الحوكمة الرشيدة في مواجهة الفساد الإداري ما بعد الربيع العربي: حالتا تونس ومصر

Good Governance against Administrative Corruption After Arab Spring: The Cases of Tunisia and Egypt

محمد عرفة| Mohamed Arafa *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة تطبيق الحوكمة الرشيدة في مصر وتونس. وتحاجّ بأن الفساد الإداري يعدّ عقبة مهمة أمام جودة الخدمات العامة التي تقدمها الدولة المركزية في مصر وتونس، على الرغم من القوانين والمدونات المختلفة التي تنص على التصدي للفساد والفاسدين. وتوصي بضرورة تفعيل الامركزية الحكومية، والسماح التدريجي للهيئات التشريعية بمراجعة آليات عمل الإدارات العامة، وتبنّي فلسفات تنظيمية تحسِّ ن من عملية تقديم الخدمات العامة، فضلًا عن ضرورة تفعيل دور الحكومة الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات‬ ‪من أجل تحسين عمليات الإدارة العامة بما يحقق الكفاءة في تقديم الخدمات ويوسِّ ع نطاق النمو الاقتصادي.

Abstract

This is the second section of a study examining the application of good governance in Egypt and Tunisia. The first section, published in issue 42 of the Siyasat Arabiya journal, provided an in-depth theoretical framework for assessing the dynamics of administering governmental affairs, establishing the prerequisites of effective governance, and combatting corruption. This second section argues that administrative corruption is an important obstacle to the quality of public services provided by central government in Egypt and Tunisia, despite various laws and codes calling for tackling corruption and corrupt individuals. This study recommends governmental decentralization; gradually permitting legislative bodies to review the work mechanisms of public administration; adopting organizational philosophies that can serve to improve the process of providing public services; and finally, activating e-government and information and communications technology to achieve more effective public administration operations and services provision and thereby contribute to expanding economic growth.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

المضي قدمًا نحو الحوكمة الرشيدة في فترة ما بعد الربيع العربي: حالتان دراسيتان

1. مصر

في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، بدأت مظاهرات واسعة ضد نظام الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك (2011-1981)، وفي 11 شباط/ فبراير 2011، استقال الرئيس مبارك1. وفي وقت لاحق من شباط/ فبراير 2011، أخطر النائب العام، المستشار عبد المجيد محمود (2012-2006)، ومجموعة من المدعين العامين في مصر، حكومة الولايات المتحدة الأميركية أن من المفترض أن يكون مبارك قد أخفى مئات المليارات من الدولارات على شكل نقد، وذهب، وأصول، وغيرها من ممتلكات الدولة الثمينة، وذلك باستخدام مخططات أعمال متعددة الأوجه لنقل الأصول عبرها إلى شركات خارجية وحسابات شخصية2. وفي ما يتعلق بمكافحة الفساد، كانت الوثيقة المؤلفة من 12 صفحة، والتي كُتبت باللغة العربية بعنوان "طلب مساعدة قضائية"، الخطوة الأولى في إجراءات المصادرة المدنية بهدف استعادة الأصول المملوكة للمواطنين المصريين التي اختلسها نظام مبارك3. وقد قدّم العديد من أبناء البلد والقانونيين طلبات لاسترداد الأصول، وللأسف لم يحدث شيء بهذا الخصوص4. أوضحت الوثيقة أن أبناء مبارك هم من رجال الأعمال الماهرين الذين استغلوا النظام المالي للبلد وغسلوا عائداتهم غير القانونية عبر شركات خارجية5، وزعمت أيضًا أن أبناء مبارك "استولوا على الأموال العامة وفرضوا بالقوة شراكتهم مع رجال أعمال ومستثمرين ومستوردين ومصدّرين لتحقيق الربح من دون أي أساس آخر سوى أنهم أبناء الرئيس"6. وعلاوة على ذلك، تؤكد الوثيقة أن أبناء مبارك وشركاءهم ارتكبوا جرم الاختلاس عن طريق شراء "أحد ديون مصر مقابل 35 في المئة من قيمته ومن ثم جمع كامل قيمته 100 في المئة من ميزانية الدولة المصرية"7. ومنذ ذلك الحين، يُطارد البلادَ شبحُ الفساد. وقد وُصفت مصر قبل إبعاد مبارك - ولا تزال توصف - بأنها "دولة تغذي فيها الثروة السلطة السياسية، والسلطة السياسية تشتري ال" وررة8. وقد أظهرت وثائق ويكيليكس، التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست، أن صفقات الخصخصة لعام 2006 ومساعي بناء اقتصاد السوق في ظل مبارك لم تفعلا سوى تضخيم فرص الكسب غير المشروع: "خلقت الخصخصة والانفتاح الاقتصادي في السنوات الأخيرة فرصًا جديدة ل 'الفساد الرأسي' في المستويات العليا من الحكومة التي تؤثر في موارد الدولة"9. وادّعت الحكومة المصرية بعد سقوط نظام الرئيس مبارك أنها تمضي بسرعة مدروسة نحو الديمقراطية المدنية ومحاربة الفساد10. وعلى الرغم من ذلك، تبقى معالجة إرث الفساد في عهد مبارك والآخرين أولوية بالنسبة إلى المصريين، وأساسًا للتشكيك في النظام السياسي الجديد والاستقرار الاقتصادي11. وبناء عليه، يتسم الفساد بعدد من الملامح على المستوى الوطني نراها جميعًا في مصر، مثل تراكم العوائق الاقتصادية أمام المواطنين المستهلكين، والإهمال على المستوى الإداري، وخاصة في ما يتعلق بالأموال العامة، والميل إلى ربط معايير الكفاءة بالمكاسب غير المشروعة، وعدم احترام الجمهور الحكومة والقوانين والقواعد والمعايير12.

  1. Jeremy M. Sharp, "Egypt in Transition," Congressional Research Service, 18/11/2011, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2zdpHZ7
  2. James V. Grimaldi & Robert O'Harrow Jr., "Egypt Prosecutor Alleges Schemes by Mubarak Family," The Washington Post , 9/4/2011.
  3. Ibid.
  4. أنجز أركان الحكم الأوليغارشي ذلك من خلال الاقتراض من البنوك التي يسيطر عليها أو يوجهها من تعيّنهم الحكومة ومن البنوك الأجنبية. ومن ثم عملوا على استبدال الأموال العامة وأصول المودعين العاديين بأصولهم الخاصة [...] قام الرئيس مبارك بالتغطية على هذا المخطط من خلال جعل البنك المركزي ضامنًا للقروض الاستثمارية للبنوك الخاصة. ويقدر أن حجم ذلك بلغ مليارات الدولارات"، ينظر: M. Cherif Bassiouni, "The Fight for Democracy in Egypt's Liberation Square: Background Paper," Global Affairs , 10/2/2011.
  5. Marc Michae, "Tackling Corruption in Revolutionary Egypt," Open Democracy , 29/3/2011, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2XSGATt
  6. Grimaldi & O'Harrow Jr.
  7. Mohamed A. Arafa, "Mubarak Criminal Liability: Is it a Fair Trial after the Revolution or a Drama Series? (Part One)," Brazilian Electronic Journal of Economics (2014).
  8. How did Egypt Become so Corrupt?" Aljazeera , 8/2/2011, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2zafoVJ
  9. Grimaldi & O'Harrow Jr.
  10. Egypt protests: 'Friday of the Last Chance'," The Guardian , 25/11/2011, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/3eAYnE
  11. Mohamed A. Arafa, "The Unexpected Trials of Egyptian Leaders: Is it a Question of Law or Politics?" US China Law Review Journal , vol. 12, no.
  12. ذكرت منظمة الشفافية الدولية أن أكثر المجالات الحكومية التي تخضع للفساد في البلدان النامية هي: الصفقات الحكومية (المشتريات العامة والسلع والخدمات والمرافق)، وتقسيم وبيع الأراضي والعقارات، والضرائب، وقوانين المكوس والرسوم الجمركية وتعيينات الموظفين العموميين وإدارات الحكم المحلي في المحافظات، ينظر: Amr Ismail Adly, "Politically-Embedded Cronyism: The Case of Post- Liberalization Egypt," Business and Politics , vol. 11, no. 4 (December 2009).

