حالة الديمقراطية في العالم عام 2021: بناء القدرة على التكيف في زمن الوباء

The Global State of Democracy 2021: Building Resilience in a Pandemic Era

عبد الفتاح ماضي| Abdel-Fattah Mady *

الملخّص

​تناقش هذه المراجعة أبرز نتائج التقرير الذي أصدرته المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات بعنوان حالة الديمقراطية في العالم عام 2021: بناء القدرة على التكيف في زمن الوباء

Abstract

​This review discusses the main findings of the report issued by the International Institute for Democracy and Electoral entitled The Global State of Democracy 2021: Building Resilience in a Pandemic Era.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

عنوان التقرير: حالة الديمقراطية في العالم عام 2021: بناء القدرة على التكيف في زمن الوباء المؤلف: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات).International IDEA(الناشر: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات).International IDEA(مكان النشر: ستوكهولم. سنة النشر:.2021 عدد الصفحات: 24 صفحة.

The Global State of Democracy 2021: Building Resilience in a Pandemic Era عنوان التقرير في لغته:

مقدمة

الديمقراطية في خطر، وبقاؤها مهددٌ بالاختفاء بسبب مجموعة عاتية من التهديدات، سواء من داخل الديمقراطيات ذاتها أو من جرّاء تصاعد التسلطية. هذه هي أبرز نتائج التقرير الذي أصدرته المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات بعنوان حالة الديمقراطية في العالم عام 2021: بناء القدرة على التكيف في زمن الوباء. يرى التقرير أن تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) على الديمقراطية، عزّزت التهديدات التي كانت موجودة بالفعل، وذلك من جرّاء استخدام قوانين وحالة الطوارئ، واستخدام أدوات التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا المعلومات لترويج المعلومات المغلوطة. كما توقف التقرير عند ظاهرة الدعم الشعبي للآليات التي اتخذتها الحكومات بشأن التعامل مع كورونا، مثل تسييس القضاء ووضع قيود على المجتمع المدني والحريات والأقليات. وفي المقابل، رصد التقرير المعارضة الشعبية لبعض السياسات التسلطية في عدة دول أخرى، وابتكار طرائق جديدة للتعامل مع تداعيات كورونا، مثل التصويت الإلكتروني ودعوة الإدارة الأميركية الحالية إلى قمة حول الديمقراطية. وفي نهاية التقرير، قُدّمت عدة توصيات لمواجهة التراجع في مستوى الديمقراطية عالميًا، تمثّل كلّها أجندة للإصلاح كما يرى واضعو التقرير.

