الجيوبوليتيك الكونفوشيوسي: تصوّرات الصين الجيوبوليتيكية للحرب الأميركية على الإرهاب

"Confucian Geopolitics: Chinese Geopolitical Imaginations of the US War on Terror"

كمال بوناب| Kamel Bounab *

الملخّص

​عنوان الكتاب: الجيوبوليتيك الكونفوشيوسي: تصوّرات الصين الجيوبوليتيكية للحرب الأميركية على الإرهاب. عنوان الكتاب في لغته: Confucian Geopolitics: Chinese Geopolitical Imaginations of the US War on Terror المؤلف: نينغ أن Ning An. الناشر : Springer Nature Singapore Pte Ltd. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات: 194 صفحة.

Abstract

​عنوان الكتاب: الجيوبوليتيك الكونفوشيوسي: تصوّرات الصين الجيوبوليتيكية للحرب الأميركية على الإرهاب. عنوان الكتاب في لغته: Confucian Geopolitics: Chinese Geopolitical Imaginations of the US War on Terror المؤلف: نينغ أن Ning An. الناشر : Springer Nature Singapore Pte Ltd. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات: 194 صفحة.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

المؤلف: نينغ أن.Ning An.Springer Nature Singapore Pte Ltd الناشر: سنة النشر:.2020 عدد الصفحات: 194 صفحة.

عنوان الكتاب: الجيوبوليتيك الكونفوشيوسي: تصوّرات الصين الجيوبوليتيكية للحرب الأميركية على الإرهاب.Confucian Geopolitics: Chinese Geopolitical Imaginations of the US War on Terror عنوان الكتاب في لغته:

مقدّمة

يفترض مؤلف الكتاب نينغ أن، بدايةً، أنّ الدراسات الجيوبوليتيكية في الصين قد ارتبطت بالنظرة المهيمنة التي روّجت لها الأوساط الأكاديمية الغربية، وأنّ الحاجة تستدعي رصد الأصوات والمواقف النقدية من الداخل في كلّ ما يستأثر بفحص تأثير الخاصية المكانية في ممارسة السلطة. وفي ذلك اعتمد الباحث على الجيوبوليتيك النقدية إطارًا نظريًا والجيوبوليتيك غير الغربية بوصفها إطارًا تجريبيًا. وتعاني الأولى مجموعة قيود أنطولوجية وإبستيمولوجية، كتركيزها إمبريقيًا على الفضاءات الغربية واهتمامها بتحليل النصوص والخطابات الإعلامية بدلً من الجمهور الذي يستهلك هذه النصوص، بمن فيهم جمهور القرّاء والنّقاد. يطرح المؤلف سؤالً أساسيًا: لماذا يُعتبر البحث التجريبي من منظور الحرب الأميركية على الإرهاب مهمًّ؟ وبعد أن يشير إلى الفجوات المعرفية التي تنجم عن الرؤية بعدسات غير غربية، يُتبع الاستفسار السابق بتساؤلات فرعية، منها: ما وجهات نظر الصين تجاه الحرب الأميركية على الإرهاب؟ ولماذا تُعتبر دراسة المنظور الصيني مهمّة؟ تأثّرت تصوّرات الصين عن الإرهاب بثلاثة أنماط من الجيوبوليتيك؛ يختصّ النّمط الأول بالجيوبوليتيك ما بعد الاستعمارية التي ترسم حدودًا بين فضاء الخاص (الغرب) وفضاء الآخر (باقي الأماكن). يرمز النمط الثاني إلى جيوبوليتيك التابع التي تشدّ الانتباه إلى ما يتعرّض له المهمّشون من ممارساتٍ يفرضها المهيمن جغرافيًا. أمّا النمط الثالث فيدلّ على الجغرافيا غير الغربية، وهي فكرة أكثر عمومية من سابقتَيها، لا تقدّم تقسيمً ثنائيًا متعارضًا ولا تؤكّد على علاقات القوة غير المتكافئة. وبما أنّ الصين ذات أهمية متزايدة في السياسة الدولية، ولا تقع في سياقٍ ثانوي، ولا هي بالدولة الهامشية أو المهجورة، فإنّ تركيز البحث سينصبّ على هذا النمط من الجيوبوليتيك. يستهدف الباحث دراسة المجتمع الصيني بطريقتين معهودتين في علم الاجتماع؛ من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى. ويركّز على تحليل أصوات نخب الدولة وأصوات الجماهير غير الحكومية. وتنقسم هذه الأخيرة بدورها إلى فئتين: الطبقة الوسطى المتعلّمة والكتلة. في هذا الإطار يقرّ المؤلّف بأنّ وسائل الإعلام الصينية تقع تحت سيطرة النخب السياسية وتوجيهها، لذلك ارتأى أن يفحص الأرشيف الذي يهتمّ بالحرب الأميركية على الإرهاب في صحيفتَي People's Daily و South Weekend، كما اعتمد على أداة المقابلة (التي دامت من 40 إلى 90 دقيقة) لفهم توجّهات 58 شخصًا من قرّاء الصحيفتين. أمّا ضبط مواقف الكتلة فقد كان يحتاج إلى متابعة تفاعل الجمهور مع الانتشار الواسع للمعلومة على موقع سينا ويبو.Sina Weibo يحقّق الكتاب في تصورات الصين الجيوبوليتيكية للحرب الأميركية على الإرهاب من خلال ثمانية فصول تشمل المقدمة والخاتمة، حيث يعمد المؤلف في الفصل الثاني إلى عرض الأصول الفكرية لمفهوم الجيوبوليتيك النقدية، مبرزًا أنّ انفتاحه على ما هو كامن في السياقات السوسيوسياسية للصين سيسمح بتجاوز هيمنة المعالم الغربية على الحقل، ويتعزّز ذلك أكثر في الإطار التجريبي الذي يتيحه الفصل الثالث من الكتاب؛ إذ سيكون في مقدور القارئ التعرف إلى ما هو غير مستكشف في الثقافة السياسية الصينية الحالية من أطرٍ وتقاليد جيوبوليتيكية. وفي حين كان الفصل الرابع سردًا لمنهجية البحث وأساليبه، تسلّح الفصلان الخامس والسادس بأطروحات نموذج الدعاية ونموذج الجمهور النشط لاقتراح جدول أعمال بحثي يطمح إلى دمج آراء الجمهور في أدبيات الجيوبوليتيك. أمّا الفصل السابع فكان إضاءةً جديدة تركّز على قدرة الإنترنت في تشكيل فضاءات جديدة للرؤى الجيوبوليتيكية، وهو ما يجعل من التكنولوجيا فاعلً مزاحمً ومهدّدًا للعلاقة التقليدية بين السلطة والمعرفة.