قدمت هيئة النيابة الإدارية تقريرها السنوي عام 2015 حول أسباب انتشار الرشوة والفساد الإداري في مصر والطرق الفعالة للقضاء عليه، وتحدّث التقرير عن "ضعف التعليم الأخلاقي والديني، وغياب الإشراف الفعال (المراقبة) والمتابعة، والتأخير في الفصل في العقوبات التأديبية المتعلقة بجرائم الرشوة بطريقة لا تحقق الردع العام والخاص، والرواتب الهزيلة للموظفين العموميين، إلى جانب كثرة الخدمات التي يوكَل إنجازها إلى عدد محدود من الموظفين"13. وقد سعى الجهاز المركزي للمحاسبات إلى مراقبة حسابات المؤسسات الحكومية وأدائها العام، إلى جانب فرض الغرامات النقدية بموجب القانون 144 لعام 1988. وتغطي سلطة الجهاز الوحدات الإدارية للدولة والمجالس المحلية في المحافظات وشركات القطاع العام والشركات المشتركة ما بين القطاعين العام والخاص التي لا تقل ملكية الدولة فيها عن 25 في المئة والنقابات العمالية والنقابات المهنية والأحزاب السياسية والتكتلات الإعلامية المملوكة للدولة أو الأحزاب، وغيرها من الوكالات التي تنص لوائحها على الخضوع لمراقبة الجهاز14. ويعني هذا أن تقارير الجهاز تلقي الضوء على الأداء الإداري للدولة ومستوى الفساد داخل الهيئات والمؤسسات العامة. ويتمتع الرئيس المصري بنفوذ كبير على الجهاز المركزي للمحاسبات من خلال حقه في تعيين رئيسه، لكن الجهاز يتمتع ببعض الاستقلالية، إذ تنص المادة 20 من القانون 144 لعام 1988 على أنه لا يمكن إقالة رئيسه من منصبه خلال سنواته الأربع الأولى15. والجدير ذكره أن الجهاز يبلِّغ عن الانتهاكات المالية للعديد من الكيانات الحكومية، سواء أكانت الرئاسة أم البرلمان أم الوزارات، وإضافة إلى ذلك، يرسل الجهاز تقاريره بشأن الكسب غير المشروع المزعوم إلى النائب العام والوكالات الأخرى ذات التفويض الأوسع لإجراء التحقيقات، مثل هيئة الرقابة الإدارية.Administrative Control Authority, ACA ووفقًا للدستور المصري لعام 2014، يتولى الجهاز المركزي للمحاسبات "الرقابة على أموال الدولة، والأشخاص الاعتبارية العامة، والجهات الأخرى التي يحددها القانون، ومراقبة تنفيذ الموازنة العامة للدولة والموازنات المستقلة، ومراجعة حساباتها الختامية"16. وتؤكد تقارير منظمة الشفافية الدولية تصاعد إهدار الأموال العامة وتراجع دور الحكومة في مكافحة الفساد، بما في ذلك اختلاس وهدر الأموال العامة والحجز والرشوة والتزوير. كما يمكن رؤية الفساد الإداري داخل القطاع الخاص من خلال محاباة أولئك المقربين من النظام، عبر المزايا الخاصة أو سيطرتهم على عدد من المشاريع المركزية أو الحصول على قروض ميسَّة من دون ضمانات تجارية، فضلً عن الخصخصة. وقد ذكر أحد التقارير بعنوان "الفساد في البلديات: قلة الوعي وقلة المراقبة"، صدر في 26 شباط/ فبراير 2008 عن ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان، أنه "خلال عام 2007، وصل حجم الأموال المهدرة إلى 454 مليون دولار أميركي، ووصل مبلغ الأموال المختلسة في البلديات إلى 14 مليون جنيه، (أقل من مليون دولار أميركي)، وتحدّث أيضًا عن نظام تقييم الأصول والممتلكات والأراضي التي تملكها هذه الشركات والبنوك؛ نظام الائتمان وتهريب الأموال إلى الخارج عبر القنوات المصرفية المعتمدة"17. إضافة إلى ذلك، أن في القطاع الزراعي أنواعًا مختلفة من المخالفات، بدءًا بمبيدات الأعشاب المسببة للسرطان، وصولً إلى تدمير العديد من المحاصيل الحيوية في الاقتصاد المصري. ويطلب القانون رقم 62 لعام 1975 بشأن الكسب غير المشروع من أعضاء البرلمان تقديم استمارات إقرار الذمة المالية. ووفقًا للمادة 5، تُشكَّل هيئات قضائية لفحص إقرارات

  1. Arafa, "Mubarak Criminal Liability."
  2. Ibid.
  3. Ibid.
  4. وأيضًا، "تختص الهيئة العامة للرقابة المالية بالرقابة والإشراف على الأسواق والأدوات المالية غير المصرفية، بما في ذلك أسواق رأس المال وبورصات العقود الآجلة وأنشطة التأمين، والتمويل العقاري، والتأجير التمويلي، والتخصيم والتوريق، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون"، ينظر: "قانون رقم 10 لسنة 2009: تنظيم الرقابة على الأسواق والأدوات المالية غير المصرفية"، الجريدة الرسمية، العدد 9، آذار/ مارس 2009، شوهد في 2020/4/27، في:؛https://bit.ly/359fB7v The Egyptian Arabic Republic, National Legislative Bodies, National Authorities, "Constitution of the Arab Republic of Egypt," 18/1/2014, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2RWNYZY
  5. عملية نقل ملكية شركة أو مؤسسة أو وكالة أو خدمة عامة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، ينظر: David Parker & David S. Saal, International Handbook on Privatization (Cheltenham, UK: Edward Elgar Pub, 2005).

