسة الاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط بضمان تدفق النفط العربي عبر الأسواق العالمية من دون هيمنة أو إعاقة من أطراف معادية. كما أن وجود إسرائيل وأمنها مثَلّا أحد المحددات المهمة الأخرى، إضافة إلى تأمين المصالح الأوروبية عبر الدفع بالمنطقة نحو الاستقرار، بغضّ النظر عن شكل هذا الاستقرار ومن يأتي به، بحيث تضمن هذه الحالة عدم تدفق مهاجرين إلى أوروبا أو المسّ بأمنها بأي شكل من الأشكال. وفي الوقت الذي يرفع فيه الاتحاد الأوروبي شعارات تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان على أنها أهداف في سياسته الخارجية تجاه هذه المنطقة، فإن هذا لم يعد محط احتفاء من طرف كثير من المراقبين السياسيين في ظل ما أفصح عنه "الربيع العربي" والثورات المضادة وغير ذلك من ازدواجية معايير اتسم بها السلوك الأوروبي، تشي بعودته إلى أحضان المدرسة الواقعية4. إلى جانب ذلك، فإن العمل على ضمان عدم انفجار الأوضاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مع ما يمكن أن يترتب على ذلك من قلاقل يمكن أن تشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط، يمثّل هدفًا مهمً يسعى إليه الاتحاد من أجل ضبط الاستقرار الهش في المنطقة، وبناءً عليه، تأمين الحدود الشرقية لأوروبا من موجات هجرة أخرى متوقعة في حال انفجار الصراع، وهو ما سيفاقم أزمات أوروبا المرتبطة بالهجرة غير الشرعية وموجات اللاجئين المتتالية.

2. محددات سياسية

يرى الاتحاد الأوروبي في الاتفاقيات والمعاهدات التي تم توقيعها بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل أساسًا يمكن البناء عليه لتحقيق أحلام وطموحات كلا الشعبين؛ اليهودي والعربي على أرض فلسطين. ومن شأن هذه المعاهدات الوصول بالأطراف إلى الهدف

  1. للتوسع حول مفهومي الليبرالية والبنائية وكيفيات عمل النظريتين، ينظر: تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث، نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، ترجمة ديما الخضرا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016).
  2. Venice Declaration: June 13, 1980," European External Action Service , accessed on 2/6/2019, at: https://bit.ly/30W7NUH
  3. Kristina Kausch, "The Return to 'Realism' in European Union Policies in the Middle East," Europe and the Middle East Perspectives on Major Policy Issues , Centre for European Reform, 17/1/2014, pp. 45-46, accessed on 11/5/2020, at: https://bit.ly/3fFVG4X

المنشود المتمثل في دولتين لشعبين يعيشان جنبًا إلى جنب بأمن وسلام على أساس حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967. ومن هنا، فإن الأراضي التي احتلت في العام المذكور هي أراضٍ محتلة يجب التفاوض بشأن رحيل الاحتلال عنها، وتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة مع توفير الأمن اللازم لإسرائيل. هذا الأمر، ينطبق على مدينة القدس المحتلة التي تؤكد البيانات الأوروبية المختلفة اعتبارها مدينةً محتلة، ولا بد من أن تكون عاصمةً للدولتين الإسرائيلية والفلسطينية5. واستنادًا إلى هذا الموقف، ليس لدى الاتحاد الأوروبي مانع في تغييرات تطرأ على هذه الحدود في إطار اتفاق تفاوضي. أما أن يتم إملاء موقف من طرف على آخر فهو أمر غير مقبول من وجهة نظر الاتحاد6. وفي الوقت الذي يعرف فيه الأوروبيون حقيقة أن المفاوضات التي امتدت على ما يزيد على 25 عامًا لم تُجْدِ نفعًا، بل زادت الأوضاع تعقيدًا على الأرض، فإنهم لا يزالون يصرون على هذا الطريق باعتباره الأوحد للحلّ؛ إذ أصبح وجود أي مفاوضات بين الطرفين غاية في حد ذاته، بغضّ النظر عن مخرجات هذه المفاوضات ومدى جدواها كما يقول الباحث والخبير في الشؤون الأوروبية حسام شاكر7. ومما يتفق عليه الأوروبيون، في هذا السياق، رفضهم قبول حق الشعب الفلسطيني الطبيعي في المقاومة المسلحة ضد المحتل الإسرائيلي، إذ يعتبرون عمليات المقاومة في هذا الإطار أعمالً إرهابية تجب إدانتها، بل محاربتها أيضًا8. وهذا ما دفع الاتحاد إلى وضع بعض فصائل المقاومة الفلسطينية على قوائم الإرهاب الأوروبية، ولا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر 20019.

3. المحدد التاريخي

دأبت سياسات أوروبا منذ تفجر الصراع العربي - الإسرائيلي على التعامل مع إسرائيل بوصفها المعنية بالمظلمة التي لحقت باليهود في أوروبا. وباعتبار الأوروبيين هم من تسببوا في وقوع "الهولوكست"، فقد تناقلوا بين بعضهم حساسية مفرطة تجاه الإتيان على ما من شأنه خدش "مشاعر" إسرائيل باعتبار شعبها من ضحايا المحرقة النازية التي يتحمل الأوروبيون المسؤولية الجماعية عن السماح بوقوعها تحت أبصارهم، وهو ما يجعل أوروبا تتحسس من أي خطوة قد يُفهم منها عدم تقدير لهذه الخصوصية، كما يؤكد ذلك حسام شاكر وماجد الزير10. ومن ثمَّ، فالشعور الدائم بالذنب لدى الأوروبيين تجاه هذه المسألة ظل هاجسًا مخيفًا للسياسيين الأوروبيين تحسبًا من اتهامهم بمعاداة السامية، والتزامًا منهم بالتعويض عما يعتبرونه خطأهم التاريخي في هذا الصدد. هذا الأمر، فتح مجالً كبيرًا أمام اللوبي الصهيوني للتأثير في سياسات دول الاتحاد بما يحدّ من إمكانية الإساءة لإسرائيل قولً أو فعلً، أو التلويح بإمكانية معاقبتها على سياساتها المتنكرة لعملية السلام وفقًا لما يقوله ماجد الزير11. أما السيف الأميركي المشرع في منطقة الشرق الأوسط و"تنمّر" الإدارة الأميركية على الدوام واحتكارها رعاية مسار عملية أوسلو، فذلك حدّ لا تستطيع أوروبا اختراقه عمليًا، كونها ستواجه إزاء ذلك صدودًا ورفضًا أميركيًا وإسرائيليًا معروفًا، وهو ما يدفع الأوروبيين دومًا إلى التواضع في طموحاتهم والعمل تحت هذا السقف12. فكما لم يعهد على أوروبا مواجهة أميركا في سياساتها الخارجية، يرى شاكر أنها لن تفتح مواجهة مع أميركا من جراء موقف الأخيرة من القدس أو القضية الفلسطينية على العموم، كما لن تفعل ذلك بحق إسرائيل أيضًا13. ويتفق في ذلك رئيس مؤتمر فلسطينيي أوروبا، ماجد الزير، معتبرًا هذا، في حد ذاته، ثابتًا من الثوابت التي درجت عليها أوروبا في علاقاتها المعقدة بهذين الطرفين14.

4. المحدد الفني

تعد آلية صناعة القرار في الاتحاد الأوروبي محددًا لطبيعة سياسته ومدى فاعليته على الساحة الدولية. فسياسة الاتحاد تنطلق من حقيقة كونه لا يستطيع اجتراح سياسة خارجية موحدة، إلا إذا حصل

  1. ينظر: "الاتحاد الأوروبي يحذر من أي تغيير أحادي الجانب في وضع القدس"، يورو نيوز، 2017/12/6، شوهد في 2019/6/12، في: https://bit.ly/3a0I9kq
  2. Speech by High Representative/Vice-President Federica Mogherini at the Plenary Session of the European Parliament on the US Recognition of the Golan Heights as Israeli Territory and the Possible Annexation of the West Bank Settlements," European External Action Service , 16/4/2019, accessed on 1/5/2019, at: http://bit.ly/316zLgt
  3. حسام شاكر، مكالمة هاتفية،.2019/5/3
  4. قام الاتحاد الأوروبي بوضع فصائل مقاومة فلسطينية عدة على قوائم الإرهاب الأوروبية ودأب على وصف عملياتها ب "إرهابية."
  5. Council Decision (CFSP) 2017/1426 of 4 August 2017: Updating the List of Persons, Groups and Entities Subject to Articles 2, 3 and 4 of Common Position 2001/931/CFSP on the Application of Specific Measures to Combat Terrorism, and Repealing Decision (CFSP) 2017/154," Official Journal of the
  6. ماجد الزير، مكالمة هاتفية،.2019/5/3
  7. المرجع نفسه.
  8. Adeeb Ziadeh, EU Foreign Policy and Hamas: Inconsistencies and Paradoxes (London/ New York: Routledge, 2018), pp. 155-170.
  9. شاكر. 14 الزير.
  10. European Union , 5/8/2017, accessed on 4/5/2019, at: http://bit.ly/2S5xAFM