أولا: بناء التقرير المفاهيمي

يُبنى التقرير من الناحية المفاهيمية على التعريف الذي تتبنّاه المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، وتراه واسعًا وشاملً، والذي يستند إلى مبدأين: أولهما السيطرة الشعبية على عملية صنع القرارات وتنفيذها Popular Control، وهو يتعلق بالسيطرة السياسية على عملية اتخاذ القرارات السياسية السلطوية decision-making political Authoritative. أما ثانيهما، فهو المساواة الشعبية بين المواطنين في ممارسة هذه السيطرةPopular Equality، وهذا يتصل بكيفية اتخاذ القرارات السياسية السلطوية التي ينبغي توزيعها بالتساوي وتنفيذها بنزاهة. ويرى أصحاب التعريف أن هذين المبدأين ضروريان معًا، ويتضمنان الحقوق والحريات وحق الأفراد في حكم أنفسهم (على نحو تمثيلي أو مباشر)، من دون أي وصاية من الداخل أو الخارج1. ويتُرجم المبدآن إلى خمس خصائص فرعية للديمقراطية: الحكومة التمثيلية، والحقوق الرئيسة، ووجود كوابح على عمل الحكومة، والإدارة العامة، والمشاركة. ولكل منها العديد من السمات الفرعية2. يتميز هذا التعريف، الذي يستفيد من مؤشرات أخرى سابقة، من غيره؛ إذ يأخذ في الحسبان أمورًا قلمّا وُجدت في التعريفات الأخرى للديمقراطية، مثل الإدارة المحايدة التي تتضمن سمتين: قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ قراراتها بطريقة يمكن توقع بها النتائج، وغياب الفساد. أما خاصّية المشاركة، فتتسع لتشمل الديمقراطية على المستوى المحلي، والديمقراطية المباشرة، إلى جانب المشاركة في الانتخابات من خلال المجتمع المدني. وتُدرج الرقابة المدنية على القوات المسلحة وقوات الأمن ضمن المؤشرات الفرعية للحكومة التمثيلية، وهكذا. يراجع التقرير حالة الديمقراطية في العالم خلال عامي 2020 و 2021 اللذين شهدَا تفشي فيروس كورونا، ويتخذ من عام 2015 نقطة مرجعية للمقارنة، ويُحلّل الأحداث التي أثّرت في طريقة الحكم الديمقراطي، استنادًا إلى مصادر متنوعة من البيانات منها: المرصد العالمي لأثر كوفيد 19- في الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومؤشرات حالة الديمقراطية3، وهما مشروعان تابعان للمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات التي أصدرت التقرير ذاته. قدّم المرصد العالمي بيانات شهرية عن تدابير الوباء وأثرها في الديمقراطية في 165 بلدًا، في حين وفّرت مؤشرات حالة الديمقراطية حول العالم بيانات كمية عن نوعية الديمقراطية في البلدان نفسها، استنادًا إلى 28 جانبًا من جوانب الديمقراطية، وذلك حتى نهاية عام.2020 ويرصد التقرير مستويات متعددة لأداء نظم الحكم المختلفة. ففي النظم الديمقراطية هناك أداء متوسط، وآخر مرتفع، وتنتكس الديمقراطية أو تتراجعBacksliding إذا ضعفت خاصية أو أكثر من الخصائص الخمس من جرّاء السياسات الحكومية المتّبعة، على أن يكون هذا الضعف غير ذي أهمية في النظام، وهي تتأكّل Eroding في حال وجود ضعف ذي أهمية في الخصائص كلها طوال فترة زمنية ممتدة بين خمس وعشر سنوات. وتصبح الديمقراطية هشة Fragileإذا مرّت الدولة بمرحلة غير ديمقراطية في أي نقطة زمنية

  1. International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA), The Global State of Democracy Indices Methodology: Conceptualization and Measurement Framework (Stockholm: 2017), p. 5, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/3yNbDjY
  2. Ibid., pp. 6-30.
  3. International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA), Global Monitor of COVID-19 ́s impact on Democracy and Human Rights, "GSoD Indices 2020," accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/3ilv4Zw; International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA), The Global State of Democracy Indices, "Regime types as of 31 December 2020," accessed on 20/3/2022, at: https://bit.ly/3NauR9N

منذ تحوّلها إلى الديمقراطية. أما نظم الحكم المختلطة أو التسلطية، فيرصد التقرير التغيير الذي يحدث فيها ويؤدي إلى تعميق الجوانب التسلطية وتدهور أي جانب من الجوانب الديمقراطية4. وتصدر المؤسسة إلى جانب التقرير العالمي تقارير أخرى إقليمية ونوعية.