الذمة المالية18. وتدعم إدارة الكسب غير المشروع هذه اللجان من خلال تلقّي استمارات إقرار الذمة المالية وطلب توضيحات حول الشكاوى، ولها الحق في مطالبة هيئة الرقابة الإدارية بالتحقيق في حالات الكسب غير المشروع المزعومة19. تمتلك مصر بنظامها المركزي القوي قوانين جنائية موسّعة ومفصلة، بما في ذلك القوانين المعنية بالفساد والأداء الاحتيالي. ومن الأمثلة على ذلك، المحظورات المتعلقة بالرشوة التي يرتكبها عادة موظف حكومي أو أحد رجال الدين أو مدير أو أحد أعضاء مجلس إدارة. ويمكن أن تقع الرشوة في شركة أو جمعية أو نقابة أو مؤسسة أو حتى في منظمة تنهض قانونيًا بالمصلحة العامة20. ومن الأمثلة الأخرى، الحظر المفروض على الإثراء غير الم وررع وغير المبرر، وإساءة استخدام السلطة، واستغلال النفوذ، وغسل الأموال، والتهرب الضريبي، وما إلى ذلك. وهناك العديد من التشريعات الأخرى التي تنظم العمل في مختلف القطاعات، مثل قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد رقم 120 لعام 1975 وتعديلاته في القانون رقم 161 لعام 2004 (والمراسيم الرئاسية المتعلقة بسرّية الحسابات المصرفية وقانون الائتمان)، وقانون سوق رأس المال رقم 95 لعام 1992، وقانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لعام 1997، وجميعها تستحدث أنظمة مراقبة وإجراءات تنظيمية تتعلق بمكافحة الفساد. كما أنها تؤسس نظامًا للتعاقد مع الهيئات الإدارية على أساس الشفافية من خلال القانون رقم 89 لعام 1998 بشأن المناقصات والمزايدات (المشتريات العامة)21. وعدة قوانين عامة، أيضًا، بشأن الكسب غير المشروع والمحاسبة وحماية المال العام وقواعد صرف الموازنة العامة للدولة وقوانين أخرى تصبّ في مكافحة الفساد22. هذه القوانين شاملة، ويمكن تطبيقها على نطاق واسع على موظفي الخدمة المدنية في جميع الهيئات الحكومية، بما في ذلك البلديات والمحافظات والوزارات. وهي تحظر مختلف أنواع سوء السلوك بين الموظفين العموميين، ويُضاف إليها العديد من المراسيم واللوائح التي تحكم سلوك الموظفين العموميين في أجهزة الحكومة23. والأهم من ذلك أنه عند اختيار استراتيجية الإصلاح القانوني لمكافحة الفساد، ينبغي مراعاة العوامل التالية: أن يعتمد الإطار القانوني الموثوق على المعايير والقواعد الدولية الحالية وأن يلائم الظروف الخاصة للبلد، وأن تسود قيمة (جوهر) سيادة القانون في البلد، وأن تؤمَّن الموارد المؤسسية لوضع الاستراتيجية. وينبغي أن يُدمِج الإطار القانوني جميع الأحكام المرتبطة بمنع الممارسات الفاسدة، ويمكِّن المؤسسات ذات الصلة من مكافحة الفساد، ويشمل كلًّ من المسائل التأديبية والجزائية24. وينص الدستور المصري على ما يلي: تلتزم الدولة بمكافحة الفساد، ويحدد القانون الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية المختصة بذلك. وتلتزم الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بالتنسيق فيما بينها في مكافحة الفساد، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، ضمانًا لحسن أداء الوظيفة العامة والحفاظ على المال العام، ووضع ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالمشاركة مع غيرها من الهيئات والأجهزة المعنية، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون25. إذًا، يمثل الفساد الإداري عقبة أمام الخدمة العامة في مصر. إن الرشوة والاختلاس والعبث بالوثائق الرسمية والابتزاز هي من بين أشكال الفساد العام التي يواجهها البلد26. وقد أثّرت ثقافة المحسوبية والمحاباة في اقتصاد مصر ومناخها الاستثماري. ويدفع الإطار القانوني الضعيف وثقافة الفساد السائدة الشركات والمكاتب العامة إلى

  1. قانون رقم 62 لسنة 1975 بشأن الكسب غير المشروع"، شبكة قوانين الشرق، 1975/7/31، شوهد في 2020/4/27، في: https://bit.ly/2S8TLvE
  2. المرجع نفسه. ذكرت منظمة الشفافية الدولية أن أشكال الفساد الرئيسة في مصر تشمل: إصدار قرارات لمصلحة مجموعة معينة بما يمثل انتهاكًا للمصلحة العامة، ونقص الشفافية في المشتريات العامة، واستلام المدفوعات/ الرشاوى مقابل تسهيل الوصول إلى الخدمات الحكومية، مثل الجمارك والضرائب، وإلى توثيق وتحديد الغرامات، وسوء استخدام أو إهدار الأموال العامة و/ أو الممتلكات العامة، ينظر: " Overview of Corruption and Anti-Corruption in Egypt," Transparency International, 5/5/2015, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2Kmvk9Q
  3. ينطبق الحظر على كل مدير أو موظف بموجب المواد 103 إلى 111 من الفصل الثاني من قانون العقوبات رقم 58 لعام 1937 وتعديلاته اللاحقة فيما يخص الرشوة، وأما اختلاس الأموال العامة فيقع تحت المواد 112 إلى 119. ولا ينحصر القانون في معاقبة المختلس فقط، بل يمضي في معاقبة كل مستخدَم يتسبب عن غير قصد في إلحاق ضرر جسيم بالكيان الذي
  4. 21 Arafa, "The Unexpected Trials of Egyptian Leaders."
  5. القانون رقم 62 لعام 1975 بشأن الكسب غير المشروع، والقانون رقم 5 لعام 1991 بشأن الوظائف المدنية القيادية في الجهاز الإداري للدولة والقطاع العام، والقانون رقم 127 لعام 1981 بشأن المحاسبة الحكومية بشأن الأموال العامة وحمايتها من الفساد، الذي يحدد القواعد التي يجب على الجهاز الإداري الالتزام بها عند تنفيذ ميزانية الدولة، والقانون رقم 53 لعام 1973 بشأن الموازنة العامة للدولة، رقم 127 لعام 1981، والقانون رقم 114 لعام 1988 القاضي بإنشاء الجهاز المركزي للمحاسبات، والقانون رقم 80 لعام 2002 بشأن مكافحة غسل الأموال وتعديلاته، والقانون رقم 35 لعام 1984 بشأن تعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية، والقانون رقم 117 لعام 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية في الإقليم المصري، وكلها تنطوي على مكافحة الفساد، ينظر: "قانون رقم 62 لسنة 1975 بشأن الكسب غير المشروع".
  6. Adly.
  7. Ibid. 25 " دستور جمهورية مصر العربية 2014"، المنظمة العالمية للملكية الفكرية، 2014، شوهد في 2020/4/27، في: https://bit.ly/2S8uSAs
  8. يعمل فيه، ينظر: "قانون رقم 58 لسنة 1937 بشأن إصدار قانون العقوبات،" شبكة قوانين الشرق، 1937/8/5، شوهد في 2020/4/27، في: https://bit.ly/3cRlx7O
  9. 26 Arafa, "The Unexpected Trials of Egyptian Leaders."

