المؤشر الوطني للتحول الديمقراطي في العراق 2017 – 2021

The National Indicator for Democratic Transition in Iraq 2017-2021

* Governance Center for Public Policies مركز حوكمة للسياسات العامة|

الملخّص

يعد "المؤشر الوطني للتحول الديمقراطي في العراق" أحد المؤشرات المحلية لقياس وضع الديمقراطية في العراق، في سياق كم كبير من المؤشرات الأجنبية، التي - على الرغم من أهميتها - تعتمد، في الغالب، على معلومات عامة، مستمدة من تقارير، إعلامية أو سياسية، وبعض مصادرها غير موثق أو مؤهل. أعدّ المؤشر الوطني للتحول الديمقراطي في العراق "مركز حوكمة للسياسات العامة"، وهو مركز دراسات مقره في بغداد، انطلاقًا من الحاجة إلى مؤشر يستند إلى منظور محلي. أسهم في بناء المؤشر فريق من الأكاديميين العراقيين من تخصصات مختلفة، وهو يصدر سنويًا، بدءًا من العام 2018. وقد صدرت منه، إلى هذه اللحظة، أربعة تقارير. يمثل هذا النص خلاصة أعدها المركز لصالح "سياسات عربية"، لنتائج التقارير الأربعة، وتمثل إضافة لحال التحول الديمقراطي في العراق، بعد نحو عقدين من الغزو الأميركي للبلاد وسقوط نظام صدام حسين.

Abstract

The National Index for Democratic Transition in Iraq is a local initiative to measure democratic progress in Iraq, in an environment marked by multiple foreign indicators, which — despite their importance — are mostly based on general information derived from media or political reports. Some of their sources are neither documented nor qualified. National Index for Democratic Transition in Iraq is conducted by the Governance Center for Public Policies, a think tank based in Baghdad, to meet the need for an index based on a local perspective. A team of Iraqi academics from different disciplines contributed to building the index, and it has been conducting annually since 2018, with four reports published to date. Prepared specially for Siyasat Arabiya, this text represents a summary of the results of the four reports, and the state of democratic transition in Iraq, nearly two decades after the US invasion and the fall of Saddam Hussein's regime.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