ثانيًا: أبرز تحديات الديمقراطية وفرصها

توقف التقرير عند عدد من التحديات التي تواجه الديمقراطية في أنحاء العالم خلال عامي 2020 و 2021، ومنها أن عدد الدول التي تتجه نحو التسلطية في عام 2020 أكثر من عدد الدول التي تنتقل إلى الديمقراطية، وقد عزّزت تداعيات كورونا هذا الاتجاه. وأشار التقرير إلى عدد من الدول التي أوقفت مسارها نحو الديمقراطية في عام 2020؛ مثل كوت ديفوار ومالي وصربيا، وميانمار في عام 2021. وفي المقابل، أشار التقرير إلى كل من زامبيا وبوليفيا كحالتين انتقلتا إلى الديمقراطية خلال عامي 2020 و.2021 نوّه التقرير أيضًا بأن الدول المختلفة، بما فيها الدول الديمقراطية، تتبنّى العديد من الآليات التسلطية في مواجهة تداعيات كورونا، مشيرًا إلى أن هذا الاتجاه وجدَ دعْمً شعبيًا. وتتضمن هذه الفئة دولً كبرى وراسخة ديمقراطيًا، مثل الولايات المتحدة الأميركية والبرازيل والهند، إلى جانب دول أخرى، مثل بولندا والمجر وسلوفينيا والفلبين. من ناحية أخرى، تتجذر التسلطية في الدول غير الديمقراطية (المختلطة والتسلطية)، وكان عام 2020 هو العام الأسوأ؛ إذ عزّزت تداعيات كورونا هذا التجذّر. وأشار التقرير في هذا المجال إلى دول مثل الصين وروسيا وفنزويلا وبيلاروسيا وبنين وكوت ديفوار وغيرها. وتأثرت النزاهة الانتخابية في العديد من الدول، بما في ذلك الدولة الراسخة ديمقراطيًا، مثلما حدث في انتخابات الرئاسة الأميركية في عام 2016، وهي الانتخابات التي أثّرت بدورها في انتخابات البرازيل والمكسيك وبيرو وغيرها، كما يرى التقرير. في مقابل هذه التحديات، أشار التقرير إلى عددٍ من الفرص التي وفّرتها أزمة كوفيد 19-، أبرزها قدرة الدول الديمقراطية على التكيّف في مواجهة الجائحة، حيث ظهرت آليات مبتكرة لمواجهة تداعيات الأزمة على الممارسة السياسية، خاصة الانتخابات. وعلى الرغم من القيود التي فرضتها الأزمة، فإن التقرير يرى أن بعض الدول تعلم كيف يمكن إجراء الانتخابات في ظل ظروف صعبة. وقد شهدت زامبيا انتخابات حرة في 21 آب/ أغسطس 2021، فاز فيها زعيم المعارضة بالرئاسة. وخلال عامي 2020 و 2021 تصاعدت قوة الحركات المناصرة للديمقراطية في عدد من الدول حول العام، وتظاهر أنصارها في كوبا وبيلاروسيا وهونغ كونغ وميانمار. ويذكر التقرير أن 80 في المئة من الدول، شهدت احتجاجات خلال فترة كورونا، وذلك على الرغم من القيود التي فُرضت على التجمعات في دول العالم كلها تقريبًا. ويرصد التقرير في هذا المقام أيضًا بعض المواقف التي اتخذتها شركات خاصة في مواجهة سياسات بعض الحكومات؛ مثل حظر شركة "تويتر" لحسابات السفارة الصينية في الولايات المتحدة، وإدانة قمع السلطات الصينية أقلية الإيغور، ومحاكمة أربع شركات فرنسية لإخفائها معلومات عن القمع في الصين. وأشار التقرير كذلك إلى البحوث التي تُظهر أن النظم التسلطية ليست أكثر نجاحًا من النظم الديمقراطية في مكافحة كورونا.

ثالثًا: توصيات التقرير: عناصر القوة والضعف

بعد أن قدّم التقرير مسحًا ثريًّا لحالة الديمقراطية في فصوله، خصّص خاتمته (الفصل التاسع) للتوصيات السياساتية. ويقدّم التقرير هذه التوصيات من أجل تشكيل تحالف للدفاع عن الديمقراطية والدعوة إليها واحترام حقوق الإنسان. ويتم هذا - كما يرى واضعو التقرير - من خلال الآليات التي يمكن أن تدعم الديمقراطية عبر تعزيز مبدأي السيطرة الشعبية على عملية صنع القرارات وتنفيذها، والمساواة الشعبية بين المواطنين في ممارسة هذه السيطرة؛ ومن ثم الإسهام في التعافي من تداعيات أزمة كورونا. وتتطرق التوصيات أيضًا إلى العديد من المجالات، من اقتصاد وسياسة وإعلام وتعليم وغير ذلك، كما تتّجه إلى فاعلين متعددين، مثل الحكومات الوطنية والمحلية والمانحين والأحزاب والمشرّعين والمجتمع المدني والأكاديميين والإعلام، وغير ذلك. وعلى الرغم من كل ذلك، ثمة الكثير من الملاحظات التي يمكن أن تدور في ذهن القارئ. تدور التوصيات حول ما سمّ ه التقرير إقامة "تحالف" على فكرة دعم الديمقراطيات في تقديمها الخدمات وتلبية مطالب المواطنين السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر أجندة حدّدها التقرير. والملاحظة الأولى في هذا المجال هي أن التقرير ربما لم يقصد تشكيل تحالف حقيقي؛ إذ إنّ أمرًا كهذا غير ممكن، لأن المخاطبين بتوصيات التقرير فاعلون مختلفون، ولا تجمعهم مصالح مشتركة، ولا منافع متبادلة، باستثناء العبارة الواسعة التي تشير إلى دعم الديمقراطية. إنّ الديمقراطية في نهاية الأمر نظامٌ سياسيٌّ يقوم على ميزان القوة بين الفاعلين على الأرض، وفي عالمنا المعاصر ثمة مصالح اقتصادية وعسكرية وأمنية تؤثر في النظم السياسية الديمقراطية وغير الديمقراطية على حد سواء، وتمثّل محددات رئيسة في العلاقات الدولية المعاصرة.