الاعتماد على الصلات القوية بأصحاب النفوذ واستخدام الواسطة في العمل، إذ يحظى ذوو الصلات القوية بمعاملة مميزة. وتجدر الإشارة إلى أن قانون العقوبات المصري يجرّم عدة أشكال من الفساد، مثل الرشوة والارتشاء وإساءة استخدام المنصب، لكن التشريعات الحالية تطبَّق على نحو خاطئ، ما يدفع المسؤولين الحكوميين إلى التصرف من دون خوف من العقاب. وتعتبر مدفوعات التيسير والهدايا جزءًا راسخًا من "إنجاز الأعمال"، على الرغم من تجريم القانون المصري لهذه الممارسات27. ينطوي قطاع الخدمات العامة في مصر على مخاطر فساد عالية للأعمال التجارية؛ إذ ينتشر الفساد الصغير والرشوة والاختلاس والعبث بالمستندات الرسمية في أوساط المكاتب الحكومية المحلية، خاصة عند محاولة الحصول على الموافقات والتراخيص الحكومية. ويُشار إلى البيروقراطية الحكومية غير الفعالة باعتبارها العامل الأساسي في فساد المناصب العامة. كما أن اللوائح التنظيمية في مصر ليست شفافة بما فيه الكفاية، وعلى الرغم من محاولات الإصلاح، فإن المصالح البيروقراطية والخاصة الراسخة قاومت التغيير28. ومع ذلك، تتسم المعايير المحاسبية والقانونية والتنظيمية بالشفافية عمومًا وتتماشى مع المعايير الدولية، لكنّ درجة المركزية العالية في الإدارة في مصر مقترنة بنقص الرقابة المالية على الميزانيات المحلية أدّت إلى إتاحة كثير من فرص الفساد على المستوى المحلي. وتنطوي إدارة الضرائب في البلاد على مخاطر فساد كبيرة للاستثمار التجاري في مصر. وهناك مخاطر فساد كبيرة عند التعامل مع إدارة الجمارك في مصر، حيث تشير الشركات إلى أن المدفوعات غير النظامية والرُشّى تحدث بتواتر أثناء إنجاز إجراءات الاستيراد والتصدير، وإلى عدم الرضا عن الوقت المتوقع لعملية التخليص وضعف كفاءتها، ما يمثّل عبئًا على حرية التجارة29. تواجه الشركات درجة عالية من خطر الفساد في قطاع المشتريات، حيث يعتقد رجال الأعمال أن الأموال العامة غالبًا ما يتحكم فيها الأفراد والشركات بسبب الفساد، ويرون أن المحاباة منتشرة على نطاق واسع بين مسؤولي المشتريات في ما يخص تأمين عقود حكومية30. وتجدر الإشارة إلى أن مصر تسجّل درجة متوسطة من الامتثال لمؤشرات الشفافية والكفاءة والتجانس، ودرجة منخفضة من الامتثال لمؤشرات المنافسة والنزاهة في قطاع المشتريات العامة، وهذا يرجع على نحو رئيس إلى انخفاض ثقة قطاع الأعمال بشفافية تنفيذ عمليات الشراء. وفي الواقع، لا تُنفَّذ التشريعات المتعلقة بالمشتريات على نحو فعال، وتشير الأدلة إلى أن الكيانات المتعاقدة تطبّق معايير الحد الأدنى فقط من الشفافية في عملية الشراء، ما يزيد من مخاطر الفساد في هذا القطاع. ولسوء الحظ، لا يوجد قانون شامل ينظم المشتريات العامة لأنها منظمة وفق القانون رقم 1998/89 بشأن العطاءات. يخضع الموظفون العموميون لقوانين إقرار الذمة المالية عند تولّ المنصب ومغادرته. ويَ نع التشريع بشأن حظر تعارض مصالح المسؤولين في الدولة أن يكون للموظف أيُّ مصلحة في المجالات التي يمارس فيها سلطته. وفي هذا الصدد، اقترح فقهاء القانون العام مراعاة العوامل التالية للقضاء على هذه الظواهر: 1. زيادة الحد الأدنى للأجور للعاملين لضمان مستويات معيشية لائقة، وقد قطعت الدولة خطوات كبيرة في هذا الاتجاه، 2. تفعيل أنظمة الرقابة الداخلية والمسؤولية الإشرافية، 3. ألّ يتعامل الموظفون مع الجمهور إلا عند ال ورررة فقط، 4. زيادة العقوبات المفروضة على هذه الجرائم وصولً إلى الفصل أو الحرمان من المعاش، 5. ضمان كفاءة الأجهزة الأمنية والإلكترونية. ربما نحتاج اليوم في مصر إلى ابتكارات سياسية، بحيث تصبح مكافحة الفساد جزءًا لا يتجزأ من مشروع الإصلاح السياسي. ولكن أكثر من ذلك، نحتاج حاليًا إلى أن تصبح النزاهة أساسًا للشرعية الأخلاقية لأجهزة الحكم، ونحتاج أيضًا إلى دعم الشرعية العامة وجعلها تحت مظلة الشرعية الدستورية والشرعية السياسية، وإضافة عملية إليهما. ومنذ وقت طويل، صدّق مجلس النواب المصري اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفسادUnited Nations Convention (2003) Corruption Against، وهذا يعني، بموجب المادة 151 من الدستور المصري لعام 2014، أنها جزء لا يتجزأ من النظام القانوني المصري، ويعني أيضًا أنها اكتسبت قوة قانونية ملزمة تتطلب التنفيذ، على المستوى الإجرائي، ومستوى سياسات الوقاية، وتحقيق معايير الشفافية والنزاهة والمساءلة31. ويبقى صحيحًا أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تثير سلسلة من المخاوف بشأن اختصاصات السيادة الوطنية للدولة. إن القانون والإرادة السياسية أمران حاسمان كلاهما في أي سياسة لمكافحة الفساد، كما أن الرؤية الاجتماعية مطلوبة، ووجودها يمهد الطريق لسيادة

  1. Ibid.
  2. Adly.
  3. Arafa, "The Unexpected Trials of Egyptian Leaders."
  4. Ibid.
  5. دستور جمهورية مصر العربية 2014". وتنص المادة المذكورة على أن "يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور".

القانون32. ويعتمد الحفاظ على التبادل الحر في الأسواق والمنافسة على وجود مؤسسات رئيسة يمكنها تثبيت حقوق الملكية المتساوية وتوزيعها، وضمان سيادة القانون ومراقبة موانع المنافسة وتضارب المصالح والاحتيال والفساد. وباختصار، ثبت أن بناء السوق يعادل بناء الدولة في حالة الاقتصادات الانتقالية33. ولم تتبع مصر هذا المسار، ويشير ضعف الترتيبات المؤسسية إلى حالة لا تملك فيها الدولة القدرة على دعم حقوق الملكية المتساوية وإنفاذ القانون (بل حتى تنتهكه على نحو ممنهج) وضبط المخالفات المتعلقة بالمعلومات وسوء استخدام السلطة.

2. تونس

في 14 كانون الثاني/ يناير 2011، وبعد أن حكم تونس أكثر من 22 عامًا، تخلّ زين العابدين بن علي (2011-1987) عن الرئاسة وهرب إلى المملكة العربية السعودية على وقع الاحتجاجات التي عمّت البلاد. كان الطغيان السياسي والفساد والبطالة وانتهاك سيادة القانون العوامل الرئيسة الملهمة للاحتجاجات34. وبعد هروب بن علي، الذي توفي في 19 أيلول/ سبتمبر 2019، تحركت الحكومة بسرعة لمقاضاته ومقاضاة زوجته ليلى الطرابلسي بتهم مختلفة تتعلق بالفساد المالي الهائل. وفي حزيران/ يونيو 2011، حكمت محكمة جنائية تونسية على بن علي وزوجته غيابيًا بالسجن 35 عامًا بتهمة الرشوة واختلاس وتبديد الأموال العامة، وفرضت عليهما أيضًا غرامة قدرها 65 مليون دولار أميركي35. وعلاوة على ذلك، صادرت الحكومة أصولً من 110 من أفراد عائلة بن علي، واستحدثت لجنة مهمتها استعادة الأصول المهربة إلى مختلف أنحاء العالم36. وعلى الرغم من هذا التقدم، فإن التونسيين الشباب يساورهم القلق من أن تمثل الانتفاضة فرصة أخرى للمسؤولين السياسيين والحكوميين الفاسدين للمضي في سوء استخدام السلطة، وينظرون بحذر إلى السياسة والنخب الحالية37. ويعد الفساد، ولا سيما المالي والسياسي، مصدر قلق للشباب التونسيين، حيث أظهر استطلاع رأي أجراه المعهد الديمقراطي الوطني أن نصيحتهم الأساسية للحكومة لا تتعلق بالإصلاح الدستوري، بل بالفساد والبطالة38. كان اتساع نطاق الفساد في عهد بن علي أحد العوامل الرئيسة التي غذّت الاضطرابات في أوساط الشعب التونسي، وأدت في نهاية المطاف إلى "ثورة الياسمين" في عام 2011. إن "دمقرطة الفساد" تعرّض العملية الانتقالية في تونس للخطر، وتمسّ كل مستوى من مستويات الأنظمة الاقتصادية والسياسية والأمنية للبلاد. وقد أخذ ذلك في الاعتبار في المادتين 10 و 130 من الدستور التونسي لعام 2014، حيث اعتبُرت مكافحة الفساد هدفًا وطنيًا. ومع ذلك، لا يزال الفساد مستشريًا في تونس، فالمقارنة الإقليمية الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية في مؤشر مدركات الفساد ما زالت تضع البلاد في مرتبة متوسطة. وفي عام 2011، تم إنشاء وكالة بالغة الفاعلية لمكافحة الفساد، هي الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بهدف معالجة الفساد الإداري، لكن الموارد المالية والبشرية التي بتصرفها محدودة، كما أنها ليست مستقلة تمامًا عن الحكومة39. وإضافة إلى ذلك، أُقرّت تشريعات لمكافحة الفساد، بما في ذلك قانون يحمي المبلِّغين، ويعالج مسائل غسل الأموال وأفعال الغش والاحتيال من خلال استحداث تدابير ملموسة، يمكن على سبيل المثال أن تأمر بالقبض على كثير من الموظفين العموميين المتهمين بالفساد في مجال الخدمة العامة40. وعلى المنوال نفسه، وافق البرلمان التونسي على قانون لمكافحة الإثراء غير المشروع، وهي خطوة تهدف إلى تعزيز مكافحة الحكومة للفساد على نطاق واسع، وضمان الشفافية، والحفاظ على الأموال العامة للبلاد. ويُجبر القانون الرئيس والوزراء وكبار المسؤولين في القطاع العام والهيئات المستقلة والبنوك والقضاة وقوات الأمن والصحافيين والنقابات على التصريح بالمكاسب