الجيوبوليتيك النقدية

لا تقتصر الجيوبوليتيك النقدية على الحقائق الجغرافية المادية المحايدة والمقدَّمة مسبقًا، وإنّ ا تتضمنّ أيضًا عملية إنتاج ذاتية توحي بوجود مسعى للتأثير في الخرائط، وتتمّ بمساعدة ممثّلين سياسيين يحاولون الاستيلاء على مختلف الفضاءات وتنظيمها لتناسب مصالحهم المادية ورؤاهم الثقافية؛ بمعنى أنّها جغرافيا متخيّلة ينتجها السياسيون الذين يتحكمّون في النصوص وحياكة السرديات. فعلى سبيل المثال، ساهمت مقالات جورج كينان "التيليغرام الطويل" و"السيد X" في تصوير الاتحاد السوفياتي، أثناء الحرب الباردة، على أنه دولة مستشرقة ومغتصِ ب محتمل وطوفان أحمر، وساعد هذا الأمر على بناء خطاب مركزي يبرّر سياسة الاحتواء. تتبنّى الجيوبوليتيك النقدية، إذًا، التحقيق في تأثير المعرفة المنتجة اجتماعيًا على ممارسة السياسة، وغرضها هو استعادة الخطابات التي تحكم الجغرافيا بدلً من البحث في واقع مستقل ووجودي، وبما أنها تؤكّد على محورية الذات في عملية إنتاج المعرفة، فإنها تشكّك في إمكانية الوصول إلى معرفة موضوعية وعلمية. وعادةً ما ترتبط الجيوبوليتيك النقدية بمفهوم "الخطاب"، وأطروحات ميشيل فوكو حول العلاقة بين القوة والمعرفة؛ لذلك تتجه الجيوبوليتيك النقدية إلى النهل من النصوص والخطب والتقارير (الجيوبوليتيك الرسمية

والجيوبوليتيك العملية) التي تتلاعب بها النخب (القادة والضباط ومراكز الفكر والاستراتيجيون والخبراء العسكريون)، فعقب الحرب الباردة لم توقف النخب الأميركية أيديولوجيتها تجاه الاتحاد السوفياتي، وواصلت تأكيدها على خطر عدم الاستقرار في أوروبا الشرقية، ومن منظور الجيوبوليتيك النقدية يُعدّ هذا تلاعبًا بالنصوص لإضفاء الشرعية على السياسات الأمنية والنزعات العسكرتارية بما يتوافق مع قالب فهم الناس للعالم والسياسة (الجيوبوليتيك الشعبية)، تمامًا مثل ما عمدت أفلام هوليوود، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، إلى الاستثمار في النص الشعبي لوصف الإرهابي باعتباره آخرَ غير أخلاقي. واجه تركيز الجيوبوليتيك النقدية على النصوص موجاتٍ من النقد، إذْ قد تتوافر معطياتٌ موازية تجعل مبتغى استيعاب كلّ شيء وتمثيله نصّيًا يبدو أمرًا مستعصيًا، وانطلاقًا من التساؤل: كيف تعمل الأشياء خارج النص في إنتاج الفهم الجيوبوليتيكي؟ برزت مقاربتان في نقد الجيوبوليتيك النقدية: الجيوبوليتيك النسوية: انتقد النسويون الجيوبوليتيك النقدية في مركزيتها المفرطة، وأنها جغرافيا وجنيالوجيا ذكورية وغير مادية، مكتوبة من الرجال وعنهم وإليهم، تُسكت الإناث وتستبعدهنّ من المجال السياسي، إضافة إلى أنّ بحوث الجيوبوليتيك النقدية تولي الروايات الجيوبوليتيكية في النطاق الأكبر (الدولة) اهتمامًا، وتتجاهل تجارب المقياس الأصغر (الإنسان). الجيوبوليتيك اللاتمثيلية: تناقض إطار ما بعد الهيكلية الذي يمنح امتيازًا لفهم العالم عن طريق الخبرات المعرفية والنصية والبصرية، وتركّز على التقاط المتغيرات غير القابلة للتفسير كالتأثّر والعاطفة وغيرها من الأشياء غير المادية التي تكون خارج نطاق النصوص، فمن شأن العواطف أن توسّع في فهم الجغرافيا من عقلانية ولها قابلية التنبّؤ إلى حشَوية وغرائزية، فقد تحوّلت مشاعر الخوف والألم والحزن والوطنية بعد أحداث 11 سبتمبر إلى تجربة هوس جماعية للخيبة والصدمة وساهمت في ترسيم حدود متخيّلة بين الولايات المتحدة والإرهابيين، ووُظّفت لتبرير رغبات الانتقام وإجراءاته. ترمز الجيوبوليتيك النسوية والجيوبوليتيك غير التمثيلية إلى أنطولوجيا جغرافية جديدة تتجاوز المجال النصي، وكتعريف إجرائي تهدف الجغرافيا النقدية إلى التحقيق في العلاقات المعقّدة بين الممارسات السياسية والجغرافيا بطرق تمثيلية وغير تمثيلية.

