صراع الأجنحة السياسية داخل المؤسسة العسكرية السورية 1954 - 1958: الانقلابات والتعددية السياسية
The Conflict between Political Streams in the Syrian Military Establishment (1954-1958): Coups, and Political Pluralism
الملخّص
تنقد الدراسة الإطار العام الذي حكم التيار الأوسع من الباحثين في العلاقات المدنية - العسكرية في منهجية تفكيرهم في المؤسسة العسكرية منذ نشأة الحقل، وتقدم الفجوات النظرية والتطبيقية في تلك الأدبيات، خاصة عند باحثي "آليات الوقاية من الانقلاب"، مبيّنة ضعف القدرات التفسيرية للحقل في استقراء وتحليل الحقبة التاريخية التي يسعى البحث للكشف عن التباساتها النظرية والتاريخية، وهي مرحلة التعددية السياسية في سورية في المدة 1954 - 1958، التي نظر إليها الباحثون باعتبارها مرحلة ديمقراطية، وتتساءل الدراسة عن الأسباب التي دفعت الجيش إلى ترك سدّة الحكم والسماح للقوى المدنية بممارسة العمل السياسي في حينه، على الرغم من توسط هذه المرحلة بين مراحل انقلابية. وتقوم على فرضية أساسية هي أن الجيش مؤسسة عسكرية تمثل أجنحة وقطاعات ووحدات وألوية وعلاقات قوة، قبل أن تكون تعبيرًا عن أي شرائح اجتماعية أخرى، وهو على عكس ما ذهبت إليه الأدبيات في بحث خلفيات الضباط السوسيولوجية.
Abstract
The study criticizes the general framework that has governed the broader current of the researchers in civil-military relations, their method of thinking about the military institution since the inception of the field, the paper presents the theoretical and practical gaps in that literature, in particular the researchers of "Coup-Proofing". The study shows the weakness of the explanatory capabilities of the field in extrapolating and analyzing the historical era that the research seeks to reveal its theoretical and historical ambiguities, which is the phase of political pluralism in Syria between 1954 - 1958 , which the researchers viewed as a democratic phase. The paper examines why did the army step down from the presidency and allowed civil forces to engage in political action at the time, in spite of that phase is in the midst of two series of coups. The paper is based on a basic premise that the army as a military institution do represent wings, sectors, units, brigades, and power relations, before it is an expression of any other social segments, which is in contrast to what the literature says in examining the sociological backgrounds of the officers.
- سورية
- الانقلابات العسكرية
- آلية الوقاية من الانقلاب
- الديمقراطية
- Syria
- Military Coup
- Coup-Proofing
- Democracy
صراع الأجنحة السياسية داخل المؤسسة العسكرية السورية 1954 - 1958: الانقلابات والتعددية السياسية The Conflict between Political Streams in the Syrian Military Establishment 1954 - 1958: Coups and Political Pluralism
تنقد الدراسة الإطار العام الذي حكم التيار الأوسع من الباحثين في العلاقات المدنية - العسكرية في منهجية تفكيرهم في المؤسسة العسكرية منذ نشأة الحقل، وتقدم الفجوات النظرية والتطبيقية في تلك الأدبيات، خاصة عند باحثي "آليات الوقاية من الانقلاب"، مبيّنة ضعف القدرات التفسيرية للحقل في استقراء وتحليل الحقبة التاريخية التي يسعى البحث للكشف عن التباساتها النظرية والتاريخية، وهي مرحلة التعددية السياسية في سورية في المدة 1954 - 1958، التي نظر إليها الباحثون باعتبارها مرحلة ديمقراطية، وتتساءل الدراسة عن الأسباب التي دفعت الجيش إلى ترك سدّة الحكم والسماح للقوى المدنية بممارسة العمل السياسي في حينه، على الرغم من توسط هذه المرحلة بين مراحل انقلابية. وتقوم على فرضية أساسية هي أن الجيش مؤسسة عسكرية تمثل أجنحة وقطاعات ووحدات وألوية وعلاقات قوة، قبل أن تكون تعبيرًا عن أي شرائح اجتماعية أخرى، وهو على عكس ما ذهبت إليه الأدبيات في بحث خلفيات الضباط السوسيولوجية.
Political Science and Public Administration Researcher, Nişantaşı University, Istanbul, Turkey. Email: aamer3860@gmail.com
"لا يسع المنَظّرين إلّ أن يحافظوا ع ىل المفاهيم، وأن يسمّوا الأشياء بمسمياتها"1.
مقدمة: كيف نظر الباحثون إلى سورية في منتصف الخمسينيات؟2
فيي سورية، تثير المدة 1958-1954 التي شهدت عودةً إلى الحياة السياسية التعددية والبرلمانية، أو الديمقراطية كما يصفها البعض، الكثير من الأسئلة، إذا ما أخضعناها للبحث بأدوات حقل دراسات الانتقال الديمقراطي والعلاقات المدنية - العسكرية. ففي هذه الأعوام لم يتصدر الجيش السوري سدّة الحكم كما كانت الحال في المدة 1954-1949؛ إذ شهدت هذه الأعوام خمسة انقلابات ناجحة، ومحاولة انقلابية فاشلة، وبعد عام 1958 وقعت تسع محاولات انقلابية ناجحة/ فاشلة، ما يعني أن الانقلابات أصبحت هي القاعدة في الحياة السياسية السورية وما سواها هو الاستثناء، وهذا الاستثناء تمثله المدة 1958-1954 التي تحاول هذه الدراسة البحث عن أسبابه. سال حبر كثير حول صراعات الكتل السياسية داخل الجيش السوري، لكن السؤال عن تأثيرها في الحياة السياسية لتلك الحقبة التي انحسرت فيها الانقلابات لم يُطرح بعد، فهل من علاقة بين عودة الحياة السياسية وصراعات الأجنحة العسكرية؟ مع الإشارة إلى أن وصف الجيش بأنه في حالة صراع، يعني بالتعريف وجود ميزان قوى متأرجح بين الأجنحة العسكرية عسكريًا وسياسيًا. وبناء عليه، هل كان تراجع ظاهرة الانقلابات وعودة الحياة السياسية في سورية في المدة 1958-1954 نتيجة وصول ميزان القوى إلى حالة التوازن بين هذه الأجنحة المتصارعة في القوات المسلحة؟ تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذا السؤال من خلال الكشف عن طبيعة هذه الصراعات الداخلية في الجيش، وبحث الأشكال التي اتّخذها هذا الصراع؟ وكيف وصل إلى مرحلة التنافر الداخلي في الثكنات ابتداءً؟ وما طبيعة علاقته بالنظام السياسي والتيارات الأيديولوجية والصراعات الدولية؟ لم يكن البحث عن أسباب انحسار الانقلابات في سورية مثار تساؤل لدى الباحثين، إلّ أنهم في سياق عرض المرحلة التاريخية، فسّوا اقتصار
1 كارل شميت، نظرية البارتيزان: استطراد حول مفهوم السياسي، نقلته إلى العربية هبة شريف (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2020)، ص.143 2 أتوجّه بجزيل الشكر إلى السادة المحكمين الذين جَهلتُ هوياتهم، وتركت تعقيباتهم على النص كبير الأثر، وإلى الأساتذة الأكاديميين خليل العناني وعبد الرحمن الحاج ومأمون أبو عامر، والزملاء الباحثين أسامة غاوجي ومحمد سعيد ومجد أبو عامر وعبيدة عامر وأحمد أبا زيد، على قراءة مسوَّدة البحث وعلى ملاحظاتهم النقدية المهمة.
الحكم على المدنيين بعزوف الجيش عن ممارسة السياسة3؛ إذ انكفأ إلى ثكنته تاركًا الحكم للمدنيين، مع إشارة بعض الأدبيات إلى كثرة تدخلات الجيش في الحياة السياسية وصراع تكتلاته الداخلية4. في المقابل، ثمّة أدبيات تناولت المرحلة باقتضاب شديد ومخلّ، مفرغةً مساحات مطوّلة لبحث طبيعة الصراعات في الحياة الحزبية تحت قبة البرلمان وخارجه، والحريات المدنية والتجاذبات الإقليمية والدولية التي وقعت فيها سورية خلال الخمسينيات5. وقد أحاطت بهذه الحقبة توصيفات رومانسية - بأثر رجعي لما عاشته سورية من مأساة حقيقية مع الأسد الأب (2000-1970) والابن (-2000) - فوُصِ فَت بالتجربة الديمقراطية، على عِلّ تها، من دون مساءلة لهذا المفهوم، وعليه تسائل الدراسة هذه المدة أيضًا: أهي حالة تعددية سياسية6 وحريات مدنية؟ أم ديمقراطية تشوبها عيوب من تدخلات العسكر وغيرها؟ تفترض الدراسة استحالة وصف نظام سياسي ما على أنه ديمقراطي في حال اجتمع الجيش والسياسة، وتتبنى مفهوم النظام الديمقراطي وعلاقته بالجيش الذي وصفه روبرت دال بسيطرة المدنيين عبر الانتخابات على الحكومة ومؤسسات الدولة وفقًا للدستور، وتكون القوات المسلحة تابعة بالكامل طواعيةً للسلطات المدنية المنتخبة7. يحيل مفهوم الانقلاب coup، إلى التغيير المفاجئ لنظام الحكم بالقوة من جماعة، في حالتنا جماعة عسكرية، من داخل الإطار الدستوري8. بينما يعني توازن القوى العسكرية في الجيش، وهو المفهوم المركزي في
3 أي "ممارسة الحكم والاستيلاء عليه، أو المشاركة فيه، أو اتخاذ القرار بشأنه". عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.29 4 من ضمن الأعمال المرجعية: جوردن ه. توري، السياسة السورية والعسكريون: 1958-1945، ترجمة محمود فلاحة، ط 2 (دمشق: دار الجماهير، 1969)؛ باتريك سيل، الصراع على سورية: دراسة في السياسة العربية بعد الحرب (1958-1945، ترجمة سمير) عبده ومحمود فلاحة (دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر،.)1986 5 ينظر على سبيل المثال لا الحصر: غسان محمد رشاد حداد، من تاريخ سورية المعاصر: 1966-1946 (عمّ ن: مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، 2001)، ص 128-87؛ كمال ديب، تاريخ سورية المعاصر: من الانتداب إلى صيف 2011، ط 2 (بيروت: دار النهار، 2012)، ص 170-148؛ نشوان الأتاسي، تطور المجتمع السوري: 2011-1831 (بيروت: أطلس للنشر والترجمة، 2015)، ص 218-216؛ كريم الأتاسي، سوريا قوة الفكرة: المشروع الوطني والهندسات الدستورية للأنظمة السياسية، ترجمة معين روميّة (بيروت: مركز دراسات
الوحدة العربية، 2022)، ص 17، 29،.224-217 6 تعتمد الدراسة مفهوم التعددية من مقاربة النظرية الوصفية؛ أي التعددية التي تقاد فيها السياسة بالمنافسة على السلطة، والنفوذ بين الجماعات السياسية والتيارات الأيديولوجية المنتشرة. ينظر: كريغ كالهون (محرر)، معجم العلوم الاجتماعية، ترجمة معين رومية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.219 7 Robert A. Dahl, Democracy and its Critics (New Haven: Yale University Press, 1989), p. 21. 8 خلدون النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)، ص 108؛ عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ط 3 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.34
الدراسة، قدرة الضباط من التيار السياسي "أ" على منع محاولة ضباط من التيار السياسي "ب" الانقلابية؛ لفرض رؤيتهم السياسية، أو التدخل لمنع تحولات سياسية تتعارض معها، وقدرة ضباط "ب" على منع ضباط "أ" من القيام بالأمر نفسه، وهو ما نسمّيه حالة التوازن بين أجنحة الجيش العسكرية المسيّسة، التي لا يشترط أن تكون ثنائية بالضرورة. وهو مفهوم يقوم في الأساس على فرضية يسوغها البحث، أن الجيش السوري منذ انقلابه الأول لا يصحّ اعتباره كتلة واحدة متجانسة عسكريًا، بل هو مجموعات متمايزة في المصالح والطموحات والتوجهات السياسية، وهذه المجموعات عابرة قطاعاته ووحداته العسكرية.
تحاول الدراسة الإجابة عن التساؤلات واختبار الفرضيات المذكورة، عبر الاستقراء والتحليل باستخدام منهجية مختلطة (الأرشيف وتحليل الخطاب وتتبع العمليات Method Process-tracing والسوسيولوجيا التاريخية). وبحكم بحث الدراسة في المؤسسة العسكرية السورية وانقلاباتها، فهي تعتمد على مذكرات الضباط والسياسيين السوريين مصدرًا رئيسًا، إضافة إلى الأدبيات السابقة. وتجدر الإشارة إلى أن البحث في المؤسسة العسكرية السورية، وربما العربية عمومًا، تحيط به عوائق جمّة، نتيجة انعدام الشفافية وغياب المعلومات الصادرة عن الدولة على نحو رسمي، التي تعرّفنا بحجم المؤسسة وبنيتها الداخلية وطبيعة العلاقات القائمة فيها، حتى في مراحلها التاريخية السابقة، ما يمثّل عائقًا منهجيًا أمام الدارسين في حقل العلاقات المدنية - العسكرية. لذلك تشكل المذكرات مصدرًا رئيسًا، بل الوحيد أحيانًا، في دراسة المؤسسة العسكرية السورية، وتوظفها الدراسة بوصفها مادة أساسية في استخراج البيانات أرشيفيًا وتحليل الخطاب المتضمن في النص، بما يخدم أسئلة البحث وأهدافه. وهي كذلك محاولة لرد الاعتبار إلى المذكّرات والسِيَ؛ لكونها، كما يرى
وجيه كوثراني، مرآةً للتاريخ الذاتي للأفراد الفاعلين، وتشكّل التفاصيل والأشياء الصغيرة الواردة فيها، متراكمً بعضها مع بعض، الحدث، ما يعنى "وجوب التعاطي معها باعتبارها 'وثيقة تاريخية'، نخضعها للدراسة والتفسير والتأويل؛ لتصبح معطى من معطيات المعرفة التاريخية"9. ويسهم منهج تتبع العمليات Process Tracing أو تقفية الأثر في تحديد العلاقة السببية بين العامل (التوازن) والقرارات التي تتشكل لدى الأجنحة السياسية في القوات المسلحة10. بينما نستعين بتقاليد السوسيولوجيا التاريخية؛ لفهم تشكّل الدولة العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال، التي تشمل الحالة المبحوثة11. تقع الدراسة في ثلاثة مباحث أساسية، يهتم الأول، بنقد أدبيات العلاقات المدنية - العسكرية التي سعت لإيجاد حلول لإخراج الجيوش من السياسة. ونسلّط الضوء أكثر على الأدبيات التي انشغلت بتحليل أسباب انحسار ظاهرة الانقلابات العسكرية، ونبرز أوجه القصور والفجوات داخل تلك الأدبيات، لكنها لا تتجاوزها، بل تبني عليها وتسدّ ثغراتها. ويدرس المبحث الثاني تاريخ الانقلابات العسكرية الأولى في سورية، مع إيلاء دراسة الخلفيات العسكرية للضباط الانقلابيين (قوات برية/ جوية/ بحرية أو استخبارات عسكرية)، أهمية خاصة؛ إذ تعتقد الدراسة أنّ معرفة آليات العمل الانقلابي تساعدنا على إعادة ترتيب تاريخ الانقلابات وفهمه من حيث نشوء ظاهرة الانقلاب أو انحسارها. أما المبحث الثالث فيستكشف مقوّمات الصراع داخل الجيش وأهم تكتُلّاته وطبيعة علاقة الجيش بالأحزاب ومدى تأثيره في العملية السياسية، ويدرس أيضًا، العلاقة بين عودة الحياة السياسية والبرلمانية السورية وأوضاع المؤسسة العسكرية في المدة 1958-1954. وأخيرًا، تضم الدراسة في نهايتها خاتمة وضع فيها الباحث أهم الاستنتاجات من الناحية التاريخية والنظرية.