  1. Arafa, "The Unexpected Trials of Egyptian Leaders." إذا كان السعي إلى تخليص مصر من التخلف، فيجب إجراء دراسة دقيقة لأسبابه بهدف تحديد الدور الأمثل للجمهور العام قبل دور الحكومة في تنظيم النشاط الاقتصادي ومكافحة الفساد والرشوة. ويتحقق هذا الطموح بالتخلي عن الوصفات الليبرالية الجديدة ووضع سياسات قانونية مجدية وإنفاذها.
  2. Edward C. Banfield, "Corruption as a Feature of Governmental Organization," The Journal of Law & Economics , vol. 18, no. 3 (1975).
  3. Silvia Colombo et al., "The Tunisian Revolution: An Opportunity for Democratic Transition," Istituto Affari Internazionali, Working Papers , no.
  4. David D. Kirkpatrick, "Tunisia Liberals See a Vote for Change, Not Religion," The New York Times , 25/10/2011.
  5. Joe Palazzolo, "Tunisia Hires Ace to Track Down Ben Ali's
  6. يوضح الكاتب أن الشباب "لديهم مخاوف بشأن أفراد وأحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني الذين يحاولون الاستفادة من الثورة لتحقيق مكاسب شخصية"، ينظر: Nicholas Collins, "Voices from a Revolution: Conversations with Tunisia's Youth," The National Democratic Institute & EMRHOD Consulting (2011). 38 Ibid.
  7. 1102 (January 2011).
  8. Marwan Muasher, Marc Pierini & Fadil Aliriza, "Capitalizing on Tunisia's Transition: The Role of Broad-Based Reform," Carnegie Endowment for International Peace, 15/11/2016, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2VIBOVK 40 انتشر الفساد في جميع القطاعات، بما في ذلك الأمن والعطاءات العامة والرعاية الصحية.
  9. Assets," The Wall Street Journal , 24/10/2011, accessed on 21/4/2020, at: https://on.wsj.com/2KpV05e

والمصالح، والسماح للمجموعة الوطنية بالتحقق من الثروة المجهولة المصدر التي تُجنى بطريقة غير مشروعة41. ومع ذلك، فإن العملية الانتقالية في البلاد لم تكتمل، وبغضّ النظر عن الشرخ المتزايد بين الشعب التونسي وحكومته، هناك قضية واحدة يمكن أن يتفق عليها الجميع، وهي الحاجة إلى القضاء على الفساد. وفي هذا الصدد، عززت دول الاتحاد الأوروبي العلاقات مع الحكومة التونسية والمجتمع المدني بشأن مجموعة من القضايا، بما في ذلك الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني42. واستحدثت الحكومة منذ عام 2012 سلسلة من اللجان المستقلة للتحقيق في الفساد واستعادة الأصول المسروقة، ودمجت الجرائم الاقتصادية في مسار العدالة الانتقالية في البلاد، واعتمدت العديد من القوانين الرامية إلى مكافحة الفساد الإداري، وأسست خلايا الحوكمة الرشيدة داخل كل مؤسسة عامة43.

في الاقتصاد الفاسد، يكون لكل معاملة اقتصادية ضريبة فساد؛ مبلغ من المال يُسدَّد بعيدًا عن أنظار الدولة. وتردع المستويات العالية من الفساد استثمارات القطاع الخاص التي تكون الحاجة إليها ماسّة، وتؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين الأجانب والمحليين، وتخلق مخاطر لا داعيَ لها للشركات44. ويقلل الفساد الشامل عادة من جودة المؤسسات الحكومية، خاصة في مجال الروتين الوظيفي، إذ يألف الموظفون الانخراط في الأداء الفاسد، ويصبح من الأصعب تنفيذ سياسات عامة تصبّ في مصلحة الدولة والمواطنين45. كما أن جودة الخدمات الإدارية تزداد سوءًا، حيث يهدد الفساد الإداري الأمن على نحو مباشر عبر إتاحة الفرص للمهربين والمتاجرين بالأسلحة والمخدرات والبشر لإدخال البضائع غير المشروعة إلى البلاد46. وبناء عليه، يُطرح السؤال التالي: كيف يُعالج الفساد؟ اتخذت الحكومة التونسية والمجتمع المدني العديد من المبادرات الرامية إلى مهاجمة الفساد، وخاصة في الخدمة العامة. وأنشئت العديد من الهيئات الرسمية وغير الرسمية منذ عام 2011 للتعامل مع المخالفات التي ارتكبت في الماضي ودرئها في المستقبل، وصدرت قوانين عديدة للوقاية من الفساد أو معاقبة الأشخاص والكيانات الفاسدين. ومع ذلك، فإن هيئات مكافحة الفساد الرئيسة تفتقر إلى الموارد المالية والبشرية لتنفيذ مهماتها. والعديد من القوانين إما لم تُنفَّذ وإما لا تؤمّن آليات مساءلة كافية لردع السلوك الفاسد على نحو فعال. تستخدم تونس العديد من الأجهزة التشريعية للتصدي للفساد السابق وردع النشاط الفاسد مستقبلً. وعلى الرغم من أن القانون الانتخابي لعام 2011 (المرسوم 1089) ليس مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالفساد، فقد منع بعضَ المسؤولين السابقين من الترشح للمناصب العامة47. ومن أهم التدابير الحكومية في المجال الاقتصادي إنشاء لجنة المصادرة بموجب المرسوم 13-2011 في 14 آذار/ مارس 201148. ويُضاف إلى ذلك تعيين مسؤولي مكافحة الفساد في خلية للحوكمة الرشيدة في كل مؤسسة عامة، بما في ذلك كل الوزارات، لضمان أن تصبح تدابير مكافحة الفساد جزءًا لا يتجزأ من أجهزة الحكومة49. كما أُقرت تشريعات عديدة (أو يجري تطويرها) تتناول جوانب معينة من الفساد، بما في ذلك القوانين المتعلقة بالرشوة

  1. تشمل العقوبات المفروضة على الإثراء غير الم وررع الغرامات والسجن مدة خمس سنوات.
  2. 42 Bob Rijkers, Caroline Freund & Antonio Nucifora, "All in the Family: State Capture in Tunisia," World Bank (March 2014).
  3. مروان المعشّ وسارة يركيس، "عدوى الفساد في تونس: المرحلة الانتقالية في
  4. Sarah Chayes, "Corruption is Still Tunisia's Challenge," Los Angeles
  5. Ibid.
  6. إن الضوابط الحدودية المتساهلة الناتجة من الرشوة يمكن أن تجعل غسل الأموال أسهل، ويمكن أن تدعم انتشار الإرهاب. ويمكن التونسيين العبور إلى ليبيا للتدريب لدى الدولة الإسلامية التي أعلنت نفسها أو غيرها من المنظمات الإرهابية، والذهاب إلى العراق وسورية، ويمكنهم العبور إلى ليبيا للتحضير للهجمات على الأراضي التونسية، ينظر: Hamza Meddeb, "Peripheral Vision: How Europe Can Help Preserve Tunisia's Fragile Democracy," European Council on Foreign Relations, 13/1/2017, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/3cD7G4O
  7. 47 " Tunisia: Transitional Justice and the Fight Against Corruption," International Crisis Group, Report , no. 168, 3/5/2016, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/3cxZkLZ
  8. " Lost Billions: Recovering Public Money in Egypt, Libya, Tunisia and Yemen," Transparency International, 17/5/2016, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2wUDfYM 49 Ibid.
  9. Times , 10/6/2012.