تقاليد الجيوبوليتيك الكونفوشيوسي - الصيني

قال شي جينبينغ، أثناء زيارته قصر باكنغهام سنة 2015، "المسافة الجغرافية لن تفصل أبدًا بين أولئك الذين يتشاركون الأفكار ذاتها". وفي 21 آذار/ مارس 2009 قَاربتْ صحيفة "الشعب اليومية" المزاعم الأميركية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط من منظور القيم والتقاليد الصينية: "ما هو مزروعٌ في جنوب نهر هواي سيُنتجُ برتقالً صحيًّا، أما ما زُرعَ في شمال النهر فسيكون برتقالً ثلاثي الأوراق". يوحي هذا التعليق بأنّ التقاليد الكونفوشيوسية ما زالت حاضرة في الخطابات السياسية المعاصرة، ويمكن رصد عنوانين بارزين لها: تمييز - هْوَا - يِي: منذ عهد حكم أسرة زهو (1046 ق. م - 117 ق. م) تبنّت الصين كلمة هْوا Hua لتمييز ال "هان" Han الصينيين من الأقليات والغرباء ال "يِي" Yi. يشير كتاب "الشعائر"1 إلى أنّ هذا التمايز لا يرمز إلى هرمية ثقافية بقدر ما يدلّ على وجود تناقض مكاني، إذ تمّ تصوير الصين على أنها الموقع الجغرافي للهان، بينما تتوزّع باقي الأقليات العرقية على المناطق النائية "تقع هوا في وسط العالم، يحيط بهم من الشرق 'يِي' ذوو الشعر الطويل والأوشام ويتناولون الطعام من دون طبخه، والذين هم في الجنوب يدعون 'مان' أقدامهم عارية وأطعمتهم نيئة، ومن الغرب 'رونغ' يرتدون جلودًا ولا يأكلون الحبوب، ومن الجنوب 'دي' يرتدون الريش ويعيشون في الكهوف". لقد تمّ ترميز يِي بأنها انعكاس لحياة بربرية بدائية، في حين تعبّ هوا عن حياة أكثر تحضًّا وما يتبع ذلك من تفوّق اجتماعي ونفسي وثقافي وسياسي ومادي. لذلك يُسمح، بمنظور سلالة زهو، لِهْوا أن تسيطر على أراضي وسط الصين المأهولة بالسكان، في حين يقتصر وجود يِي على المراعي والصحاري في المناطق النائية. كما تمّ إقرار نظام الجزية لضمان تبعية يي لِهْوا. المركزية الصينية: إنّ معيار التمييز بين هوا وَيي هو درجة الاحتكام للثقافة الكونفوشيوسية، حيث تمّت الإشادة بدولة تشو Chu، التي تقع في الحافة الجنوبية للصين ومصنّفة على أنها يِي، نظير مساعدتها باقي الدول وإحسانها لعامة الناس خلال فترة الدول المتحاربة (177 ق. م - 221 ق. م)،

  1. يصنّف كتاب الشعائر لي جيعلى أنه واحدٌ من الكلاسيكيات الخمسة لشريعة كونفوشيوس، ويَصف الأشكال الاجتماعية والنظام الحكومي والمناسك الاحتفالية لسلالة زهو. وقد أعاد أتباع كونفوشيوس وتلاميذه تحرير الكتاب مرات عديدة. يُنظر: "طبعة مشروحة من كتاب الشعائر"، المكتبة الرقمية العالمية، 2018/1/3، شوهد في 2021/3/10، ف:ي https://bit.ly/3t43TWz