9 وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس - مناهج، ط 3 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.399-397 10 يان تيوريل، محدّدات التحول الديمقراطي: تفسير تغيّ أنظمة الحكم في العالم (2006-1972، ترجمة خليل الحاج صالح )الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة( السياسات، 2019)، ص 72؛ حسن الحاج علي أحمد، "القدرة على الاستدلال"، سياسات عربية، العدد 41 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2019)، ص.102-89 11 تعدّ السوسيولوجيا التاريخية الميدان السياسي الذي هو أحد الفضاءات الاجتماعية المكوِّنة لهذه الدولة، ساحة تنافس بين الفاعلين السياسيين على السلطة والموارد الاقتصادية والقواعد الاجتماعية، وبهدف الهيمنة يندفع أولئك إلى تسييس مكونات ثقافية ومادية، وفي حالتنا تسييس المؤسسة العسكرية الناشئة. ونتيجة لحالة التسييس هذه ينشأ صراع على احتكار العنف داخل القوات المسلحة، بهدف السيطرة على الدولة، على اعتبار أنّ محتكر العنف هو الدولة (بالمعنى الفيبري). ينظر: أدهم صولي ورايموند هينبوش، "الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية تاريخية"، عمران، مج 10، العدد 37 (صيف 2021)، ص 36-7؛ ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة، تقديم رضوان السيد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.263-262
أولا: كيف فكّر الباحثون في المؤسسة العسكرية؟
كيف يمكن القادة المدنيين في النظام الديمقراطي ضبط القوات المسلحة من تدخّلها في العملية السياسية؟ منذ صدور كتاب صامويل هنتنغتون الجندي والدولة12 في عام 1957، الذي يهتم بالخلفيات والعلاقات السياسية بالمؤسسة العسكرية وضباطها، وأعمال نقّاده المؤسسين لمقاربات مختلفة تركز على الخلفيات السوسيولوجية والثقافية للضباط، كموريس جانويتز (كتاب الجندي المحترف)13 وصامويل فاينر (كتاب الرجل على صهوة الجواد)14، تحاول تلك الأدبيات التفكير في اجتراح حلولٍ لإصلاح العلاقات المدنية - العسكرية ديمقراطيًا، وتقديم إجابات عن السؤال الذي شكّل، ولا يزال، هاجسًا لجلّ باحثي السياسة المقارنة. تتابعت الدراسات النظرية استكمالً لما سبقها، وظهرت لاحقًا، دراسات الحالة مع الموجة الثالثة من التحول الديمقراطي في محاولةٍ لاستنتاج خلاصات مما وقع في تلك البلدان من تجارب في إصلاح المؤسسات العسكرية. يتركز معظم تلك الخلاصات التي وصلت إلى حد المقترحات والتوصيات، على آليات مدنية لدَمقرطة القوات المسلحة، فقد ذهب خوان لينز إلى القول إن العلاج الناجع لتدخل العسكر في السياسة يمر عبر الحوكمة الديمقراطية الفاعلة التي يقودها الفاعلون السياسيون الكبار15. ورأى فيليب أغويرو أن التحول الديمقراطي وتعزيزه يجري من خلال سلطان المؤسسة المدنية على العسكرية، الذي برأيه، يكون عبر إبعاد العسكر عن مواقع القوة وتنصيب مدنيين على رأس هرم المؤسسة العسكرية16. أما أوريل كرويسانت وزملاؤه، فاعتبروا كأسلافهم أن سيطرة المؤسسة المدنية على العسكرية تتم من خلال توزيع سلطة اتخاذ القرار، حيث يمتلك المدنيون الديمقراطيون السلطة الأعلى والحصرية في تحديد سياسات الحكم وتنفيذها17. ولا يتوقف الأمر
12 Samuel P. Huntington, The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations (Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press, 1957). 13 Morris Janowitz, The Professional Soldier: A Social and Political Portrait (Glencoe, Ill.: Free Press, 1960). 14 Samuel E. Finer, The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics (London: Pall Mall Press, 1969). 15 Juan J. Linz, Breakdown of Democratic Regimes: Crisis, Breakdown and Reequilibration (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1978), p. 30. 16 Felipe Aguero, Soldiers, Civilians and Democracy: Post-franco in Comparative Perspective (Baltimore/ London: The Johns Hopkins University Press, 1995), p. 17. 17 Aurel Croissant et al., "Beyond the Fallacy of Coup-ism: Conceptualizing Civilian Control of the Military in Emerging Democracies," Democratization , vol. 17, no. 5 (2010), p. 955.
على الباحثين، بل اتّخذ بعض الفاعلين المنحى النظري ذاته، وهو أمر مثير للاستغراب، فنارسيس سيرا، الباحث في الحقل ووزير الدفاع الإسباني الأسبق، يرى أن استقلالية الجيش من تدخّله في السياسات، تمر عبر التدني التدرجي لصلاحياته التي تقلّصها سلطة تحكّم مدني ديمقراطي في علاقة تفاوضية حذرة وطويلة الأمد18. ومؤخرًا، ذهب كل من زولتان باراني19 وعبد الفتاح ماضي20 (وهو آخر من كتب عربيًا، وربما في الحقل كله، حتى كتابة هذه السطور) إلى رسم سياسات للقوى المدنية تمكّنهم من إصلاح المؤسسة العسكرية واقتراح آليات لإخراج الجيش من السياسة، عبر استقراء عدد كبير من الحالات وتحليلها، وتتلخص تلك السياسات والآليات في قضايا الإشراف على الميزانيات العسكرية وإقامة الرقابة المدنية وحوكمة القطاع الأمني والمناصب داخل وزارة الدفاع ومأسستها، ودسترة صلاحيات القوات المسلحة وقوننتها، إلى آخره. تتلخص الإشكاليات التي وقع فيها بعض تلك الدراسات في أنها أولً، افترضت مسبقًا أن القوات المسلحة موافقة ضمنيًا على عملية الانتقال السياسي إلى الديمقراطية، وأن تلك العمليات من التحكم المدني فيها ستجري من دون رفض أو قلق منها. يؤسس هذا الإشكال ثانيًا، على أن عمليات إصلاح العلاقات المدنية - العسكرية التي بنى عليها هؤلاء الباحثون، كانت قد جرت في سياق بنيوي وزمني من الصعوبة أن يقدَّم مرة أخرى إلى بلدان مختلفة في الزمان والمكان، بمعنى، أن حالات الأرجنتين والبرازيل وتشيلي والبرتغال وإسبانيا، أي الحالات التي تمثل "المعقل التاريخي للسياسة العسكرية" (كما يسميها فيليب دروز فينسينت)21، كان الانتقال الديمقراطي، وترسّخه لاحقًا، قد وقع في سياق دعم دولي وتأثير إقليمي واضحيَن من الجهة الغربية في العالم، أي سياق الحرب الباردة الذي كانت فيه الولايات المتحدة تدفع الدول دفعًا إلى الدمقرطة، سعيًا منها لضمان اصطفافها معها في مقابل المعسكر الشرقي. ومن ثم، سياق الموافقة الضمنية من العسكر على الدمقرطة، عائد إلى كونه مجبرًا بضغط خارجي، ومقيّدًا بمنظومة دولية. بينما ثمة دول أخرى، مثل البلدان العربية، تُ نع
18 Narcis Serra, The Military Transition: Democratic Reform of the Armed Forces , Translated by Peter Bush (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2010), pp. 43-49. 19 زولتان باراني، الجندي والدولة المتغيرة: بناء جيوش ديمقراطية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركتين، ترجمة نبيل الخشن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.75-49 20 عبد الفتاح ماضي، الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية - العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.361-263 21 Philippe Droz-Vincent, Military Politics of the Contemporary Arab World (Cambridge: Cambridge University Press, 2021), pp. 288-289.
إقليميًا ودوليًا من التحوّل إلى الديمقراطية، ما يعني صعوبة تطبيق تلك الوصفات التي يقدمها الباحثون؛ لاختلاف السياقات، فضلً عن الاختلاف البنيوي والجذري بين تركيبة تلك الجيوش وعلاقتها بالدولة والمجتمع، وبعض جيوش المنطقة العربية، كالجيش السوري. ثالثًا، يظهر بوضوح ضعف الأدبيات في دراسة القوات المسلحة ذاتها والقطاعات الأمنية كذلك، في مقابل هيمنة التفكير في القوى السياسية والمدنية والعوامل الخارجية وأدوارها، على أهميتها؛ إذ يلاحظ عدم التركيز على علاقات القوة داخل الجيش. فقد جرى التعامل مع القوات المسلحة باعتبارها تكتلً واحدًا، أو بالأحرى كتلة هلامية، تعبّ عن نتيجة واحدة إزاء الديمقراطية، وكان من الضروري تفكيك الجيش، نظريًا في أثناء البحث على الأقل، إلى ألوية وفصائل (قوات جوية وبحرية وبرية واستخبارات عسكرية) لاختبار العلاقات بين وحدات الجيش وقواته ومواقفه من عمليات الانتقال السياسي، كما ستقوم هذه الدراسة بكشف ذلك في الحالة السورية مثلً. لكن هذا الضعف المنهجي يعود إلى قلة اهتمام الباحثين بدراسة الجهاز العسكري ذاته، كما تلاحظ نانسي برميو22. رابعًا، إن الإشكالية الأهم التي شابت معظم تلك الأدبيات، في كونها صياغات متعددة لمقاربة واحدة، بمعنى أنها قدمت حلولً إلى المدنيين، وعليهم السعي لها للتوصل إلى نظام ديمقراطي راسخ، صحيح أن الانتقال الديمقراطي لا يجري من دون نخب سياسية ديمقراطية، فإصلاح المؤسسة العسكرية يقوم على علاقة ثنائية، لكن لم يُنظر إلى القوات المسلحة، حيث تكون هناك طريق للوصول إلى الديمقراطية والتعددية السياسية عبر حلٍ من داخلها، وليس من طرف خارج عن المؤسسة العسكرية فحسب. بطريقة أشد وضوحًا، إن مرحلة التعددية السياسية/ "الديمقراطية" التي مرت بها سورية خلال المدة 1958-1954، لم تأتِ عبر دفع الجيش إلى خارج السياسة، بالمعنى الضيق، من قوى مدنية ديمقراطية للوصول إلى أربعة أعوام من التعددية السياسية، بل هي مرحلة من ازدواجية السلطة المدنية - العسكرية، أو كما وصفها حازم صاغية بدقة، هي عهد شبه مدني، شبه عسكري23، فكيف وصلت سورية خلال تلك المرحلة إلى تعددية سياسية أو ازدواجية الحكم من دون نضال قوى مدنية ديمقراطية؟
22 Nancy Bermeo, "Surprise, Surprise: Lessons from 1989 and 1991," in: Nancy Bermeo (ed.), Liberalization and Democratization: Change in the Soviet Union and Eastern Europe (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1992), p. 198. 23 حازم صاغية، الانهيار المديد: الخلفية التاريخية لانتفاضات الشرق الأوسط العربي (بيروت: دار الساقي، 2013)، ص.124
لعل من المفيد التذكير بأن قلّة بل انعدام الإجابات في الأدبيات يعود إلى ضعف الانشغال البحثي الجاد والممأسس بدراسة جيوش المشرق العربي قبل السبعينيات، أي قبل استقرار النظم العسكرية والسياسية، وعلى الرغم من صدور أعمال مهمة وتأسيسية، كأعمال أنور عبد الملك24 ونزيه الأيوبي25 وخلدون النقيب27 وعزمي بشارة28، فإن الضعف ما زال حاضرًا. وفي الوقت الذي سعى فيه باحثون عرب، مؤخرًا29 لتقديم إجابات وحلول لمسألة الانتقال السياسي عربيًا، فإنهم مالوا إلى دراسة جيوش من خارج المنطقة العربية. لذا، فإنّ ملاحظة جانويتز، ما زالت صحيحة بعد عقود: إن "الاهتمام بجيوش الشرق الأوسط ما زال ضئيلً جدًا، إذا ما قورن ذلك بالدراسات حول جيوش أميركا اللاتينية وأفريقيا"30. لمحاولة التوصل إلى رؤية أوضح للحالة المدروسة، لا بد من اختبار أدبيات الوقاية من الانقلاب، كون النموذج السوري الذي نعكف على توضيح التباساته وقع ضمن مراحل انقلابية. رأت ثيدا سكوكبول، أن لا أهمية لأيِّ مؤسسة في الحفاظ على بقاء النظام كأهمية المؤسسة العسكرية، وعليه، ثمّة أولوية لدى النخبة
24 أنور عبد الملك، المجتمع الم يرر والجيش (1973-1952) (القاهرة: مركز المحروسة،.)2005 25 نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2010 26 النقيب. 27 بشارة، الجيش والسياسة. 28 ماضي، ص.260-133 29 Morris Janowitz, Military Conflict: Essays in the Institutional Analysis of War and Peace (Beverly Hills, Calif: Sage Publications, 1975), p. 148.
الحاكمة في الحفاظ على الولاء المطلق لضباط القوات المسلحة31. وجرى ذلك الحفاظ على النظام الحاكم في سياق المشرق العربي عمومًا، وسورية خصوصًا، إلى ما سمّ ه الباحثون ظهور "آليات الوقاية من الانقلاب Coup-Proofing"، التي تعني "مجموعة الإجراءات التي يقوم بها النظام لمنع وقوع الانقلابات العسكرية"32. تُحسَ هذه الآليات التي شخّصها الباحثون في: أولً، التحكم في الجيش عبر خلق حالة توازن وهيمنة على القوات المسلحة، فعندما يكون احتمال الانقلاب كبيرًا، يتّجه النظام، الممثَّل بالزعيم، نحو تقسيم قواته العسكرية إلى جماعات متنافسة (مثل: الحرس الجمهوري والمجموعات شبه العسكرية وهيئات الاستخبارات) التي تهدف إلى إحباط قدرة سلك الضباط على تنسيق عمل انقلابي ضد النظام33. ثانيًا، يُكتسب ولاء هذه القوات الموازية عبر التسليح والتدريب العالي ورفع مستويات الإنفاق وتوزيع مكاسب مادية سخيّة عليها34. ثالثًا، يتّخذ النظام إجراءات شبه منتظمة في تدوير المواقع العسكرية للضباط، لمنعهم من تشكيل عصبة أو تكتُّل داخل أيٍّ من وحداتهم. رابعًا، تجري عمليات مراقبة وتجسس على وحدات الجيش للتصدّي لأي منافس يظهر داخل المؤسسة، إضافة إلى منع تدفق المعلومات داخل أجهزة النظام العسكرية35، فهي حصرًا تتدفق باتجاه الزعيم. خامسًا، في حالات سورية والعراق على وجه التحديد، بنى الضباط الذين استقرت لهم أنظمة الحكم "جيوشًا عقائدية"، تقوم على الولاء المطلق لحزب البعث الحاكم، عبر تلقين الضباط في الكليات العسكرية، الأيديولوجيا التي يقوم عليها النظام36. سادسًا، الاستثمار في شبكة القرابات والهويات الطائفية والإثنية، لكسب الولاءات داخل القوات المسلحة وخارجها37.
30 ثيدا سكوكبول، الدول والثورات الاجتماعية: دراسة مقارنة بين فرنسا وروسيا والصين، ترجمة نبيل الخشن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.487-473 31 James Quinlivan, "Coup-Proofing: Its Practice and Consequences in the Middle East," International Security , vol. 24, no. 2 (Fall 1999), p. 133. 32 Aaron Belkin & Evan Schofer, "Coup Risk, Counterbalancing, and International Conflict," Security Studies , vol. 14, no. 1 (January 2005), p. 143. 33 Michael Makara, "Coup-Proofing, Military Defection, and the Arab Spring," Democracy and Security , vol. 9, no. 4 (September 2013), pp. 336-337. 34 Risa Brooks, Political-Military Relations and the Stability of Arab Regimes , Adelphi Paper 324 (London: International Institute for Strategic Studies, 1998), pp. 18-20. 35 الأيوبي، ص 520-517؛ Kenneth Pollack, "The Arab Militaries: The Double Swords," in: Kenneth Pollack et al. (eds.), The Arab Awakening: America and the Transformation of the Middle East (Washington, DC: Brookings Institution, 2011), pp. 59-60. 36 Makara, pp. 336-337; Raymond Hinnebusch, "Toward a Historical Sociology of State Formation in the Middle East," Middle East Critique , vol. 19, no. 3 (Fall 2010), p. 209.
مثّلت هذه الآليات الشبكية، داخل المكونات الاجتماعية والأجهزة العسكرية/ الأمنية، ركيزة أساسية في الحدّ من وقوع الانقلابات والحفاظ على الحكم أطول فترة ممكنة. صحيح أنها، مجتمعةً، جزءٌ من مكوِّنات النظام، لكنها لا يتّصل بعضها ببعض، بل تتصل مباشرةً بالزعيم والدوائر المقرّبة من النظام، فهي تتخذ شكل آلية "المحور والمكبح"38، ما جعل هذه الشبكات والأجهزة رديفة لأجهزة الدولة، أي تعمل كأنها دولة، ممثلةً عودة إلى منظومة الحرس البريتوري في أجهزة الدولة العربية39. تكمن إشكالية هذه الأدبيات في أنها: أولً، حصرت آليات الوقاية من الانقلاب في العقود الأخيرة التي استقرت فيها أنظمة الحكم العربية، أي بعد السبعينيات، وربما تسهم في فهم ترسّخ دكتاتوريات ما قبل هذه المراحل أيضًا، مثل دكتاتورية أديب الشيشكلي في سورية (1954-1949). لكنها لا تفسّ انحسار الظاهرة الانقلابية في سورية في المدة 1958-1954، ولا تجيب عن سؤال: كيف تصدّر المدنيون الحكم وليس الجيش؟ ثانيًا، خلط بعض تلك الدراسات بين انحسار الانقلابات العسكرية وأسباب انسحاب الجيوش من السياسة (زولتان باراني مثلً)، وهنا ثمة بَوْنٌ شاسع بينهما، فضبط الجيش وخلق آليات لمنعه من الانقلاب، لا يعني أنّ الجيش خارج السياسة، فغالبًا الذي قام بصناعة آليات منع الانقلاب، هو ضابط صعد إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري، وأحاط نظامه بضباط لإدارة الحكم سويًّا، ومن ثم، ما زال الجيش في السياسة وهو الذي يحكم، لكن تمّ لجم باقي ضباط الجيش من القيام بانقلابٍ ضدّهم. ثالثًا، الفجوة النظرية الأهم التي وقعت فيها هذه الدراسات، أنها نظرت إلى الأسباب وآليات انحسار الانقلابات باعتبارها حالة مخلوقة، فهي بتعريف كوينليفان "مجموعة إجراءات يتّخذها النظام"، أي ثمة من يقوم بصناعة هذه الآليات، أو سلطة عليا قادرة على التحكم في جميع الأطراف. هذا صحيح على نظام الحكم في سورية مع بداية السبعينيات، لكنه وقع تجاهل حقبة الخمسينيات، أي مرحلة الغليان السياسي والأدلجة في صفوف القوات المسلحة السورية بعدسة دقيقة، فالمرحلة بين عامي 1954 و 1958 لم تشهد
37 Steffen Hertog, Princes, Brokers and Bureaucrats: Oil and the State in Saudi Arabia (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2010), p. 3. 38 عزمي بشارة، "الدولة والأمة ونظام الحكم: التداخل والتمايز"، ورقة مقدمة في الدورة الثامنة لمؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية "الدولة العربية المعاصرة: التصور، النشأة، الأزمة"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2021/3/21؛ Hanna Batatu, "Some Observations on the Social Roots of Syria's Ruling, Military Group and the Causes for Its Dominance," Middle East Journal , vol. 35, no. 3 (Summer 1981), pp. 331-344.