هناك إجماع عليها بين كل الدول الأعضاء في الاتحاد15. وبناءً عليه، فإن أي فعل أو موقف مشترك له على هذا الصعيد يجب ألا يواجه فنيًا بتعطيل أي من الأعضاء، وهو ما يجعل سقف الحراك الأوروبي محدودًا، لصعوبة جمع الدول كلها على موقف موحّد من إسرائيل قد يصل إليها بالمحاسبة أو العقوبة على سبيل المثال. وهذا تمامًا ما حصل عندما منعت جمهورية التشيك وهنغاريا ورومانيا الاتحاد الأوروبي من إصدار بيان مشترك باسم الاتحاد يدين نقل السفارة الأميركية إلى القدس16. لذا، فإن طبيعة عمل مؤسسات الاتحاد وآليات إدارتها تمثلّان عقبة مزدوجة؛ إذ إنها، من جانب، تصعّب الاتفاق على فعل مناوئ لإسرائيل أو أميركا بحكم اقتراب العديد من الأعضاء من هاتين الدولتين، ومن جانب آخر، تمنع العودة عن قرارات إيجابية تم إقرارها سابقًا في مؤسسات الاتحاد تتعلق بالموقف من القدس والأراضي العربية المحتلة عمومًا، لوجود العديد من الأعضاء الملتزمين بهذا الموقف على نحو قوي. تكمن المفارقة في أن أيًّا من الدول الأعضاء في الاتحاد يمكنها شلّ عمل المؤسسة على صعيد سياستها الخارجية، بينما لا توجد هناك آليات تُلزم الدول الأعضاء بالتقيّد بسياسة الاتحاد إزاء أي قضية دولية. فنظريًا، يمكن دولة أو مجموعة من الدول الأوروبية مخالفة الموقف التقليدي للاتحاد إزاء صفقة القرن أو القدس أو غير ذلك، من دون أن يكون للاتحاد أو مؤسساته المتعددة أي سلطة عليها. وهو ما يعني أن تصدُّع الموقف الأوروبي أمر وارد وممكن. وفي الحصيلة، فقد تلحق دولة أو مجموعة من الدول بالموقف الأميركي إذا سارت عجلة الصفقة قدمًا، حتى إن كان ذلك مخالفًا للسياسة الموحدة التي انتهجها الاتحاد الأوروبي منذ إعلان البندقية في عام 1980.

ثالثًا: الاتحاد الأوروبي والمسألة الفلسطينية تاريخيًا: مواكبة متقطعة ودور متواضع

كان ال - اررع العربي الإسرائي، يي وعملية الس ماا اللاحقة، من بين أكثر القضايا التي ناقشتها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بقوة، ليس فقط منذ إنشاء السياسة الخارجية والأمنية المشتركةCommon Foreign and Security Policy, CFSP عام 1991، ولكن منذ إنشاء آلية التعاون السياسي الأوروبي. وفي هذا 1970 عامEuropean Political Cooperation, EPC السياق، كانت عملية السلام موضوع إعلانات وإجراءات مشتركة كثيرة من جانب الاتحاد الأوروبي، وظلت دائمًا مسألة ذات أولوية عالية على أجندة السياسة الخارجية الأوروبية17.

الأزمة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ومن خلفه الأمة العربية، من جراء إقامة دولة إسرائيل في عام 1948، هي صناعة أوروبية بامتياز. فسواء كان ذلك من حيث التمهيد أو الإنشاء أو الرعاية لهذه الدولة في المنطقة، فقد أدت دول أوروبية وازنة نحو بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها، الدور الأبرز والأهم على هذا الصعيد. لكن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية تحولت تدريجيًا إلى مشاركة أميركا هذا الملف، إذ أخذت الأخيرة دور الريادة منها لتغدو الدولة الحامية والراعية لإسرائيل وجوديًا وسياسيًا. كانت السياسة التي تبنتها مجموعة الدول الأوروبية التي التقت في إطار نواة الاتحاد الأوروبي في خمسينيات القرن العشرين أقرب إلى إسرائيل، إذ كانت الرواية الصهيونية الأحادية الجانب هي الرواية الأكثر رواجًا في أوساط الأوروبيين؛ سياسيين وشعوبًا على حد سواء18. بقي هذا الوضع على حاله حتى حرب حزيران/ يونيو 1967، فقد بدأ المزاج الأوروبي يتأثر نسبيًا بالرواية الفلسطينية والعربية للصراع، وبدأ الموقف الأوروبي من الصراع يتبلور إيجابيًا على نحو تدريجيّ عبر

  1. Foreign and Commonwealth Office, "Consolidated Texts of The EU Treaties as Amended by the Treaty of Lisbon," Presented to Parliament by the
  2. World Leaders React to US Embassy Relocation to Jerusalem," Aljazeera net , 14/5/2018, accessed on 5/5/2019, at: https://bit.ly/2RtkQK6 17 Costanza Musu, "The EU and the Middle East Peace Process: A Balance," Studia Diplomatica , vol. 60, no. 1 (2007), p. 11.
  3. Secretary of State for Foreign and Commonwealth Affairs By Command of Her Majesty (January 2008), accessed on 5/2/2020, at: https://bit.ly/2OrphDa
  4. دور الاتحاد الأوروبي في مسار التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، تقرير معلومات 16 (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2010)، ص.9

بيانات تصدر عن الدول الأوروبية على نحو منفرد أو حتى جماعي. تبنت المجموعة الأوروبيةEuropean Group التي كانت مكونة من ستة أعضاء في عام 1971 "وثيقة شومان" التي استندت إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد حرب الخامس من حزيران/ يونيو 1967 بحسب ترجمتين للقرار. كما عبّ الأوروبيون عن موقفهم ذاك في أعقاب حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 وفي أعقاب أزمة النفط في عامي 1974 و 1977 وغيرها من الأعوام، وصولً إلى العام الذي أعلنت فيه مجموعة التسعة الأوروبية ما أطلق عليه "إعلان البندقية" في 13 حزيران/ يونيو 1980. وع الرغم من مجيء هذا الإع ناا في إطار الجدلية الأميركية - الأوروبية حول المقاربة الأنسب للتعامل مع الصراع العربي - الإسرائيلي في أعقاب معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في آذار/ مارس 1979، فإن المقاربة التي طرحها الأوروبيون في إعلان البندقية كانت الأجرأ بين نظيراتها؛ إذ لم تكتف المبادرة بإعلان عام يتعلق بضرورات الانسحاب الإسرائيلي حتى حدود الرابع من حزيران/ يونيو فحسب، بل دعت إلى معالجة هذه المسألة من خلال تسوية شاملة للصراع في إطار معاهدة للسلام، تشارك فيها كل الأطراف، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، وبما يشمل تحقيق تطلعات كل شعوب المنطقة بما فيها الشعب الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية وفقًا لإعلان البندقية ليست ببساطة مشكلة لاجئين، بل هي قضية حقوق مشروعة يجب أن يمارسها الشعب الفلسطيني، وفي القلب منها حقه في تقرير المصير19. أما الموقف من القدس، فقد حظي باهتمام خاص في الإعلان المذكور، فقد أكد الأعضاء التسعة في المجموعة الأوروبية "أنهم لن يقبلوا أي مبادرة من جانب واحد تهدف إلى تغيير وضع القدس، وأنّ أي اتفاق حول وضع المدينة يجب أن يضمن حرية وصول الجميع إلى الأماكن المقدسة"20. وبذلك يكون الأوروبيون قد أسسوا لموقف موحد يرى في القدس مدينة ذات أهمية خاصة لكل الأطراف، فلا يجوز أن يتم إملاء أمر واقع بحقها من طرف على حساب الآخرين. وقد ظل هذا الموقف الأوروبي ثابتًا رغم القرارات الإسرائيلية الأحادية الجانب التي أعلنت ضم القدس، واعتبرتها بجزأيها الغربي والشرقي عاصمةً لدولة الاحتلال. بل ظلّ إعلان البندقية، بما نص عليه في هذا الصدد إلى جانب البيانات الكثيرة التي أكدت ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في عام 1967، مرجعًا للبيانات والمواقف التي تبناها الأوروبيون حتى اللحظة. ومنذ عام 1980 وحتى انطلاق عملية سلام أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993، بقيت المواقف الأوروبية في حدود الكلمات والبيانات، إلى أن وجد الأوروبيون لهم مكانًا محددًا على طاولة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين أو العرب، ولا سيما بعد مؤتمر مدريد في عام 1991. وفي هذا السياق، بقي الدور الأوروبي، في إطار مستجدات عملية السلام، ثانويًا؛ فقد احتكر الأميركيون المشهد وأخذوا يتحكمون في خيوطه بما يشمل تحديد ما يمكن الأوروبيين فعله أو عدم فعله. وبالنظر إلى الدور اللوجستي الذي أخذ الأوروبيون يؤدونه، فقد بقوا حريصين على أن تتوّج جهود السلام واتفاقية أوسلو بالنجاح عبر بناء المؤسسات والأجهزة الفلسطينية من خلال الدعم المالي والفني. كرر الأوروبيون مواقفهم المتفق عليها في العديد من الإعلانات والبيانات والاتفاقيات عبر مرحلة سلام أوسلو عمومًا، وهو ما تقاطعت به نظريًا مع المواقف الدولية الأخرى، ممثلة بالموقف الصادر عن اللجنة الرباعية، التي تشكلت في عام 2002 من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا إضافة إلى الاتحاد الأوروبي ذاته، وما تمخض عنها من خارطة للطريق. في هذا الإطار، اتفق الجميع على اعتبار أن تسوية الصراع يجب أن تكون تفاوضية مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن تشمل إقامة دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، بما يقتضي وقف الاستيطان، وحل ما أطلق عليه قضايا الوضع النهائي تفاوضيًا، بما فيها القدس21.