أمّا دولة جين Jin التي تقع في وسط الصين وتُوسَم بأنها هوا، فقد تعرّضت ل زاادراء بسبب سلوكها غير الأخلاقي وإثارتها الحروب خلال الفترة ذاتها. لذلك يُتوقّع، في المبادئ التوجيهية الكونفوشيوسية، أن يكون الانسجام والسلام في صدارة المفاهيم التي ترمي إلى الحفاظ على العلاقات بين هوا ويِي، وبسبب الطبيعة التقدمية لثقافات هوا، تُدفع يي إلى التعلّم مِنْ هوا بدلً من خوض الحروب معها؛ فمجتمع هوا متناغم، وأساس الدولة أخلاقي في المقام الأول. شهدت تقاليد الجيوبوليتيك الكونفوشيوسي تغيّ ات أثناء حكم سلالة كينغ، حيث تمّ الانتقال من هوا بوصفها فكرة عرقية، تصطفي الهان، إلى فكرة أوسع تدلّ على مفهوم الدولة القومية الحديثة (هان وغير هان)، وهو ما عبّ عنه ليانغ كيتشاو بمصطلح "الأمة الصينية". ويُعزى هذا التحول إلى انتساب سلالة كينغ إلى أقلية عرقية من ال "يِي" وهي أقلية "مانشو" التي تستوطن شمال شرق الصين. ووفقًا للكونفوشيوسية، يُسمح ليِي بأن تحتلّ مركزًا مهيمنًا إذا اكتسبت ثقافةَ هوا المتطوّرة، إلا أنّ وقائع التاريخ تشير إلى عدم تغيّ سمات مانشو البربرية، حيث قامت مانشو، في مسعى استيلائهم على السلطة، بإبادات جماعية في مدن جيادينغ ويانغزهو، وهو ما دفع هوا إلى الانخراط في مقاومات شعبية لصدّ حكم يي المستجدّ؛ لذلك شرع حكّام مانشو في توظيف مصطلح يي للإشارة إلى العوالم المنتشرة خارج الصين بغية تحرير ذواتهم من الهوية المشوّهة والتخفيف من حدّة التوترات مع مجتمع الهوا، فتحوّلت يي إلى فكرة جغرافية تَصف الأجنبي عوضًا عن العرق، وأصبحت هوا رمزًا للأمة الصينية عوضًا عن هان. تشدّد النسخة الجديدة على أنّ الصين هي مركز العالم ومؤهلاتها في ذلك هي وفرة السكان والموارد والثقافات المتقدمة، إنّها "الإمبراطورية السماوية والدولة المتفوّقة". ولأنّ باقي الدول وحشية ومتخلّفة، فقد تمّ الإبقاء على الجزية لتنظيم علاقات الصين الخارجية، والجزية ليست مساهمة اقتصادية فقط، ولكنها، أيضًا، فكرة كونفوشيوسية تُظهر بها الدول الأجنبية طقوس الإعجاب والخضوع للصين من أجل الحفاظ على الانسجام والسلام. ولكن حدث أن صُدمت الصين واستفاقت من حلمها الجميل، فبعد حروب الأفيون ألزمت بريطانيا الصين، في معاهدة تيانتسين، أن تمتنع مستقبلً عن استخدام كلمة يي وتستبدلها بكلمة يانغ Yang، وهو مصطلح أكثر حيادية وإيجابية في وصف الأجنبي. وبعد أن خسرت الصين حرب جياوو مع اليابان سنة 1894، بدأت تستشعر فعليًا قوة الأجنبي الذي يمكن أن يكون مساويًا لها في القوة بل يتفوق أحيانًا. مع تأسيس جمهورية الص الشعبية في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 1949، أخذت التقاليد الكونفوشيوسية منعطفًا أشد تباينًا أثناء الحقبة الشيوعية؛ فخلال الفترة الأولى من 1949 إلى السبعينيات، أديرت الدبلوماسية الصينية بواسطة الأيديولوجيا الماركسية الكلاسيكية/ اللينينية المعادية الغرب والرأسمالية. ولأنها تنظر إلى الشيوعية بوصفها شكلً نهائيًا للمجتمع البشري وتنادي بالثورة الثقافية التي تُقصي جميع مظاهر الإقطاع، فقد تميّزت الممارسات الجيوبوليتيكية الصينية، خلال هذه الفترة، باستبعاد صريح للقِيم الكونفوشيوسية، وهو عكس ما حدث أثناء الفترة الثانية، الممتدة من عقد الثمانينيات إلى اليوم، حيث قاد تبنّي الصين سياسات الانفتاح والإصلاح من جهة، وخلافاتها مع الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، إلى بناء "وجهات نظر دبلوماسية في ظلّ الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، إذْ لم تصبح الصين مصرّة على الظهور بصورة الدولة المعادية، حتمً، للغرب، وأصبحت ممارساتها الجيوبوليتيكية تمزج بين المقوّم الشيوعي والفلسفة الكونفوشيوسية التقليدية. في المقابل، تخلّت الصين الحديثة عن التسلسل الهرمي الجغرافي الذي يميّز بين هوا ويي، واختارت الاندماج في مركّب الدول القومية والإقليمية، ولكن بمنظور متميّز جدًا، إذ تدافع الصين عن بناء علاقات متساوية وليست هرمية على المسرح السياسي الدولي، وتنادي باتّباع مبادئ التعايش السلمي الخمسة، وتستخدم مفاهيم الفلسفة الكونفوشيوسية (الانسجام والتنوع والسلام) لحلّ الصراعات الدولية ومعالجة الشؤون الدولية؛ وبشكل عام، يمكن تحديد ثلاثة عناصر للسياسة الخارجية الصينية الحالية: (1) صورة متناغمة للصين عن ذاتها: حيث تتبنّى الحكومة الصينية الحالية استراتيجية دفاعية وتؤكّد على القوة الناعمة بدلً من الحرب للحفاظ على النظام الدولي، ويُعرف عن السلوك الخارجي في الصين تحلّيه باستراتيجيات "الصعود السلمي" و"عدم السعي إلى الهيمنة." (2) تشجيع مجتمع دولي متعدّد الأطراف: تتعايش داخله مختلف الثقافات والأيديولوجيات السياسية، ويتم حثّ الأديان على التعايش في ما بينها وتُعامل على قدم المساواة، تعبّ الصين عن ذلك بمقولة "حافظ على الانسجام، حافظ على التّنوع." (3) الحُكم على باقي الدول استنادًا إلى أخلاق الكونفوشيوسية، وما يتطلبّه من التشديد على أهمية بناء مجتمع دولي متناغم وسلمي، تُستنكر فيه السلوكيات العنيفة ويُحتفى فيه بالمبادرات الحضارية والخيرية. وفي هذا الإطار قامت الصين بتشييد 358 معهدًا كونفوشيوسيًا في 105 دول حول العالم. كما تم التأكيد على هذا العنصر في "استراتيجيات النهوض السلمي للصين" التي وردت في الكتاب الأبيض سنة 2011.

استعان المؤلف بأسلوب المقارنة حين أشار إلى أنّ تمايز هوا - يي قد يُذكّر بفكرة "الاستشراق" لإدوارد سعيد، والتي تشَي بأنه، ومن أجل إضفاء الشرعية على مصالح الاستعمار الغربية، تمّ تصوير الشرق على أنه بربري وقَبلي وغير عقلاني ورجعي، في ما ذُكر الغرب على أنه حضاري وعلمي ومتقدّم وعقلاني. ويتشارك المفهومان في ثلاث نقاط ويختلفان في مثلها؛ فكلاهما يشدّدان على المخيلّات الجيوبوليتيكية للهوية المزدوجة "الأنا والآخر"، كما أنهما يقرّان بتفوّق الأنا على الآخر، ويروّج المفهومان لمقاربتَي الهيمنة والخطاب؛ رغم ذلك فهما يتباينان من ناحية الشيء المستهدف، فالمركزية الصينية تُولي جاذبيتها وزخرفة ذاتها اهتمامًا، بينما يركّز الاستشراق على تصوير الآخر الشرقي من دون اهتمام موازٍ بالغرب، ويختلفان كذلك في معيار الحكم، إذْ تعتمد المركزية الصينية على الهوية الثقافية والأخلاق الكونفوشيوسية للحكم على من نحن ومن هو الآخر، بينما ينفتح الاستشراق على المكانة المتفوقة الدائمة للدول الغربية، وآخر أمكنة التباين بين المفهومين هو نطاق التطبيق، حيث تشرح المركزية الصينية السياسة الصينية، لذلك توصف على أنها شكل للخصوصية الصينية، في ما يصنّف الاستشراق على أنه نظرية عالمية. عرج الباحث إلى إبراز جوانب الاختلاف في التعامل مع مصطلح الإرهاب في سياقات مختلفة. ففي السرديات الناطقة بالإنكليزية وُظّف الإرهاب للإشارة إلى النشاط العنيف الذي تقوم به الجماعات العرقية والقومية بعد الحرب العالمية الأولى، ثمّ تطوّر بعد ذلك إلى إرهاب ما بعد حداثي يعتمد على التأثير النفسي والرسائل الرمزية. ولقد استخدمت إدارة جورج بوش الابن الإرهاب أداة جغرافية رسمت بها خريطة المنشقيّن المحتملين عن الولايات المتحدة. كما استُخدم المصطلح في سريلانكا والفلبين لشرعنة حروب حكومتَي البلدين ضد نمور التاميل وناشطي مينداناو. لقد أصبح الإرهاب في الغرب شكلً من الخطاب السياسي وواقعًا مبنيًا اجتماعيًا. أما في السرديات الصينية فرغم وجود نشاطات انفصالية في منطقة شينجيانغ قبل 11 سبتمبر، فإن مصطلح الإرهاب لم يُعتمد في الخطاب الشعبي والرسمي، وفضّ ل الرئيس جيانغ زيمين استخدام مصطلح السلوكيات الانفصالية خلال مؤتمر 1992، وتفسيرُ ذلك أن الصين كانت تتجنّب إنتاج خيال جغرافي في منطقة شينجيانغ قد يصبح واقعًا انفصاليًا مفروضًا لو تمّ تداول المصطلح. غير أنه بعد أحداث 11 سبتمبر أصبح المصطلح يوظف بصفة تدريجية، حيث صرّح وزير الخارجية تانغ جياشوان ب "أنّ إرهاب تركستان الشرقية هو جزء من الإرهاب الدولي"؛ وقد أثمرَ هذا بأن أدرجت الولايات المتحدة بعض القوميات العرقية الصينية في مصافّ الجماعات الإرهابية، مثل المؤتمر الوطني لتركستان الشرقية، ومؤتمر الأويغور العالمي.