The National Indicator for Democratic Transition in Iraq 2017 - 2021

مقدمة

تمر الدولة العراقية، منذ عام 2003، بمرحلة انتقالية، طويلة أو هكذا أريد لها أن تكون، شهدت جملة من التحديات المركبة، في مقدمتها التحدي الأمني، مع ظهور عارض الإرهاب بمراحله المتتابعة، التي تُوّجت بمرحلة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، الذي احتل أجزاء واسعة من أراضي البلاد (2017-2014). وقد تداخل هذا التحدي مع الأوضاع السياسية المضطربة، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية المتلكئة، فضلً عن فوضى انتشار السلاح المنفلت خارج نطاق سلطة الدولة. وقد أفضى كل ذلك إلى إضعاف كثير من المؤسسات والبنى التنظيمية أو تعطيلها، وزيادة فرص الفساد في مختلف القطاعات، بما فيها مؤسسات السلطات الثلاث (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية)، وعدم اكتمال المنظومة القانونية للدولة، الأمر الذي كان من نتائجه تراجع كثير من المؤشرات، من قبيل سيادة القانون، والمساءلة والشفافية، ونزاهة الانتخابات، واللامركزية، وسواها. شمل المؤشر الوطني للأعوام (2017-2021) حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي (2018-2014) في عامها الأخير، أعقبتها حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي (2020-2018)، وبدايات حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي (-2020 حتى الآن). جاءت حكومة العبادي في ظل أزمة سياسية ناجمة عن تخلي عدة كتل سياسية عن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (2014-2006) ورفضها تولّيه رئاسة الحكومة للمرة الثالثة، وانهيار أمني واسع نتيجة اجتياح داعش أجزاء واسعة من العراق (صيف 2014)، وأزمة اقتصادية كبيرة شهدها عام 2014، تمثلت بانخفاض أسعار النفط. وكان كل ذلك يحدث في سياق اضطراب إقليمي، شكّلته الأزمة السورية وتداعياتها، والتي كان لها تأثير مباشر في الوضع العراقي. واجهت حكومة العبادي، منذ صيف 2015، احتجاجات شعبية وسياسية واسعة بسبب سوء الأداء المتراكم والأوضاع الاقتصادية المتردية، أدت إلى استقالة عدد من الوزراء وإقالة آخرين، وشغور عدد من المناصب المهمة، جراء خلافات بين القوى السياسية. وبالتزامن، كان العبادي يقود العمليات العسكرية لتحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش، التي توّجت بإعلان تحرير الموصل، أكبر معقل للتنظيم، في خريف 2017. وبالتزامن أيضًا، كان ثمة بعض النجاح الاقتصادي بعبور الأزمة المالية. وقد شكّل هذان أكبر إنجازين لحكومة العبادي، إلا أنها أخفقت في تنظيم انتخابات نيابية تتسم بالنزاهة والصدقية، فقد أقال العبادي خمسة من مسؤولي الانتخابات، بسبب اتهامات بالفساد خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 أيار/ مايو.2018 على هذه الخلفية تشكلت الحكومة الجديدة، برئاسة عبد المهدي، التي أعلنت، عبر البرنامج الحكومي، عن جدول أعمال للأعوام الأربعة يتضمن قائمة مهمات كبيرة ومطولة لتطوير البلاد في مختلف المجالات، وحلّ العلاقات المتوترة بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان، وتعزيز الاقتصاد، والحدّ من الفقر، واستعادة السلام والاستقرار بإنهاء الفوضى الأمنية وانتشار السلاح، وحصر السلاح بيد الدولة، كما أطلق البرنامج الحكومي تعهدات عديدة، من أبرزها إيقاف التدخلات الخارجية، وحلّ مشكلة الكهرباء بحلول صيف عام 2019، وهي الأزمة التي أرّقت العراقيين طويلً. غير أنّ الحكومة لم تستطع الوفاء بوعودها. وقد قاد هذا إلى تأجيج الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح من جديد، والذي أنتج هذه المرة أكبر حركة احتجاجية في العراق منذ عام 2003، وهي الاحتجاجات التي اندلعت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، في بغداد وجنوب العراق، والتي واجهت قمعًا وعنفًا كبيرَين من السلطة والفصائل المسلحة الموازية، أدّيا إلى سقوط 560 قتيلً تقريبًا (بحسب آخر إحصاء حكومي)، وأكثر من 24 ألف جريح1، فضلً عن العشرات من المختطفين. وقد كان من النتائج المهمة للحركة الاحتجاجية استقالة حكومة عبد المهدي، بعد المذبحة التي ارتكبتها القوات الحكومية في مدينة الناصرية، في جنوبي البلاد، أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وذهب ضحيتها عشرات القتلى. في أيار/ مايو 2020، تشكلت حكومة جديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، جعلت أولى مهماتها إجراء انتخابات مبكرة، وتشريع قانون انتخابي جديد، وهما من مطالب الحركة الاحتجاجية2. وقد حددت حكومة الكاظمي، في 6 حزيران/ يونيو 2021، موعدًا للانتخابات النيابية المبكرة. وقد تخللت ذلك أحداث عاصفة، في صدارتها اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، بطائرة أميركية مسيّة، مطلع عام 2020، ما أدى إلى تصاعد المواجهة بين فصائل من الحشد الشعبي والقوات الأميركية. وقد استطاعت التنظيمات السياسية المرتبطة بالفصائل استصدار قرار من البرلمان العراقي، بعد اغتيال سليماني والمهندس بأيام، يقضي بخروج القوات الأميركية من البلاد.

  1. المؤتمر الصحفي لمستشار رئيس الوزراء د. هشام داود للإعلان عن قائمة شهداء حركة تشرين الاحتجاجية"، يوتيوب، 2020/7/30، شوهد في 2022/6/6، في: https://bit.ly/3xl94Gz
  2. مجلس النواب يقر برنامج الحكومة العراقية الجديدة"، الحكومة العراقية، 2020/5/7، شوهد في 2022/6/6، في: https://bit.ly/3zeTP3r

اتخذت حكومة الكاظمي عددًا من الخطوات في مجال مكافحة الفساد، وذلك عن طريق لجنة مختصة في قضايا الفساد والجرائم المهمة، وألقت القبض على عدد من المتهمين باغتيال الناشطين. غير أن إنجازها الأهم هو أنها عملت على تهيئة مستلزمات الانتخابات المبكرة، التي جرت في تشرين الأول/ أكتوبر.2021

لماذا المؤشر الوطني للديمقراطية في العراق؟

ثمة دوافع ومتطلبات أساسية عديدة تقف وراء وضع مؤشر لقياس الديمقراطية في العراق. أحد أهم هذه الدوافع هو أن أغلب المؤشرات العالمية لقياس الديمقراطية أو التحول الديمقراطي تعتمد، في تصنيف مكانة أو مستوى الديمقراطية في العراق، على معلومات عامة غالبًا، مستمَدّة من تقارير إعلامية، أو سياسية، أو من بيانات منظمات دولية، العديد منها بعيد عن الواقع العراقي ويستقي معلوماته من مصادر بعضها غير معتمد، أو غير موثّق وغير مؤهل، أو من أشخاص ومنظمات في دول مجاورة. وفضلً عن ذلك، ثمة حاجة إلى منظور محلي، يصوغه متخصصون من الداخل، من ذوي المكانة والخبرة والاختصاص، من دون أن يعني هذا انغلاقًا معرفيًا، ولكننا نعتقد أنه سينتج مؤشرًا للتجربة، محايثًا لها. من هنا، سعى مركز حوكمة للسياسات العامة إلى بناء مقياس للديمقراطية في العراق، يعتمد معايير تلائم مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي، وطبيعة الثقافة السياسية، فضلً عن تكييف المعايير أو المؤشرات العالمية مع حالة البلد.