نظامًا سلطويًا يسعى لشرذمة الجيش، للحفاظ على حكمه، بل شهدَت وجود تكتلات عسكرية تتصارع في ما بينها، من دون زعيم يقوم بخلق التنافس بين أجنحة الجيش وإشعاله، وعليه، تتفرّد هذه المرحلة بالاستثناء العسكري في تاريخ سورية، وربما تاريخ بلدان أخرى. ويحق للباحث التساؤل، هل نشأت هذه التكتلات بمحض الصدفة؟ وكيف بزغت إذا ما كان مجتمع الأكاديميين قد رأى أن التنافس في صفوف الجيش يُخلَق من سلطة عليا تتغذّى بالتنافر في القوات المسلحة؟ وإذا ما افترضنا أنها صدفة اعتباطية، أو وليدة ظروفها السياسية، فكيف أدارت صراعاتها إذًا؟ وهل انتصر فيها أحد على الآخر؟ نسعى للإجابة عن ذلك عبر تقديم قراءة سردية وتحليلية للانقلابات العسكرية في سورية، واختبار مدى واقعية تلك الآليات التي توصَّل إليها الباحثون وفاعليتها.
ثانيًا: انقلابات سورية 1949 - 1954: الجدل السوسيولوجي والعسكري
1. الإرث الانتدابي: الخلفيات السوسيولوجية للجيش السوري
قادت الجدالات بشأن الطبيعة الطائفية لنظام الحكم عمومًا وللقوات المسلحة خصوصًا في سورية، إلى إعادة البحث في الخلفيات السوسيولوجية (الطبقية أو المدينية أو الدينية أو الإثنية) لضباط الانقلابات العسكرية في سورية في المدة 1970-1949 بأثر رجعي، وكثيرًا ما فُسّت الانقلابات العسكرية في سورية بوصفها انعكاسًا لتلك الخلفيات40. ربما تتمتع غالبية الاعتقادات والأحكام التي اعتمدت على التحليلات الطبقية والدينية/ الطائفية بقدر كبير من الدقة، لكن التحليلات التي اعتمدت على الخلفيات الإثنية جانبت الدقة، مقارنةً بسابقاتها. فالانقلابات الثلاثة الأولى، قادها ضباط من أصول كردية متعربة، ما دفع العديد من الباحثين إلى القول بأقلوية هذه الانقلابات41. إلّ أنّ الممارسة العملية لقادة الانقلابات الثلاثة،
39 ينظر على سبيل المثال لا الحصر: نيقولاوس فان دام، الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة 1955-1961، ط 2 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1995)؛ حنا بطاطو، فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم، ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2014 40 ينظر: غسان سلامة، المجتمع والدولة في المشرق العربي، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 162. ويُطلعنا ضابط سلاح الجو الدمشقي المعروف محمد العشي في مذكراته على أن انقلاب حسني الزعيم أعطاه الفرنسيون هوية كردية في كليات التدريس في ذلك الحين، في أثناء دراسة أخيه زهير العشي. ينظر: محمد سهيل العشي، فجر الاستقلال في سورية: منعطف خطير في تاريخها، ط 2 (بيروت: دار النفائس، 2019)، ص.135
على صعيد بنية الجيش والمؤسسات السياسية والتحولات القانونية لأوضاع تلك الأقليات، لم تظهر عملية "كردنة" أو "شركسة" لمؤسسات الدولة. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك سياسات أديب الشيشكلي، حين سعى لتحجيم عدد الأقليات داخل الجيش في نهاية عهده، لمصلحة الحفاظ على الطابع العربي السُنّي للمؤسسة العسكرية، على الرغم من أنه من أصول كردية لجهة الأب، وشركسية لجهة الأم، ما يعني حمله أقليتين في هويته، وليس أقلّويًا. يستند التحليل الأقلياتي إلى مسلّمة شائعة في بعض أوساط الباحثين العرب والغربيين على السواء42، بالقول إن طبيعة تكوين الجيش السوري الذي يعود إلى إرث الانتداب الفرنسي حين أسّس "جيش الشرق الخاص"، تقوم على الأقليات السورية عمومًا؛ إذ حالت السلطات الفرنسية دون انخراط أبناء الأكثرية العربية السُنّية في الجيش في حالات عدة. في المقابل، يشير الباحث نخلة بو نخلة في دراسته الرصينة حول تجنيد السوريين في أثناء الانتداب إلى أن نسبة العرب السُنّة في هذه القوات كانت تفوق حضور الأقليات على اختلافها43. كما يُظهر الباحث نفسه أن الأمر لا يقتصر على حدود التركيبة العامة للجيش فحسب، بل إن حضور العرب السُنّة في سلك الضباط في عام 1947، أي بعد استقلال سورية (1946)، أعلى من أي تحدّر أقوامي أو ديني آخر في الجيش. ومن ثم، لم تقم فرنسا بإقصاء جماعات سكانية بأكملها لأسباب مذهبية وأقلّوية، بل اعتمدت السياسة التي انتهجتها باريس في عمليات التجنيد على اختيار جماعات - طوائف وإثنيات وعشائر وعائلات - موالية لسياساتها، في انتقائية تستبعد المشكوك في موالاتهم داخل الأقلية والأكثرية على حد سواء. في حين هناك من يشير إلى أن باريس انتهجت سياسة تركيز الأقليات، الإثنية أو الطائفية على السواء، في الوحدات النوعية للجيش44، وعليه، ليس بالضرورة أن التناسب الكمي لمكوّنات المجتمع وشرائحه داخل الجيش السوري ينفي السياسات الأقلّوية للنظام الفرنسي الاستعماري. نتيجة هذا الانشغال والجدل البحثي الممتد منذ عقود حول الخلفيات السوسيولوجية للضباط، كما الأصول القبلية والإثنية والطائفية، الذي أصبح موثقًا توثيقًا دقيقًا جدًا45، ترى الدراسة ضرورة النظر والبحث
41 ينظر مثلً: سلامة، ص 162؛ توري، ص.52 42 Nacklie E. Bou-Nacklie, "Les Troupes Speciales: Religious and Ethnic Recruitment, 1916-1946," International Journal of Middle East Studies , vol. 25, no. 4 (November 1993), pp. 645-660. 43 عزمي بشارة، سورية: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.279 44 فؤاد إسحق الخوري، العسكر والحكم في البلدان العربية (بيروت: دار الساقي، 1990)، ص.7
في الخلفيات العسكرية لضباط الانقلابات؛ ذلك أن الجيش مؤسسة عسكرية تمثل أجنحة وقطاعات ووحدات وألوية (قوات جوية وبحرية وبرية واستخبارات عسكرية) وعلاقات قوة، قبل أن تكون تعبيرًا عن أي مؤسسات اجتماعية أخرى. ففي نهاية المطاف، يعتمد العمل الانقلابي العسكري على قدرة الضباط على ضمان مشاركة أكبر قدر ممكن من القوات الضاربة في تنفيذ العملية، لتكلل المهمة بالنجاح من دون وقوع صدام مع قوى موازية يمكن أن تقود إلى العنف داخل الجيش.
بناء عليه، التساؤل عن خلفية الضباط العسكرية مشروع ومثير في بعض جوانبه. وانطلاقًا من السؤال عن مسلسل الانقلابات السورية46، ما الوحدات والألوية العسكرية التي قامت بالعمل الانقلابي في سورية قبل عام 1954؟ قبل الشروع في الإجابة، لا بد من إلقاء الضوء على جذور التسييس في الجيش، والتعريج على أسباب وقوع الانقلابات الأولى في سورية.
45 وقع في سورية منذ انقلاب حسني الزعيم في 30 آذار/ مارس 1949 حتى انقلاب حافظ الأسد "الحركة التصحيحية" في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، 16 انقلابًا عسكريًا، ما بين ناجح وفاشل، والمثير للاستغراب أن مجموع الانقلابات الواقعة بين نهاية العام وبداية العام الجديد، أي من الشهور الثلاثة الأخيرة حتى الثلاثة الأولى من السنة هو 12 انقلابًا، تسعة ناجحة وثلاثة فاشلة. ففي الربع الأول من العام (كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير وآذار/ مارس) وقعت سبعة انقلابات، ستة ناجحة، وواحد فاشل. وفي الربع الرابع والأخير من العام (تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر)، وقعت خمسة انقلابات، ثلاثة ناجحة واثنان فاشلان. في حين لم تسجل سورية خلال الربع الثاني من العام (نيسان/ أبريل وأيار/ مايو وحزيران/ يونيو) أي انقلاب عسكري. لا أعلم إن كان ثمة دلالة زمنية في هذه الانقلابات، لكن الملاحظ في أثناء البحث والقراءة في مذكرات عشرات الضباط والسياسيين السوريين أن هناك حالات عدة وقع فيها انقلاب سبقه نقاش حول ميزانية الجيش من الموازنة العامة في البرلمان ومع السياسيين من الرئيس أو وزير الدفاع. لا شيء يدعو إلى الجزم، لكنها ملاحظة تستوقف الباحث. ينظر: الجدول (11) حول الانقلابات العسكرية كلها في المدة.1970-1949
2. جذور التسييس في الجيش وأصول الانقلابات
يُرجع عزمي بشارة جذور التسيس وتبنّي الأيديولوجيات في أوساط الجيش السوري إلى الدورة الأولى من خريجي المدرسة العسكرية في حمص في عام 1945، حيث انتشرت الأفكار اليسارية والقومية في معظم أوساط الجيش، لتأخذ في التوسع مع نتائج الهزيمة في حرب عام 1948، ومع ولادة أولى حركة الانقلابات العسكرية في البلاد47. فقد أدّت الأيديولوجيات والأحزاب الصاعدة، كحزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي، دورًا مركزيًا في تسييس الجيش عبر خطابات القومية والدفاع عن حقوق العمال والفلاحين والطبقات الكادحة؛ إذ لقيت هذه الخطابات رواجًا في صفوف العسكريين المتحدرين من أصول فلاحية وأبناء الطبقات الوسطى في المدينة والريف، في مواجهة الطبقات الحاكمة التي هي طبقة كبار الم ك، لتطبيق برنامج الإصلاح الزراعي بالقوة. وانجذبت قواعد واسعة في أوساط الجنود والضباط حول أكرم الحوراني، خصوصًا العسكريين من مدينة حماة (مسقط رأس الحوراني) تحديدًا، وامتدت قاعدة الحوراني بالتدرج في قرى حلب وحمص ومعرّة النعمان48. وكان الضابط عبد الغني قنوت قد أدى دورًا أساسيًا إلى جانب الحوراني في عملية تسييس الضباط، بل في جرّ الحوراني إلى الحركات الانقلابية، بعدما كان يؤمن بالحركة الشعبية الفلاحية لا العسكرية49. ومن ثم، تلاقت مصالح وأهداف حزبي البعث والاشتراكي، التي توحدت في نهاية عام 1952، مع قطاعات في الجيش. كما ساهم تصدّع النخبة السياسية المدينية الليبرالية، مثل الكتلة الوطنية في الخمسينيات التي كانت قد انشطرت إلى حزبي الشعب والوطني في عام 1947، في إتاحة المجال السياسي لهذه الأحزاب الهامشية بالتوسع50. لقي الحزب القومي السوري الاجتماعي51 الذي ينادي بالوطنية السورية ووحدة دول "الهلال الخصيب" بعض الرواج في الجيش، فجذب مثلً تعاطف أديب الشيشكلي في الأعوام الأولى من حكمه
46 بشارة، سورية، ص.280 47 محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سوريا، ط 2 (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.239 48 محمد جمال باروت، "حول الشعبوية "الحورانية" في سوريا"، الفكر الديمقراطي، العدد 11 (1990)، ص.95-94 49 شمس الدين الكيلاني، مدخل في الحياة السياسية السورية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.38-34 50 كتب كريستوفر سولومون دراسة شاملة ومهمة صدرت مؤخرًا عن الحزب القومي السوري الاجتماعي، ينظر: Christopher Solomon, In Search of Greater Syria: The History and Politics of the Syrian Social Nationalist Party (New York: Bloomsbury Publishing, 2021).
(1954-1949)، لكن هذا الحضور بقيَ محدودًا، وسط الخطابات وصعود المد القومي العربي، في مقابل الوطنية السورية الضيقة. وبناء عليه، مع تورّط سورية في سلسلة الانقلابات، ووصوله إلى سدة الحكم، رأى الجيش أو قطاعاته التي تسعى للهيمنة والبقاء في السلطة طويلً، ضرورة التحالف مع أيديولوجيات. فكما ذهب بكل وجاهة خلدون النقيب وجاك ووديز إلى أن الجيش ما إن يخرج من الثكنة، لا يمكنه أن يبقى على حياد مع التيارات الأيديولوجية، فالبقاء في السلطة، أو السعي لها، يتطلّب التحالف مع إحدى الأيديولوجيات أو الطبقات المهيمنة52. تضافرت مجموعة عوامل دفعت الجيش السوري إلى الانقلاب على الحكم المدني الحديث، ما بين العوامل السوسيولوجية والاقتصادية التي ترتكز على التحليلات الطبقية في الدرجة الأولى، فأصول الضباط في معظمها متحدّرة من الأرياف التي تجد في سياسات الإصلاح الزراعي والانشغال بقضايا الفلاحين مصدر انجذاب للانقلاب على الطبقات المهيمنة سياسيًا واجتماعيًا (البرجوازية المدينية وملّ ك الأراضي)53. في حين شكلت عوامل سياسية دولية، كمحاولات الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، لإيقاف عمليات التسيس والانجراف نحو اليسار في سياق الحرب الباردة، وفي نطاق سياسات الحفاظ على الأمن الأميركي، عاملً أساسيًا لانقلابات العالم الثالث54. في حين تذيلت هزيمة الجيوش العربية في حرب عام 1948 رأس قائمة الأسباب التي قادت إلى افتتاح ظاهرة الانقلابات العسكرية في العالم العربي. فتشخيص الضباط أسباب الهزيمة وردات أفعالهم عليها، تقاطعت مع موقفهم من الوضع السياسي - الاجتماعي القائم55. في حين هناك من وجد في ضعف الأحزاب العقائدية من عدم قدرتها على الوصول إلى السلطة، دافعًا إلى تسيس الجيش وتجييره لمصلحته للوصول إلى السلطة بعدما يئس من احتمالات الوصول إلى الحكم بالقوة الشعبية56. في هذه الأجواء السياسية والفكرية والاستقطابات الاجتماعية، تصدّرت الأحداث المحلية واجهة المشهد السياسي، وشكّلت القادح لاصطدام القوى العسكرية بالمدنية. دفعت صدمة الهزيمة عسكر المنطقة إلى الاعتقاد أن ما أدى إلى الهزيمة هو ضعف الساسة المدنيين وسوء تدبيرهم وإهمالهم الأجهزة العسكرية من حيث التسليح
51 النقيب، ص 123؛ جاك ووديز، الجيوش والسياسة، ترجمة عبد الحميد عبد الله (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1982)، ص.49-44 52 الأيوبي، ص.515 53 النقيب، ص.131 54 بشارة، الجيش والسياسة، ص.80 55 حليم بركات، المجتمع العربي في القرن العشرين (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص.576-575
والتدريب57. وفي محاولة لرد الاعتبار الاجتماعي إلى المؤسسة العسكرية بعد الهزيمة، التي أهينت من السياسيين، بوصم الجيش بالعار على نحو علني، حيث هاجم النائب في البرلمان فيصل العسلي الجيش وأهانه على الملأ، في المقابل أحال رئيس الجمهورية شكري القوتلي ثلاثة عشر ضابطًا في الجيش من قسم إدارة التموين إلى السجن بعد فضيحة السمن المغشوش، وعلى رأسهم العقيد أنطون البستاني المقرب من رئيس الأركان حسني الزعيم58، الأمر الذي أثار غضب فئات واسعة من ضباط الجيش السوري وجنوده. فوقع انقلاب حسني الزعيم في 30 آذار/ مارس 1949، كما كان للعامل الدولي/ الإقليمي أهميته في انقلاب الزعيم، فقد قوبلت اتفاقية مدّ خط أنابيب التابلاين النفطية التابعة لشركة أرامكو السعودية- الأميركية عبر الأراضي السورية برفض مجلس النواب والحكومة، وبقيت اتفاقية الهدنة مع إسرائيل معلّقة هي الأخرى، ما دفع أميركا إلى البحث عن طرف يمكن أن يمرّر لها مصالحها، وهو ما حصل بالفعل بعد الانقلاب، فصدّق قائد الانقلاب حسني الزعيم كلتا الاتفاقيتين وأبرمهما59.