الصحافة والإنترنت الصينيتان وتصورات الجمهور عن الجيوبوليتيك والإرهاب

جمعت دراسة الباحث 516 مقالً من صحيفة People's Daily في مقابل 92 مقالً من صحيفة South Weekend، وذلك خلال الفترة 11 سبتمبر 2001 - 30 حزيران/ يونيو 2014. واعتمدت على برنامج 10 Nvivo في التحليل الإحصائي للمقالات. ولاحظ المؤلّف أنّ الصحيفتين قلمّا تتطرّقان إلى مواضيع تتناول علاقة الإرهاب بالصين، في حين تستفيضان في السرد والتحليل حين ترتبط الظاهرة بالولايات المتحدة الأميركية (460 مقالً أي 89 في المئة في صحيفة People's Daily و 83 مقالً أي 90 في المئة في صحيفة South Weekend)؛ علاوةً على ذلك، تركّز الصحيفتان على سياسات الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب وإجراءاتها، أكثر من مناقشة الجماعات الإرهابية أو ظاهرة الإرهاب في حدّ ذاتها (47 في المئة و 59 على التوالي). South Weekend و People's Daily في المئة في تراهن صحيفة People's Daily على الموثوقية والسلطة في إيصال أفكارها للقرّاء، إذْ إنّ التصريح باسم المراسل ومكان عمله ووقته يؤدّي أدوارًا في إقناع القارئ بوجود مراسل حقيقي، كما أنّ تحرير المقالات يُعزى عادة لمثقفين يمارسون الحكم وخبراء من المؤسسات والجامعات الحكومية ومراكز الفكر، رغم ذلك لا ينفي هذا وجود عيوب في مقالات الصحيفة، كعدم الاهتمام بالمعلومات المجزّأة وتجاهل التفاصيل، والاعتماد على مراجعات لا تستند إلى التحليل المهني وإنما إلى تكهّنات شخصية؛ وخلافًا ل People's Daily التي تعدّ الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي، فإنّ أسلوب الكتابة في South Weekend يبدو مختلفًا، حيث تتمتّع بنوعٍ من المرونة النقدية ونمطَ كتابةٍ أكثر تحرّرًا من القيود، ويستندُ قلمُ تحريرها إلى تحليلٍ معمّق لخلفية الحدث وتسويق رؤية بانورامية له وسردٍ قصصي مصوّر عنه، ويرجع ذلك أساسًا إلى أنّ الصحيفة تفتقر إلى محطات مراسلة في الدول الأجنبية وتعتمد على موادّ الوكالات الأخرى، كما أنّها تصدر أسبوعيًا، لذلك ليس مفاجئًا أن تَصوغَ الصحيفة وجهات النظر المتضاربة حول قضية الإرهاب انطلاقًا من تحليل موسّع لعلاقة الولايات المتحدة الأميركية بحركة طالبان أو العودة إلى السياق الاجتماعي والسياسي لنظام صدام حسين. بالاعتماد على ال 58 مقابلة، لا ينظر الباحث إلى الجمهور على أنه كلّ متشابه، وإنما هي فصائل متنوّعة وغير مترابطة من قُرّاء مواظبين وقرّاء عرَضيين وقرّاء نقّاد، فنسبة 5 في المئة ممّن تمّت مقابلتهم أظهروا ثقةً بدعم الصحيفتين باعتبارهما أشد انتظامًا وموثوقية في استقاء المعلومة، وغالبًا ما يتشارك هؤلاء في مؤشرات المهنة والموقف