رابعًا: صفقة القرن: محاولة للتركيع

في ضوء السياسات الأميركية والإسرائيلية تجاه المسألة الفلسطينية، يمكن الاستنتاج أن صفقة القرن تنطلق في جوهرها من فرضية مفادها أن توفير الرخاء الاقتصادي لشعب تحت الاحتلال، في ظل وضع دولي لا يضع على سلّم أولوياته قضية هذا الشعب واختلال كبير في موازين القوى، من شأنه أن يتسبب في ارتخاء وطني وسياسي وقومي، إضافة إلى الارتخاء القيمي، ما يسهل تمرير حلول تصفوية لقضية هذا الشعب. هذه الفرضية، لم تثبت صحتها في سياقات مشابهة في العصر الحديث بحال من الأحوال. فكثير من الشعوب المحتلة في مرحلة ما بعد "وستفاليا" حافظت على حقها في تقرير المصير وظلت تقاوم حتى أنجزت استقلالها وحققت ذاتها.

  1. Venice Declaration: June 13, 1980."
  2. Ibid.
  3. نص خارطة الطريق"، الجزيرة نت، 2006/8/1، شوهد في 2019/6/27، في: https://bit.ly/2UY5IGd

الصفقة، في إجمالها، مبادرة أميركية فحسب، ولدت فكرتها مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نهاية عام 2016 من أجل حلّ الصراع العربي - الإسرائيلي مرة وإلى الأبد، وهو ما فشل فيه الرؤساء الأميركيون السابقون على حد قول ترامب. فالصفقة، وفقًا لإدارته، من شأنها أن تكون مختلفة عما طُرح من مبادرات أو تفاهمات، بل هي مبنية على مقاربة مغايرة للمقاربات السابقة. ففي الوقت الذي بنيت فيه المحاولات الفائتة على قواعد وأسس تضع نصبها حلّ الدولتين وبناء هياكل الدولة الفلسطينية بوصفها طريقًا متفقًا عليه، فإن المبادرة الأميركية الجديدة من شأنها أن تبدأ من "أسفل إلى أعلى" Approach top Bottom، بمعنى أن تبدأ في تحسين حياة الناس لدى الأطراف المختلفة، عبر مشاريع اقتصادية استثمارية يشعر بها المواطنون ويتناسون أو ينسون أو يقبلون في خضمها بتأجيل أو تسوية القضايا الكبيرة التي تحطمت على صخرتها مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هذا التحسين الموعود يسير في الوقت ذاته الذي تجري فيه عمليات حسم القضايا محط الخلاف الحقيقي على الأرض من طرف الاحتلال، وبالدعم والغطاء الأميركيين ذاتيهما، من دون التفات بالضرورة إلى القانون الدولي وكل ما تناولته سابقات هذه الصفقة22. وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة أعوام على تداول هذا المصطلح، وحتى قبل أن تقوم الإدارة الأميركية بطرح المبادرة رسميًا بتاريخ 28 كانون الثاني/ يناير 2020، فإن تثبيت الوقائع على الأرض من طرف الاحتلال الإسرائيلي قائم على قدم وساق. وقد ساعدت أميركا في شرعنة تلك الوقائع من خلال حسم مسألة القدس بوصفها "عاصمة موحدة" للشعب اليهودي، استنادًا إلى الرواية الصهيونية التقليدية حول ارتباطه بها روحيًا ودينيًا منذ آلاف السنين كما جاء على لسان ترامب. هذه الخطوة الأميركية لم تكن إشارة مجاملة لإسرائيل فحسب، بل تكريسًا لسياسة الأمر الواقع التي لم تتوقف عنها دولة الاحتلال طوال مسيرة أوسلو. وفي هذا الصدد، لم يتردد ترامب في خطابه حول المسألة في تأكيد هذه الحقيقة بقوله: "بأننا لا نفعل سوى أننا نعترف بما هو واضح وواقع ليس إل "23، مكرّسًا رسميًا ومشرعنًا الخروج السافر عن قواعد القانون الدولي، بما فيه المعاهدات التي وُقّعت بين الأطراف، ورعتها الإدارات الأميركية السابقة. علاوة على ذلك، فإن قطع الإدارة الأميركية مساعداتها عن وكالة "الأونروا" بهدف التأثير سلبيًا في أدائها توطئةً لتفكيكها بوصفها شاهدة على دوام أزمة اللاجئين الفلسطينيين، مؤشر آخر على حقيقة أجندة صفقة القرن24. فأميركا التي تتبنى المطلب الصهيوني الطويل الأمد بهذا الصدد إنما تسعى لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين على قاعدة التوطين والتهجير الطوعي. كما أتبعت الإدارة هذا الأمر بوقف كافة أشكال المساعدات التي كانت تقدّمها للمؤسسات الفلسطينية الرسمية أو المدنية، بما فيها المستشفيات وقوى الأمن ووقف عمل الوكالة الأميركية للتنمية الدوليةUSAID في الضفة الغربية وقطاع غزة بالكلية، في محاولة منها لثني ذراع الفلسطينيين ودفعهم إلى التعامل إيجابيًا مع سياسات أميركا الأخيرة، أو بالأحرى تركيعهم25. أما ما يتعلق بالأرض والاستيطان، فإن الصفقة تتحدث عن تسويات ليس من ضمنها الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة أو تلك القابلة للحياة، بل تشمل حديثًا صريحًا عن ضم لأجزاء من الضفة الغربية، كما جاء مرارًا وتكرارًا، على لسان سفير الولايات المتحدة الأميركية في إسرائيل، توماس فريدمان26. وهو ما يؤكد حقيقة النيات الأميركية وطبيعة المعطى الصهيوني في مقترحات إدارة ترامب التي أفصحت عنها الصفقة، وتكررت بلا مواربة في تصريح بومبيو،

  1. Emily Jones, "Kushner: Israeli-Palestinian Peace Plan Will Require
  2. Statement by President Trump on Jerusalem," The White House , 6/12/2017, accessed on 4/5/2019, at: https://bit.ly/2Xteb62
  3. Karen DeYoung, Ruth Eglash & Hazem Balousha, "U.S. Ends Aid to United Nations Agency Supporting Palestinian Refugees," The Washington Post , 1/9/2018, accessed on 5/2/2020, at: https://wapo.st/3bfy9ph
  4. Yolande Knell , "US Stops all Aid to Palestinians in West Bank and Gaza," BBC News , 1/2/2019, accessed on 15/6/2019, at: https://bbc.in/3egpzZc 26 " صحيفة: السفير الأمريكي لا يستبعد ضم إسرائيل لمناطق في الضفة الغربية المحتلة "، رويترز، 2019/6/8، شوهد في 2019/6/9، في: https://bit.ly/3c9Olbg
  5. Tough Compromises' for Both Sides," CBN News , 24/4/2019, accessed on 4/5/2019, at: http://bit.ly/37CA2dG

باعتبار الاستيطان في الضفة الغربية غير متناقض مع القانون الدولي، بخلاف ما دأبت عليه الإدارات الأميركية السابقة. تحاول الإدارة الأميركية بهذه الإجراءات أن تدفع الفلسطينيين إلى القبول بما يتم فرضه من وقائع على الأرض، وتقبّل دور أميركي خرج من دائرة الوساطة بين طرفي الصراع ليصطف على نحو لا لبس فيه مع طرف دون آخر؛ إذ تنحو الإدارة الأميركية في ذلك منحى لا علاقة له بالقانون الدولي أو الاتفاقيات التي وُقّعت برعاية أميركية قبل ذلك. هذا المنحى الواقعي الذي يستند إلى الاختلال في موازين القوى، وُوجِه برفض فلسطيني، بل دولي على كل المستويات، وهو ما أثار حفيظة الأميركيين وجعلهم يمضون قدمًا في تجاوز الفلسطينيين والالتفاف عليهم. ولكنهم في الوقت ذاته، يبحثون عن شركاء يسيرون معهم في مسارين متوازيين؛ الأول مسار اقتصادي يتحمّل الآخرون فيه إلى جانبها الأعباء المالية المترتبة على الخطة المقترحة، وهو ما عبّ عنه مؤتمر البحرين الذي عقد بعنوان "السلام من أجل الازدهار"27. والثاني مسار سياسي يتعلق بتسويق إسرائيل إقليميًا على أنها حليف مضمون في مواجهة مفرزات، أو "الأخطار" المترتبة على الربيع العربي من جانب، و"الخطر الإيراني" من جانب آخر، وصولً إلى تطبيع عربي علني وكامل معها بعيدًا عن "الفيتو" الفلسطيني أو غيره.