والوصول إلى المعلومات والإبلاغ عن الفساد وحماية المبلِّغين50. وتمت الموافقة على تشريع جديد يتطلب الإفصاح العلني عن الدخل والأصول، ويجرّم المكاسب غير المشروعة وتضارب المصالح. واعتمدت تونس أيضًا العديد من التدابير الإلكترونية لمنع الفساد، رسميًا ومن خلال المجتمع المدني، بما في ذلك بوابة الموازنة المفتوحة وموقع على الإنترنت اسمهMarsoum (مرسوم) أنشئا لتمكين المواطنين من طلب الوثائق العامة مباشرة51. وفي عام 2014، انضمت تونس أيضًا إلى شراكة الحكومة المفتوحة، وهي مبادرة متعددة الأطراف تهدف إلى ضمان التزامات ملموسة من الحكومات لتعزيز الشفافية، وتمكين المواطنين، ومكافحة الفساد، وتسخير التكنولوجيات الجديدة لتعزيز الحوكمة52. وأُحدث، أيضًا، القطب القضائي الاقتصادي المالي من خلال مذكرة وزارية للتحقيق في قضايا الفساد وعقد المحاكمة بشأنها والفصل فيها، وتُ نح المحكمة بموجبه اختصاصًا في الجرائم الاقتصادية والمالية المتشعّبة، واعتبُر هيئةً قضائية من خلال القانون الأساسي

وقد بُذلت الجهود لتوفير العدالة لضحايا الفساد إبان فترة ما قبل الثورة من خلال عملية العدالة الانتقالية الرسمية في تونس. هذه العملية فريدة من نوعها من حيث إنها "أول عملية تعترف رسميًا بالأضرار الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها انتهاكات تستدعي العدالة والتعويض المادي"53. وأُنشئت اللجنة الوطنيّة لتقصّ الحقائق حول الرّشوة والفساد، للتعامل مع قضايا الفساد واختلاس الأموال العامة من طرف الموظفين العموميين السابقين. وكانت اللجنة مستقلة ماليًا وإداريًا ضمت خمسة عشر عضوًا اختارتهم لجنة برلمانية. وكانت مخولة بالحكم وتنفيذ العقوبة الجنائية عن الجرائم الاقتصادية الماضية. وإجمالً، توفر التدابير القانونية التونسية إطارًا قويًا لمكافحة الفساد، لكن العديد منها لم يُنفَّذ أو يُفعَّل بالكامل. وما زال من السابق لأوانه تقييم ما إذا كان تنفيذ هذه القوانين سيكون فعالً في ردع الفساد. وعلى الرغم من أوجه التقدم هذه في مكافحة الفساد في تونس، لا يزال هناك الكثير مما يجب عمله على مستوى السياسات؛ فيخشى العديدون من أن الحكومات التونسية تفتقر إلى القدرات والسلطة اللازمة للتصدي للفساد بقوة وفاعلية. وعلاوة على ذلك، فإن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي اعتمدتها الحكومة التونسية لم تكن عملية. ولا يزال القضاء يعاني ضعفًا في الموارد المالية والبشرية، إلى جانب عدم الاستقلالية الذي بدوره يُضعف قدراته على مكافحة الفساد على نحوٍ احترافي. ونتيجة لهذه الاعتبارات، دعا التونسيون، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، إلى أن يحتوي دستور البلاد الجديد لعام 2014 فقرة تضمن الشفافية والحكومة المفتوحة54. وسوف تبيّ الأيام ما إذا كان متاحًا مصادرة المكاسب والأموال غير المشروعة التي حصل عليها بن علي وإعادتها إلى تونس والتونسيين، وما إذا كانت الحكومات التونسية ملتزمة بالنزاهة والشفافية والمساءلة التي يرغب فيها ناخبوها بشدة. ويُوصى بقوة بزيادة الوعي العام بالفساد والممارسات الفاسدة في بيئة الفرد المباشرة بين موظفي الإدارات الإقليمية والمحلية، والممثلين المنتخبين للسلطات الإقليمية والمحلية، ومنظمات المجتمع المدني والمواطنين على المستوى المحلي.

خاتمة وتوصيات سياساتية: المستقبل والطريق إلى الأمام

إن المشاركة والشفافية والمساءلة ثلاث ركائز مترابطة في عملية الحوكمة الرشيدة. وتتطلب المساءلة العامة كلً من التدابير القانونية - الهيكلية الأساسية والتنفيذ الحقيقي لها. فمن حيث الإجراءات القانونية والهيكلية، اتخذت غالبية الدول خطوات نحو مكافحة الفساد الإداري. ففي مصر، على سبيل المثال، تعمل هيئة الرقابة الإدارية ووزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري جنبًا إلى جنب مع الجهاز المركزي للمحاسبات لهذا الغرض. وبصفة عامة فإن تطبيق المساءلة، كما تشير التجارب الوطنية، لا يزال قيد التنفيذ وفي الطريق إلى الأمام. ويبدو أن تقاليد الدولة المركزية، وإجراءات الشفافية غير الكافية، وعدم كفاية الإرادة والتصميم من جانب المواطنين، والسيطرة السياسية على الهيئات البيروقراطية، إلى جانب قنوات المعلومات غير السليمة وما يخص العمل الهادف وإجراءات التنفيذ، لا تزال مشكلات مشتركة تعوق المساءلة العامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومع ذلك لا يزال الأمل في المستقبل.

  1. Meddeb.
  2. Amna Guellali, "The Law That Could Be the Final Blow to Tunisia's Transition," Middle East Eye , 23/5/2017, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2Vowx6H
  3. Tunisia: Transitional Justice and the Fight Against Corruption."
  4. Ibid.
  5. Roslyn Warren et al., "Inclusive Justice: How Women Shape Transitional Justice in Tunisia and Colombia," Georgetown Institute For Women, Peace and Security, Report (June 2017).
  6. Hanen Keskes, "Constituent Assembly Members Vote in Favor of Transparency," All Africa , 7/1/2012, accessed on 21/4/2020, at: https://bit.ly/2ziU9RO