السياسي والخصوصية الثقافية والقرب الجغرافي، يقول المستجيب 43 (32 سنة، ذكر، موظف حكومي): "أقرأ دائمًا الصحيفتين، كما تعلم أنا موظف حكومي، ويهمّني أن أعرف كيف تفكر حكومتي"؛ في حين أظهر 7 في المئة عدم ثقتهم بالصحيفتين بسبب الرقابة الصارمة وتوجيه المحتوى من الحكومة، وهو ما قاد إلى مناخ من عدم الثقة أو ما يشير إليه المؤلف بفخّ تاسيتوس Trap Tacitus. وتقول المستجيبة 24 (أنثى، 33 سنة، سيدة أعمال): "لا أقرأ الصحيفتين، ولا يوجد ما يدفعني لتصديقهما، تبدو الصين فيهما كما هي، كأنهما يأتيان من القالب ذاته، أنا إنسانة حرة، ولا أحبّذ أن أكون عرضة لغسيل الدماغ". قد يعود عدم اهتمام قطاع واسع من الجمهور إلى نظرة مسبقة على أنّ هذه القنوات أقلّ أهمية في مجتمع يعتمد على الإنترنت وقائم بشدّة على تكنولوجيا المعلومات، حيث تحلّ تطبيقات الهاتف المحمول محلّ وسائل الإعلام التقليدية؛ من جهة أخرى أبدى 12 في المئة من المستجيبين حماسًا لدعم صحيفة دون الأخرى، ويرتبط ذلك بالمواقف السياسية للفرد والصحيفة على حدّ سواء، حيث تُعرف People's Daily على أنها يسارية تركّز على الأيديولوجيا الشيوعية والمصالح الوطنية، في حين توسم South Weekend بأنها ذات خطّ ليبرالي وتروّج للقيم العالمية. وفضّ ل 12 في المئة إحدى الصحيفتين على حساب الأخرى بناءً على عامل التقارب الجغرافي، فصحيفة People's Daily تنتشر في بكين وشمال الصين، في حين تسود South Weekend في غوانغتشو وجنوب الصين. أبانت نسبة 28 في المئة من المقابلات أنّ الإرهاب قضية عالمية ترتبط بمصير جميع البشر في تصوّر الصينيين، في حين عزَا 25 في المئة من المستجيبين الإرهاب إلى سلوكيات تدخّل الجيش الأميركي في شؤون الدول الأخرى. يقول المستجيب 54 (ذكر، 58 سنة، موظف حكومي): "لماذا يستهدف الإرهابيون الولايات المتحدة الأميركية دون الصين؟ لأن الولايات المتحدة تؤدّي دور المهيمن الدولي، عكس الصين التي تدرك أنّ الانسجام هو الأغلى ثمنًا (مبدأ كونفوشيوسي)، على سبيل المثال المستكشف هينغ هي (عاش في عهد أسرة مينغ) أبحرَ إلى أقطار أخرى للتجارة ولنشر صورة وطنية عن الصين، بينما فتح ماجلان، في الفترة نفسها، بابًا للأعمال الاستعمارية. من خلال هذا المثال يمكن أن نرى الاختلاف بين تقاليدنا وتقاليد الاستعمار الغربي". إضافة إلى ذلك، أظهر 21 في المئة من الأشخاص عدم اهتمامهم بالحوادث الإرهابية التي يرونها بعيدة عن الصين جغرافيًا وثقافيًا، وأنّهم يميلون إلى الاهتمام أكثر بمجالات الدخل والتعليم والاقتصاد والتكنولوجيا والعقارات؛ إنّ المتغيّ المشترك بين المقابلات ال 58 هو إجماع الصينيين على استنكار الإرهاب وسلوك الولايات المتحدة بصفتهما، معًا، ينتهجان سبيلً مخالفًا للقيم الكونفوشيوسية. يعاضد المؤلّف أبحاثًا سابقة صنّفت الإنترنت في الصين على أنها تسترشد بما هو معمول به في وسائل الإعلام المطبوعة، حيث تَظهر رقابة الدولة على الإنترنت في ثلاثة مجالات: (1) مشروع الجدار الناري العظيم الذي حظرَ مواقع الويب ومحرّكات البحث الأجنبية (تويتر فيسبوك وغوغل) بهدف تمكين الدولة وإضعاف صوت الجماهير. (2) الرقابة الصارمة على التعبير عبر الإنترنت، إذْ تشيع ممارسات حذف التعليقات، وتقوم شركتا سينا وتينسنت باعتماد أنظمة رقابة ذاتية، تحذف بموجبها المدوّنات التي تمسّ بمصالح الدولة. (3) اتّباع طُرق مراوغة غير مصرّح بها لتوجيه الرأي العام، حيث يتمّ توظيف "مرتزقة إنترنت" يعملون بدوام كامل، أو توظفهم بشكلٍ مؤقت شركات معينة بهدف توجيه الرأي العام، ويَشتهر من هؤلاء خصوصًا من يسمّون ب "حزب 50 سنت"، فقد كشفت وثيقة رسمية من مقاطعة هونان سنة 2004، أنّ كل مشاركة يتمّ نشرها أو حذفها يكسب صاحبها.50 سنتًا أشار الباحث إلى ظاهرة "القومية الصينية السيبرانية"، والتي توحي بتوظيف الإنترنت للتعبير عن المشاعر القومية، وقد برزت أثناء أعمال الشغب في إندونيسيا سنة 1998 وحادث تصادم الطائرات الأميركية الصينية في نيسان/ أبريل 2001، وكذا مطالبات السياسية الفرنسية سيغولين روايال باستقلال التبت سنة 2008. وبالعودة إلى إحصائيات مركز معلومات شبكة الإنترنت الصينيةCNNIC يتبيّ أنّ عدد مستخدمي الإنترنت في الصين سنة 2014 قد بلغ 641 مليون نسمة، أي ما يعادل 46 في المئة من إجمالي السكان، و 22 في المئة من مستخدمي الإنترنت في العالم، وتحيل هذه الأرقام المهولة إلى تقصّ تسابق قوى الدولة والقوى غير الحكومية على امتلاك التأثير في الفضاء الافتراضي. فحص المؤلف 1111 تعليقًا على موقعَي صحيفتَي People's Daily و South Weekend. وتوصّل إلى تحديد سبعة أنماط من الخطابات المناهضة للولايات المتحدة على موقع سينا ويبو؛ وهي أنماط تشترك في سمات العاطفة واللاعقلانية والقلق القومي والهوياتي، ومكوّنها الأساسي هو الثقافة الكونفوشيوسية: توظيف لغة حاقدة لبناء هوية معادية للولايات المتحدة الأميركية؛ ويظهر ذلك في استعمالٍ واسع لمصطلحات تستهدف الصينيين الداعمين للولايات المتحدة، كوصفهم ب "حزب السنت الأميركي"، و"خونة الهان"، و"حزب طعام الكلاب" و"حزب غسل الأرضيات"؛ تظهر بجلاء حالة السخرية الواسعة في الصين من مفهوم "تعدّد الأحزاب" ورميه بسهام تهكّمية؛ وقد أحصى الكاتب 55 حالة وفق هذا النمط.