خامسًا: الاتحاد الأوروبي: بين الانتظار والتشكك

تماشيًا مع السياسات التي يمارسها الأوروبيون في تعاملهم مع المسألة الفلسطينية، والتي تتسم عمومًا برد الفعل، فإنهم لم يبادروا إلى ما يمكن أن يُخرج عملية سلام أوسلو من غرفة الإنعاش التي ما زالت فيها منذ سنوات طويلة؛ فإذا لم تقدّم أميركا مبادرة ما في هذا الصدد، نرى سياسة أوروبا هي الانتظار، ومن ثم الانتظار إلى أن يحدث ما يفرض على الأطراف العودة إلى طاولة المفاوضات. وعبّ وزير خارجية فرنسا، جان إيف لودريان، عن هذا بقوله إننا "ننتظر بالفعل منذ عدة أشهر المبادرة الأميركية، وإن لم تكن هناك خطة وشيكة، فإنه سيتعين على الاتحاد الأوروبي الأخذ بزمام المبادرة"28. والحقيقة أن انتظار أوروبا يطول بالسنوات وليس بالأشهر، لذا، وفي ضوء ما تجلّ من سياسات أميركية، يقف الاتحاد الأوروبي في حالة انتظار لما ستفصح عنه الصفقة في شكلها النهائي، إذ إن مشروع التسوية الذي عمل جاهدًا على إنجاحه عبر المفاوضات والتمويل والرعاية اللوجستية آخذٌ في التلاشي، وهو ما ينذر بخطر حلّ السلطة الفلسطينية أو انفجار المواجهات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، ما قد يؤدي إلى موجات من العنف واللجوء والهجرة ومزيد من اللااستقرار. وفي المقابل، يقف الاتحاد الأوروبي عاجزًا عن فعل شيء يؤثر من خلاله في الإدارة الأميركية، التي تجاهلت تمامًا كافة شركائها من رعاة عملية أوسلو، وأخذت تفرض قواعد جديدة للعبة تتنكر فيها لكل المعاهدات التي وُقّعت بين الأطراف، وتُقامر من خلالها على مستقبل الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة. وفي إطار التشديد على الموقف الأوروبي الواجب اتخاذه، وجّه مسؤولون أوروبيون سابقون، منهم 25 وزير خارجية، وستة رؤساء حكومات، وسكرتيران لحلف الناتو، نداءً إلى الاتحاد الأوروبي طالبين منه موقفًا مسبقًا يرفض من خلاله صفقة القرن، ويعلن فيه تمسكه بالاتفاقيات التي سبق أن رعاها إلى جانب الإدارات الأميركية السابقة29. ووفقًا لهذه التشكيلة من صناع السياسة السابقين، فإن صفقة القرن هذه لا تنسجم مع المعايير الدولية التي سار عليها الاتحاد بالتعاون مع الإدارات الأميركية السابقة، وتبتعد كل البعد عن كون الدول والشعوب تعيش في نظام دولي محكوم بقواعد وقيم لا بد من احترامها. وإذا ما سارت الخطة وفق ما تريد الإدارة الأميركية، فإن من شأن ذلك أن يهدد السلام والاستقرار والأمن، ويدفع بحلّ الدولتين إلى الاختفاء. من هنا، فإن أوروبا مطالبة أن تكون حاسمة في موقفها انطلاقًا من محددات موقفها وتأثرها المباشر بأي مجازفات سياسية من شأنها إشعال المنطقة. ووفقًا لمقترحات بيان المسؤولين الأوروبيين، فإن على الاتحاد "أن يتبنى ويروّج لخطة تحترم المبادئ الأساسية للقانون الدولي على النحو الوارد في معايير الاتحاد الأوروبي المتفق عليها لحل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني. هذه المعايير التي أكدها الاتحاد الأوروبي منهجيًا خلال المحادثات السابقة التي رعتها الولايات المتحدة، تعكس فهمنا المشترك بأن السلام القابل للحياة يتطلب إنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل على أساس خطوط ما قبل عام 1967، مع حد أدنى من مقايضة الأراضي. ولا بد من أن تكون القدس عاصمة لكلتا الدولتين، مع ترتيبات أمنية تعالج المخاوف المشروعة لإسرائيل وتحترم سيادة كل جانب، مع حلّ عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين"30.

  1. ينظر: "مؤتمر البحرين: هل هو المدخل لتمرير 'صفقة القرن'؟"، بي بي سي عربي،
  2. الاتحاد الأوروبي لنتنياهو: قرار ترامب بشأن القدس مرفوض"، يورو نيوز،
  3. 2019/6/26، شوهد في 2019/6/29، في: https://bbc.in/3ebWAFA
  4. 2017/12/11، شوهد في 2019/5/10 في: https://bit.ly/2JVhiMb 29 " Europe must Stand by the Two-state Solution for Israel and Palestine," The Guardian , 15/4/2019, accessed on 25/5/2019, at: https://bit.ly/2Rq1Bk3 30 Ibid.

لكن تصطدم هذه الآمال والمطالبات للاتحاد بطبيعة العلاقة التي حكمت الطرفين الأميركي والأوروبي على مدار عقود من الزمن؛ فقد اتسمت هذه العلاقة بالتبعية في كثير من المحطات، ولم تكن عملية سلام أوسلو استثناء، فعلى الرغم من المحاولات الأوروبية المحمومة لأخذ دور فعال في إدارة تلك العملية، فإن أميركا، على الدوام، كانت لها بالمرصاد، فقد رسمت لأوروبا دورًا ورفضت إفساح المجال أمامها لتقمص دور آخر أو أوسع31. ولربما كان هذا مفهومًا ما دامت المصالح الحيوية للاتحاد، من جراء تأديتها هذا الدور، متحققة، ومخاوفها مأخوذة في الحسبان. ونظرًا إلى أنّ الإدارة الأميركية بدت متجاهلة مصالح الاتحاد الأوروبي ومخاوفه، وضاربة استثماراته في عملية سلام أوسلو عرض الحائط، فإن كثيرين يتطلعون إليه كي يخرج عن صمته المعهود ويمارس نوعًا من "التمرد" على تبعيته للسياسة الأميركية في منطقة استثمر فيها الاتحاد أموالً وجهودًا كثيرة على أمل أن ينجح مشروع أوسلو بإنهاء الصراع بين دولة الاحتلال والفلسطينيين على وجه الخصوص. وفي هذا الإطار، وجّه السياسيون الأوروبيون المذكورون سابقًا نداءً إلى قادة الاتحاد الأوروبي مطالبين إياهم بسرعة التحرك قبل فوات الأوان، "في الحالات التي تتعرض فيها مصالحنا الحيوية وقيمنا الأساسية للخطر، يجب على أوروبا أن يكون لها تحركها الخاص"32. بيد أن التمنيات شيء والوقائع شيء آخر، فالاتحاد يعرف محدداته، ولا، ولم يحاول الخروج عليها أو تغييرها؛ لاعتبارات تتعلق بطبيعتها الصارمة التي كان لها الدور الكبير في تشكيل كوابح ذاتية حدّت من إمكانية التحرك بصورة مختلفة، أو ربما خشنة كما يتمناها البعض. وإزاء هذا المستجد، لا يبدو في الأفق أن الاتحاد الأوروبي سوف يكون له رد دراماتيكي على صفقة القرن، كما لن تكون هناك استجابة عملية للنداء الذي وجّهه أصحاب الرسالة المنشورة في صحيفة الغارديانأو تلك التوسلات الفلسطينية الرسمية. فغاية ما يمكن الأوروبيين فعله، هو البقاء على موقفهم واحتواء غضب الفلسطينيين من خلال تعويضهم بالمال وبعض التصريحات، وسيظل التعويل على عاملَ الوقت وصبر الفلسطينيين إلى أن تأتي ربما إدارة أميركية جديدة تعيد صياغة مصالحها على نحو مختلف. هذه هي قناعة الأوروبيين التي عبّ عنها رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، أثناء زيارته إسرائيل، فقد رأى أن الحلّ الوحيد عبر إحياء عملية السلام. وعلى الرغم من أن هذه العملية "صعبة جدًا، ليس فيها أبيض وأسود، فالمسألة تحتاج إلى الصبر والوقت"33. وهكذا، فالأوروبيون يعوّلون على أن السلطة الفلسطينية ستظل تعمل في إطار المواقف الدولية المتاحة، مؤمنة بخيارها الرسمي الأوحد والمتمثل بالإصرار على المفاوضات بوصفها استراتيجية لا رجعة عنها.