وبالنسبة إلى العديد من الدول، تكمن المشكلة في توليد أو إطلاق غضب شعبي على الفساد وعلى الفشل في التعامل معه. ويمكن أن يصبح الجمهور سلبيًا إذا اعتقد أن الفساد الإداري جوهري في طبيعة عمل الحكومة، وأن الدولة تمضي في طريقها ولا تستجيب للمطالب العامة، وأن كل شخص في حياته الخاصة أو العامة يسعى إلى مصلحته فحسب، وأن التواطؤ ممارسة معتادة في عمل الحكومات. وتغدو هذه وجهات نظر ذاتية التحقق، لأنها تقتل المطالبة السياسية باعتماد الجدارة والأخلاقيات لتجعلها مجرد شأن بسيط، وتؤدي إلى تراجع الحماسة والأمل لدى الجمهور. وعلى أي حال، فمن دون مطالبة علنية قوية باتخاذ إجراءات صارمة ضد الفساد، لن يتصرف الزعماء السياسيون ضده، ويؤدي هذا التقاعس إلى تعزيز شكوك العامة. وإذًا، تستمر هذه الحلقة المفرغة. إن أي حكومة تريد نبذ هذه الشكوك وتحفيز مطالب الجمهور باعتبارها الضمان النهائي للإجراءات الحاسمة ضد الفساد، يتعين عليها أن تبادر بتحركات لافتة تخلق الأمل. لكن من غير المرجح أن تصل التحولات الداخلية وعمليات إعادة الهيكلة إلى هذه النتيجة، حيث يُرجَّح أن يعتقد الجمهور أنها مخصصة للاستعراض فحسب. ففي كثير من الأحيان، يكون من الضروري توجيه اتهامات ضد كبار المسؤولين العموميين الفاسدين والعمل على نحو مكثف على معالجة هذه التّهم بعيدًا عن السيطرة السياسية، وترك الأمر للخبراء القضائيين والنيابات المختصة. هناك، أقلّه نظريًا، اهتمام عام كبير بموضوع الفساد والتستر عليه. وهذا يتضح على نحو مطّرد في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة واليابان، ويصدق أيضًا على أميركا اللاتينية. وقد تحيط بهذا الاهتمام مخاوف شديدة من وقوع الحرب أو حدوث الكساد، لكن الأرجح أن يكون مؤثرًا جدًا في معظم الأوقات. ولا يمكن القضاء على هذا الاهتمام إلّ إذا شاعت اللامبالاة على نحو واسع. ويقع على عاتق القادة السياسيين واجب أساسي يتمثل في تجنّب شيوع هذه اللامبالاة والحرص على انخراط الدولة وتوافر الشعور بوجود المساءلة العامة، فهذا هو الشرط الأساسي النهائي لمكافحة الفساد، ولا سيما الفساد الإداري. اقترح بعض المفكرين أن أهمية مطالبة المواطنين، بعد الربيع العربي، بالشفافية والمسؤولية خاصة في وجود سياسات دولة قوية لا تقلّ أهمية عن المطالبة بالحريات. وعلاوة على ذلك، يواجه قطاع الإدارة والتنظيم الحديث تحديات أخلاقية من قبيل الفساد والرشوة تتجاوز حدود الدولة، وتسبب مشكلات مثل تهديد السلام والأمن والنمو الاقتصادي والاستدامة البيئية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. بدأ التنظيم الأخلاقي للإدارة العامة مع تصديق مختلف الاتفاقيات الدولية، بما في ذلك اتفاقيتا القانون المدني والقانون الجنائي بشأن الفساد الأوروبيتان، إلى جانب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. ويجب على كل دولة في الشرق الأوسط أن تسنّ تشريعًا لإنشاء مجلس أخلاقيات، بحيث يكون الأساس القانوني للتنظيم الأخلاقي للإدارة العامة. وقد أفاد مؤشر مدركات الفساد الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية بأن التدابير والعقوبات الهيكلية القانونية ثبت أنها غير كافية في مكافحة الفساد في المنطقة. وتجدر الإشارة إلى أن الاستخدام الصحيح للمثُل الأساسية، مثل التميز والنزاهة والصدق والحياد والشفافية والعدالة والمساواة، يساعد المسؤولين الحكوميين على تعزيز انتمائهم إلى المجتمع من خلال تقديم الخدمات العامة بكفاءة. ويجب على الحكومات، أيضًا، الوفاء بواجباتها والتزاماتها تجاه الموظفين العموميين وتقديم الدعم والخدمات اللازمة للمحافظة على القيم الأخلاقية والمهنية في تقديم الخدمة العامة، باعتبار أن من شأن تضافر العلاقات المتبادلة ما بين الحكومة وموظفي الخدمة المدنية مع التنفيذ الصارم للقواعد والجزاءات أن يعمل على ليّ عنق الفساد. يتأثر الوضع القانوني للأخلاقيات في الإدارة العامة في الوطن العربي بثقافة المحسوبية والواسطة. وخلال انتفاضات عام 2011، كانت حالة الفساد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موضع تدقيق المواطنين، لكن الموضوع بقي على الرف بعد ذلك، وهذا يشجع على المزيد من مأسسة الفساد. ولأجل تحسين الوضع، كما اقترحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا مناص من تعزيز ثقافة النزاهة والأمانة في الخدمة المدنية، من بين أمور أخرى، واعتماد مدونة أخلاقيات في عمل الموظفين العموميين، وتطبيقها. وإجمالً، يعدّ إصلاح الحكم العام (إعادة التأسيس) الطموح السياسي الرئيس. والدافع إلى ذلك، بدرجات متفاوتة، إنشاء هيكلية وعمليات إدارية - سياسية أكثر فاعلية واستجابة، لتكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وتعزيز التنمية الاقتصادية، وخلق فرص العمل، وتوسيع نطاق رضا الجمهور عبر التفاعل مع آمال المواطنين المتزايدة. ومع ذلك، فقد ثبت عمومًا أن هذا التحول صعب الإنجاز، لأنه يهدد مصالح النخب المؤثرة أو يصطدم بالبيروقراطيات الكبيرة والمتشعبة الحالية أو بالتقاليد الاجتماعية والثقافية المزمنة. يعد القطاع العام في معظم بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذراع الرئيسة للحكم، وإن بدرجات متفاوتة. والقطاع العام في هذه البلدان ضخم، وربما منتفخ، ومتشعب جدًا، ومتعدد الطبقات بالتأكيد، وذو طابع رسمي ومركزي إلى حد بعيد، ويعتمد الإدارة التراتبية القائمة على الأوامر والسيطرة. وتجدر الإشارة إلى أن

البيروقراطيات العامة هي ربّ العمل المفضل، لأنها توفر وظائف مضمونة في أوضاع أفضل من تلك المعروضة في القطاعات الأخرى، وتتسم عمليات إعداد الميزانيات الحكومية بالمركزية. وتفضل الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عمومًا الإبقاء على الطريقة التقليدية القديمة في إعداد الميزانيات، أي ميزانية البنود، ذلك لأن الاستقرار السياسي يستلزم بنية متينة جوهرها علاقة الراعي – الزبون، تعوّل على مخصصات الميزانية بحيث تضمن منافع لمجموعات اجتماعية محددة. وهذا لا يعني أن إصلاح القطاع العام كان بعيدًا عن التفكير والسعي له. ففي مصر، على سبيل المثال، تعيّ أن يترافق إصلاح الإدارة العامة بهدف محدد هو امتلاك هيكل إداري أكثر فاعلية واستجابة، ولكنّ العديد من هذه التحولات لم يكتمل، على الرغم من ورودها المتكرر في البيانات الرسمية ووثائق الدولة.

ومن ثمّ، يوصَ في بلدان المنطقة بتطبيق ما يلي: لامركزية حكومية كبيرة، والسماح التدريجي للهيئة التشريعية بمراجعة الإدارة العامة، وتبنّي فلسفات تنظيمية جديدة في الإدارة العامة تحسِّن عملية تقديم الخدمات العامة، إلى جانب إدخال رسوم المستخدِم في الخدمات العامة، واعتماد الميزانية القائمة على الأداء. كذلك، تتزايد الأدلة على دور الحكومة الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تحسين عمليات الإدارة العامة بما يحقق الكفاءة في تقديم الخدمات ويوسِّع نطاق النمو الاقتصادي في البلدان المتقدمة والنامية. وعلى أي حال، يجب أن يكون تقديم الخدمات عبر الإنترنت كميًّا ونوعيًّا في بؤرة الاهتمام، بحيث ننتقل من تقديم الخدمات عبر الإنترنت إلى بناء مجتمع عادل، شرق أوسط "جديد". وعلى الرغم من كلّ هذه القيود، تستطيع الحكومات الحالية أن تتخذ العديد من الإجراءات لمعالجة الفساد، مما لا يتطلب جهودًا أو موارد هائلة، مثل تنفيذ القوانين القائمة وتمكينها وإزالة الطابع الشخصي عن عمليات مكافحة الفساد. أمّا المهمات الأخرى، مثل رقمنة العمليات الحكومية، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وابتكار استراتيجيات خروج مستدامة من الاقتصاد غير الرسمي، فتلك مساعٍ طويلة الأمد تتطلب موارد مالية ضخمة ومساعدة كبيرة من المجتمع الدولي. وتحتاج كل هذه التوصيات إلى إرادة سياسية حقيقية تفتقر إليها المشاعر العامة. إن التشاركية بين الحكومة والمجتمع المدني واحدة من أكثر الطرق فاعليةً في درء الفساد على المديين القصير والبعيد. وقد أثبت المجتمع المدني أنه مكرس لهذه المعركة. ويستطيع المجتمع المدني، بتمويل مناسب من المجتمع الدولي، أن يدفع الحكومة إلى فرض الإطار القانوني الحالي وتنفيذه والعمل مع القطاع الخاص لتطوير أدوات لرقمنة العمليات الحكومية. وينبغي للحكومتين المصرية والتونسية: تمكين القوانين القائمة باعتبار أن الإطار القانوني السائد مناسب لمكافحة انتشار الفساد، وتنفيذه، مع أن العديد من القوانين لم تنفَّذ. إنفاذ قوانين التصريح بالممتلكات على النحو المنصوص عليه في الدستور، بحيث يُطلب من الموظفين العموميين التصريح بممتلكاتهم عند توليهم وظائفهم. الإسراع في إنجاز التحولات لضمان وجود هيئة قضائية مستقلة تمامًا تساعد في إنفاذ التشريعات القائمة. نزع الطابع الشخصي عن مكافحة الفساد، إذ ينبغي للحكومة أن تركز جهود مكافحة الفساد على العمليات، وليس على الأفراد، لضمان أن تكون تدابير مكافحة الفساد طويلة الأمد ومستدامة. وفي حين تكون المحاكمات الجنائية الأولية في ظل الحرب على الفساد مهمة لإرسال إشارة إلى الجهات الفاعلة الأخرى غير الشريفة مفادها أن الفساد لن يتم التسامح معه، فإنه يجب على أي سياسة مستدامة لمكافحة الفساد تفكيك الهياكل التي سمحت بالفساد. رقمنة العمليات الحكومية بمساعدة القطاع الخاص والمجتمع الدولي، وينبغي للحكومة أن توفر الوصول الإلكتروني إلى الخدمات العامة على الصعيدين المحلي والوطني، وهذا يساعد في تحديث الإجراءات البيروقراطية وتقويض فرص الرشوة على كافة المستويات العامة.