شعارات مناهضة للولايات المتحدة، كالتعليق بشعارات الإمبريالية والهيمنة، وغيرها من الطرق العاطفية للتعبير عن الآراء، وتمّ تدوين 46 حالة في هذا النمط من الخطاب المعادي. الفانتازيا العسكرية؛ حيث تمّ إحصاء 80 حالة مدفوعة بالفخر الوطني، تطالب بالحرب وتندّد بمواقف الصين الليّنة تجاه الولايات المتحدة، وتدعو إلى الاقتداء والتعلم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. دعم أعداء الولايات المتحدة الأميركية؛ حيث أبانت 192 حالة عن مشاعر قوية للوقوف في صفّ الإرهابيين، ووَقف الباحث عند تعليق أحد المستخدمين "عاش لادن، الطالب الجيّد لماو". استدعاء التاريخ لبناء هوية معادية للولايات المتحدة؛ وبالخصوص حادثتي تفجير السفارة واصطدام الطائرات، وقد تمّ عد 163 حالة. توجيه صفعة للولايات المتحدة والقوى الموالية لها؛ صفع الوجه هو تقنية متاحة لمستخدمي الإنترنت في الصين للتعبير عمّ يختلج في صدورهم وللإشارة إلى التناقضات والأخطاء، كما أنّ صفع الوجه في الثقافة الصينية يوصف بأنه عمل عدائي خطير يستهدف تقويض سمعة الآخرين، وقد أشار المؤلف إلى وجود 336 حالة في هذا الجانب. إصدار أحكام أخلاقية حول حرب الولايات المتحدة على الإرهاب؛ بمجموع 239 حالة، وتركيزًا على انتهاكات السلام والانسجام الدولي. أمّا الخطابات المؤيّدة للولايات المتحدة على موقع سينا ويبو، فتنقسم فرعين: استخدام كلمات حاقدة لبناء هوية مؤيّدة للولايات المتحدة: بمجموع 47 حالة، فإضافة إلى مصطلح "حزب الخمسين سنت" الشهير، يتمّ وسم من يتحدث بكلام سخيف وغير طبيعي ويعاني اضطرابًا في التفكير ب "الدماغ المكسور"، أمّا من يفعل أشياء شريرة من وراء غطاء الوطنية فيسمى في تعليقات المستخدمين ب "لصوص الوطنية". مناصرة تفوّق القيم الأميركية: أبدت 140 حالة تثمينها قيم الانفتاح والحرية والإنسانية السائدة في الولايات المتحدة. أصدرت محكمة الشعب العليا والنيابة العليا قانونًا مشتركًا، بتاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 2013، يحدّد كيفية معالجة القضايا الجنائية المتعلّقة بتبادل المعلومات على الإنترنت، وهذا في ضوء ارتفاع ملحوظ في خطابات تحدّي النظام على موقع سينا ويبو، حيث أحصى الكاتب 134 حالة في هذا الإطار، وقام بتقسيمها فئتين؛ تطالب الفئة الأولى وسائل الإعلام بالتركيز على الشؤون الداخلية (الفساد، والأمن الغذائي، والتلوث البيئي، ومشاكل الإسكان والرعاية الصحية) بدلً من التركيز على الإرهاب، وقد قُدّرت أعداد هذه الفئة ب 86 حالة من أصل 134؛ أما الفئة الثانية فنادت بضرورة إعادة تعريف مفهوم الإرهاب، لأنّ العنف المنزلي وهدم البيوت من السلوكيات الإرهابية كذلك، وأنّ قسم الإدارة الحضرية وفرق الهدم ومراكز الشرطة ينبغي أن يشملها هي الأخرى المفهوم الأوسع للإرهاب.

مناقشة أفكار الكتاب

يفتح الكتاب نافذةً لفهم الصين من الداخل، ويَعدُ بتجاوز مثبّطات الانعزالية والمحافظة والطهارة التي حالت دون تواصل مجمّعات الصين البحثية مع المجال الأوسع للسرديات الأنكلوسكسونية، وقد بدَت الصين في المؤلَّف أشد تعقيدًا من أن توصف، كما هو شائع، بالمنضبطة والمخضعة، لا يتوقّف ذلك على مناكفات قطبَي مستعملي الإنترنت وقرّاء الصحيفتين، بل يتعدّاهما إلى ما دُوّن في تصدير الكتاب "إلى من يعانون النشاطات الإرهابية ومن يعانون الأعمال العسكرية لمكافحة الإرهاب، وأولئك الذين يتمّ خداعهم في الخطابات الإرهابية في الولايات المتحدة والصين وأوروبا وأفغانستان والعراق وإسرائيل وفلسطين وسورية وليبيا ومناطق أخرى"2. والحكومة الصينية غير مستثناة من هذه الآفة، سواء سُلّطت عليها أو قامت بتوظيفها خطابيًا، وكأنّ لسان حال المؤلّف يقول: لقد تغيّ ت الصين، ها أنا ذا أنتقدها من الداخل، وبات من المعيب وَسْمها بدولة ذات حكم دكتاتوري شمولي، في الواقع هي دولة تجمع بين المجدَين: الدكتاتورية والرأسمالية3؛ وليس بالضرورة أن تكون دكتاتورية متشددة، إذْ قاد الاستبداد الناعم بكين إلى تحقيق مكسب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001 أثناء ما عُرف بفترة العصر الليبرالي الذي جسّده تشو رونغ جي؛ رغم ذلك يبدو من المحيّ أن تمتلك الصين هذه القدرة الهائلة في التعايش مع متناقضاتها. لقد ذُكرَ في أوّل بريد إلكتروني أرسل من الصين إلى ألمانيا سنةُ 1987 "عبر سور الصين

  1. Ning An, Confucian Geopolitics: Chinese Geopolitical Imaginations of the US War on Terror (Singapore: Springer Nature Singapore Pte Ltd, 2020), p. v.
  2. العبارة لعزمي بشارة في: عزمي بشارة، "جبر الخواطر في زمن المخاطر: الناس والوباء "، مقالات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020/4/20، شوهد في 2020/5/27، في: https://bit.ly/3tgigqN