سادسًا: القدس في الخطاب الأوروبي

رفض الاتحاد الأوروبي حضور الاحتفالية الخاصة التي أقامتها إسرائيل بمناسبة نقل سفارة أميركا إلى القدس؛ فقد امتنعت الدول الأعضاء عن الحضور، باستثناء أربع دول هي التشيك والنمسا والمجر ورومانيا، في خطوة تعبّ عن رفض الاتحاد الخطوة الأميركية34. وتستند سياسة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالقدس الشرقية إلى المبادئ المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 242، ولا سيما عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة. فوفقًا للقانون الدولي، يعتبر الاتحاد الأوروبي القدس الشرقية أرضًا محتلة، إذ لم يعترف بالقانون الإسرائيلي الأساسي لعام 1980 الذي ضمّ القدس على أنها عاصمة "كاملة وموحدة" لإسرائيل وعدّل الحدود البلدية للمدينة. وهذا بطبيعة الحال يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 478 الذي قرر فيه مجلس الأمن "عدم الاعتراف بهذا القانون الأساسي والإجراءات الأخرى التي اتخذتها إسرائيل والتي تسعى من خلالها إلى تغيير طابع مدينة القدس ووضعها"35. وبناء عليه، فالقدس هي من مسائل الوضع النهائي في النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، ويعارض الاتحاد الأوروبي أي تدابير من شأنها التأثير في نتائج مفاوضات السلام قبل الانتهاء منها36. ليست هذه المواقف فريدة؛ إذ إن هناك العديد من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة وغيرهما من المنظمات الدولية تؤكد كلها الموقف من القدس بوصفها مدينة محتلة، لا يجوز إجراء تغييرات على طابعها إلا بما تتوافق عليه الأطراف ذات العلاقة37.

  1. Musu.
  2. Ibid.
  3. Remarks by President Donald Tusk before his Meeting with Prime Minister of Israel Benjamin Netanyahu," European Council , 8/9/2015, accessed on 1/5/2019, at: https://bit.ly/2RulhU1
  4. دول الاتحاد الأوروبي تقاطع احتفالية إسرائيلية عشية نقل سفارة واشنطن للقدس "، عرب 48، 2018/5/14، شوهد في 2019/6/10، في: https://bit.ly/3ckjCZt
  5. Resolution 478 (1980)," UNSCR , 20/8/1980, accessed on 5/2/2020, at: https://bit.ly/2vRr3Hu
  6. EU Heads of Mission, "Report on East Jerusalem," Journal of Palestine Studies , vol. 41, no. 3 (Spring 2012), pp. 223-232.
  7. ينظر: "مجلس الأمن والقدس.. قرارات كثيرة بدون تطبيق"، الجزيرة نت، 2017/12/17، شوهد في 2019/6/8، في: https://bit.ly/2yIRrof

وفي هذا السياق، أعاد ممثلو الاتحاد الأوروبي تأكيد موقفهم من المدينة، مرارًا وتكرارًا، في العديد من المناسبات. ومن تلك التصريحات ما تحدثت به فيديريكا موغريني، الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، بقولها إن "الاتحاد الأوروبي سيظل ملتزمًا التزامًا راسخًا بمواصلة العمل مع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ومع شركائه في المجتمع الدولي من أجل استئناف مفاوضات ذات مغزى تهدف إلى حلّ الدولتين، على أساس خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967 ومع القدس عاصمة لكلتيهما. لدى الاتحاد الأوروبي موقف واضح وموحد بشأن القدس، أ عيد تأكيده في العديد من استنتاجاتُ مجلس الشؤون الخارجية. كما سيواصل الاتحاد الأوروبي احترام الإجماع الدولي بشأن القدس والمتضمن في جملة أمور من بينها قرار مجلس الأمن رقم 478، بما في ذلك موقع التمثيل الدبلوماسي حتى يتم حلّ الوضع النهائي لها"38. وهو الموقف ذاته الذي عبّ عنه قادة المجلس الأوروبي في استنتاجاتهم المتكررة، فقد شددوا على "التزامهم الراسخ بحلّ الدولتين مع اعتبار القدس عاصمة لكلتيهما"39. كانت القمة العربية - الأوروبية المشتركة، التي عُقدت في شرم الشيخ بمصر، في عام 2019، أحد أبرز تلك المحافل التي تم تأكيد هذا الموقف من خلالها، حيث جدّد الطرفان الأوروبي والعربي الموقف المتعلق بحلّ الدولتين وبالقدس40. ويتعلق هذا التأكيد بعصب العملية السلمية ومسيرة أوسلو بأكملها، إذ إن إسقاط موضوع القدس وحسمه قبل الاتفاق على ذلك بين الأطراف ذات العلاقة سيعني اضمحلالً وانهيارًا لمسيرة أوسلو برمتها بحسب ما ذهب إليه الزير41. لذلك كله، فالاتحاد الأوروبي ينظر إلى القدس تقليديًا، بوصفها عاصمةً لدولتين تربط شعبيهما روابط روحية ومادية وتاريخية لا يجوز إنكارها42. فالمدينة ذات وضع خاص، ولا ينبغي حسم أمرها من طرف واحد عبر فرض الوقائع على الأرض. لذا يرى، على سبيل المثال، رؤساء البعثات الأوروبية في القدس والضفة الغربية أنه "من دون القدس عاصمةً مستقبلية لدولتين، لن يكون من الممكن التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين"43. ووفقًا للاتحاد، يؤثر ما تقوم به إسرائيل من استيطان يحيط بالقدس ويتغلغل فيها، ويعمق الفوارق بينها وبين باقي الضفة الغربية، ويعزلها عن محيطها الفلسطيني على نحو منهجي وخطير، في مستقبل المدينة بوصفها عاصمة لشعبين. وفي هذا الإطار، تبدو صورة السياسات الاحتلالية في القدس واضحة لصانع القرار الأوروبي بما لا يدع مجالً للشك. فقد تولت بعثة الاتحاد وغيرها من منظمات المجتمع المدني تقديم التقارير الوافية حول أي من المستجدات والوقائع التي تُفرض على الأرض من جانب الاحتلال. غير أن هذه التقارير لم تحرك في الاتحاد الأوروبي ساكنًا ولم تدفعه إلى الخروج عن نهجه أو حتى خطابه التقليدي تجاه ما يجري بحق المدينة المقدسة وعموم عملية السلام، إذ ما زال الأوروبيون يعولون على المفاوضات سبيلً أوحد للخروج من حالة الانسداد في عملية السلام، رغم ما يعرفونه من تعنّت إسرائيلي بهذا الشأن. ليس هذا فحسب، بل حرص الاتحاد على استرضاء الإسرائيليين عبر تأكيداته الدائمة بأن سياساته لا تعرف سوى لغة الحوار البناء، وأنه ليس في وارده مقاطعة إسرائيل أو التراجع عن اتفاقيات الشراكة معها. بل على العكس يؤكد الأوروبيون أن أمن إسرائيل هو من أولوياتهم، وأنهم الشريك الأهم لها بين تلك الدول التي تقع خارج المنظومة الأوروبية. وطالما حرص المشرعون الأوروبيون على تأكيد شراكتهم وصداقتهم لإسرائيل في الأوقات الحسنة تمامًا، كما هم كذلك في الأوقات الصعبة44. لذلك، فإن موقف الاتحاد، سواء تعلق الأمر بالقدس أو بأي من القضايا العالقة بين طرفي عملية أوسلو، لن يتعدى الحث والمطالبة والتشجيع والإسناد أو إبداء القلق والانزعاج، وإذا لزم الأمر مالً فهم على استعداد دائم للنظر في زيادة دعمهم وتمويلهم للسلطة الفلسطينية. يتسم السلوك الأوروبي في الرد على ما يجري إسرائيليًا أو أميركيًا بحق القدس، على أقل تقدير، بالعجز؛ إذ إنهم لا يملكون سوى الوصفة ذاتها التي دأبوا على تكرارها منذ انطلاق عملية سلام أوسلو. والغريب في الأمر أن عشرات السنين من تجريب الوصفة ذاتها، ورغم ثبوت عقمها وعدم إفادتها، بل ضررها، ما زال الأوروبيون يستخدمونها في عملية خداع وغش للذات قبل الآخرين. فعمليًا لا يمكن فهم الإصرار على العلاج المجرّب ذاته إلا في إطار عملية إطالة أمد هذه المرحلة إلى الحين الذي يشعر فيه الطرف الأضعف بالتعب

  1. Statement by High Representative/Vice-President Federica Mogherini on violence in Gaza and latest developments," European External Action Service , 14/5/2018, accessed on 20/4/2019, at: http://bit.ly/39308qo
  2. European Council 14-15/12/2017," European Council , accessed on 25/4/2019, at: http://bit.ly/37U4jos
  3. Sharm El-Sheikh summit declaration," European Council , 25/2/2019, accessed on 28/4/2019, at: http://bit.ly/2OonFub
  4. الزير.
  5. Statement by High Representative."
  6. EU Heads of Mission.
  7. Remarks by President."