3. الخلفيات العسكرية للضباط: سلاح المدرعات عند التنسيق للعمل الانقلابي في ظروف متكاملة ومهيَّأة كانقلاب الزعيم، يكون من اليسير على المدبر ضم ضباط وضباط صف للموافقة على المشاركة؛ أي ثمة حالة شبه إجماع في صفوف الجيش على القيام بانقلاب عسكري ضد السياسيين والحكم المدني نتيجة الأسباب المذكورة سابقًا. وبناء عليه، كانت مشاركة القوى الأهم في الجيش، وهي سلاح المدرعات في قطنا، في العمل الانقلابي لحسني الزعيم تحصيلَ حاصلٍ، كما هو موضح في الجدول (1)؛ ذلك أن سر العمل الانقلابي-العسكري وخزان بارود الجيش السوري في المدة 1961-1949، هو سلاح المدرعات، وجوهره اللواء الأول مدرع الواقع في منطقة قطنا البعيدة عن العاصمة دمشق قرابة.30 كلم لكن تكرار الانقلابات، مع عدم توافر مناخ سياسي (مح يل/ إقليمي/ دولي)، ك ا حصل في الانق الب الأول، سيدفع الضباط الانقلابي ني اللاحق ني إلى الاعت اد أك رث ع ىل القوات الضاربة
56 هيثم الكيلاني، الاستراتيجيات العسكرية للحروب العربية -الإسرائيلية: 1988-1948 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص.153 57 سيل، ص.68-66 58 فتح الله ميخائيل صقال، من ذكريات حكومة الزعيم حسني الزعيم: خواطر وآراء (القاهرة: دار المعارف، 1951)، ص.60-52
| الأسماء | الوحدات العسكرية | الرتب العسكرية |
|---|---|---|
| حسني الزعيم | رئيس الأركان | عميد |
| سامي الحناوي | مدرعات | عقيد |
| عزيز عبد الكريم | مدفعية | عقيد |
| سبحان نصر | آمر منطقة سمخ | عقيد |
| فوزي سلو | اللواء الثالث | عقيد |
| محمود بنيان | آمر كتيبة شركسية مدرع | عقيد |
| أديب الشيشكلي | مدرعات | مقدم |
| توفيق بشور | مدرعات | مقدم |
| عمر خان تمر | مدرعات | مقدم |
| محمود شوكت | مدرعات | مقدم |
| كريكور مانوكيان | مدفعية | مقدم |
| بهيج كلاس | مدفعية | مقدم |
| باسيل صوايا | مدفعية | مقدم |
| جميل ماميش | فرسان | مقدم |
| بديع بشور | فرسان | مقدم |
| رفعت خانكان | فرسان | مقدم |
| عدنان المالكي | الشعبة الثالثة | مقدم |
| إبراهيم الحسيني | الشرطة العسكرية | مقدم |
| حسام الدين عابدين | قائد موقع دمشق | مقدم |
| محمد ناصر | طيران | مقدم |
| فيصل الأتاسي | - | مقدم |
| إحسان شرذم | - | مقدم |
| محمود شطرا | مدرعات | نقيب |
| شوان | مدرعات | نقيب |
| ستانيس | مدفعية | نقيب |
| ميورا | مشاة | نقيب |
| موفق القدسي | مشاة | نقيب |
| هرانت | قرائد الدرك العام | نقيب |
| عصام مريود | طيران | نقيب |
| بكري قوطرش | آمر فوج كردي مدرع | ناقيب |
| مصطفى حمدون | مردرعات | مالازم |
| محمود الصلح | الشرطة العسكرية | ملازم |
محمود الصلح
أو "جماعات الإط الق" (ك ا يسمّيها ستيفن هابر)60 داخل الجيش لمساندتهم في العمل العسكري، وهو ما اتضح في الانق الب الثاني الذي قاده العقيد سامي الحناوي بعد أربعة
59 Steven Haber, "Authoritarian Government," in: Donald Wittman & Barry Weingast (eds.), The Oxford Handbook of Political Economy (New York: Oxford University Press, 2006), pp. 693-707.
الجدول (1) المشاركون في انقلاب حسني الزعيم
الشرطة العسكرية
ملازم
المصدر: من إعداد الباحث.
شهور من الانق الب الأول، ك ا يبين ذلك الجدول (2)، واتضح أيضًا بصورة أك رب مع الانق الب الثالث بقيادة العقيد أديب الشيشكلي بعد أربعة شهور تقريبًا من الانق الب الثاني، كما هو موضح في الجدول (3). لذلك أخذ الارتكاز ع ىل س الح المدرعات في سورية منحى تصاعديًا مع كل حالة انقلابية، كما يظهر كميًا في الجدول.)4(
الجدول (2) المشاركون في انقلاب سامي الحناوي
| الأسماء | الوحدات العسكرية | الرتب العسكرية |
|---|---|---|
| سامي الحناوي | مدرعات | عقيد |
| علم الدين القواص | مدرعات | عقيد |
| عزت الطباع | إشارة | عقيد |
| بهيج كلاس | مدفعية | عقيد |
| محمود البنيان | آمر لواء البادية | عقيد |
| أمين أبو عساف | مدرعات | مقدم |
| أكرم عكر | آمر سلاح إشارة | مقدم |
| فريد سيد درويش | مدرعات | نقيب |
| خالد جادا | مدرعات | نقيب |
| خالد عيسى | مدرعات | نقيب |
| عبد الغني دهمان | مدرعات | نقيب |
| يعقوب مبيض | مدرعات | نقيب |
| محمد معروف | مشاة | نقيب |
| حسن الحكيم | مدفعية | نقيب |
| محمد دياب | الشعبة الثالثة | نقيب |
| عصام مريود | طيران | نقيب |
| محمود الرفاعي | طيران | نقيب |
| زياد الأتاسي | حامية دمشق | نقيب |
| توفيق الشوفي | حامية دمشق | نقيب |
| ضامن قنطار | مدرعات | ملازم أول |
| أنطون خوري | مدرعات | ملازم أول |
| فضل الله أبو منصور | مدرعات | ملازم أول |
| محمود عيسى | حرس جمهوري | ملازم |
| عبدو جحت | حرس جمهوري | ملازم |
| جميل أسعد | مدرعات | ملازم |
| مصطفى كمال المالكي | مدرعات | ملازم |
| نور الدين كنج | مدرعات | ملازم |
| بكري الزُبري | مدرعات | ملازم |
| مصطفى الدواليبي | مدرعات | ملازم |
| غالب شقفة | مدرعات | ملازم |
| حسين حدة | مدرعات | ملازم |
| حسين الحكيم | مدرعات | ملازم |
المصدر: المرجع نفسه.
| الأسماء | الوحدات العسكرية | الرتب العسكرية |
|---|---|---|
| فوزي سلو | - | عميد |
| أنور بنود | معاون رئيس الأركان | عميد |
| أديب الشيشكلي | مدرعات | عقيد |
| أمين أبو عساف | مدرعات | عقيد |
| عزيز عبد الكريم | مدفعية | عقيد |
| محمود بنيان | آمر لواء البادية | عقيد |
| توفيق نظام الدين | الأركان العامة | عقيد |
| شوكت شقير | الأركان العامة | عقيد |
| سعيد حبي | طيران | عقيد |
| إبراهيم الحسيني | المكتب الثاني | مقدم |
| علاء الدين ستاسيس | مدرعات | مقدم |
| بكري قوطرش | مدرعات | مقدم |
| عبد الغني قنوت | مدرعات | نقيب |
| فضل الله أبو منصور | مدرعات | نقيب |
| عبد الحق شحادة | مدرعات | نقيب |
| حسين زعينه | مدرعات | نقيب |
| أليكسي شبيعة | مدرعات | ملازم |
| حسين حدة | مدرعات | ملازم |
| مصطفى الدواليبي | مدرعات | ملازم |
| بكري الزُبري | مدرعات | ملازم |
| غالب شقفة | مدرعات | ملازم |
من الملاحظ أن البيانات الكمية الواردة في الجدول (4) تُظهر مدى أهمية سلاح المدرعات، مقارنةً بباقي أسلحة الجيش السوري الأخرى، لكن الكمي في حاجة إلى بعض التفصيل لتتضح معالم ما تدّعيه الدراسة من تصاعد أهمية هذا السلاح مع كل عمل انقلابي. ربما نلاحظ هبوطًا في عدد المشاركين من سلاح المدرعات في حالة انقلاب الشيشكلي من الناحية الكمية، مقارنةً بانقلاب الحناوي، إلّ أنّ المنفذ الحقيقي، بل الوحيد، للانقلاب الثالث في سورية هو المدرعات، فحركة الشيشكلي التي أطلق عليها "حركة العقداء" لم
الجدول (3) المشاركون في انقلاب أديب الشيشكلي
المصدر: المرجع نفسه.
تضم في ساعة التنفيذ سوى ضابطين برتبة عقيد (الشيشكلي وأمين أبو عساف)، أما الضباط الآخرون من الأسلحة المنوعة، كالمدفعية والطيران وقادة الشُعَب61، فقد انسحبوا قبل موعد الانقلاب بيوم واحد بعد اجتماعهم الأخير في منزل العقيد عزيز عبد الكريم الذي انسحب هو الأخير، كما تبعه العقيد توفيق نظام الدين. في الحقيقة،
60 تقسيم الشُعَب في الجيش السوري وفق تقسيمة النمط الفرنسي: الشعبة الأولى شؤون الضباط، والشعبة الثانية الاستخبارات، والشعبة الثالثة العمليات، والشعبة الرابعة تمويل الجيش.
الجدول (4) الخلفيات العسكرية للمشاركين في انقلابات سورية في عام 1949
| الانقلاب | حسني الزعيم | سامي الحناوي | أديب الشيشكلي |
|---|---|---|---|
| عدد المشاركين | 32 ضابطًا | 32 ضابطًا | 21 ضابطًا |
| الوحدات العسكرية | 10 مدرعات 5 مدفعية 2 طيران 1 الشعبة الثالثة 1 اللواء الثالث 2 مشاة 3 فرسان 2 شرطة عسكرية | 19 مدرعة 2 مدفعية 2 طيران 1 الشعبة الثالثة 1 لواء البادية 1 مشاة 2 إشارة 2 حرس جمهوري | 13 مدرعة 1 مدفعية 1 طيران 1 الشعبة الثانية 1 لواء البادية 3 أركان عامة |
| الرتبة العسكرية | 1 عميد 5 عقداء 16 مقدمًا 8 نقباء 2 ملازمان | 5 عقداء 2 مقدمان 12 نقيبًا 3 ملازمين أول 10 ملازمين | 2 عميدان 7 عقداء 3 مقدمين 4 نقباء 5 ملازمين |
المصدر: المرجع نفسه I. I اعتمد الباحث على نحو رئيس على مذكرات الضباط المشاركين في الانقلابات، لتحصيل أسماء الضباط برتبهم ووحداتهم، مع الأخذ في الحسبان قرب كل ضابط من الانقلاب، فمثلً نعثر على ضابط يقول إن هذا الضابط كان برتبة مقدم، لكن ضابطًا آخر مقرّبًا من الضابط المراد البحث عنه يقول إنه كان نقيبًا، وهكذا على طول البحث نجد الاختلاف، سواء في أسماء المشاركين أم في
وحداتهم وأسلحتهم، لذلك اعتمدنا في التحصيل والتثبت من كل معلومة على درجة قرب كل ضابط من الآخر، فهو إما رفيق السلاح أو الدورة أو من المدينة نفسها أو الطائفة، أو ضابط يخدم في المكتب الثاني. نورد عناوين المذكرات والكتب التي اعتمدنا عليها بالترتيب بحسب درجة الأهمية، ينظر: أحمد عبد الكريم، حصاد سنين خصبة وثمار مرة (بيروت: بيسان للنشر والتوزيع، 1994)، ص 138-131، 171-170؛ أمين أبو عساف، ذكرياتي (دمشق: [د. ن].، 1996)، ص 214، 243-230، 287-272؛ العشي، ص 132-127، 143-141، 152-147؛ فضل الله أبو منصور، أعاصير دمشق (دمشق: [د. ن].، 1959)، ص 66-60، 86-84؛ محمد معروف، أيام عشتها 1969-1949: الانقلابات العسكرية وأسرارها في سورية (بيروت: دار رياض الريس، 2003)، ص 106-101، 129-119؛ مصطفى رام حمداني، شاهد على أحداث سورية وعربية وأسرار الانفصال (دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1999)، ص 94-93؛ مطيع السمان، وطن وعسكر: قبل أن تدفن الحقيقة في التراب: مذكرات 28 أيلول 8-1961 آذار 1963 (دمشق: بيسان للنشر والتوزيع، 1995)، ص 320-319، 331-330، 338-337؛ سيد عبد العال، الانقلابات العسكرية في سوريا 1954-1949 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2007)، ص 9، 37، 317، 389؛ بشير زين العابدين، الجيش والسياسة في سورية 2000-1918: دراسة نقدية (لندن: دار الجابية، 2008)، ص 149-148، 175،.187
إنّ ما عجل في الأمر هو إدراك الحناوي أهمية هذا السلاح، فأصدر أوامره بنقل آمر فوج المدرعات الأول أمين أبو عساف إلى قوات لواء البادية، وتعيين المقدم صبحي عبارة آمرًا للفوج. في ظلّ تغير الظروف وانسحاب القطاعات والرتب الأخرى من المشاركة قبل ساعة الصفر، تراجع الشيشكلي عن القيام بحركته، لكن ضغط أبو عساف وإصراره الشديد على أن في إمكان سلاح المدرعات القيام بالمهمة وحده، أدى بالشيشكلي إلى الموافقة على التنفيذ62. لم
61 أبو عساف، ص.282-276
يمضِ على إصدار قرار نقل آمر سلاح المدرعات فجر اليوم التالي، إّل وقد أطاح سلاح المدرعات جميع ضباطه بقائد الانقلاب الثاني سامي الحناوي نتيجة قراره. تسلّم الشيشكلي حكم سورية في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1949 بدعوى "حماية النظام الجمهوري" و"الاستقلال" من مخاطر "المشروع الاستعماري"63، أي مناهضةً لمشروع الهلال الخصيب الذي كانت تقف خلفه بريطانيا المتنازعة مع الولايات المتحدة على نفوذها في
62 محمد جمال باروت، التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.620
سورية. جاء انقلاب الحناوي عبر دعم من حزب الشعب المتحالف مع العراق الهاشمي، الذي بدوره هو الآخر كان مواليًا للإنكليز64.