  1. Ibid.

ارتباطًا بالملاحظة السابقة، تتّجه التوصيات في كثير من الأحيان إلى الحكومات أو المؤسسات الحكومية، من دون تمييز بين أنواعها المختلفة، ولا مستويات ممارسة الديمقراطية فيها. أي إن البناء المفاهيمي للتقرير، القائم على التفرقة بين النظم الديمقراطية والمختلطة والتسلطية، لم ينعكس على التوصيات التي قُدّمت. فعلى سبيل المثال، تتوجّه التوصيات إلى الحكومات، هكذا على الإطلاق، من أجل قيامها بإعادة تصميم المؤسسات وعمليات الحكم فيها على وضع تكون فيه أكثر ديمقراطية وشمولً، ويكون مركز اهتمامها وعملها مطالب المواطنين. ومن المعروف أنه من غير المنطقي التوجّه إلى الحكومات غير الديمقراطية ومطالبتها بتقوية مؤسساتها الديمقراطية؛ ففي الواقع، تغلق هذه الحكومات المجالَ العام، وتُضيّق الحصار على الداعين إلى الديمقراطية. وهكذا، وعلى الرغم من شمول التوصيات مجالات ومساحات واسعة من السياسة والاقتصاد والمجتمع إلى التعليم والإعلام والبيئة، فإن جُلّها يتسم بالعمومية من ناحية المخاطبين. ويبُرر التقرير هذا الأمر بأنه يترك للدول المختلفة حرية الأخذ بما يناسبها من توصيات5. هذا أسلوب قد يبدو جيدًا عمومًا، إلّ أنه من السهولة أن تتملّص الحكومات من التوصيات وتدّعي أنها لا تخصّها. كان من الممكن، بدلً من ذلك، أن تُصنَّف هذه التوصيات بحسب نوعية الحكومات، فما هو مطلوب من حكومة الولايات المتحدة - وهي أعظم قوة في العالم والدولة الحليفة القوية للكثير من الدكتاتوريات - مختلفٌ بلا شك عن المطلوب من الحكومات الفردية والعسكرية، بل حتى من حكومات ديمقراطية أخرى في شمال أوروبا على غرار السويد والنرويج. وعلى سبيل المثال، أصدرت الخارجية الهولندية تقريرًا ناقدًا بشدّة لحقوق الإنسان في مصر منذ عام 20136، في حين تستمر حكومة فرنسا في عقْد اتفاقات لتصدير الأسلحة وأدوات المراقبة الإلكترونية إلى مصر منذ ذلك التاريخ7.