منهجية المؤشر الوطني

أسهم في بناء المؤشر الوطني عدد من الأكاديميين والأساتذة والخبراء العراقيين، من تخصصات مختلفة من تخصصات العلوم الاجتماعية (العلوم السياسية، والقانون، والإعلام، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، ودراسات الانتخابات، والإحصاء السياسي، وسواها). وقد عقدوا عدة حلقات نقاشية، كانت خلاصتها أن جرى تبني خمس فئات/ محاور رئيسة تشكل مرتكزًا لقياس الديمقراطية في العراق، وهي: الأداء الحكومي: أي قياس أداء الهيئات الحكومية، وهو يعتمد على مراجعة الأداء الحكومي وتوثيقه وتحليله سنويًا من خلال عدد من المعايير ونتائجها (أداء السلطة التنفيذية سياسيًا وأمنيًا وإداريًا، فرض سلطة الدولة، الإصلاح السياسي، المشاركة السياسية، العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، أداء السلطة التشريعية في مجالات التشريع والرقابة والمساءلة، مكافحة الفساد، العامل الخارجي). حكم القانون: مؤشر سيادة القانون هو أداة تقييم كمية مصممة لتقديم صورة مفصلة وشاملة عن مدى التزام الدول بسيادة القانون في الممارسة. ويعتمد قياس أداء الدول في مجال سيادة القانون عددًا من المعايير (سيادة القانون، والمساواة أمامه، استقلالية القضاء، فضلً عن وضوح أحكامه وإنفاذها، احترام الدستور وعلويته وسموّه على بقية القوانين، احترام كرامة الإنسان، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية، التوقيف بلا أمر قضائي، افتراض البراءة، والعدالة الانتقالية). الاستقرار الاقتصادي: استند بناء هذا المحور وقياس مؤشراته إلى عدد من المعايير التي تتعلق بمؤشرات الاقتصاد الكلّ (بيئة وسهولة الأعمال، بيئة الاستثمار، الاقتصاد الرسمي والاقتصاد غير الرسمي، الشمول المالي، مخرجات التعليم وسوق العمل في القطاع الخاص، الشفافية وإدارة الحكم الرشيد، السياسات النقدية وفرص النموّ، توجهات الأع لاا والتنمية المستدامة، الاقتصاد القائم على النوع الاجتماعي، الإدارة الحكومية للقطاع المالي، خصخصة المشروعات الحكومية). السلوك الانتخابي: يضع هذا المحور مقياسًا لتقييم جودة الانتخابات وإدارتها بالاستناد إلى عدد من المعايير (نظام سياسي تعددي وتنافسي، اقتراع عامّ يشمل جميع البالغين، انتخابات دورية سرية، عدالة الدعاية الانتخابية، نزاهة العملية الانتخابية، هيئة مستقلة مشرفة على الانتخابات، قانون انتخابات منصف، بيئة سياسية داعمة للانتخابات). الحقوق والحريات: يمثّل هذا المحور مقياسًا لتقييم حالة الحقوق والحريات العامة في العراق وفقًا لعدد من المعايير (كفالة حقوق الإنسان والحريات العامة على صعيد النظام السياسي والقانون والمؤسسات المستقلة، ولا سيما مفوضية حقوق الإنسان، الحيز المتاح للمجتمع المدني وفاعليته، ثقافة حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق المرأة، حرية الإعلام، الحق في الوصول إلى المعلومات). استند المؤشر الوطني إلى استطلاعات ميدانية نفّذها مركز حوكمة للسياسات العامة شملت سنويًا (2021-2017) عددًا كبيرًا من المحافظات العراقية (اثنتا عشرة محافظة من أصل ثماني عشرة، هي: بغداد، ونينوى، والبصرة، والسليمانية، وأربيل، وذي قار، والأنبار، وكركوك، وصلاح الدين، والنجف، وديالى، وبابل)، راوح بين 1889 مستجيبًا لعام 2017 و 1203 مستجيبين لعام 2021. وقد غطت عيّنة البحث التمثيل الديموغرافي، بحسب النسب السكانية التي تعتمدها وزارة التخطيط فيما يتعلق بالانتشار الجغرافي، والنوع الاجتماعي، والفئات العمرية، والمستوى التعليمي، والمستوى المعيشي، والمهن.