4. أديب الشيشكلي: من تثبيت نظام الحكم إلى السقوط
استمر حكم الشيشكلي حتى 24 شباط/ فبراير 1954، أي أكثر من أربعة أعوام، قضى معظمها يتخفّى خلف واجهات مدنية كالرئيس هاشم الأتاسي، وواجهات عسكرية كزميله فوزي سلو65، وأسس حزبًا حاكمً سمّ ه "حركة التحرير العربي" في 6 نيسان/ أبريل 1952، بحثًا عن قاعدة شعبية وإضفاءً للشرعية على حكمه بعد قراره بحل الأحزاب كلها66. طوال عقدين من زمن الانقلابات في سورية، لم تستقر أمور حكم الدولة لضابطٍ، كما استقرت لأديب الشيشكلي، على الرغم من الاستقطابات الإقليمية - الدولية وصراعات المحاور والظروف المحلية التي شهدتها مرحلته، فما الذي سمح باستتباب الحكم لهذا الضابط المسيّس من زاوية الجيش؟ اتضح أن العمل الانقلابي في سورية في حاجة قبل أي شيء آخر إلى ضمان مشاركة ضباط من سلاح المدرعات. أدرك الشيشكلي أن ضباطًا كأمين أبو عساف وفضل الله أبو منصور هم أحد ركائز الحركات الانقلابية الأولى في سورية، فسرعان ما استبعدهما من وحداتهم، وشكل نوعًا من التنظيم العسكري الخاص به داخل الجيش، وقدّم إلى صفوف القوات المسلحة وسلاح المدرعات ضباطًا شبابًا ربطته بهم علاقات قوية، واتسعت قاعدة الشيشكلي بصورة كبيرة لاهتمامه بالضباط الذين يحملون رتب مقدم ونقيب وملازم، وهو ما يعود لفطنته أن هذه الرتب الثلاث هي عادة ما تكون على رأس كتائب وسرايا الجيش، وهي في حالة تعامل يومي لا ينفك عن جنود السلاح وضباط صفه وهمومهم، أي إنّهم أكثر الضباط سيطرةً على القوات في الثكنات. بحسب مذكرات السياسيين والعسكريين، تعامل الشيشكلي مع هؤلاء الضباط بعلاقة الأب مع أبنائه. في المقابل ضمِن ولاء بعض الرتب العليا من دون ثقة أو احترام لأحد منها67. ونظرًا إلى عدم ثقته بأحد، فقد وجّه اهتمام استخبارات الجيش والشرطة العسكرية نحو الجيش وضباطه، ووضع جزءًا كبيرًا منهم تحت المراقبة والمتابعة
63 عبد الله حنا، صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.142-138 64 حازم صاغية، البعث السوري: تاريخ موجز (بيروت: دار الساقي، 2012)، ص.23 65 فرزات، ص.246-245 66 حول علاقة الشيشكلي بالجيش وضباطه، ينظر: أكرم الحوراني، مذكرات أكرم الحوراني، 4 مج (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2000 ج) 2، ص.1515-1514،
الدائمة، فرزحت الموازنات تحت وطأة العجز68، حيث وصلت ميزانية الاستخبارات إلى 20 مليون ليرة سورية سنويًا69 لضمان سير عمل المكتب الثاني بدقة و"احترافية" استخباراتية. لكن في ظل هذه الظروف العسكرية والأمنية الصارمة كلها، كيف سقطت دكتاتورية الشيشكلي الذي كثيرًا ما رأينا هيمنته على السلاح الذي يقود الانقلابات في سورية؟ يذكر العديد من الباحثين والسياسيين السوريين مجموعة عوامل سياسية وعسكرية ساهمت مجتمعةً في الانقلاب على حكم الشيشكلي. أولً، إلغاؤه امتيازات شيوخ القبائل والشخصيات الوطنية، ما دفع قائد الثورة السورية الكبرى والبعثي سلطان باشا الأطرش إلى الانخراط في نشاط معارض نتيجة لهذه السياسات، فأمر الشيشكلي باعتقاله70 ما تسبب في اندلاع مظاهرات احتجاجية في السويداء وإطلاق للنار، ونشوب مواجهات دامية راح ضحيتها مئات السوريين الدروز71. ثانيًا، اعتماد الشيشكلي سياسة التصفية والاستبعاد ضد ضباط الجيش الشركس والمسيحيين والعلويين. ففي النصف الثاني من عام 1953 لاحظ الشيشكلي تحوّلً عميقًا في بنية الجيش السوري، وهي هيمنة الأقليات الكردية والشركسية والعلوية والمسيحية على قاعدة الجيش الأساسية، فأصدر قرارًا بتشكيل "كوتا" لكل أقلية، سواء إثنية أم طائفية، حيث تتناسب مع طبيعة الأكثرية العربية السُنّية في سورية72. وأحال عشرات الضباط من الأقليات إلى التقاعد، ونقل آخرين إلى مناطق خارج العاصمة دمشق. أي شهد عهده عمليات "تسنين" للجيش وتعريب له وتفكيك لنفوذ الأقليات الكردية والمسيحية فيه73. ثالثًا، تسبب إلغاء الشيشكلي للحياة السياسية وقمعه الصحافة وإهماله قضية الفلاحين التي وعد بحلّها، في إكسابه عداوة صديقه الحميم والقديم أكرم الحوراني74. نفى الشيشكلي قادة البعث العربي الاشتراكي خارج سورية، إضافةً إلى خلافاته مع حزب الشعب ومع هاشم الأتاسي. وساهم ذلك كله في توحيد جهود هذه الأطراف
67 المرجع نفسه، ص.1544 68 أبو عساف، ص.419 69 بشارة، سورية، ص.278 70 الحوراني، ج 2، ص.1599-1597 71 " أحمد أبو صالح: شاهد على العصر، الجزء الأول"، برنامج شاهد على العصر، الجزيرة، 2013/8/18، شوهد في 2020/11/20، في: https://bit.ly/3aDNoKD (الدقائق.)33-31 72 بشارة، سورية، ص.280 73 ديب، ص.131
السياسية والعسكرية للانقلاب عليه، بينما اتخذ صراعه مع الدروز الوجه الأعنف، لأنه تحول إلى تدخل عسكري. عسكريًا، كانت إطاحة الشيشكلي مفاجئة حتى لمن قادوا الانقلاب ضده في 24 شباط/ فبراير 1954. عادةً ما يُقاد الانقلاب في مرحلة الانقلابات التقليدية من العاصمة متبوعًا بالبيان رقم واحد. لكن هذه المرة، جاء الاستثناء من مدينة حلب، فقد سقط الشيشكلي تحت وطأة حصار مديني على المدينة الدمشقية عاصمة الإذاعة الشهيرة ومبنى الأركان والبرلمان والمؤسسات السيادية للدولة السورية؛ ذلك أن الشيشكلي لم يدرك عملية التحول الدائرة في سورية في أثناء حكمه، فأصبح في الإمكان القيام بانقلاب من مدينة أخرى، بعدما حصّن حكمه في دمشق وهيمن على قواتها. كانت مدينة حلب عاصمة الصراعات الاقتصادية والسياسية للبرجوازية السورية، لكنّها أصبحت مدينة الصراعات العسكرية أيضًا، بعد تأسيس إذاعة حلب75، وارتفاع مستوى جاهزية اللواء الثاني في المدينة76؛ إذ لا يمكن أن ينجح العمل الانقلابي من دون إذاعة يطلق منها بيان الانقلاب. هذا إذا ما فهمنا أن الانقلابات هي "لعبة تنسيق"، كما يطلق عليها الباحث الأميركي ناونيهال سينغ في كتابه المهم حول الانقلابات العسكرية الاستيلاء على السلطة: "ولأن تعميم المعرفة المشتركة يمكن أن يؤدي إلى سلوك جمعي، فامتلاك وسائل خلق هذه المعرفة مهم جدًا لأولئك الذين في السلطة، أو لأولئك الذين يتطلّعون إلى الوصول إليها [...] فخلق حقيقة ما، يتم بشكل مشترك من خلال الاستيلاء على منشأة الراديو أو محطة البث الأساسية والقيام بإعلان للاعبين الآخرين. والعكس بالعكس، فلإفشال محاولة انقلاب، تحتاج الحكومة إلى أن تفعل العكس: إما أن تتمسك بمنشآت البث أولً، أو تُبعد الانقلابيين عنها، ثم تقوم بإعلان حكومي لخلق التوقعات بالبقاء المستمر للحكومة وفشل الانقلابيين. إن الضباط الذين قابلتهم
74 أنشئت محطة إذاعة حلب في عامُ 1949، وأخذت تتطور معدّاتها وتستقر في مكان إقامة ثابت، ويذيع صيتها بين الجمهور السوري والعربي، حتى أصبح في الإمكان أن تكون هدفًا للانقلابيين كما تبين لاحقًا مع محاولات جاسم علوان بعد الانفصال عن مصر، وقيام حركات تمرد بداية حكم البعث بعد عام 1963. حول تأسيس محطة إذاعة حلب، ينظر: إذاعة حلب، التاريخ السوري المعاصر، شوهد في 2021/2/14، في: http://bitly.ws/bSgH 75 اجتمع أبناء اللاذقية ودير الزور وحلب وحمص وسويداء ودرعا على إسقاط الشيشكلي، فحاصروا العاصمة دمشق الموالية للشيشكلي، وكانت قادرةً على المواجهة بحكم ما تمتلك من القوة، لكن الشيشكلي آثر ترك دمشق حقنًا لدماء الشعب والجيش السوري، وعلى الرغم من ذلك، فإن ضباط الشيشكلي، مثل عبد الحق شحادة وحسين حدة، استمروا في مقاومة الانقلابيين من خلال إطلاق بيانات عسكرية من إذاعة دمشق حتى 27 شباط/ فبراير، وانتهى الأمر بمساومات قادها رئيس الأركان شوكت شقير. ينظر: أبو منصور، ص 127؛ أبو عساف، ص 410-401؛ مصطفى حمدون، برنامج زيارة خاصة، الجزيرة نت، 2003/8/29، شوهد في 2021/1/16، في: https://bit.ly/3pWZ5R7؛ خالد العظم، مذكرات خالد العظم، 3 مج، ط 3 (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1973)، ج 2، ص 282؛ "أمين الحافظ: شاهد على العصر، الجزء الثالث"، برنامج شاهد على العصر، قناة الجزيرة، 2001/4/9، شوهد في 2020/11/18، في: https://bit.ly/3skjWzc (الدقائق.)26-22
أكدوا أن السيطرة على إذاعة الراديو ضروري دائمًا، لنجاح الانقلاب، ولولاه فإن مصير الانقلاب الفشل"77.
ثالثًا: ديمقراطية أم تعددية سياسية؟ وصراعات الجيش 1954 - 1958
1. أجنحة الجيش السوري والرفاقية العسكرية ما إن سقط نظام الشيشكلي حتى قاد ضباط الانقلاب والسياسيون السوريون عمليات تطهير في مؤسسات الدولة من بقايا النظام القديم. جرت إحالة عشرات الموظفين من الوزارات والعاملين في القطاع الشُطي إلى التقاعد، وتمّ إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من السجون، وإعادة الضباط الذين سرّحهم الشيشكلي، وعلى رأسهم العقيد عدنان المالكي إلى الجيش. لكن المؤسسة العسكرية التي هي أساس حكم النظام السابق، لم تجرِ فيها عمليات تطهير من ضباط الشيشكلي خشية الوقوع في صدام مع ضباطه الذين يتمتعون بقوة عسكرية كافية لانقلاب مضاد يستعيدون فيه نظام الحكم من جديد، فهم يتمركزون في وحدات سلاح المدرعات، كما يوضح الجدول.)5(تُعتبر الكتلة التحريرية، أو ضباط الدورة الواحدة، قوى محايدة أيديولوجيًا، لكنها شكّلت كتلة متماسكة عسكريًا، لها بعض الانحيازات السياسية في وجه الأجنحة العسكرية الأيديولوجية الأخرى التي نشأت في الجيش، وهي كتلة تقوم على أخوية السلاح ورفقة الدورة الواحدة، ما يشكّل الولاء إلى هذه الرفاقية، وهو الأساس الذي قامت عليه كتلة ضباط الشيشكلي. الرفقة في الجيش تنشأ مصادفة، فهي ليست اختيارًا شخصيًا، بل هم الأشخاص الذين يختارهم النظام لاصطفاف بعضهم إلى جانب بعض وفق الترتيب الألفبائي لأسمائهم أو توزّعهم الجغرافي. هي تصادفية لكنها قوية، فيها يقضي الجندي وقته كله مع رفاقه، اليقظة والنوم والطعام والتدريب والمهمات العسكرية في الحرب والسلم، أو كما يصفها صموئيل هاينز بطريقة معبّة: "إنهم يقضون من الوقت مع بعضهم أكثر مما يقضي معظم الأزواج الوقت مع زوجاتهم"78. ومن خلال هذه التجربة العسكرية، تتكوّن جماعة حميمية تؤسس لشعور الزمالة، وتدفع إلى رفض الزعيم المطلق فيها، فهم متساوون في ما بينهم79.
76 Naunihal Singh, Seizing Power: The Strategic Logic of Military Coups (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2014), pp. 18-19. 77 صموئيل هاينز، حكاية الجند: الحرب والذاكرة والمذكرات في القرن العشرين، ترجمة فلاح رحيم (النجف: جامعة الكوفة، 2016)، ص.29-28 78 بشارة، الجيش والسياسة، ص.82-81
الجدول (5) الكتلة التحريرية (ضباط الشيشكلي)
| الأسماء | الوحدات العسكرية | الرتب العسكرية |
|---|---|---|
| أحمد عبد الكريم | مدرعات-اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| جادو عزالدين | مدرعات-اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| أحمد حنيدي | مدرعات- اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| أمين النفوري | مدرعات-اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| حسين حدة | مدرعات- اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| بكري الزوبري | مدرعات-اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| عبد الله جسومة | إشارة- اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| غالب شقفة | اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| مطيع الجابي | اللواء الأول في قطنا | مقدم |
| طعمة العودة الله | مدرعات-لواء درعا | مقدم |
| زياد الحريري | قوات برية | مقدم |
| عبد الحميد السرّاج | الشعبة الثانية | مقدم |
| أكرم ديري | قائد الشرطة العسكرية | مقدم |
| جودت الأتاسي | ملحق عسكري في الأردن | مقدم |
المصدر: المرجع نفسه.
الجدول (6) كتلة ضباط البعث والاشتراكيين
| الأسماء | الوحدات العسكرية | الرتب العسكرية |
|---|---|---|
| مصطفى حمدون | مدرعات | مقدم |
| عبد الغني قنوت | مدرعات | مقدم |
| بشير صادق | الشعبة الثالثة | مقدم |
| جمال الصوفي | قوات بحرية | مقدم |
| أمين الحافظ | مدرعات-الكلية العسكرية | مقدم |
| عبد الغني عياش | مدرعات | نقيب |
| محمد عمران | مدرعات | نقيب |
| صلاح جديد | إشارة | نقيب |
| حسن حدة | مدرعات | نقيب |
المصدر: المرجع نفسه.
الجدول (7) كتلة الضباط الشيوعيين
الأسماء
الوحدات العسكرية
عفيف البزري
آمر لواء مدرعات
المصدر: المرجع نفسه.
الجدول (8) كتلة ضباط الحزب القومي السوري الاجتماعي
| الأسماء | الوحدات العسكرية | الرتب العسكرية |
|---|---|---|
| غسان جديد | قائد الكلية العسكرية | مقدم |
| بديع مخلوف | - | نقيب |
| يونس عبد الرحيم | الشرطة العسكرية | نقيب |
المصدر: المرجع نفسه.
في المقابل كان ضباط الدورة الواحدة في حاجة إلى شرعية أخرى عدا شرعية القوة للوجود في المؤسسة والحضور بين السياسيين بعدما ساءت سمعة بعضهم. كانت تلك اللحظة المناسبة لهؤلاء الضباط، في انقسام الجيش على نفسه وتبلور ست كتل، غالبيتها ذات حضور عسكري قوي في وحدات الجيش. ويقوم أساس هذا التكتل على الولاءات والانتماءات الأيديولوجية العقائدية والجهوية. كما يبرز في حالة الولاءات الأيديولوجية العقائدية، مثل: كتلة ضباط البعث والاشتراكيين (الجدول )6)(، وكتلة الشيوعيين )الجدول (7)(، وكتلة الضباط القوميين السوريين الاجتماعيين )الجدول.))8(لكن، كان وزن كتلة الشيوعيين والحزب القومي السوري كبيرًا في الجيش، خاصة الأخيرة، على صعيد ضباط الصف والجنود، بينما الضباط الكبار كانوا أقلّ عددًا. كتلة الضباط الشوام الذين يتمركزن في قطاعات ووحدات أساسية في الجيش، كما هو مبين في الجدول )9) - نسمّي كتلة الضباط الشوام بكتلة تجاوزًا - لا تتشابه مع الكتل الأخرى من حيث تنظيم نفسها ومرجعيتها، وإذا ما أردنا الدقة، يمكن وصفها بتجمع الضباط الشوام،
الرتب العسكرية
عقيد
فهم يجتمعون للحفاظ على مصالحهم وقوتهم أكثر من السعي للانقلاب كالأجنحة الأخرى. وتشكلت كتلة يمكن تسميتها "ضباط ضد المالكي والبعث"، لكنها سرعان ما تشكلت وسرعان ما جرى اجتثاثها (ينظر الجدول.))10(انضوت الكتل الست تحت لواء ثلاثة تحالفات، جمعتهم، على الرغم من التباين الشاسع داخل التحالف الواحد. لكن الأبرز هي ثلاث كتل مركزية: الأولى بقيادة العقيد عدنان المالكي )مدير الشعبة الأولى)، وضمت الضباط الشوام والضباط الشيشكليين والضباط الشيوعيين. والثانية بقيادة العميد ورئيس الأركان شوكت شقير، وجمعت بعض الضباط من الحزب القومي السوري الاجتماعي وضباط ضد المالكي والبعث. والكتلة الثالثة هي كتلة الضباط البعثيين والاشتراكيين. وأخذت هذه الأخيرة في التوسع والتبلور بسرعة فائقة، وباتت إحدى الكتل البارزة في الصراع العسكري والسياسي السوري، وتحديدًا بعدما جرت عمليات التخلص من الكتل، واحدة وراء الأخرى. سياسيًا، "انسحب" الجيش من السياسة وأعاد الحكم إلى القوى المدنية، وتشكلت حكومات عدة، ودارت انتخابات برلمانية عدة، وجولات رئاسية خلال هذه المرحلة "الديمقراطية"، لكن الافتراض أن
الجدول (9) كتلة الضباط الشوام
| الأسماء | الوحدات العسكرية | الرتب العسكرية |
|---|---|---|
| سهيل العشي | آمر اللواء الثالث في الجنوب | عقيد |
| توفيق شاتيلا | آمر لواء في قطنا | عقيد |
| عبد الغني دهمان | مدرعات | عقيد |
| حيدر الكزبري | حرس البادية | عقيد |
| هشام سمان | مشاة | عقيد |
| طالب الداغستاني | آمر لواء في القنيطرة | عقيد |
| هشام عبد ربه | مشاة-آلي | مقدم |
| عمر قباني | قائد حامية حوران | مقدم |
| حسن العابد | مدرب في الكلية العسكرية | مقدم |
| مهيب الهندي | مدرب في الكلية العسكرية | نقيب |
المصدر: المرجع نفسه.
الجدول (10) ضباط ضد المالكي والبعث
| الأسماء | الوحدات العسكرية | الرتب العسكرية |
|---|---|---|
| سلمان الشعراني | آمر لواء الجبهة | عقيد |
| عزالدين الشوفي | مدرعات | مقدم |
| جميل زهر الدين | آمر فوج جسر بنات يعقوب | مقدم |
| حسين الحكيم | مشاة | مقدم |
| عبد المسيح داغوم | - | مقدم |
المصدر: المرجع نفسه II.