فيخضع للآخر، وهي في الحقيقة نظرية لم يوجد في التاريخ الحديث ما يدعم عكسها؛ وهو ما جعل شاكر يعتبر الاتحاد الأوروبي مضللً للفلسطينيين بتأكيده المفاوضات سبيلً للحل بينهم وبين الإسرائيليين، إذ إن إسرائيل لم تكن، ولن تكون كذلك، وهو ما يعلمه الاتحاد الأوروبي ولكنه يصرّ عليه45. وعلى الرغم من الأخطار التي يمكن أن تترتب على دوام الحالة الراهنة واستمرار تدفق الإغراءات الأميركية على دولة الاحتلال، فإن هذا ما زال دون الحد الذي من شأنه أن يدق ناقوس الخطر في أوروبا؛ إذ إن سحق أحلام الفلسطينيين وطموحاتهم وآمالهم تحت عجلات "البلدوزر" الأميركي الصهيوني سيفضي حتمً إلى انفجار الأوضاع على نحو لا يمكن التنبؤ بمآلاته، وهو ما سيؤثر، بالضرورة، في ضفتي المتوسط، بمعنى أن أوروبا ستدفع ثمنه غاليًا. فأوروبا دفعت في الاستثمار بعملية السلام، وهي ستدفع الثمن ذاته وأكثر حين تفكيكها وانفجارها، فضلً عن تحولها حينئذ إلى وقود للتطرف والعنف، وهو ما حذر منه السياسيون الأوروبيون في رسالتهم الموجهة إلى صناع القرار في الاتحاد الأوروبي، داعين إياهم إلى التحلي بالشجاعة واغتنام الفرصة لإحداث التغيير، إذ "تواجه أوروبا الآن فرصة محددة لتعزيز مبادئها المشتركة والتزاماتها الطويلة الأجل فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط، ومن ثمّ إظهار دور أوروبا الفريد بوصفه نقطة مرجعية لنظام عالمي قائم على قواعد القانون الدولي. إن الفشل في اغتنام هذه الفرصة، في وقت يواجه فيه هذا النظام تحديًا غير مسبوق، سيكون له عواقب سلبية بعيدة المدى"46. بيد أنه من غير المرجح أن يتمكن الاتحاد من اجتراح خطوة غير مألوفة بهذا الشأن.

سابعًا: اليمين المتطرف والقدس

صحيح أن أيًّا من الدول الأوروبية لم تخرج كليًا عن سياسة الاتحاد فيما يتعلق بصفقة القرن أو الموقف من القدس، إلا أن من المرجح أن يترك تفوّق اليمين الأوروبي المتطرف تأثيرًا في هذا الاتجاه مستقبلً. وقد ارتبط صعود اليمين المتطرف في أوروبا بمجموعة من المتغيرات الداخلية الأوروبية؛ فالهجرة غير الشرعية ومشكلة اللاجئين مثلتا مصدر قلقٍ للعديد من الفئات الاجتماعية والسياسية انعكس على شكل الخريطة السياسية محليًا وإقليميًا. كانت نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي، في عام 2019، من أحدث المؤشرات على تعزيز أحزاب اليمين هذه مواقعها السياسية في أكبر مؤسسة أوروبية تشريعية، ما جعل المشروع الأوروبي كله يعبر مرحلة تاريخية فارقة من عمره الممتد. فقد تصدر حزب" التجمع الوطني" Front Nationalالفرنسي اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان Pen Le Marine الانتخابات في فرنسا، كما فعل ذلك أيضًا حزب "الرابطة" الإيطالي اليميني المتطرف بقيادة وزير الداخلية، ماتيو سالفيني Salvini Matteo، في حين حصل حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف على 10.5 في المئة، و"الديمقراطي الحر" على 5.5 في المئة، وحلّ حزب "بريكست" في بريطانيا على المركز الأول ب 31.7 في المئة من الأصوات، كما عزز اليمين مواقعه في إسبانيا والمجر وبلغاريا والنمسا واليونان وغيرها من الدول. وعلى الرغم من أن أحزاب اليمين جميعها لن تتمكن من ترجيح كفة الراغبين في تفكيك الاتحاد في إطار هذه الدورة الانتخابية، فإن التقدم الذي أحرزه سوف ينعكس على وجه أوروبا على المدى البعيد47. وهذه الرغبة لم يخفها العاملون عليها، ممثلين بتحالف اليمين الذي تجمّع في إطار تحالفي أول مرة في تاريخه، ضم أحزابًا من التوجه ذاته من أكثر من 12 دولة أوروبية بتحريض من مستشار ترامب السابق، ستيف بانون الذي عبّ في أكثر من مناسبة عن دعمه لإيجاد جبهة يمينية أوروبية موحدة. وقد أعلن ذلك التحالف اليميني "أنّ أجندته تهدف إلى إنهاء الهجرة غير الشرعيّة، وتعزيز الحدود الأوروبيّة الخارجيّة، وإعادة السيادة السياسيّة إلى دول الاتحاد الأوروبي وحماية ما يطلقون عليه تسمية "الثقافة الأوروبيّة"48. عمل اللوبي الصهيوني، كما يقول شاكر، على توجيه أصابع الاتهام إلى العديد من تلك الأحزاب اليمينية فيما مضى، بوصفها معادية للسامية وخطرًا محتملً على اليهود، وهو ما تسبب لها في متاعب تمثل بعضها فيما فُرض على النمسا من عقوبات أوروبية بعد فوز اليمين المتطرف فيها في عام 2000، فقد "استهدفت المفوضية الأوروبية النمسا بحزمة من العقوبات الدبلوماسية. انحصرت بنود العقوبات في نقاط ثلاث؛ تعليق كافة الاتصالات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وأية حكومة نمساوية يكون حزب الحرية اليميني المتطرف طرفًا فيها، وعدم دعم المرشحين النمساويين الساعين للمنافسة على

  1. شاكر.
  2. Europe must stand by."
  3. انتخابات البرلمان الأوروبي 2019: الكتل المُهيمنة تفقد أغلبيتها مع زيادة تمثيل الليبراليين والخضر والقوميين"، بي بي سي عربي، 2019/5/27، شوهد في 2019/6/11، في: https://bbc.in/2UZUzoI
  4. جون ستون، "أحزاب اليمين المتطرّف الأوروبيّة تتحد في تحالفٍ جديد قُبيل انتخابات الاتحاد الأوروبي"، إندبندنت العربية، 2019/4/13، شوهد في 2019/6/10، في: https://bit.ly/2xknivg

مناصب في المنظمات الدولية، إضافة إلى عدم استقبال سفراء فيينا في العواصم الأوروبية إلا على المستوى التقني"49. دفع ذلك هذه الأحزاب إلى إعادة إنتاج ذاتها عبر وضع خطط تسويقية لتوجهاتها تتجاوز هذا الاتهام وتثبت من خلالها أن لها أجندات مشتركة مع إسرائيل بوصفها غير معادية للسامية كما يشاع. فخطاب اليمين المتطرف، وعلى الرغم من انشغاله بالأجندات الداخلية، وعدم تبنيه سياسات خارجية واضحة وانعدام أي تأثير ملموس في سياسات الاتحاد بهذا الصدد حتى اللحظة، فإنه يرى إسرائيل خطَ دفاعٍ متقدمًا عن أوروبا في وجه الأخطار المحدقة بها، ولا سيما "الخطر الإسلامي"، وهو ما عزز مكانة إسرائيل لدى هذا اليمين بوصفها شريكًا في الدفاع عن قيم الحضارة الغربية ومصالحها50. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن اليمين المتطرف في أوروبا مفيد لها من عدة نواحٍ. فمن جهة، يعزز صعود اليمين من فرص وقف ما يُسمى "عملية أسلمة أوروبا" مع ما يصاحبها من عداء للعرب والمسلمين وتقليم لأظافرهم في القارة51. ومن جهة أخرى، يدفع صعود اليمين الشعبوي يهود أوروبا إلى الهجرة منها نحو إسرائيل تحت وقع الانتصارات التي يحققها هذا اليمين المتهم بمعاداته التاريخية للسامية، وهو ما يعزز فرص اليمين الإسرائيلي بكسب مزيد من الأصوات في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، باعتبار اليهود المهاجرين متأثرين باليمين الأوروبي المتطرف في معاداتهم للآخر. لقد كان من المستغرب لدى العديد من المحللين أن تلتزم إسرائيل الصمت إزاء تصاعد اليمين الأوروبي المتطرف، وهو صاحب السجل الأسود في العلاقة باليهود، إلا أن التقاء المصالح باليمين والإدارة الأميركية "الترامبية" يفسر بوضوح سر هذا الموقف الإسرائيلي. فهذه الأطراف كلها تتفق ضمنًا، لأسباب خاصة بكل منها، على أهمية تفكيك مؤسسة الاتحاد الأوروبي؛ فإسرائيل، ترى في الاتحاد مكانًا تجتمع فيه أوروبا لتنسيق سياساتها الرافضة لضم القدس وإعلانها عاصمة إسرائيل الموحدة وسياساتها الاستيطانية وغيرها من الانتهاكات للقانون الدولي، وهو ما أزعجها على الدوام. بينما يرى اليمين أن هذه المؤسسة تتعارض مع توجهاته الشعبوية المعادية للهجرة وعمليات "الأوْربة" الآخذة في التزايد داخل مؤسسات الاتحاد. أما الإدارة الترامبية فهي الأخرى ترى الاتحاد عنوانًا للمنافسة أو المزاحمة القوية لها اقتصاديًا على الساحة الدولية وفي توجهاتها نحو "أميركا أولً ". وتلتقي إسرائيل في ذلك مع ترامب واليمين المتطرف في تأكيد هذه الرغبة. طالما عمل الأوروبيون والأميركيون على الساحة الدولية جنبًا إلى جنب، إلا أن الخشونة الأميركية التي بدت مؤخرًا تجاه الاتحاد الأوروبي في ملفات دولية عدة كانت استثنائية بامتياز؛ فلم يخف ترامب رغبته في رؤية الاتحاد الأوروبي مفككًا، كما أنه لا يقيم وزنًا لهذه المنظمة ويتصرف إزاءها بعنجهية تخلو من الدبلوماسية واللياقة. وفي حين كان للعديد من الرؤساء الأميركيين مواقف من وجود أوروبا قوةً موحدة منافسة، إلا أن الفجاجة التي بدا عليها ترامب في تشجيعه القوى الشعبوية المعادية للوحدة والاندماج في أوروبا خرجت عن حسابات السياسة المعقلنة. ففضلً عن جفائه الواضح للاتحاد، وقف إلى جانب الداعين إلى خروج بريطانيا منه مشجعًا طرفًا على حساب آخر52. بل إنه في العديد من المواقف أصبح، ببحثه عن نقاء العرق الأبيض، ملهمً للشعبويين في القارة الأوروبية وخارجها53. وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل والقدس، فإن طغيان العقلية الأيديولوجية المغلقة على ترامب وفريقه الذي ينتمي العديد من أعضائه إلى اليمين المسيحي المتطرف يجعل من السياسة الأميركية أقرب إلى الممارسة الدينية المستندة إلى الخطاب المؤدلج منها إلى سياسة الربح والخسارة. فالقدس هي "عاصمة الشعب اليهودي منذ ثلاثة آلاف عام" على حد قول ترامب، و"تربطه بها روابط روحية وعقائدية وتاريخية". والخلاصة الطبيعية في هذه الحالة أن يكون في الإمكان تحديد المخرجات السياسية في أي عملية سلام بين أطراف النزاع مسبقًا، أو استنادًا إلى الوقائع على الأرض، بعيدًا عن لغة الاتفاقيات الثنائية أو القانون الدولي54. وفي هذا السياق، تبدي العديد من الدول "الترامبية الهوى" في وسط أوروبا وشرقها، مثل المجر وبولندا والتشيك ورومانيا وغيرها من الدول المحكومة من أحزاب اليمين، أو تلك التي تشهد تصاعدًا لتلك الأحزاب فيها، إشارات يفهم منها ميلها نحو تبني مواقف ترامبية من القضية الفلسطينية، خلافًا للموقف الأوروبي الموحد بهذا الشأن. فإضافةً إلى حضورها احتفالية نقل السفارة الأميركية إلى القدس ومنع بعضها صدور موقف أوروبي موحد إزاء اعتراف أميركا بالمدينة