ارتأى فريق البحث اعتماد مؤشر تراكمي ذي عشر قيم، ويكون لكل سؤال ثلاثة خيارات تراوح أوزانها بين 0 و 0.5 و 1، داخل كل فئة، ثم تُحسب الدرجات مضروبة في عشرة ومقسمة على العدد الإجمالي للأسئلة داخل الفئة. بعد ذلك يتم حساب متوسط مؤشرات الفئات الخمس المدرجة في التقرير للحصول على الدرجة الإجمالية التي تحدد تصنيف نوع النظام للبلد. الجدول (1) مقياس المؤشر الوطني للتحول الديمقراطي في العراق

نظام الحكمالقيمة
استبدادي2-0
سلطوي2.1-4
انتقالي4.1-6
ديمقراطي6.1-8
ديمقراطي متماسك8.1-10

قراءة في أهم النتائج

يمكن عدّ مؤشر الأداء الحكومي بمنزلة دالة رئيسة لسائر المحاور، الأمر الذي يتضح في الشكل وفي الجدول (2). ويلاحظ أن مؤشر عام 2018-2017 الخاص بمحور الأداء الحكومي في العام الأخير لحكومة حيدر العبادي كان الأفضل نسبيًا مقارنة بالأعوام الثلاثة اللاحقة، الجدول (2) المعدلات التراكمية، الأوساط الحسابية، والتصنيف

2021-20202020-20192019-20182018-2017المحاور/ السنة
2.724.54.7الأداء الحكومي
4.32.24.34.9حكم القانون
2.32.94.75.1الاستقرار الاقتصادي
5.64.74.24.4السلوك الانتخابي
4.134.54.6الحقوق والحريات
3.834.54.7الدرجة الكلية
سلطويسلطويانتقاليانتقاليالتصنيف

التصنيف

والأدنى هو عام 2020-2019، أي آخر زمن حكومة عادل عبد المهدي وبدايات حكومة مصطفى الكاظمي. ويمكن أن نعزو ارتفاع مؤشر حكومة العبادي إلى الانتصار الذي حققته القوات الأمنية على داعش، والاستقرار الأمني العامّ الناجم عن تطور أداء الإدارة الحكومية في هذا الملف. ومع ذلك، لم تتخذ الحكومة الخطوات الكافية في الإصلاح الإداري والسياسي، وربما يعود ذلك إلى أن المعركة مع داعش كانت تمثل الأولوية القصوى آنذاك، فضلً عن مواجهة الأزمة المالية المتمثلة بالانخفاض الكبير لأسعار النفط منذ عام.2014 أما المؤشر الأدنى الخاص بمحور الأداء الحكومي فقد كان لعام 2020-2019، ونحن نرجعه إلى الأحداث العاصفة التي شهدها العراق، بسبب الاحتجاجات العامة التي انطلقت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وتبعات القمع والعنف المفرط الذي واجهتها به حكومة عبد المهدي. وعلى الرغم من رضوخ الطبقة السياسية لبعض مطالب المحتجين بسبب الضغط الجماهيري الكبير، فقد استمرت عمليات الاغتيال والمطاردة، التي شملت عددًا من الناشطين، وقادة التظاهرات، والمدونين. ويضاف إلى كل ذلك ضعف الإجراءات الحكومية في مواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) وانعكاساتها السلبية الحادة على جميع مناحي الحياة، ولا سيما أنها قادت إلى حالة من الركود الاقتصادي. إنّ ما تقدَّم لا يعني عدم وجود تباينات، وإن كانت نسبية، في مؤشرات بعض المحاور، إذ شهد محور السلوك الانتخابي تحسنًا نسبيًا في مؤشر عام 2021-2020، على الرغم من أن نتائج المؤشر تغطي المرحلة

السابقة للانتخابات. ويعزى ذلك إلى تصاعد الاهتمام بتحقيق أحد أبرز مطالب انتفاضة تشرين، وهو إجراء انتخابات مبكرة في ظل نظام انتخابي جديد. وقد أفضت الانتخابات المبكرة، التي جرت في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، إلى تحصيل قوى الاحتجاج والمستقلين تمثيلً سياسيًا معينًا، وتراجع ملحوظ لبعض القوى المهيمنة، مثل تحالف الفتح، إلا أنّ هذه الانتخابات نفسها شهدت أدنى نسبة في التصويت، منذ انتخابات 20053، وهو أمر نفسّه باستمرار غياب الثقة بالعملية السياسية، وهو أحد العوامل الثابتة خلال الأعوام الأربعة. أمّا السمات العامة لمحاور المؤشر للأعوام الأربعة فتتسم بالثبات النسبي، بسبب استمرار السمات العامة للنظام السياسي، ويمكن إجمالها في ما يأتي:

1 - محور الأداء الحكومي

تتمثل السمة الرئيسة التي اتصف بها الأداء الحكومي للأعوام الأربعة، كما أظهرت نتائج المؤشر، بعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على فرض شكل يوضح مؤشرات المحاور الرئيسة للأعوام الأربعة