II اعتمد الباحث في جمع المعطيات الخاصة بالضباط وتنقيحها على المنهجية نفسها المتّبعة في الجدول (4). وتجدر الملاحظة أن الوحدات العسكرية التي استند إليها البحث في التصنيف هي الفترات الأطول التي قضاها الضباط خلال المرحلة المدروسة، فالعديد منهم خلال العام ونصف العام ما قبل الوحدة، تبدلت أماكن خدمته ووحداته وفق إطار الحفاظ على قوته في الجيش. والجدير بالذكر كذلك، أن الأسماء الواردة في الجداول عن هذه الكتل ليست محصورة في تلك الأسماء فحسب، فالتأكيد أن لهذه التكتلات قواعدها من ضباط صف وجنود داخل الجيش، لكن هذه هي الأسماء كلها التي تمكنّا من جمعها عن كل تكتل، ما يعني أنها الأسماء الأبرز فحسب. ينظر: سامي جمعة، أوراق من دفتر الوطن 1966-1946 (دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 2000)، ص 159، 171، 186؛ العشي، ص 177-173، 184-181؛ أحمد راتب عرموش، رحلة العمر: القرية الشامية - الحياة العسكرية - الوحدة والانفصال (بيروت: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، 2013)، ص 117-115، 128، 135، 145؛ عبد الكريم، ص 200؛ عبد العال، ص 399؛ زين العابدين، ص 264-263؛ حسين الحكيم، لعنة الانقلابات من 1946 إلى 1966 (دمشق: مطبعة الداودي، 1999)، ص 171؛ فوزي شعيب، شاهد من المخابرات السورية 1968-1955 (لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 2008)، ص 70-69؛ بطاطو، ص 298؛ "أمين الحافظ: شاهد على العصر، الجزء الرابع"، شاهد على العصر، الجزيرة، 2001/4/16، شوهد في 2020/11/18، في: https://bit.ly/3kKzFF9 (الدقائق.)14-12
الجدول (11) الانقلابات والمحاولات الانقلابية في سورية: من حسني الزعيم إلى حافظ الأسد
| الانقلاب | التاريخ | النتيجة | |
|---|---|---|---|
| 1 | حسني الزعيم | 30 آذار/ مارس 1949 | ناجح |
| 2 | سامي الحناوي | 14 آب/ أغسطس 1949 | ناجح |
| 3 | أديب الشيشكلي | 19 كانون الأول/ ديسمبر 1949 | ناجح |
| 4 | أديب الشيشكلي 2 | 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1951 | ناجح |
| 5 | أنور بنود | 28 كانون الأول/ ديسمبر 1952 | فاشل |
| 6 | فيصل الأتاسي - مصطفى حمدون | 24 شباط/ فبراير 1954 | ناجح |
| 7 | غسان جديد ومحمد معروف | 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1956 | فاشل |
| 8 | مجلس القيادة - الوحدة مع مصر | 12 كانون الثاني/ يناير 1958 | ناجح |
| 9 | عبد الكريم النحلاوي | 28 أيلول/ سبتمبر 1961 | ناجح |
| 10 | عبد الكريم النحلاوي 2 | 28 آذار/ مارس 1962 | ناجح |
| 11 | جاسم علوان | 31 آذار/ مارس 1962 | فاشل |
| 12 | زياد الحريري - البعث والناصريون | 8 آذار/ مارس 1963 | ناجح |
| 13 | جاسم علوان 2 | 18 تموز/ يوليو 1963 | فاشل |
| 14 | صلاح جديد | 23 شباط/ فبراير 1966 | ناجح |
| 15 | سليم الحاطوم | 8 أيلول/ سبتمبر 1966 | فاشل |
| 16 | حافظ الأسد | 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 | ناجح |
المصدر: المرجع نفسه.
جيشًا مسيّسًا ومعتادًا حركة التغيير في الجيش والانقلاب على زمرته العسكرية في كل مرة، يمكن أن يعود إلى الثكنة من تلقاء نفسه، من دون محاولات إصلاح العلاقات المدنية - العسكرية، افتراضٌ تحيط به الشكوك، فهذا الانسحاب جاء ضمن مراحل انقلابية، وليس ضمن عملية تطور طبيعي أو نضال إلى "الديمقراطية"، كما يوضح الجدول (11) الذي يبيّ عدد المحاولات الانقلابية الناجحة/ الفاشلة في التاريخ السوري. كما تبيّ مذكرات الضباط والسياسيين السوريين ورواياتهم عن تلك المرحلة عدد المحاولات من الكتل العسكرية للسيطرة على الجيش، وهي المرحلة التي احتاجتها تلك الأجنحة/ الكتل لتقوية نفسها وشبكة علاقتها لتتفوّق إحداها على الأخرى وتتمكن من الانقضاض
على السلطة. في المقابل تعرّض السياسيون للتهديد والابتزاز من الجيش مرات عدة، فهي على الصعيد السياسي كانت مرحلة قائمة ضمن الحالة الثانية للتصنيف الرباعي للعلاقات المدنية - العسكرية عند فاينر، أي يستعمل الضباط التهديد بالعقوبات أو ابتزاز المدنيين لتحقيق غاياتهم80. بل وصل حد غرق الضباط في السياسة وشؤون الدولة إلى أن يطلب رئيس الجمهورية إذنهم للسماح بدخول طبيبه الخاص إلى الأراضي السورية81. وبناء عليه، يمكن القول إلى حد بعيد
79 Gerassimos Karabelias, "Civil-Military Relations: A Comparative Analysis of the Role of the Military in the Political Transformation of Post- War Turkey and Greece: 1980-1995," Final Report Submitted to North Atlantic Treaty Organization (NATO), June 1998, p. 10. 80 العظم، مج 2، ص.272
إن وجود المدنيين في الحيّز السياسي في المدة 1954 و 1958 هو غطاء لصراعات الضباط الداخلية على وحدات الجيش القوية.
2. صراعات الضباط (1954 - 1958)
على المستوى العسكري، وفي نهاية الربع الأخير من عام 1954 سرعان ما حاول الضباط المعادون للبعث والمالكي، وبإيعاز من شوكت شقير، تنفيذ انقلاب يتخلّصون فيه من عدنان المالكي، لكن شقير أدرك في اللحظة الأخيرة أن المحاولة ستكون على حساب التخلص منه أيضًا إذا ما ثبت تورّطه، فأصدر قرارًا بإحالتهم إلى التقاعد. فرئيس الأركان شوكت شقير لا يمتلك قدرة على تحريك القوات المنضمة إلى تكتله؛ ذلك أن قوته كانت مستمدة من قدرته على إدارة التوازن داخل المؤسسة العسكرية، كما ظهر في استقالته مجبرًا، إما إجراء التنقلات داخل الجيش وإما الاستقالة في تموز/ يوليو 195682. في نيسان/ أبريل 1955 اغتيل العقيد عدنان المالكي أحد أبرز ضباط الجيش والأكثر إجماعًا عليهم، واتُّهم القوميون السوريون باغتياله، وفي أثرها تخلص الجيش من كتلة أخرى. احتاج الضباط إلى موافقة الرئيس الأتاسي على بعض القرارات لاجتثاث أي وجود للقوميين السوريين في البلاد، لكن بسبب رفضه، وإصرارهم الشديد، أصيب بجلطة جزئية في الوجه، استمرت أسبوعين حتى عاد إلى طبيعته83. وانحلّ عقد الكتل المنضمّة إلى تجمع المالكي في أثر حادثة اغتياله، وضعفت كتلة الضباط الشوام بعد أن خسرت المالكي (أبرز شخصياتها الجامعة). لكن مجيء الرئيس شكري القوتلي لاحقًا من القاهرة، ساهم في إعادة ترميم مكانتها. أدّى العقيد عدنان المالكي دورًا "ديمقراطيًا" عبر تحجيم القوى العسكرية الساعية للانقلاب، من خلال صوغ تفاهمات دائمة بين أجنحة الجيش المتصارعة، نظرًا إلى ما تمتع به من سلطة وشعبية في أوساط الضباط البعثيين والشوام والشيشكليين. لكن لم يكتب لتجربته النجاح في أثر حادثة اغتياله. فكما أشار خوان لينز، ما إن يظهر ضابط يتمتع بمهارات سياسية واضحة وإمكانات كاريزمية، حتى يتم رفضه من القوات المسلحة أو أحد أجنحتها84. ثمة أحداث عصفت بسورية في عام 1956 دفعت بجيشها وسياسييها إلى الانحياز إلى الموجة اليسارية والاصطفاف إلى جانب جمال عبد
81 جمعة، ص.198 82 عبد الله فكري الخاني، سورية بين الديمقراطية والحكم الفردي (بيروت: دار النفائس، 2004)، ص.135-134 83 Juan Linz, "The Future of an Authoritarian Situation or the Institutionalization of an Authoritarian Regime: The Case of Brazil," in: Alfred Stepan (ed.), Authoritarian Brazil: Origins, Policies, and Future (New Haven/ London: Yale University press, 1973), p. 241.
الناصر، فقد عُقدت في شباط/ فبراير صفقات أسلحة مع الاتحاد السوفياتي التي سعى لها خالد العظم، والتضامن السياسي والعسكري السوري مع جمال عبد الناصر بعد العدوان الثلاثي على مصر في أيلول/ سبتمبر. كما ساهم حشد القوات التركية والعراقية على حدود سورية وموقف الرئيس المصري منها إلى اتساع شعبية الأخير داخل شرائح المجتمع السوري وتعزيز مكانة الضباط البعثيين واليساريين في الجيش85. وفي تشرين الأول/ أكتوبر شاع نبأ محاولة انقلابية يقودها الضباط المسرّحون: محمد صفا وغسان جديد ومحمد معروف، بدعم عراقي سخي ماليًا86، وبغطاء دولي بريطاني، وكان المكتب الثاني بقيادة المقدم عبد الحميد السراج قد كشف عن هذه المحاولة الفاشلة قبل تنفيذها بأيام. لكن هذه المحاولة الانقلابية، مع عدم وقوعها، لا تنفي ما يذهب إليه البحث من كون الجيش قد انحسرت فيه الظاهرة الانقلابية، كما لم تقُد إلى تغيير في معادلة التوازن العسكري داخل الجيش، فالأطراف الساعية للانقلاب كان قد جرى اجتثاثها سابقًا، سياسيًا وعسكريًا من مؤسسات الدولة، حين وقع اغتيال المالكي. في صيف العام نفسه الملتهب سياسيًا، كان قد وقع صدام مخفف في الجيش الذي تسعى أجنحته قدر المستطاع لتقوية حضورها في المؤسسة العسكرية عبر الهيمنة على سلاح المدرعات في قطنا، وتحديدًا "الكتيبة 31 - مدرّع، فهي الكتيبة المؤهلة أكثر من غيرها للقيام بانقلاب عسكري"87. ظهر النزاع على اللواء وكتيبته في محاولة تعيين أمين الحافظ الطلاب البعثيين جميعهم من خريجي آخر دورة في الكلية العسكرية في حمص في عام 1956 في سلاح المدرعات تحديدًا، لكن مساومة بين الأجنحة حالت دون تعيين لائحته، وجمعت اللائحة الجديدة جميع أطراف الصراع88. في آذار/ مارس 1957، دفع الرئيس القوتلي رئيس الأركان توفيق نظام الدين إلى إصدار قرار بإحالة مئة ضابط بعثي إلى التقاعد، وإيفاد بعضهم ملحقين عسكريين إلى السفارات السورية في الخارج، وإبعاد بعضهم الآخر عن ألوية المدرعات والشُعَب، لمصلحة تقوية كتلة الضباط الشوام في الجيش، تسرّبت الأخبار من رئاسة الأركان إلى
84 خلود الزغير، سورية الدولة والهوية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.68-67 85 معروف، ص.251-227 86 كما أوضح أحمد عرموش، الضابط الذي عمل في الكتيبة ذاتها، ينظر: عرموش، ص.143 87 " عبد الكريم النحلاوي: شاهد على العصر، الجزء الثانية"، برنامج شاهد على العصر، الجزيرة، 2010/1/31، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/3uNgS0v (الدقائق.)20-19
الضباط البعثيين، فرأى أكرم الحوراني ومصطفى حمدون89 ضرورة القيام بعصيان عسكري في الثكنات، فأعلنت كتلة الضباط البعثيين عصيانًا عسكريًا في معسكرات قطنا في 17 آذار/ مارس 195790. في المقابل، قامت التكتلات الأخرى في معسكرات القابون بإعلان عصيان عسكري ردًا على ضباط البعث. وجد الجميع نفسه أمام حالة صدام مع الطرف الآخر، يمكن أن تقود إلى نزاع مسلّح بين قطاعات الجيش، وفي أثرها اتفق الضباط الكبار، بعد مساومات بينهم، على إنهاء حالة العصيان في المعسكرات وتهدئة القوات91. يشكل العصيان العسكري بديلً للقوات المسلحة من حركة الانقلاب العسكري، فالأول يكون بقصد التهديد بعمل مسلح خارج الثكنات، ويقوم به بعض وحدات الجيش عمدًا تحديًا للسلطات المدنية أو العسكرية العليا من أجل الوصول إلى هدف معلن لتحقيق مطالب محددة فحسب؛ أي هو أحد أشكال الاحتجاج التي يلجأ إليها بعض قطاعات الجيش أو كلّها. وفي حالة عصيان قطنا والقابون، وهو أول عصيان عسكري في تاريخ الجيش السوري، مثّل العصيان نموذجًا في حالة التوازن العسكري لكتل الجيش، فهي هنا أدركت أن تكافؤ القوى العسكرية وعدم رجحان كفة القوة لأحد الأطراف، منع أي كتلة من اتخاذ خطوة الانقلاب. أجمع الضباط على تعيين عفيف البزري رئيسًا للأركان بدلً من توفيق نظام الدين، وتشكل "مجلس قيادة" مكوّن من 23 ضابطًا، مثّل القوى المتنافرة، أي الضباط الشوام والكتلة الاشتراكية والتحريرية (ضباط الشيشكلي) لتنوب عن باقي قطاعات الجيش وتحلّ الأزمات في ما بينها، وتشكّل مجلس آخر من خمسة ضباط92، ينوب عن مجلس القيادة أيضًا، حيث تبقى هي حلقة الوصل مع السياسيين والحكومة، وتحضر اجتماعات مجلس الوزراء على نحو دوري93. في آب/ أغسطس 1957، أدت قضية المؤامرة الأميركية (قادها هيوارد ستونHoward Stone الملحق العسكري في السفارة الأميركية
88 نقل السفير المصري في دمشق محمود رياض رسالة عبد الناصر إلى الضباط البعثيين، باستمرار العصيان، وبحسب مقابلة أجراها الباحث إبراهيم البيضاني مع مصطفى حمدون في عام 1988، فإنّ عبد الناصر كان يرغب في استمرار العصيان وتحويله إلى انقلاب عسكري إن أمكن. ينظر: إبراهيم سعيد البيضاني، السياسة الأمريكية تجاه سوريا (عمّ ن: أمواج للنشر والتوزيع، 2015)، ص.311 89 الحوراني، ج 3، ص.2358-2353 90 العظم، مج 2، ص.503-500 91 هم: عفيف البزري (رئيس الأركان)، وأمين النفوري (معاون رئيس الأركان)، وعبد الحميد السراج (مدير الشعبة الثانية)، وأحمد عبد الكريم (مدير الشعبة الثالثة)، ومصطفى حمدون (مدير الشعبة الأولى). 92 العظم، ج 2، ص 503-500؛ جمعة، ص.253-244
في دمشق) بالتواصل غير المثبت مع كتلة الضباط الشوام94 إلى إطاحتهم من ضمن الكتل المتصارعة. تحوّل ضباط الشيشكلي من تحالفهم شبه العلني مع الضباط الشوام، إلى طرف عبد الحميد السرّاج وعفيف البزري، على الرغم من أن الأول ضمن مجموعتهم في الأساس، فإنه لم يكن في طرف أحد في الواقع. كان السرّاج ضابط سلاح الإشارة والحائز دورة الأركان في باريس، أحد الأقطاب المركزية في حالة الصراع المؤسسي، فكل طرف يعتقد أن السرّاج إلى جانبه، فقبل اغتيال المالكي كان السرّاج يحظى بثقة الأول، ويعتقد البعث أن السرّاج أحد مناصريه، كما اعتقد شوكت شقير ذلك أيضًا، في حين كان هو حلقة الوصل بين الأطراف ونقطة التوازن العسكري والحزبي، ولا يقيم أي ثقة أو اصطفاف بين الأجنحة. واشتدت أهمية السرّاج مع تسلّمه رئاسة الشعبة الثانية في منتصف عام 1955، وبعدما قام قائد سلاح الإشارة في اللواء الأول بإعادة تأسيس الشعبة من جديد، ثمّ أظهر قوة الجهاز ومدى جاهزيته للتصدي للتدخلات الخارجية، بعد كشفه "مؤامرات" دولية عدة على سورية. مع السرّاج خرجت الشعبة الثانية من طورها الجنيني، لتتحوّل إلى أحد الأجهزة المؤسساتية المفصلية التي غيّ ت وجه سورية في القرن الماضي، فانتشار الباعة (الجواسيس) على الطرق، وتحوّلهم إلى ظاهرة في شارع أبو رمانة وشارع السفارات، بدأ من سعي السرّاج لجعل استخبارات الجيش نقطة التحول التي تغيّ سورية95.