1. هل تعالج السياسات العامة مشكلات الديمقراطية؟

تقوم أجندة تعزيز الديمقراطية على ثلاث نقاط؛ إذ إلى جانب اعتماد المنطق الشائع لدى كثيرين من السياسيين والحكومات، الذي قوامه أن المشكلات الحالية للنظم الديمقراطية يمكن حلّها عن طريق صنع سياسات عامة وتنفيذها لتعزيز الرفاهية المادية للمواطنين، أضاف التقرير عنصرَين آخرين: إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، ومنع تصاعد التسلطية. غير أن هذين العنصرين ينتهيان، عمليًّا، إلى العنصر الأول، أي الاعتماد على سياسات عامة تحسينية أو إصلاحية. فمنع تصاعد التسلطية، انتهى إلى توصيات محدودة حول سياسات دعم التعليم المدني ونقل الخبرات، وهذه السياسات مهمة، بلا شك، في احتواء النزعات التسلطية في الدول الديمقراطية، لكن لن يكون تأثيرها كبيرًا في منع انتشار النظم التسلطية والنظر إليها كنموذج بديل من الديمقراطية، كما يحدث في روسيا والصين اليوم. ففي هذه الحالة الأخيرة، كان من المهمّ أن يتطرّق التقرير إلى جهود أخرى مطلوبة تتعامل مع العوامل البنيوية الكثيرة المسؤولة عن بقاء التسلطية وتمدّدها، سواء أكانت عوامل داخلية في الدول، أم عوامل متصلة بدعم الدول الديمقراطية الكبرى للدكتاتوريات. ولنا عودة إلى موضوعَي التعليم المدني والدعم الخارجي من زوايا أخرى. أما عنصر إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، فيكاد ينحسر في إصلاح المؤسسات والممارسات الديمقراطية عبر تقديم توصيات تدور حول بناء القدرات، وضمان النزاهة الانتخابية، وحماية الحريات والحقوق الأساسية، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية. ولا تضمن هذه الأمور في الواقع إعادة البناء التي تتطلّب معالجة جذور الأزمات؛ فأزمة عدم الثقة بالمؤسسات، على سبيل المثال، قد تتطلّب إيجاد مؤسسات جديدة، أو إعادة بناء العلاقة بين المؤسسات والمواطنين على المستويات الوطنية والمحلّية، بما يُ كّن المواطنين من توسيع دائرة النقاش في المجال العام والمساهمة في صنع القرارات ومتابعة تنفيذها فعلً، أي ردم الفجوة بين القول والفعل. في واقع الأمر، تطلب التوصيات في كثير من الأحيان من فاعلين محددين القيام بإجراءات ذات أهمية، من دون التطرق إلى العقبات الرئيسة، أو جذور المشكلة، التي تحول دون ذلك، وهو أمرٌ قد يُحوّلها إلى قائمة من الرغبات أو غايات من الصعب تنفيذها. من ذلك، على سبيل المثال، دعوة "الحكومات الوطنية والمحلية والأحزاب السياسية" إلى إعادة تصميم "المؤسسات الديمقراطية" على نحو يحقق مصالح الفئات المهمشة والضعيفة. كيف سيتم هذا؟ وكيف يمكن تحويله من مجرد خطاب إلى فعل؟ هذه غايات كبرى تصطدم بجوهر نظم

  1. International IDEA, The Global State of Democracy 2021: Building Resilience in A Pandemic Era , p. 38.
  2. وثيقة للحكم على طلبات اللجوء... تقرير للخارجية الهولندية يصف أحداث 2013 في مصر بالانقلاب"، الجزيرة نت، 2021/12/2، شوهد في 2021/3/21، في: https://bit.ly/3IQqmiC
  3. Alongside Sisi, Macron Says France will sell Arms to Egypt Irrespective of Rights," Reuters , 7/12/2020, accessed on 22/3/2022, at: https://reut.rs/3s8gydZ; Bénédicte Jeannerod, "Documents Claim France Abets Deadly Egyptian Air Strikes," Human Rights Watch, 22/11/2021, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/3sbK7LO