سلطتها ونفوذها على البلاد، ومواجهة التدخلات الإقليمية والدولية، جراء الضعف الذي يعتور تحليلها للمشكلات العامة، وينعكس بالسلب على تخطيط دورات سياساتها العامة؛ نظرًا إلى عدم اعتمادها على البيانات والأدلة التي تسمح بإدارة المؤسسات الحكومية على نحوٍ كفء، سواء أكان ذلك على الصعيد الداخلي أم الخارجي. وبالارتباط مع ما تقدم، أوضحت النتائج أنّ ثمة خللً في علاقة المواطن بالمؤسسات الحكومية، التي تستند إلى المحاصصة والفساد واستغلال النفوذ؛ وبسبب ذلك، لم تعد قادرة على تقديم الخدمات لعموم المواطنين، لضعف كفاءة الكوادر الحكومية وغياب تأهيلها علميًا وإداريًا. ورصد المحور أن الحكومات المتعاقبة لم تنشر التقارير الدورية عن أداء مهماتها بشفافية. ويعود ذلك إلى ضعف الرقابة والمساءلة البرلمانية، التي سمحت بتمادي المرتشين والمختلسين والمقصرين. ولذلك، انخفضت مؤشرات التنمية في أغلب القطاعات. وقد أفضى كل ذلك إلى غياب اهتمام المواطن بالمشاركة السياسية. ومن النتائج اللافتة في مؤشر عام 2019-2018 وجود نسبة عالية من التذمر من أداء مجالس المحافظات وتصاعد المطالبات الشعبية

  1. أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في العراق أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية العراقية لعام 2021 بلغت 41 في المئة، وهي النسبة الأدنى منذ انتخابات.2005 ينظر: "بيانات الإقبال 2021"، المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، شوهد في 2022/6/6، في: https://bit.ly/3GZZBrt الاستقرار الاقتصادي حكم القانون الأداء الحكومي

بحلّها. ويتبنى الدستور العراقي لعام 2005 نظام اللامركزية الإدارية، الذي يقضي بتشكيل مجالس محافظات منتخبة، هي التي تختار الإدارة التنفيذية (المحافظ)، وتمارس دور الرقابة عليها، فضلً عن رسم السياسات العامة للإدارة المحلية، وإصدار التشريعات المحلية ذات الحاجة، بحسب ما ينص على ذلك قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم لعام 2008. وقد أصدر البرلمان العراقي قرارًا بإنهاء عمل المجالس المحلية بعد انطلاق انتفاضة تشرين، نتيجة الضغط الشعبي. كما أظهرت آراء المستجيبين في عام 2021-2020 تحسنًا في مؤشر العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. وهذا يشير إلى أنّ حكومة الكاظمي يمكن أن تفتح عهدًا جديدًا في العلاقة بين الطرفين، لا سيما بعد أن توصلت الحكومة الاتحادية إلى اتفاق مع حكومة إقليم كردستان بتاريخ 15 آب/ أغسطس 2020 على توحيد إجراءات المنافذ الحدودية، تبعتها تفاهمات حول الموازنة الاتحادية لعام 20214.

2 - محور حكم القانون

أظهرت النتائج ضعف مبدأ سيادة القانون وإنفاذه والمساواة أمام القانون، وأن بعض القوانين (ومنها قوانين العدالة الانتقالية) تطبّق بصورة انتقائية وتمييز، بسبب سطوة العشيرة والطائفة والقومية، فضلً عن التدخلات والضغوط الحزبية والسياسية في الشأن القضائي، وكذا في تعيين القضاة وجهاز الادعاء العام، الأمر الذي أدى إلى اهتزاز ثقة المواطن بالمؤسسة القضائية واستقلاليتها. وأفاد المستجيبون بأنّ بعض القوانين لا تتوافق مع الدستور ومبادئه، بسبب التوافقات السياسية التي أفرغت الكثير من القوانين من محتواها، كما أن الفساد المستشري أعاق تطبيق العقوبات وإنزالها في حق المجرمين، الأمر الذي جعل القضاء يتعرض لضغوط مختلفة لم تسمح بإنفاذ القانون على النحو المطلوب، هذا فضلً عن رصد حالات تعرّض الأفراد للتوقيف، من دون أمر قضائي أحيانًا5. وهذا ناجم عن تداخل الصلاحيات بين الكثير من المؤسسات؛ ما أدى بالادعاء العام إلى عدم القيام بالمهمات الموكلة إليه بموجب التشريعات النافذة، وأسهم في تأخير حسم الدعاوى. وأظهرت النتائج أنّ الكثير من المواطنين ليست لهم الثقافة القانونية اللازمة لمعرفة حقوقهم والدفاع عنها.