3. انقلابات اللاعنف
إن أكثر ما يميّز الانقلابات العسكرية السورية منذ انقلاب حسني الزعيم في عام 1949 حتى انقلاب الانفصال على الوحدة في عام 1961 هو اللاعنف، ففي أثناء تخطيط الضباط للعمل الانقلابي، كانت إحدى القضايا المتفق عليها هي عدم إراقة الدماء والمحاولة قدر الإمكان الابتعاد عن استخدام السلاح وتجنّب وقوع ضحايا. ربما كانت حادثة قتل قائد الانقلاب الأول حسني الزعيم ومحسن البرازي استثناءً ضمن هذه المرحلة، إلّ أن تسليم حسني الزعيم أنطون سعادة زعيم الحزب
93 لم يضف البحث هذه المؤامرة/ "المحاولة الانقلابية" ضمن جدول الانقلابات في سورية، سواء الناجحة أم الفاشلة. فهي استندت إلى شائعة وزعم من استخبارات الجيش وغير مثبتة في محاضر التحقيق أو في مذكرات الضباط الشوام. 94 أدى صلاح جديد لاحقًا المهمة نفسها مع انقلاب آذار/ مارس 1963، وهو ضابط إشارة وحاصل على دورة أركان في باريس أيضًا. واللافت أن الضابطين اللذين غيّا خريطة السياسة والعسكر والاجتماع في سورية في القرن المنصرم كانا من سلاح الإشارة ذاته، وكلاهما تلقى تدريبه في باريس. ولعله من اللافت أيضًا أنهما يشتركان في الصفات الشخصية نفسها التي تميزهم من باقي الضباط: قلة الكلام وكثرة الاستماع، والهدوء الشديد، حيث لا يمكن الغضب أن يظهر عليهما وعدم الثقة بالناس وشدة الانضباط عسكريًا. عن الصفات الشخصية للسراج، مع ضرورة الانتباه إلى العلاقة العائلية العدائية التي تجمعها، ينظر: غسان زكريا، السلطان الأحمر (لندن: أرادوس للنشر، 1991)، ص.23
القومي السوري الاجتماعي إلى الحكومة اللبنانية، دفع بالعديد من الضباط إلى الشعور بالنقمة والرغبة في الانتقام منه. على الرغم من ذلك، اتفق ضباط الحناوي على عدم قتل أي عسكري أو مدني في أثناء السيطرة على المراكز السيادية إذا ما واجهوا اشتباكًا مع قوات موالية للنظام. فانقلاب الحناوي مخطط له جيدًا، وعادةً ما يكون "أحد أهداف الانقلابات المخططة بشكل جيد هو التقليل من فرص إراقة الدماء، أو حدوث ما هو أسوأ: اندلاع نزاع مسلح"96. في ظل هذا الاتفاق، نتساءل عن قوة الضابط عصام مريود وجرأته في إقدامه على خطوة قتل الزعيم والبرازي على أوتوستراد المزة. إن خشية سامي الحناوي من احتمالية فشل انقلابه دفعته إلى البحث
عن حبل نجاة له إذا ما فشلت المحاولة الانقلابية المدعومة من العراق، والضابط الوحيد الذي يمتلك القدرة على ضمان حياة الحناوي، هو ضابط سلاح الجو عصام مريود، فقد جرى الاتفاق مع الأخير على أنه إذا ما فشل الانقلاب فإنّه سينقل الحناوي إلى العراق. بينما يمكن اعتبار المحاولات الانقلابية الأخرى انقلابات بيضاء، ولهذا نرى حرص الضباط في مرحلة صراعهم بعد إطاحة الشيشكلي وحتى الوحدة مع مصر، فإن إحجامهم عن تنفيذ انقلاب يهيمن على الجيش ويستأصل الكتل الأخرى، لتميز انقلاباتهم باللاعنف، أي خشية وقوع انقلاب تراق فيه الكثير من دماء الضباط السوريين، ما دفعهم طوال الوقت إلى البحث عن آليات أخرى لتحقيق رغبات كل جناح في الجيش: -1 فتارةً يشكّل مجلس عسكري تدار فيه الصراعات؛
95 باربرا غيديس [وآخرون]، كيف تعمل الدكتاتوريات، ترجمة عبد الرحمن عياش (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2021)، ص.71
-2 وتارة يعلن العصيان في المعسكرات؛ -3 وتارة تُلصق اتهامات بمحاولات انقلابية ببعض الكتل لنزع الشرعية عنها. في نهاية المطاف كانت الوحدة مع مصر عبد الناصر هي الحلّ الوحيد أمام الضباط للتخلص من حالة الانشطار في الجيش، في سياق تفكك النخب السياسية والاجتماعية السورية97، ولحماية سورية من تهديدات جيرانها، ومن صراعات الأحلاف (حلف بغداد). بناء عليه، فإن فرض رغبة كل جناح في الجيش على أرض الواقع تعود إلى قوة حضوره في وحدات سلاح المدرعات. لذلك كانت الحياة السياسية السورية في هذه المرحلة التي تميزت بالتعددية السياسية وليس بالديمقراطية، نتاج تكافؤ قوة الأجنحة العسكرية المتصارعة في الجيش السوري. هذا التكافؤ الحذر والمؤقت إلى حين إيجاد فرصة للانقلاب على الأطراف كلها. يصف وزير الدفاع خالد العظم تلك المرحلة: "غير أن الوجه البراق من الزهو والخيلاء، كان يرافقه شبح مخيف وكئيب؛ إذ إن الحسد والغيرة بين الضباط ازدادا بنسبة ازدياد سلطاتهم، فأصبح واحدهم ينوي الشر بزميله، وأصبحت هذه الكتلة تتآمر على تلك للإيقاع بها. وبدأ سلاح التسريح من الجيش يتساقط على رؤوس الضباط بالتتابع. فكلما قويت كتلة، سلّطت على الأخرى رشاش الإحالة على التقاعد، هذا إذا ترفعت عن استعمال سلاح الغدر والقتل والسجن والإبعاد إلى خارج البلاد"98.
4. الجيش والحياة السياسية
أمّا على صعيد التدخل في السياسة وبعض آليات الممارسة الديمقراطية التي مورست في حينه، كالعملية الانتخابية الرئاسية والبرلمانية وتشكيل الوزارات، حيث تشكّلت سبع حكومات خلال أربعة أعوام، ولم تكمل أي منها عشرة شهور، فقد أدى غضب الجيش وضغطه في الكواليس إلى إسقاط حكومة صبري العسلي الأولى بعد الانقلاب، نتيجة إقصاء البعث عن الحكومة، تحت الضغط العراقي99، ولم يكتب للوزارة أن تستمر أكثر من.100 يوم مع تشكيل الحكومة الثانية برئاسة سعيد الغزي، تقرّر إجراء الانتخابات النيابية في 20 آب/ أغسطس 1954، لكن إعلان حزب الشعب مقاطعته للعملية الانتخابية بسبب تدخل الجيش في السياسة ومحاولته التأثير في النتائج، أدى إلى تأجيل موعد الانتخابات
96 بشارة، سورية، ص.281 97 العظم، مج 2، ص.272 98 أمل بشور، دراسة في تاريخ سوريا السياسي المعاصر (طرابلس )لبنان(: جروس برس، 2003)، ص.277-276
إلى 24 أيلول/ سبتمبر100. وفي حقيقة الأمر كان الجيش، ممثلً برئيس الأركان شوكت شقير، قد أنذر القوى المدنية بأن صعود حزب الشعب ووصوله إلى القصر الجمهوري لاحقًا سيؤدي إلى انقلاب عسكري101. أمّا الحكومة الثالثة برئاسة فارس الخوري (29 تشرين الأول/ أكتوبر 1954 - 13 شباط/ فبراير 1955)، فقد سقطت في أثر تحالف ثلاثي بين العظم والعسلي والحوراني في محاولة لإنقاذ سورية من حلف بغداد. وترددت أصداء شائعات بأن حكومة الخوري لو لم تستقل لحاول العقيد عدنان المالكي إطاحتها عن طريق انقلاب عسكري، يسانده البعث102. وبهذا تمهدت الطريق لميثاق الدفاع المشترك مع مصر والمملكة العربية السعودية في عام 1955، وفي هذه الأثناء كانت قد تشكلت حكومة جديدة برئاسة العسلي من جديد (13 شباط/ فبراير 1955 - 13 أيلول/ سبتمبر 1955)، لكن في أوائل نيسان/ أبريل 1955 وقبل توقيع الميثاق وبعد عودة السياسيين السوريين من القاهرة، اقترح جناح شقير، وضمنيًا السرّاج، "أن يحل العسلي مجلس النواب ويحكم بمساندة الجيش، وقيل إن الاقتراح اقترن بالتهديد بالقيام بانقلاب ما لم يوقع الميثاق فورًا"103، لكنَّ توقيع الاتفاق رفع هذا الاقتراح عن الطاولة. لم يتوقف تأثير الجيش في إطاحة حكومة تلو الأخرى؛ إذ وصل الجيش إلى مرحلة تهديد النواب في أثناء الانتخابات الرئاسية في آب/ أغسطس 1955 مع عودة الرئيس القوتلي من القاهرة، وكان منافسه خالد العظم الملقب ب "البرجوازي الأحمر". فقد أبدت الولايات المتحدة انزعاجها من دخول العظم في انتخابات الرئاسة، فسحب الجيش دعمه للعظم. وبحسب الأخير، تبيّ أن العديد من النواب تعرضوا لتهديد من ضباط الجيش إذا انتخبوهم104. اشتد تدخل الجيش في الصلاحيات والحياة السياسية في سياق الوحدة مع مصر، فبعد اجتماع الضباط ليلة 12 كانون الثاني/ يناير 1958، سافر 13 ضابطًا إلى القاهرة لإنجاز الوحدة مع عبد الناصر، وفي تلك الليلة كتب جاسم علوان محضر الجلسة قبل السفر لإرسالها صباحًا مع العقيد أمين النفوري إلى الحكومة لإعلامهم بالأمر، فقرأ وزير الدفاع خالد العظم المحضر، فتساءل: "أما كان الأجدر بكم إخبار الحكومة؟ إن هذا انقلاب على الحكم"، فرد النفوري: "هذا ما حصل"، وبعد العودة من القاهرة، وجّهَ العظم السؤال نفسه
99 سيل، ص.230-227 100 العظم، مج 2، ص.285 101 سيل، ص.313 102 توري، ص.297 103 العظم، مج 2، ص.288
إلى رئيس الأركان عفيف البزري، فأجاب الأخير: "لم يكن لدينا وقت لإخبار الحكومة"105. بينما وصف الرئيس شكري القوتلي حركة البزري والضباط، بالانقلاب العسكري أمام السفير المصري في دمشق محمود رياض106. اشترط عبد الناصر على الضباط حلّ الأحزاب السياسية كلها وانسحاب الجيش السوري من السياسة. ووافق الضباط على كل ما جاء به عبد الناصر، ولما بدا للجيش أن بعض السياسيين غير متفق على صيغة الوحدة التي تنازل فيها الضباط عن سيادة سورية واستقلاليتها، طرح الضباط أمام السياسيين أحد خيارين: أحدهما يؤدي إلى المزة [السجن السياسي المعروف]؛ والآخر يؤدي إلى القاهرة. واختارت الحكومة طريق القاهرة107. يدفع شعور الترفع والفخر المتزايد من الضباط بالانتماء إلى القوات المسلحة أو "الحرفة المختارة" إلى عقدة استعلاء وازدراء للمدنيين وشعور بالوصاية عليهم108. فيصف وزير الدفاع آنذاك خالد العظم مرارة ذلك اليوم: "ساقونا - أي الضباط - كالنعاج وأركبونا طائرة حملتنا كلنا - رئيس الجمهورية والوزراء - إلى القاهرة، حيث عقدت الاجتماعات في قصر القبة، انتهت بتوقيع صك الوحدة"109 في 21 شباط/ فبراير 1958. وبذلك أتمّ الجيش الانقلاب الثامن في تاريخ سورية الحديث110، ففِعْلُ التهديد الذي قاده ضباط الجيش أدى في نهاية الأمر إلى إطاحة الحكومة الشرعية مرغمةً. فالانقلاب لا يَشترط نزول الجيش إلى الشارع، إنما يمكن أن يكون انقلابًا خلف الكواليس. لم تجد الكتل مخرجًا من الأزمة وحالة عدم الاستقرار من خلال انتصار إحداها على الأخرى، أو تنفيذها انقلابًا داخل الجيش، بل عبر انقلاب على السياسيين حين عقدوا أمر الوحدة مع عبد الناصر، لكن هذا في البداية، فقد جرى لاحقًا أن فكك عبد الناصر هذه الكتل وحلّها عبر تشتيتها في المناصب السياسية والبعثات الخارجية، أو إيفادهم إلى القطاع الجنوبي، أي مصر، لأداء وظيفتهم العسكرية، ما يعني أن كتل الجيش أجرت انقلابًا على نفسها في نهاية المطاف.
104 المرجع نفسه، ج 3، ص.127-123 105 عضيد دويشة، القومية العربية في القرن العشرين، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2019)، ص.165 106 يوجين روجان، العرب: من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر، ترجمة محمد إبراهيم الجندي (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2011 ص.394-393)، 107 ووديز، ص 43؛ عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.115 108 العظم، ج 3، ص.198 109 يصف الباحث ما وقع بانقلاب دون تحفظ. ونتبنى تاريخ الانقلاب بيوم زيارة الضباط القاهرة وليس يوم اتفاق الوحدة.
وبناء عليه، حسم الصراع الداخلي من خلال عامل خارجي وليس من الجيش نفسه.
خاتمة
بعد دراسة الجيش السوري في المدة 1958-1949؛ أي من انقلاب حسني الزعيم إلى اندماج الكيان السوري بمصر في "الجمهورية العربية المتحدة"، من خلال التركيز المكثف على المدة 1958-1954، وبعد النظر في الأدبيات التي سعت لتحليل أسباب انحسار ظاهرة
الانقلابات العسكرية في المشرق العربي، وعلى وجه التحديد الحالة السورية، توصّلت الدراسة إلى قصور هذه المسببات في فهم انحسار الانقلابات في سورية في المدة 1958-1954، ولا يُختزَل القصور على هذه الأدبيات فحسب، بل اختزال أكبر وأعمق في دراسات التاريخ السوري. وثمة فجوة أخرى وقعت فيها هذه الأدبيات مجمعةً - التاريخ السوري، والعلاقات المدنية - العسكرية - هي انعدام الانشغال بالمؤسسة العسكرية وعلاقات القوة القائمة داخلها من خلال البحث في الوحدات العسكرية، أي الخلفيات العسكرية للضباط، وجاء ذلك على حساب الانشغال بتحليل الخلفيات السوسيولوجية،
وهو ما هدف إليه البحث، عبر سد الفجوات النظرية والتاريخية لهذه الأدبيات بالتركيز على العلاقات السببية بين العامل الذي طُرح في الدراسة، وقرارات الفاعلين العسكريين والسياسيين في التاريخ السوري. تتوصّل الدراسة إلى مجموعة من النتائج: حذّرت الدراسة من إطلاق وصف "نظام سياسي ديمقراطي" على تجربة سورية في الخمسينيات، نتيجة ازدواجية الجيش والسياسة، واخ اررق العسكر الحياة السياسية طوال تلك المرحلة، وهي ازدواجية تخلّ بشرط النظام الديمقراطي الذي تتبناه الدراسة مفهوميًا. في المقابل تميزت هذه المرحلة بالتنوع السياسي والحزبي والفكري والحريات المدنية وحرية الصحافة والعمل النقابي المنظم. ومن ثم، هي مرحلة يمكن وصفها باعتبارها تعددية سياسية. من خلال البحث في السلاح الذي يقود العمليات الانقلابية في سورية قبل مرحلة عام 1954، وخلفيات كتل الضباط في المرحلة التعددية، يمكن القول إن حقبة التعددية السياسية بعد سقوط نظام الشيشكلي كانت نتيجة تكافؤ الأجنحة السياسية العسكرية في س حاا المدرعات، وهو السلاح الذي حمل لواء التنفيذ والتخطيط لانقلابات سورية كلها في المدة 1961-1949. واستكمالً لحالة التوازن العسكري، ساهم اتّسام انقلابات الجيش باللاعنف مساهمةً فعالة في كبح جماح الكتل والأجنحة المتصارعة في الجيش عن الانجرار إلى حركات انقلابية يمكن أن تقود إلى سفك دماء جنود وضباط، بل ومدنيين سوريين. بناءً عليه، يمكن التوصل إلى أنّ التوازن العسكري بين أجنحة الجيش السياسية في القوات المسلحة يفسر انحسار الانقلابات خلال المدة 1958-1954، كما يمكن اعتباره إحدى آليات الوقاية من الانقلابات العسكرية. لكنها آلية غير مخلوقة عبر سلطة أعلى، أو آلية مصممة من فاعل محدد، بل هي آلية طفت على السطح نتيجة ظروفها السياسية وحالة الانشطار الحاد في صفوف الجيش والسياسيين في العلن. تتيح فكرة التوازن العسكري إمكان التفكير في إصلاح المؤسسة العسكرية ديمقراطيًا من داخلها، أي حلولً قد تقع من المؤسسة العسكرية ذاتها وليس من المؤسسة المدنية فحسب، لكن ذلك لا يعني أن ما وقع في سورية آنذاك يفيد بأن البحث يراه حلً، لكنه يفتح احتمالية البحث في حالات تاريخية أو راهنة عن آليات للدمقرطة من داخل القوات المسلحة. بسبب حالة التوازن العسكري بين قطاعات الجيش المتنافرة على أسس أيديولوجية وتحالفات سياسية، واتسام انقلابات سورية ما قبل عام 1963 باللاعنف، حُيّدَ العامل الخارجي، أو بالأحرى بات تأثير وجود دعم دولي لانقلاب عسكري ما هامشيًا.