الحكم الديمقراطية الغربية الحالية الذي يقوم على مفهومَي القوة والمصلحة، ولا يُعير اهتمامًا لمعيار أساسي هو العدالة في توزيع القوة السياسية وممارستها. ومن ذلك، أيضًا، التوصية بإدماج الشباب في تصميم القوانين والسياسات المتصلة بالتغيير المناخي وتنفيذها. وتتضاءل أهمية هذه الغاية كثيرًا أمام صُلْب مشكلة التغيير المناخي، وهو تغييب الأبعاد القيمية والأخلاقية والتضاد الكبير في المصالح بين الدول الكبرى - أكبر مُلوثّي الكرة الأرضية كالولايات المتحدة والصين - ودول الجنوب الفقيرة. ومن ذلك، أيضًا، التوصية بتعاون الحكومات ومنصّات التواصل الاجتماعي والمنظمات الحقوقية في وضع سياسات لتنظيم استخدام هذه المنصات، في وقت صارت فيه شركات مواقع التواصل الاجتماعي شركات ضخمة جدًّا، وذات مصالح مالية كبرى في دول ديمقراطية، يقوم فيها الحكم أساسًا على السماح لجماعات الضغط بممارسة تأثير قوي في عملية صنع السياسات فيها، من دون كوابح أخلاقية أو قانونية حقيقية في استخدام المال السياسي والدعاية المضللة لمصالح ضيقة وخاصة. أما التوصيات التي تتّجه إلى المانحين الذين يعملون في مجال دعم الديمقراطية، فجُلّها يصطدم بحقيقة أن الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، تُعلي مصالحها الاستراتيجية على المبادئ والقيم، ومن ثم تتدفق مساعداتها على الدول الدكتاتورية منذ عقود، من دون أن يؤثر ذلك في دفع نظم الحكم فيها إلى احترام حقوق الإنسان، بل - على العكس من هذا - تمثل هذه المساعدات دعمً راسخًا للممارسات السلطوية، وتتيح في واقع الأمر "ضوءًا أخضر" للاستمرار في الانتهاكات الحقوقية8. وثمة إعلاء للاعتبارات الأمنية على حساب سياسات دعم الديمقراطية، ولا سيما بعد تعزيز التعاون الأمني في مكافحة التهديدات الإرهابية والهجرة غير النظامية9. وتقوم سياسة الولايات المتحدة على الانتقائية في التدخل الخارجي؛ ففي غزوها أفغانستان والعراق، مثلً، استُخدمت كلمة الديمقراطية ل "تجميل" دوافع الحرب، وكان السبب الرئيس وراء تدخلها ضد نظام معيّ هو مصلحتها الاستراتيجية وليس الديمقراطية10. كان الأحرى بالتقرير أن يكون أكثر صراحةً في مطالبة الدول الكبرى بالكفّ نهائيًا عن دعم الدكتاتوريات ووقف كلّ أوجه المساعدة الاقتصادية والعسكرية الموجّهة إليها، أو على الأقل التوجّه بتوصيات وأفكار محددة إلى المؤسسات التشريعية والرقابية في الدول الديمقراطية في الغرب، وإلى المنظمات الدولية والإقليمية؛ من أجل وضع أدوات رقابة فاعلة على المعونات التي تقدمها الحكومات وتنفيذها، على نحو يحافظ على الحد الأدنى من احترام حقوق الإنسان في الدول المتلقية، ويضمن عدم استخدام السلاح في قمع المتظاهرين والمعارضين السلميين فيها11. كان جيدًا أن تطالب التوصيات المؤسسات الحكومية (بعد التشاور والمداولات المكثفة مع المجتمع المدني) بإعادة صياغة العقد الاجتماعي، والاهتمام بالفجوة بين ما يطلبه الناس لسد حاجاتهم وما يمكن أن تقوم به الحكومات في الوقت الراهن، فضلً عن التوصية بالعمل على المدى الأبعد لمعالجة حالة اللامساواة التي تفاقمت بسبب وباء كوفيد 19-، إلى جانب القضاء على الفساد، وكفالة إدماج مبادئ الاستدامة البيئية في صلب عملية وضع السياسات العامة. لكن كان من المهم أيضًا الغوص أكثر في عقبات هذه التوصية، فالحديث عن عقد اجتماعي جديد يتطلب أمورًا كثيرة، منها ضرورة معالجة المشكلات الهيكلية في نظم الإدارة والحكم الديمقراطي، التي كشفتها أزمة كورونا، ومرتكزها الأساس هو تغييب قيمة العدل في إقامة المؤسسات والنظم وفي إدارتها. فسياسيًا، تُرسّخ الديمقراطية الليبرالية الحالية عقدًا اجتماعيًا لا يُقيم علاقةً عادلةً بين مؤسسات الحكم والشعوب؛ إذ إنّ الحكم، بوصفه وظيفة لخدمة المصلحة العامة، لا يقوم بهذه الوظيفة في كثير من الأحيان، كما أنه لا مكان في السياسة إلّ للأقوياء، ولو على حساب القيم والأخلاق. ومن الناحية الاقتصادية، حوّلت الأنظمة الرأسمالية خدمات أساسية، مثل التعليم والصحة، إلى سلعٍ تجارية للتربح، وأضعفت النقابات، وأضرّت بحقوق العُمّ ل والموظفين، وصارت إدارة الاقتصاديات الوطنية لا تقوم على سياسات عامة منصفة، ولا على توزيع عادل للإنفاق العام. وقد أضرّت سياسات الخصخصة، أيضًا، بملايين الناس حول العالم. ويُعرقل النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة إنتاج اللقاحات، ما دام لا يوجد ربحٌ كبير من ورائها. وفي وقت كان فيه فيروس كورونا يكتسح الولايات المتحدة، قدّمت إدارة دونالد ترامب، في 10 شباط/ فبراير 2020، مقترح ميزانيتها السنوية الذي يُوسّع التخفيضات في الأجزاء الرئيسة المتعلقة بالصحة في الحكومة،