3 - محور الاستقرار الاقتصادي

أدنى مؤشر في هذا المحور كان لعام 2021-2020، ونرجح أنّ هذا ناتج من تغيير سعر الصرف وانخفاض قيمة العملة العراقية بنسبة %226، بالتزامن مع انتشار جائحة كورونا، ما تسبب في توقف الأعمال وغلق الأسواق، وانهيار أسعار النفط، على نحوٍ أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر في العراق بحسب بيان وزارة التخطيط، لتصل إلى %31، وهو معدل قياسي يسجل للمرة الأولى منذ عام 20037. وهذا يدل على أنّ لملف الإصلاح الاقتصادي أهمية قصوى في السياسة العراقية. ترتبط هذه المؤشرات بالأداء الاقتصادي العام للأعوام الأربعة، لتظهر وجود اختلالات هيكلية في الاقتصاد العراقي، ناجمة عن الأداء الاقتصادي السيئ للحكومات العراقية المتعاقبة. وقد أدى هذا إلى فجوة اقتصادية كبيرة بين الطبقة السياسية وعامة الناس، تعكسها شكوك المواطنين في وجود فرص متساوية في سوق العمل. ومن ثم، تراجعت ثقة الشعب بقدرة الحكومة على الحفاظ على المستوى المعيشي. وأظهرت النتائج سيطرة الدولة على مجمل النشاط الاقتصادي ومركزية إدارته، الأمر الذي أضعف فرص الاستثمار كثيرًا، وعزّز اعتماد معايير المحسوبية والمنسوبية بدلً من الكفاءة والاستحقاق، وأسهم في استشراء الفساد وهدر المال العامّ داخل مؤسسات الدولة، وضياع الكثير من مبالغ الإنفاق العامّ. وقد أعاق هذا كله التحوّل المتأني والتدريجي نحو الخصخصة والاستثمار. وأظهرت النتائج تراجع ثقة الجمهور بالقطاع المصرفي العراقي.

4 - محور السلوك الانتخابي

تعدّ الانتخابات التشريعية لعام 2018 إحدى الانتكاسات الفارقة للعملية السياسية، بسبب عمليات التزوير الواسعة التي أشير إليها سابقًا، والتي شملت احتراق بعض مخازن الصناديق الانتخابية (في جانب الرصافة من العاصمة بغداد)، الذي قال عنه رئيس مجلس النواب آنذاك سليم الجبوري: "إن جريمة إحراق المخازن الخاصة بصناديق الاقتراع في منطقة الرصافة [...] فعل متعمد، وجريمة

  1. هلكوت عزيز، "بالوثيقة.. نص الاتفاق المبرم بين الحكومة العراقية وإقليم كوردستان "، رووداو.نيت، 2020/8/16، شوهد في 2022/6/6، في: https://bit.ly/3meFlZI
  2. Iraq 2019 Human Rights Report," United States Department of State, accessed on 6/6/2022, at: https://bit.ly/39dzLDP
  3. أقر البنك المركزي العراقي يوم 19 كانون الأول/ ديسمبر 2020 تخفيض قيمة الدينار العراقي من 1200 دينار لكل دولار إلى 1460 دينارًا للدولار الواحد، بما يعادل 22 في المئة. ينظر: براء الشمري، "وزير المالية العراقي يعلن رسميًا تخفيض قيمة الدينار أمام الدولار"، العربي الجديد، 2020/12/19، شوهد في 2022/6/6، في: https://bit.ly/3x9Pegb
  4. التخطيط ترد على برنامج الغذاء العالمي: العراق ليس جائعًا"، وكالة الأنباء العراقية، 2021/10/24، شوهد في 2022/6/6، في: https://bit.ly/3NpQLWl 7 " المركزي العراقي يخفض قيمة الدينار %22 وسط سخط شعبي"، العربية نت، 2020/12/20، شوهد في 2022/6/6، في: https://bit.ly/3mnLClC