ففي سورية سعت العراق ومصر وبريطانيا والولايات المتحدة وأطراف دولية وإقليمية أخرى، لدعم انقلابات عسكرية لمصلحتها مرات عدة، إلّ أنها فشلت. الحركات الانقلابية هي عمليات ميدانية ومسرح عمليات في آن. ومن هنا، إذا ما أراد أي طرف دولي أو إقليمي دعم أحد الأجنحة ضد أخرى للقيام بعمل انقلابي، فكيف سينجح إذا كان الطرف المدعوم بغطاء دولي وبدعم مالي، متساويًا مع خصومه على الأرض في القوة العسكرية، ولا يملك القوة الكافية التي تمكّنه من إنجاح العمل الانقلابي؟ إن قوة الأطراف الخارجية البعيدة، لا تعادل أبدًا القوة المرئية والمحسوسة. قدمت حالة التوازن العسكري نافذةً زمنية مكّنت القوى المدنية من ممارسة عملها السياسي في الدولة، وممارسة بعض مظاهر الديمقراطية الإجرائية، كالعملية الانتخابية البرلمانية والرئاسية، فأيّ عرف أو مؤسسة الديمقراطية محكومة بالوقت111 الذي يجعلها تتطور من خلاله. إلّ أن المدة 1958-1954 كشفت عن خلل بنيوي في المنظومة السياسية السورية في حينه، هو ضعف النخب السياسية وتشتتها، وانحرافها عن تثبيت التجربة التعددية، وتحويلها إلى ديمقراطية حقيقية؛ إذ كان في إمكان القوى السياسية، الأيديولوجية تحديدًا - إذا ما افترضنا أن لها أجندة ديمقراطية بالفعل - أن تحجّم دور الجيش وتدخّله في الحياة السياسية، فلهذه القوى التي امتلكت أجنحة وازنة عسكريًا سلطة الأيديولوجيا على الضباط الموالين لها داخل القوات المسلحة، فالأيديولوجيا حالة تتملك الفرد وتجعله منصاعًا إلى القادة، سواء أكانوا عسكريين أم مدنيين، لكن المهم هو أنها أيديولوجيا تحوز معتنقها. فمثلً، كان في إمكان السياسي الشعبوي والدينامي112 أكرم الحوراني، الذي تمتع بسلطة الخطابة والكاريزما على قواعده الشعبية في صفوف المدنيين والعسكريين وتفرد بتوريطه للجيش في السياسة، لو كان ديمقراطيًا أن يساهم في إصلاح العلاقات المدنية - العسكرية، ويرسخ تجربة سورية التعددية. فالزعيم وصاحب الكاريزما يمكنه إعادة تعريف المعايير، وتغيير قواعد اللعبة دومًا، ولا يمكن من هم أدنى منه في تسلسل القيادة ممارسة السلطة
110 جون كين، حياة الديمقراطية وموتها، ترجمة محمد العزير (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.16-15 111 صاغية، الانهيار المديد، ص 125؛ ينظر في إحدى الدراسات المبكرة والمهمة عن نشوء الظاهرة الشعبوية في سورية: باروت، "حول الشعبوية 'الحورانية' في سوريا"، ص.98-81
إلا بادعاء الامتثال لمعاييره113. وكذلك العقيد عدنان المالكي أدّى دورًا "ديمقراطيًا" خلال فترة قصيرة من الزمن، لكنه سرعان ما اغتيل. بناء عليه، يقدم التوازن وصراع الأجنحة السياسية في الجيش مرحلة زمنية، أي فرصة سياسية، تمكّن من إصلاح المؤسسة العسكرية ديمقراطيًا واستدامة مرحلة التعددية السياسية، لكنها مشروطة بتوافر نخب سياسية ديمقراطية. يولّد صراع الأجنحة حالة من فقدان السيادة. فقد رأى عدد من الباحثين114 أن علة العلل في سورية الاستقلال هي تشتت "هوية" التيارات السياسية نتيجة اختلاف المرجعية الفكرية (المشروعة)، واختلاطها بعلة العشائرية والإثنية على أرض الواقع، وتعارض مصالح البرجوازيات الجديدة الحاكمة والبرجوازية ذات الأصول الإقطاعية، ولا يستثنى من ذلك صراع الكتلتين الدمشقية والحلبية، ومن ثمّ، أبقت مسألة الهوية والانتماء الوطني موضوعًا للانقسام والتناحر بين الأحزاب السياسية، وهو ما لم يسمح بالاتفاق على قواعد إدارة العملية السياسية، وبناء مؤسسات دولة جميع المواطنين. ما يُبنى على هذا الرأي كذلك، أن هذا التناحر والتنافر السياسي الذي كان الجيش جزءًا رئيسًا فيه هو ما جعل سورية في مرحلة تعدديتها السياسية تفقد ركنًا أساسيًا من أركان الدولة، ألا هو سيادة قرارها السياسي على الصعيدين المحلي والخارجي، على اعتبار أن مفهوم السيادة مفهوم شَطي لتكون الدولة دولة. فقد خضعت سورية نتيجةً لهذه التحيزات والانتماءات (الطبيعية) لرغبات قوى إقليمية ودولية وتفضيلاتها، كما تبين في تشكّل الحكومة الأولى بعد سقوط الشيشكلي، والتي استُبعد منها البعث لتخوفات عراقية، كما سُحب تأييد الجيش لخالد العظم في الانتخابات الرئاسية نتيجة الانزعاج الأميركي من العظم إثر سعيه إلى توطيد العلاقات مع الاتحاد السوفياتي، وكذلك يدخل في الإطار ذاته الخضوع لشروط عبد الناصر من أجل الوحدة معها. يأمل البحث في أن يشكل إضافة في دراسة التاريخ السوري الحديث ومقاربات العلاقات المدنية - العسكرية التي تبنى نظرياتها ومقاربتها الكلية على أبحاث ومقاربات دقيقة وجزئية، لتشكل في مجموعها قاعدة معرفية، بل سياسية، يمكن الساعين إلى بناء رقابة مدنية على القوات المسلحة في نظام ديمقراطي راسخ الاستفادة
112 Claude Welch, "Two Strategies of Civilian Control of the Military: Theory and Cases from Developing Countries," in: Claude Welch (ed.), Civilian Control of the Military Theory and Cases from Developing Countries (New York: State University of New York Press, 1976), p. 141. 113 الزغير، ص 106-89؛ الأتاسي، تطوّر المجتمع السوري، ص.203-196
منها115. كما أن النتائج التي توصل إليها، يمكن اختبارها على حالات تاريخية وربما راهنة كذلك، فيمكن أن تسهم في الكشف عن نتائج وعوامل أخرى تضاف إلى المقاربة والاستنتاجات النظرية نفسها التي سعت الدراسة لتوليدها. وكحالة تستحق النظر والدراسة من الباحثين العرب، هي الحالة التركية في مرحلتها الممتدة من عام 1986 التي بدأت فيها جماعات وتيارات سياسية/ دينية في الدخول إلى الكليات العسكرية والشُطية التركية لتشكّل جناحًا موازيًا للتيار العلماني العامّ في القوات المسلحة، حتى عام 2016 المرحلة التي فشل فيها الانقلاب نتيجة الصراعات الداخلية الدائرة في مؤسسات الدولة، العسكرية والأمنية والقضائية.
114 ماضي، ص.129 115 Murat Aygen, "Türkiye ve Darbeler: 15 Temmuz Örneği ," Fırat Üniversitesi Sosyal Bilimler Dergisi , Cilt 28, Sayı 1 (Temmuz 2018), s. 243.
References
المراجع
عربية
أبو عساف، أمين. ذكرياتي. دمشق: [د. ن].،.1996 أبو منصور، فضل الله. أعاصير دمشق. دمشق: [د. ن].،.1959 الأتاسي، كريم. سوريا قوة الفكرة: المشروع الوطني والهندسات الدستورية للأنظمة السياسية. ترجمة معين روميّة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2022 الأتاسي، نشوان. تطور المجتمع السوري: 2011-1831. بيروت: أطلس للنشر والترجمة،.2015 أحمد، حسن الحاج علي. "القدرة على الاستدلال". سياسات عربية. العدد 41 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2019 إذاعة حلب. التاريخ السوري المعاصر. في http://bitly.ws/bSgH: الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. ب وررت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 باراني، زولتان. الجندي والدولة المتغيرة: بناء جيوش ديمقراطية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأم كررت. ترجمة نبيل الخشن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 باروت، محمد جمال. "حول الشعبوية "الحورانية" في سوريا". الفكر الديمقراطي. العدد).1990(11 ________. التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 بركات، حليم. المجتمع العربي في القرن العشرين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2000 بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 ________. في الثورة والقابلية للثورة. ط 3. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ________. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017
________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 ________. "الدولة والأمة ونظام الحكم: التداخل والتمايز". ورقة مقدمة في الدورة الثامنة لمؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية "الدولة العربية المعاصرة: التصور، النشأة، الأزمة". المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة..2021/3/21 بشور، أمل. دراسة في تاريخ سوريا السياسي المعاصر. طرابلس (لبنان): جروس برس،.2003 بطاطو، حنا. فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم. ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 البيضاني، إبراهيم سعيد. السياسة الأمريكية تجاه سوريا. عمّ ن: أمواج للنشر والتوزيع،.2015 توري، جوردن ه. السياسة السورية والعسكريون:. 1958-1945 ترجمة محمود فلاحة. ط 2. دمشق: دار الجماهير،.1969 تيوريل، يان. محدّدات التحول الديمقراطي: تفسير تغيّ أنظمة الحكم في العالم (2006-1972. ترجمة خليل الحاج صالح. الدوحة/) بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 جمعة، سامي. أوراق من دفتر الوطن 1966-1946. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر،.2000 حداد، غسان محمد رشاد. من تاريخ سورية المعاصر:. 1966-1946 عمّ ن: مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية،.2001 الحكيم، حسين. لعنة الانقلابات من 1946 إلى 1966. دمشق: مطبعة الداودي،.1999 حمداني، مصطفى رام. شاهد على أحداث سورية وعربية وأسرار الانفصال. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر،.1999 حنا، عبد الله. صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 الحوراني، أكرم. مذكرات أكرم الحوراني. 4 مج. القاهرة: مكتبة مدبولي،.2000
الخاني، عبد الله فكري. سورية بين الديمقراطية والحكم الفردي. بيروت: دار النفائس،.2004 الخوري، فؤاد إسحق. العسكر والحكم في البلدان العربية. بيروت: دار الساقي،.1990 دويشة، عضيد. القومية العربية في القرن العشرين. ترجمة عبد الواحد لؤلؤة. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2019 ديب، كمال. تاريخ سورية المعاصر: من الانتداب إلى صيف 2011. ط 2. بيروت: دار النهار،.2012 روجان، يوجين. العرب: من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر. ترجمة محمد إبراهيم الجندي. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2011 الزغير، خلود. سورية الدولة والهوية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 زكريا، غسان. السلطان الأحمر. لندن: أرادوس للنشر،.1991 زين العابدين، بشير. الجيش والسياسة في سورية 2000-1918: دراسة نقدية. لندن: دار الجابية،.2008 سكوكبول، ثيدا. الدول والثورات الاجتماعية: دراسة مقارنة بين فرنسا وروسيا والصين. ترجمة نبيل الخشن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 سلامة، غسان. المجتمع والدولة في المشرق العربي. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1999 السمان، مطيع. وطن وعسكر: قبل أن تدفن الحقيقة في التراب: مذكرات 28 أيلول 8-1961 آذار 1963. دمشق: بيسان للنشر والتوزيع،.1995 سيل، باتريك. الصراع على سورية: دراسة في السياسة العربية بعد الحرب (1958-1945. ترجمة سمير عبده ومحمود فلاحة.) دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر،.1986 شعيب، فوزي. شاهد من المخابرات السورية 1968-1955. لندن: رياض الريس للكتب والنشر،.2008 شميت، كارل. نظرية البارتيزان: استطراد حول مفهوم السياسي. نقلته إلى العربية هبة شريف. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2020
صاغية، حازم. البعث السوري: تاريخ موجز. ب وررت: دار الساقي،.2012 ________. الانهيار المديد: الخلفية التاريخية لانتفاضات الشرق الأوسط العربي. بيروت: دار الساقي،.2013 صقال، فتح الله ميخائيل. من ذكريات حكومة الزعيم حسني الزعيم: خواطر وآراء. القاهرة: دار المعارف،.1951 صولي، أدهم ورايموند هينبوش. "الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية تاريخية". عمران. مج 10، العدد 37 (صيف.)2021 عبد العال، سيد. الانقلابات العسكرية في سوريا. 1954-1949 القاهرة: مكتبة مدبولي،.2007 عبد الكريم، أحمد. حصاد سنين خصبة وثمار مرة. بيروت: بيسان للنشر والتوزيع،.1994 عبد الملك، أنور. المجتمع المصري والجيش (1973-1952. القاهرة:) مركز المحروسة،.2005 عرموش، أحمد راتب. رحلة العمر: القرية الشامية - الحياة العسكرية - الوحدة والانفصال. بيروت: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع،.2013 العشي، محمد سهيل. فجر الاستقلال في سورية: منعطف خطير في تاريخها. ط 2. بيروت: دار النفائس،.2019 العظم، خالد. مذكرات خالد العظم. 3 مج. ط 3. بيروت: الدار المتحدة للنشر،.1973 غيديس، باربرا [وآخرون]. كيف تعمل الدكتاتوريات. ترجمة عبد الرحمن عياش. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2021 فان دام، نيقولاوس. ال اررع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة 1955-1961. ط 2. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1995 فرزات، محمد حرب. الحياة الحزبية في سوريا. ط 2. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. تقديم رضوان السيد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 كالهون، كريغ (محرر). معجم العلوم الاجتماعية. ترجمة معين رومية. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021
كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ: اتجاهات- مدارس - مناهج. ط. 3 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 الكيلاني، شمس الدين. مدخل في الحياة السياسية السورية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 الكيلاني، هيثم. الاستراتيجيات العسكرية للحروب العربية - الإسرائيلية: 1988-1948. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1991 كين، جون. حياة الديمقراطية وموتها. ترجمة محمد العزير. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 ماضي، عبد الفتاح. الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية - العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 معروف، محمد. أيام عشتها 1969-1949: الانقلابات العسكرية وأسرارها في سورية. بيروت: دار رياض الريس،.2003 النقيب، خلدون. الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر. ط. 3 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004 هاينز، صموئيل. حكاية الجند: الحرب والذاكرة والمذكرات في القرن العشرين. ترجمة فلاح رحيم. النجف: جامعة الكوفة،.2016 ووديز، جاك. الجيوش والسياسة. ترجمة عبد الحميد عبد الله. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1982
أجنبية
Aguero, Felipe. Soldiers, Civilians and Democracy: Post-franco in Comparative Perspective. Baltimore; London: The Johns Hopkins University Press, 1995. Aygen, Murat. "Türkiye ve Darbeler: 15 Temmuz Örne ğ i." Fırat Üniversitesi Sosyal Bilimler Dergisi. Cilt 28, Sayı 1 (Temmuz 2018). Batatu, Hanna. "Some Observations on the Social Roots of Syria's Ruling, Military Group and the Causes for Its Dominance." Middle East Journal. vol. 35, no. 3 (Summer 1981). Belkin, Aaron & Evan Schofer. "Coup Risk, Counterbalancing, and International Conflict." Security Studies. vol. 14, no. 1 (January 2005).
Bermeo, Nancy (ed.). Liberalization and Democratization: Change in the Soviet Union and Eastern Europe. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1992. Bou-Nacklie, Nacklie E. "Les Troupes Speciales: Religious and Ethnic Recruitment, 1916-1946." International Journal of Middle East Studies. vol. 25, no. 4 (November 1993). Brooks, Risa. Political-Military Relations and the Stability of Arab Regimes. London: International Institute for Strategic Studies, 1998. Adelphi Paper 324 Croissant, Aurel et al. "Beyond the Fallacy of Coup-ism: Conceptualizing Civilian Control of the Military in Emerging Democracies." Democratization. vol. 17, no. 5 (2010). Dahl, Robert A. Democracy and its Critics. New Haven: Yale University Press, 1989. Droz-Vincent, Philippe. Military Politics of the Contemporary Arab World. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Finer, Samuel E. The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics. London: Pall Mall Press, 1969. Hertog, Steffen. Princes, Brokers and Bureaucrats: Oil and the State in Saudi Arabia. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2010. Hinnebusch, Raymond. "Toward a Historical Sociology of State Formation in the Middle East." Middle East Critique. vol. 19, no. 3 (Fall 2010). Huntington, Samuel P. The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations. Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press, 1957. Janowitz, Morris. The Professional Soldier: A Social and Political Portrait. Glencoe, Ill.: Free Press, 1960.
________. Military Conflict: Essays in the Institutional Analysis of War and Peace. Beverly Hills, Calif: Sage Publications, 1975. Karabelias, Gerassimos. "Civil-Military Relations: A Comparative Analysis of the Role of the Military in the Political Transformation of Post-War Turkey and Greece: 1980-1995." Final Report Submitted to North Atlantic Treaty Organization (NATO), June 1998. Linz, Juan J. Breakdown of Democratic Regimes: Crisis, Breakdown and Reequilibration. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1978. Makara, Michael. "Coup-Proofing, Military Defection, and the Arab Spring." Democracy and Security. vol. 9, no. 4 (September 2013). Pollack, Kenneth et al. (eds.). The Arab Awakening: America and the Transformation of the Middle East. Washington, DC: Brookings Institution, 2011. Quinlivan, James. "Coup-Proofing: Its Practice and Consequences in the Middle East." International Security. vol. 24, no. 2 (Fall 1999). Serra, Narcis. The Military Transition: Democratic Reform of the Armed Forces. Peter Bush (Trans.). Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2010. Singh, Naunihal. Seizing Power: The Strategic Logic of Military Coups. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2014. Solomon, Christopher. In Search of Greater Syria: The History and Politics of the Syrian Social Nationalist Party. New York: Bloomsbury Publishing, 2021. Stepan, Alfred (ed.). Authoritarian Brazil: Origins, Policies, and Future. New Haven/ London: Yale University press, 1973.
Welch, Claude (ed.). Civilian Control of the Military Theory and Cases from Developing Countries. New York: State University of New York Press, 1976. Wittman, Donald & Barry Weingast (eds.). The Oxford Handbook of Political Economy. New York: Oxford University Press, 2006.