  1. عبده فايد، "قبل أن يحكم اليمين المتطرف عاصمة أوروبية"، إضاءات، 2016/11/12، شوهد في 2019/6/12، في: https://bit.ly/2Rs6UzK
  2. شاكر.
  3. مقال بصحيفة ألمانية: إسرائيل ويمين أوروبا المتطرف يتحالفان ضد الإسلام"، الجزيرة
  4. Natalie Nougayrède, "Why Trump and his Team Want to Wipe Out the EU," The Guardian, 18/2/2019, accessed on 22/4/2019, at: https://bit.ly/2RvqR8R
  5. في رسالة الإرهابي الأسترالي الذي استهدف المصلين المسلمين في نيوزيلندا في 15 آذار/ مارس 2019، تم الإتيان على ذكر ترامب بصفته أعاد الاعتبار للعرق الأبيض في مواجهة الأغيار. ينظر: "مذبحة المسجدين في نيوزيلندا تسلط الضوء على موقف ترامب تجاه المسلمين"، رويترز، 2019/3/17، شوهد في 2019/5/15، في: https://bit.ly/3cca6rg 54 " Statement by President Trump on Jerusalem."
  6. نت، 2019/2/6، شوهد في 2019/6/12، في: https://bit.ly/2JVSFPn

عاصمة موحدة لإسرائيل، كما ذكرنا آنفًا، تبدي هذه الدول توجهًا لتعميق صداقتها مع دولة الاحتلال لشعورها المتزايد بمدى نفوذ الأخيرة لدى الإدارة الأميركية، وهو ما يمثّل مدخلً لتعميق العلاقة بين تلك الدول والإدارة الأميركية. فعلى سبيل المثال "على الرغم من تأكيد حكومتها اليمينية المتطرفة التزام الدولة بسياسة الاتحاد الأوروبي، قامت هنغاريا بافتتاح مكتب تجاري لها في القدس يحمل صفة دبلوماسية في احتفالية حضرها السفيران الأميركيان في إسرائيل وهنغاريا ونتنياهو وآخرون"55. أما رئيسة وزراء رومانيا، فيوريكا دانسيلا ă ncil ă D Viorica، التي ترأست بلادها مؤخرًا مجلس الاتحاد الأوروبي، في مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية "أيباك" AIPAC، في واشنطن، فقد أشارت إلى أن الحكومة الرومانية قد أطلقت عملية تقييم إمكانية نقل السفارة إلى القدس، وتابعت: "يسرني اليوم أن أعلن أمام هذا الجمهور أنه بعد استكمال هذا التقييم بمشاركة جميع اللاعبين الدستوريين المنخرطين في عملية صنع القرار وبالإجماع التام بينهم، سأنقل أنا كرئيسة وزراء لرومانيا والحكومة التي أترأسها سفارة بلادنا إلى القدس، عاصمة الدولة الإسرائيلية"56. وعلى الرغم من أن هذا لم يتم بسبب رفض الرئيس الروماني هذا التوجه، فإن هذه التصريحات والتحركات والإشارات يفهم منها جليًا حقيقة موقف تلك الحكومات من المسألة المطروحة، وهو ما يعني أن تغيرًا في الظروف ربما سيفضي إلى تغير في المواقف على المدى القريب، وليس البعيد بالضرورة. ويمكن استنتاج ذلك مما شاهدناه مؤخرًا من رفض دولتَي التشيك وهنغاريا توقيع وثيقة أوروبية عمل الاتحاد على صياغتها من أجل إقرارها، تهدف إلى إلزام أعضائه بعدم نقل سفاراتهم إلى القدس إلا بعد إحلال السلام وتأكيد الاحترام الكامل للاتفاقيات الدولية بهذا الشأن57. صحيح أن تلك الدول ما زالت تتبنى الموقف الأوروبي الموحد، إلا أن مضي ترامب في مسيرته نحو تصفية القضية الفلسطينية، وربما إعادة انتخابه مجددًا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، سينعكس على مزيد من التفهم وربما التبني لمواقفه اليمينية المتطرفة، وهو ما قد يعني انشقاقًا وتصدعًا في الجدار الأوروبي على هذا الصعيد. غير أن هذه المواقف الممكنة لن تنعكس على مؤسسات الاتحاد الذي يمثّل الإجماع بين أعضائه شرطًا لقراراته المتعلقة بالسياسة الخارجية. وبالنظر إلى مكونات صفقة القرن ومخرجاتها، وكما تمت الإشارة في مؤتمر البحرين الذي عُقد في 25 حزيران/ يونيو 2019، فإن من المتوقع أن يكون الاتحاد، من الناحية البراغماتية، عمليًا في التعامل معها من دون التنازل عن مواقفه المبدئية في ذلك؛ فاقتصاديًا، يشرف الاتحاد الأوروبي على مشاريع في الضفة الغربية وقطاع غزة ويموّلها، ولن يضيره أن يقوم بها لاحقًا تحت مظلة صفقة القرن. أما من الناحية السياسية فإن الاتحاد لن يعارض، بل سيشجع كل ما من شأنه التطبيع بين العرب وإسرائيل، سواء جاء ذلك في إطار صفقة القرن أم غيرها. وفي الوقت ذاته سيظل الاتحاد متحفظًا على الشق السياسي الفلسطيني - الإسرائيلي من الصفقة. وبذلك سيتقاطع الاتحاد ويفترق في آن واحد مع الإدارة الأميركية في إطار سعي الأخيرة لتنفيذ كل ما جاء في صفقة القرن على الأرض، وهو ما سيجعله شريكًا جزئيًا من الناحية العملية، رغم مواقفه المبدئية من الناحية السياسية.