مخطط لها، تهدف إلى إخفاء حالات التلاعب وتزوير للأصوات وخداع للشعب العراقي وتغيير إرادته واختياره"8. ولعل هذه الانتخابات من العوامل التي قادت إلى اندلاع انتفاضة تشرين 2019، إذ أظهرت نتائج هذا المحور لعام 2019-2018 أن نسبة كبيرة من عينة البحث كانت تفضّ ل التصويت للمستقلين، غير أنّ النتائج أظهرت فوز المتحزبين. ويعود هذا الأمر، في تقدير المستجيبين، لآلية توزيع المقاعد في النظام الانتخابي، أو لقدرة الأحزاب على زجّ وجوه جديدة، أو للتلاعب بالنتائج، كما أوضح المحور عدم الاقتناع بالنخبة الحاكمة التي أفرزتها الانتخابات لوجود خلل في إجراءات التصويت داخل مراكز الاقتراع، الأمر الذي يعكس الشكوك وعدم الثقة بأداء المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ومن ثمّ، نزاهة العملية الانتخابية برمّتها. وأظهرت نتائج عام 2020-2019 وجود مقبولية نسبية في الشارع العراقي بإصدار قانون انتخابي جديد، لأنه سيتيح فرصة أكبر للتعبير عن إرادة الشعب، بحسب ما ترى نسبة من المستجيبين. وأوضحت النتائج، أيضًا، قبول الرأي العام العراقي بوجود قضاة في مفوضية الانتخابات، من جهة أنه قد يكون من الوسائل التي تكفل نزاهة الانتخابات القادمة. وفي السياق نفسه، أكدت نتائج عام 2021-2020 وجود تفاؤل بالقانون الانتخابي الجديد ذي الدوائر الصغيرة المتعددة، واتفقت نسبة كبيرة من المستجيبين على أنّ الهيئات المستقلة (ولا سيما مفوضية حقوق الإنسان ومفوضية الانتخابات) قد أدت مهماتها على نحو مقبول، ولكن، أظهرت النتائج عدم التفاؤل بقدرة الانتخابات القادمة على إحداث التغيير، وسيكون للمال السياسي تأثير كبير في الانتخابات مع تأثير الزعامات الدينية والعشائرية. ويرى التقرير أنّ تلك الانطباعات قد تكون أحد أسباب تراجع نسبة المشاركة9.

5 - محور الحقوق والحريات

جاءت نتائج هذا المحور لتشير إلى تحسّن نسبي في مجال الحقوق والحريات المدنية في عام 2021-2020، مقارنة بمؤشر عام 2020-2019، أي بين فترة حكومة الكاظمي وحكومة عادل عبد المهدي، وهو مؤشر ذو دلالة ينبغي الالتفات إليه، مع الأخذ في الاعتبار أنّ المعدل الأعلى نسبيًا لمؤشر الحقوق والحريات للأعوام الأربعة كان خلال العام الأخير لحكومة العبادي. وعلى الرغم ممّ تقدم، لا تزال السمات العامة مستمرة على صعيد الحقوق والحريات في العراق، إذ أظهر المؤشر أنّ النظام السياسي العراقي يعاني ضعفًا في ضمان الحقوق والحريات الدستورية لعدم قدرته على إنفاذ القانون، نتيجة لضعف الإرادة السياسية والأدوار المجتمعية والإعلامية، فضلً عن انخفاض مستوى وعي المواطنين أنفسهم بأهمية الحقوق والحريات. ويظهر ذلك في وجود اختلالات حقيقية، تتمثل بضعف دور المرأة، وتصاعد العنف الأسري، وضعف الإنفاق الحكومي على قطاعَي الصحة والتعليم، كما أبرزت النتائج ضعف دور الإعلام الرقابي على أجهزة الدولة. وتوصلت النتائج إلى أن حرية الإعلام هي محلّ شك، وأن وسائل الإعلام في الغالب منحازة أو متحزبة. لذا، يفتقد الإعلام الصدقية، وبنسبة ملحوظة، كما أظهرت النتائج صعوبة الوصول إلى المعلومة، وغياب حماية وضمانات كافية للإعلاميين، وأنهم يعيشون في بيئة خطرة، ومن ثمّ، فإنّ حرية التعبير عن الرأي محل شك هي الأخرى. ومع ذلك، اتفقت نسبة عالية (%56) من المستجيبين في مؤشر عام 2021-2020 على أنّ الإعلام يعكس مطالب الناس واحتياجاتهم، وهي النسبة الأعلى مقارنة بالأعوام السابقة، ما يدلّ على أنّ الرأي العامّ أصبح عاملً مؤثّرًا بعد انتفاضة تشرين.2019 وعلى صعيد المجتمع المدني، ثمة منحى تصاعدي متباين بين مؤشر العام الأوّل 2018-2017؛ إذ أبدى %52 من المستجيبين شكّهم في جدوى نشاطات منظمات المجتمع المدني في مجال تعزيز حقوق الإنسان، ورأى %25.7 من المستجيبين أنّ تلك النشاطات كانت جيدة، في حين رأت نسبة %22.3 من المستجيبين أنّ نشاطات المجتمع المدني "لا قيمة لها". وكان مؤشر عام 2021-2020 على خلاف ذلك تمامًا، ففي فقرة "تأثير المجتمع المدني في تعزيز الحياة الديمقراطية في العراق"، أفاد %77 بالموافقة على هذه العبارة، وهي نسبة تشير إلى تحسّن كبير في سمعة المجتمع المدني مقارنةً باستطلاع العام السابق 2020-2019 الذي لم تتجاوز فيه النسبة %41. ولعل ارتباط استبيان العام الماضي بأحداث تظاهرات تشرين كان دافعًا نحو نظرة سلبية تجاه المنظمات. وبصورة عامة، كان الموافقون على هذه العبارة من ربّات البيوت، وذوي الأعمال الحرة، في حين كان رافضوها من الموظفين الحكوميين. وعلى الرغم من الضعف البيّ في عمل منظمات المجتمع المدني واعتمادها على التمويل الأجنبي، فقد عملت هذه المنظمات