تعزيز المبادرة الرقمية من خلال المبادرة إلى رقمنة القطاعين العام والخاص، وتوفير الإنترنت في كل منزل، وخلق كثير من فرص العمل. استخدام نظام تحديد الهوية على الإنترنت للمساعدة في محاصرة القطاع غير الرسمي، بما يساعد الحكومة على تعويض إيرادات الضرائب المفقودة ومساعدة الأشخاص المهمشين على تلقي الخدمات الاجتماعية. الاستثمار بكثافة في مكافحة الفساد في المناطق الحدودية بمساعدة كبيرة من المجتمع الدولي. وأخيرًا، مواصلة تعزيز دور المجتمع المدني وضمان وجود إعلام حر ودعم منظمات الرقابة على المستوى المحلي وتوسيع نطاقها مع البدء في تطبيق اللامركزية. لا شك في أن الإدارة العامة المختلة وظيفيًا والحوكمة السيئة يسيران جنبًا إلى جنب، لكنْ يُطرح السؤال التالي: هل تغدو الحوكمة الرشيدة عابرة بعد امتلاك إدارة قوية للدولة؟ يمكن بالتأكيد لمجموعة من مؤسسات الدولة القوية أن تقدم نتائج حكيمة في صنع القرار والسياسات العامة والخدمات العامة التي تعود بالنفع على المجتمع، ولكنها قد تنحو إلى الطغيان أيضًا، ما يؤدي إلى الحدّ من جودة الحوكمة المجتمعية. إن القضايا المطروحة تتعلق بدور كل من الحوكمة الصحيحة والملائمة للدولة، والسوق، والمجتمع المدني، جنبًا إلى جنب مع المواطنين. وإن كيفية إقامة توازن متين بينهم تؤثر في طبيعة الحوكمة المشتركة والإدارة العامة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. اتخذت مصر وتونس خطوات ممنهجة للتصدي للفساد. ومع ذلك، يجب أن تؤدي هذه الخطوات إلى تناقص الفساد، كي يقتنع الناخبون بأنهما يسيران في طريق الديمقراطية وسيادة القانون. وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى مستويات الفساد المرتفعة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يجب على الحكومات في هذه المنطقة أن تنظر إلى أبعد من العالم العربي والإسلامي بحثًا عن نماذج يحتذى بها في تظهير القضية. وتقدم العديد من الدول أمثلة رائعة على الثقافات الديمقراطية التي تدعمها وكالات حكومية فعالة تتمتع بسلطة تقصي الفساد على نحو مستقل عن أجهزة الأمن. إن العلوم الاجتماعية، والهيئات القانونية الدولية، والرأي العام، يرى جميعها أن مكافحة الفساد لصيقة بمسار بناء الديمقراطية، ويجب على قيادات الربيع العربي أن تتعامل معه على هذا النحو.

المراجع

العربية

"دستور جمهورية مصر العربية 2014". المنظمة العالمية للملكية الفكرية. 2014:. في https://bit.ly/2S8uSAs المعشّ، مروان وسارة يركيس. "عدوى الفساد في تونس: المرحلة الانتقالية في خطر". مركز كارنيغي للشرق الأوسط. دراسة. 2017/11/10:. في https://bit.ly/2VDPpyW "قانون رقم 10 لسنة 2009: تنظيم الرقابة على الأسواق والأدوات المالية غير المصرفية". الجريدة الرسمية. العدد 9. آذار/ مارس 2009. ف:ي https://bit.ly/359fB7v "قانون رقم 62 لسنة 1975 بشأن الكسب غير المشروع". شبكة قوانين الشرق. 1975/7/31:. في https://bit.ly/2S8TLvE "قانون رقم 58 لسنة 1937 بشأن إصدار قانون العقوبات". شبكة قوانين الشرق. 1937/8/5:. في https://bit.ly/3cRlx7O

الأجنبية

"Lost Billions: Recovering Public Money in Egypt, Libya, Tunisia and Yemen." Transparency International. 17/5/2016. at: https://bit.ly/2wUDfYM "Overview of Corruption and Anti-Corruption in Egypt." Transparency International. 5/5/2015. at: https://bit.ly/2Kmvk9Q "Tunisia: Transitional Justice and the Fight Against Corruption." International Crisis Group. Report. no. 168. 3/5/2016. at: https://bit.ly/3cxZkLZ Adly, Amr Ismail. "Politically-Embedded Cronyism: The Case of Post-Liberalization Egypt." Business and Politics. vol. 11, no. 4 (December 2009). Arafa, Mohamed A. "The Unexpected Trials of Egyptian Leaders: Is it a Question of Law or Politics?" US China Law Review Journal. vol. 12, no. 6 (2015). Banfield, Edward C. "Corruption as a Feature of Governmental Organization." The Journal of Law & Economics. vol. 18, no. 3 (1975). Collins, Nicholas. "Voices from a Revolution: Conversations with Tunisia's Youth." The National Democratic Institute & EMRHOD Consulting (2011). Colombo, Silvia et al. "The Tunisian Revolution: An Opportunity for Democratic Transition." Istituto Affari Internazionali. Working Papers. no. 1102 (January 2011). Meddeb, Hamza. "Peripheral Vision: How Europe Can Help Preserve Tunisia's Fragile Democracy." European Council on Foreign Relations. 13/1/2017. at: https://bit.ly/3cD7G4O Muasher, Marwan, Marc Pierini & Fadil Aliriza. "Capitalizing on Tunisia's Transition: The Role of Broad- Based Reform." Carnegie Endowment for International Peace. 15/11/2016. at: https://bit.ly/2VIBOVK Parker, David & David S. Saal. International Handbook on Privatization. Cheltenham, UK: Edward Elgar Pub, 2005. Rijkers, Bob. Caroline Freund & Antonio Nucifora. "All in the Family: State Capture in Tunisia." World Bank (March 2014). Sharp, Jeremy M. "Egypt in Transition." Congressional Research Service. 18/11/2011. at: https://bit.ly/2zdpHZ7 The Egyptian Arabic Republic. National Legislative Bodies. National Authorities. "Constitution of the Arab Republic of Egypt." 18/1/2014. at: https://bit.ly/2RWNYZY Warren, Roslyn et al. "Inclusive Justice: How Women Shape Transitional Justice in Tunisia and Colombia." Georgetown Institute for Women, Peace and Security. Report (June 2017).