العظيم، يمكننا أن نصل إلى كلّ ركن في العالم"، لكن بعد عقدين من الزمن سعت بكين لمنع ذلك على وجه التحديد4. وسط هذه المنطقة الرمادية تتعايش إجراءات المؤسسة الإدارية مع إجراءات السوق، حيث تقود سجالاتهما المتعددة إلى الاعتقاد بصحة المزاعم التي تربط نجاح مساعي الإصلاح في الصين بتعزيز القيود على السلطة والقضاء على الفساد، فكما يقول لينين "سلطة من دون قيود، تؤدّي حتمً إلى انحطاطٍ غير مقيّد"5. لذلك تجد الحكومة الصينية نفسها أمام مطالبات بإعطاء وسائل الإعلام، بما فيها الإنترنت، دورًا كاملً في فضح الفساد، وبوزن لا يقل قيمة عن مشروع "إنترنت زائد" plus Internet الذي يزعم مهندسه لي كيكيانغ أنّه يؤدّي دورًا محوريًا في ضمان النموّ المستقرّ للاقتصاد الصيني6. كان المؤلّف اختزاليًا إلى حدّ بعيد أثناء تشريحه لعودة الكونفوشيوسية إلى الصين في الثمانينيات، حيث أخرجها في صورة الرجل الأخير المنتصر، وهو ما يتناقض مع حقيقة الخارطة الفسيفسائية التي باتت واقعًا مفروضًا على الحزب الحاكم ذاته؛ إذْ تتعرّض الكونفوشيوسية لانتقادات متواصلة من الماويين والليبراليين، وتُدان بأنها إقطاعية وغير علمية وتكريس للظلامية الثقافية، بل المرجّح أنّ إزالة تمثال كونفوشيوس من ميدان تيانمان سنة 2011 كان بإيعازٍ من يساريين ذوي نفوذ في مدرسة الحزب المركزية7. من الناحية المنهجية، لا يمكن التغافل عن نزعة إثنوغرافية حديثة في الكتاب، فكما يقال أتاحت الإنترنت للإثنوغرافي أن يَصف أماكنَ ليست بالأماكن، حيث إنّ الاعتماد على طريقة الأرشفة عبر الويب والوصول من خلال الوسائط الإعلامية إلى الثقافات الفرعية للمجتمعات لهما تأثيرات واضحة في دراسة الممارسات وأنماط التعبير وطرق التفكير، وسيصبح في مقدور الغرباء التواصل مع ما كان يوسم، قبل عصر الإنترنت، بأنه متماسك ومنغلق وغير قابل لإجراء الدراسات الميدانية8. رغم ذلك تبرز إلى الواجهة أسئلة أخلاقية من قبيل: أوظف الباحث الإنترنت وسيطًا وأداة بحث أم كانت موضوعًا وهدفًا في حدّ ذاتها؟ وهل غالى في توظيف سلطته البحثية لتقرير ما هو أخلاقي وما هو غير ذلك؟ وبغضّ النظر عمّ قد تؤول أو تحيل إليه هذه التساؤلات فإنّ الكتاب يعتبر مساهمة جادّة في الربط بين مجاليَن بقِيا متباعدَين فتراتٍ طويلةً من الزمن، وهما الجيوبوليتيك وتكنولوجيا الإعلام والاتصال. يُخبر الكتاب بأنّ هناك ما يكفي من دعائم داخلية للقول بأنّ الصين تتحوّل، وإذا تحوّلت فإنّ انعكاسات ذلك ستمتدّ لا محالة إلى العالم بأسره؛ لن تكتفيَ الصين بإرسال مضامين قوّتها إلى المهيمن فحسب، بل ستكون فرصة ونموذجًا تحاكيه الدول النامية في مسائل الصراع بين العولمة والخصوصية والحوار بين اقتصاد السوق وتبنّي الديمقراطية9.

  1. لمزيد من المعلومات ينظر: Carl Minzer, End of An Era: How China's Authoritarian Revival is Undermining its Rise (Oxford: Oxford University Press, 2018).
  2. Ronghua Shen & Sheng Cao, Modernization of Government Governance in China (Singapore: Palgrave Macmillan, 2020), p. 274.
  3. لمزيد من المعلومات ينظر: Ibid., p. vi.
  4. لمزيدٍ من المعلومات ينظر: Qin Pang, State-Society Relations and Confucian Revivalism in Contemporary China (Singapore: Palgrave Macmillan, 2019).
  5. لمزيد من المعلومات ينظر: Howard Lune & Bruce L. Berg, Qualitative Research Methods for Social Sciences , 9th edition (London: Pearson Education Limited, 2017).
  6. محمد حمشي، "صعود الصين من منظور مغاير: نظرية التعقد وأوهام العقلانيين "، مجلة العلوم الإنسانية لجامعة أم البواقي، مج 6، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر 2019)، ص.30-21

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. "جبر الخواطر في زمن المخاطر: الناس والوباء". مقالات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/4/20. في: https://bit.ly/3tgigqN حمشي، محمد. "صعود الصين من منظور مغاير: نظرية التعقد وأوهام العقلانيين". مجلة العلوم الإنسانية لجامعة أم البواقي. مج 6، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2019 "طبعة مشروحة من كتاب الشعائر". المكتبة الرقمية العالمية. في: https://bit.ly/3t43TWz

الأجنبية

An, Ning. Confucian Geopolitics: Chinese Geopolitical Imaginations of the US War on Terror. Singapore: Springer Nature Singapore Pte Ltd, 2020. Lune, Howard & Berg L. Bruce. Qualitative Research Methods for Social Sciences. 9 th ed. London: Pearson Education Limited, 2017. Minzer, Carl. End of An Era: How China's Authoritarian Revival is Undermining its Rise. Oxford: Oxford University Press, 2018. Pang, Qin. State-Society Relations and Confucian Revivalism in Contemporary China. Singapore: Palgrave Macmillan, 2019. Shen, Ronghua & Sheng Cao. Modernization of Government Governance in China. Singapore: Palgrave Macmillan, 2020.