ثامنًا: اتحاد أوروبي بثوب "صليب أحمر "

بنى الاتحاد الأوروبي استراتيجية بعيدة المدى تجاه الصراع وتحمّل عبء تمويلها عبر أوسلو ومشتقاتها وأخواتها، إلا أن أقصى ما ذهب إليه في رده على الانتهاكات الإسرائيلية الفظة لاتفاقيات أوسلو وللقانون الدولي على السواء، هو نوع من العمليات اللوجستية المشتركة أو المواقف الموحدة التي لم تغادر قوالبها اللفظية. فعندما يستمع المرء إلى بيانات الاتحاد الأوروبي في تعليقاته على السياسات

  1. هنغاريا لا تنوي نقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس"، عرب 48، 2019/3/20، شوهد في 2019/5/10، في: https://bit.ly/2VkCqRm
  2. دولة أوروبية تنوي نقل سفارتها في 'إسرائيل' إلى القدس"، قناة العالم، 2019/3/24، شوهد في 2019/5/12، في: https://bit.ly/2XpLLtD
  3. دعاء أبو هشيمة، "قرار أوروبي لحظر نقل السفارات إلى القدس.. التشيك وهنغاريا تحبط التنفيذ"، صدى البلد، 2019/7/11، شوهد في 2019/7/14 في،: https://bit.ly/3a3aOp4

الإسرائيلية على الأرض، يحسب أن المتحدث هو منظمة الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر، أو أي من تلك المؤسسات الحقوقية التي لا قوة لها سوى التعبير عن الشجب والاستنكار وإبداء القلق والغضب، أو الترحيب والتشجيع، أو الإعراب عن المشاعر المختلطة والدعوة إلى التهدئة، أو الاحتكام إلى القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة والامتناع عن الأعمال الاستفزازية التي من شأنها توتير المشهد وتأزيمه. لا يتصرف الاتحاد الأوروبي بوصفه لاعبًا دوليًا يؤدي، ولا يزال، دورًا أساسيًا في رعاية عملية سلام أوسلو، بل بما هو قريب من كونه منظمة دولية أو محلية غير حكومية فحسب، كل ما في مقدورها هو رصد الانتهاكات ورفع التقارير للقادة والمسؤولين والاتصال بالأطراف عبر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الإعلام. لذا، فإن لغة الخطاب المستخدمة في التعليق على الجرائم الإسرائيلية والممارسات الاحتلالية المنتهكة لكل الأعراف والقوانين الدولية هي لغة خجولة لا ترقى إلى أن تكون معبّة عن مؤسسة بوزن الاتحاد الأوروبي حينما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال58. هذا الدور الذي يكتفي الاتحاد الأوروبي بتأديته، رغم ما يملكه من أدوات قانونية وسياسية واقتصادية، قزّمه وجعله معلقًا على الأحداث فحسب، بلا حول ولا قوة، وهو ما عمق من أزمة فاعلية الاتحاد في المواقف المتعددة وقدرته على التأثير فيها. وفي حقيقة الأمر، لم يُعهد عن الاتحاد أن خرج عن حدود دوره التقليدي المتمثل بإصدار البيانات والتعليقات وتقديم الخدمات اللوجستية للسلطة الفلسطينية بالنيابة عن دولة الاحتلال في محاولة التأثير فيها في إطار عملية سلام أوسلو. المرة اليتيمة التي حاول الاتحاد إبراز غضبه على الاحتلال من خلالها، تمثلت بقراره الذي يقول بضرورة وسم البضائع الإسرائيلية المصنعة في مستوطنات الضفة الغربية بوسم مكان المنشأ حتى يستطيع المستهلك الأوروبي التمييز بينها وبين تلك البضائع المصنعة داخل الأراضي المحتلة عام 194859. وهو إجراء لم يرتق إلى منع استيراد البضائع المصنعة في تلك المستوطنات أو تعبئة الجمهور لعدم التعامل معها، حيث أكد زعماء الاتحاد والناطقون باسمه مرارًا وتكرارًا أن هذا الإجراء ليس بعقوبات تنوي دول الاتحاد فرضها على إسرائيل، بل هو إجراء فني وقانوني يقضي بإبراز اسم دولة المنشأ على المنتج المستورد. وبما أن المستوطنات ليست من دولة إسرائيل وفقًا للقانون الدولي، فقد اقتضى الحال الإشارة إليها على نحو منفصل. لم يكتف الأوروبيون بنعومتهم المفرطة في التعامل مع إسرائيل إزاء كل المخالفات والجرائم التي اقترفتها، بل عمدوا إلى بناء شراكة تجارية وعلمية وبحثية استثنائية معها، فضلً عن إبدائهم التفهم لأفعالها وجرائمها في العديد من محطات المواجهة.

خاتمة

لن يتغير موقف منظمة الاتحاد الأوروبي من القدس في المدى المنظور تبعًا للآليات القانونية المعتمدة في صناعة قرار السياسة الخارجية التي تستدعي الإجماع شرطًا. أما على صعيد الدول منفردة، فمن المرجح مع التقدم في تنفيذ صفقة القرن، ومع صعود اليمين الشعبوي المتطرف، أن تحصل تصدعات في الموقف الأوروبي، وهو ما لا يملك الاتحاد، بوصفه مؤسسة، إزاءه أيّ سلطة. وفي ظل الموقف الأميركي من الاتحاد، بدأت الإدارة الأميركية في اللعب على شق هذا الصف الأوروبي عبر إحداث شرخ بين الدول الأعضاء من أوروبا الشرقية ونظيراتها الغربية. الموقف الرسمي الأوروبي من صفقة القرن نابع من حقيقة الافتراق مع الأميركيين حول صوابية اعتماد الوقائع على الأرض أساسًا في بناء السياسات كما تفعل أميركا، والاستناد إلى القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة، باعتبار ذلك هو الضمانة الأكيدة لديمومة الاستقرار والسلام في المنطقة كما يتصور الأوروبيون. حقيقة الشعور الأوروبي بأن أي انفجار للمنطقة سينتهي في حضن أوروبا يدفعها إلى تأكيد موقفها بوضوح من أولوية أمن دولة الاحتلال من جانب، ومن قضايا عملية السلام العالقة من جانب آخر. غير أن هذا الموقف لن يترجم عمليًا بأكثر مما ترجمته أوروبا في محطات عديدة سابقة. وفي الختام، فإن حقيقة أن أوروبا "بلا أنياب ولا أظافر" عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي - الإسرائيلي تجعل من هذا اللاعب هامشيًا من الناحية العملية، ولا يمكن التعويل عليه للحلول بديلً من أميركا في رعاية عملية السلام، فضلً عن التدخل العملي لإنفاذ القانون الدولي بما فيه الاتفاقيات السابقة بين الأطراف التي ترفض إسرائيل تطبيقها.

  1. يُنظر مثلً: مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي (الضفة الغربية وقطاع غزة، الأونروا)، "بيان محلي صادر عن الاتحاد الأوروبي حول إخلاء عائلة أبو عصب من البلدة القديمة في القدس"، الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية، 2019/2/25، شوهد في 2019/5/5، في: http://bit.ly/2GTTK8Y؛ "بيان محلي صادر عن الاتحاد الأوروبي حول تمديد اغلاق مؤسسات فلسطينية في القدس الشرقية"، الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية، 2019/2/12، شوهد في 2019/5/5، في: http://bit.ly/2SjEO9؛ "رؤساء بعثات دول الاتحاد الأوروبي في القدس ورام الله يزورون الخليل"، الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية، 2019/3/19، شوهد في 2019/5/5، في: http://bit.ly/37Y22s7
  2. أوروبا تقر وسم سلع المستوطنات الإسرائيلية"، الجزيرة نت، 2015/11/11، شوهد في 2019/7/6، في: http://bit.ly/2SjAkPU

المراجع

العربية

دان، تيم وميليا كوركي وستيف سميث. نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع. ترجمة ديما الخضرا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016. دور الاتحاد الأوروبي في مسار التسوية السلمية للقضية الفلسطينية. تقرير معلومات 16. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2010

الأجنبية

"Council Decision (CFSP) 2017/1426 of 4 August 2017: Updating the list of Persons, Groups and Entities Subject to Articles 2, 3 and 4 of Common Position 2001/931/CFSP on the Application of Specific Measures to combat Terrorism, and Repealing Decision (CFSP) 2017/154." Official Journal of the European Union. 5/8/2017. at: http://bit.ly/2S5xAFM EU Heads of Mission. "Report on East Jerusalem." Journal of Palestine Studies. vol. 41, no. 3 (Spring 2012). "European Council 14-15/12/2017." European Council. at: http://bit.ly/37U4jos Foreign and Commonwealth Office. "Consolidated Texts of The EU Treaties as Amended by the Treaty of Lisbon." Presented to Parliament by the Secretary of State for Foreign and Commonwealth Affairs by Command of Her Majesty (January 2008). at: https://bit.ly/2OrphDa Kausch, Kristina. "The Return to 'Realism' in European Union Policies in the Middle East." Europe and the Middle East Perspectives on Major Policy Issues. Centre for European Reform. 17/1/2014. at: https://bit.ly/3fFVG4X Musu, Costanza. "The EU and the Middle East Peace Process: A Balance." Studia Diplomatica. vol. 60, no. 1 "Remarks by President Donald Tusk before his meeting with Prime Minister of Israel Benjamin Netanyahu." European Council. 8/9/2015. at: http://bit.ly/37Gdskn "Resolution 478 (1980)." UNSCR. 20/8/1980. at: https://bit.ly/2vRr3Hu "Statement by High Representative/Vice-President Federica Mogherini on violence in Gaza and latest developments." European External Action Service. 14/5/2018. at: http://bit.ly/39308qo "Statement by President Trump on Jerusalem." The White House. 6/12/2017. at: http://bit.ly/36CE0BB The Office of the European Union Representative (West Bank and Gaza Strip, UNRWA). "Speech by High Representative/Vice-President Federica Mogherini at the Plenary Session of the European Parliament on the US Recognition of the Golan Heights as Israeli Territory and the Possible Annexation of the West Bank settlements." An official website of the European Union. 16/4/2019. at: http://bit.ly/316zLgt "Venice Declaration: June 13, 1980." European External Action Service. at: https://bit.ly/30W7NUH Ziadeh, Adeeb. EU Foreign Policy and Hamas: Inconsistencies and Paradoxes. London/ New York: Routledge, 2018.