  1. حريق يطال مخازن الصناديق الانتخابية لجانب الرصافة من العاصمة العراقية بغداد"، بي بي سي عربي، 2018/6/10، شوهد في 2022/6/6، في: https://bbc.in/3zA2w8P
  2. جاء قانون الانتخابات رقم 9 لسنة 2020، الذي أجريت بموجبه انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2021 مختلفًا عن القوانين السابقة باعتماده (نظام الصوت الواحد غير المتحول) وتقسيم المحافظات العراقية إلى دوائر انتخابية متعددة، بعد أن كانت كل محافظة دائرة انتخابية، منهيًا بذلك 16 عامًا من العمل بنظام التمثيل النسبي الذي رافق تطبيقه كثير من الجدل واتهامات بالتزوير وعدم نزاهة العملية الانتخابية. ولم يسلم العمل بنظام الدوائر المتعددة هو الآخر من الانتقاد رغم أنه مرّ باختبار واحد هو انتخابات 2021 إذ يتهمه المعترضون عليه بهدر عدد كبير من الأصوات، ما تسبب في وجود فجوة كبيرة بين الفائزين والخاسرين.

طوال الأعوام الماضية على ملء الفراغ الذي أحدثه غياب معارضة سياسية تعكس وجهات نظر مغايرة للسلطة. وقامت هذه المنظمات بما هو أبعد من عملية بناء القدرات ورعاية الابتكار لدى أفراد المجتمع، إذ نظمت حملات مدافعة واسعة حيال قضايا اجتماعية وسياسية، كما أنها كانت عنصرًا فاعلً ونشطًا في الاحتجاجات المتواصلة المطالِبة بالإصلاح.

خاتمة

نحن، إذًا، أمام مؤشرات لأربعة أعوام من التحول الديمقراطي في العراق: مؤشر العام الأول (2018-2017)، بلغ معدّله التراكمي %4.7 من مقياس عشر درجات، وسمّيناه "ديمقراطية متأرجحة"، ومؤشر العام الثاني (2019-2018) بلغ معدّله التراكمي %4.5، وسمّيناه "ديمقراطية راكدة"، ومؤشر العام الثالث (2020-2019) بلغ معدّله التراكمي %3، وسمّيناه "ديمقراطية مرتدة"، ومؤشر العام الرابع (2021-2020)، بلغ معدّله التراكمي %3.8، وسمّيناه "الرهان الصعب". وتكشف هذه النسب عن وجود علاقة تناسب عكسي بين تصاعد مستوى الإحباط العامّ من الخلل المؤسسي والتوقعات والآمال في هذا المجال، وبين الأداء الحكومي. وبلا شك، كان هذا من العوامل الأساسية التي أطلقت شرارة الاحتجاجات الشعبية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ولا تزال تبعاتها مستمرة بوتائر متباينة. وعلى نحوٍ عام، لا تزال المؤشرات العامة في المحاور الخمسة تتسم بثبات نسبي، وهو أمر نعزوه إلى استمرار السمات العامّة للنظام السياسي، غير أنه يمكن عدّ مؤشر الأداء الحكومي دالةً رئيسة لسائر المحاور، من جهة أنّ الجهاز الحكومي (الدولة) هو قاطرة التحول الاجتماعي والتنمية في بلد كالعراق. وتعود هذه المكانة المركزية للدولة في الديناميكية (من بين عوامل عدة) إلى هشاشة المجتمع المدني، الذي يفترض أنه رافعة التحول الديمقراطي، غير أن المجتمع المدني في العراق ظل قوة مهدورة، فاشتراطات شتى لم تتح له النموّ. ومن ثم، افتقد العراق دعامة أساسية من دعائم الديمقراطية. لقد انعكس الخلل في تأطير العلاقة بين الحكومة والمواطن على سائر المحاور (إنفاذ القانون، ومكافحة الفساد، والمشاركة السياسية، والتنمية بأبعادها الشاملة). وفي محور الاستقرار الاقتصادي، مثلً، سجّل المؤشر أدنى معدل له في عام 2021-2020، وهو ما يمكن عدّه أحد أبرز شواهد ذلك الخلل البنيوي. وفي الخلاصة، إن دعم الحكومة التمثيلية، مع غياب دعم ملموس للقيم السياسية الليبرالية، ومن دون أساس لمجتمع مدني تعددي، لا يوفر حافزًا كافيًا لترسيخ الديمقراطية.