  1. عبد الفتاح ماضي، "العوامل الخارجية والثورات العربية: أربع إشكاليات للبحث "، سياسات عربية، مج 7، العدد 36 (كانون الثاني/ يناير 2019)، ص.17-13
  2. ينظر في خصوص سياسات الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد: محمد سعدي، "الاتحاد الأوروبي والمشروطية الديمقراطية: اختبار ما بعد الربيع العربي"، سياسات عربية، مج 7، العدد 36 (كانون الثاني/ يناير 2019)، ص.90-76
  3. عزمي بشارة، "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي"، سياسات عربية، مج 7، العدد 36 (كانون الثاني/ يناير 2019)، ص.26-6
  4. ينظر حول العامل الخارجي ومسارات الانتقال إلى الديمقراطية في الدول العربية بعد عام 2011: العامل الخارجي والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية، تحرير عبد الفتاح ماضي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.62

ويرفع ميزانيات الجيش وبناء الجدار مع المكسيك12. ويُقدّر الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة بنحو 934 مليار دولار من مجمل الإنفاق العام، وقيمته 4.8 تريليونات دولار، أي نحو 20 في المئة، في السنة المالية 2021-202013. إنّ تغييب قيمة العدالة خللٌ جوهري، وهو سببٌ رئيس لمشكلات أخرى؛ مثل الفساد السياسي، وضعف التمثيل، وسيطرة الشركات الكبرى، وفقدان الثقة بالمؤسسات السياسية، وضعف الحكامة الديمقراطية، وتسييس مؤسسات الخدمة العامة، وأمننة قضايا يجب ألا تكون أمنية، وغير ذلك. يُقدّم التقرير توصيات إلى الحكومات المحلية والوطنية للعمل على معالجة التراجع الديمقراطي عبر الاستثمار في التعليم المدني عن الديمقراطية والحقوق في المدارس والجامعات. ومع افتراض أن هذه التوصيات تتّجه إلى الدول الديمقراطية، فإنه كان جديرًا بها أن تكون أكثر تحديدًا، فتطلب أن تنعكس القيم الديمقراطية على المناهج والكتب في المدارس والجامعات الغربية أولً، وذلك من خلال مطالبة الحكومات المحلية والوطنية، والأجهزة والمؤسسات المسؤولة عن وضع المقررات والكتب المقررة في الدول الغربية الديمقراطية، بتنقية مناهجها ووسائل إعلامها من كل أوجه التحيز والأفكار المسبقة في حق الآخر؛ كالإسلاموفوبيا، والازدواجية الواضحة في التعامل مع القضايا العادلة في دول الجنوب عمومًا14.

2. الرقابة والعسكرة

يتطرق التقرير إلى فرض نظم رقابة متشددة اعتمادًا على التطبيقات التكنولوجية وكاميرات المراقبة، مع التركيز على الصين، لكن من دون ذكر دول أخرى، مثل كوريا الجنوبية وإسرائيل. وفي الواقع، فإنّ هذه النظم، وإنْ نجحت في الحد من انتشار فيروس كورونا، فإنها أثارت المخاوف بشأن إمكان استغلالها لقمع الأقليات والمعارضين. كما أن مَنْح القوات العسكرية والأمنية صلاحيات واسعة، وسّع المخاوف من أن يؤدي هذا الأمر إلى عسكرة المجتمعات، وذلك في ضوء أن 20 في المئة من كل الدول في مناطق العالم سمحت باستخدام القوات المسلحة، بطريقة أو أخرى، في تنفيذ التدابير الاستثنائية لمواجهة كورونا، كما ذكر التقرير15. وبخلاف هذه الإشارة، لم يتطرق التقرير إلى بُعْدٍ آخر ذي صلة بالجيوش؛ إذ كان في إمكان التقرير أن يُوصي بتقليص حجم المساعدات العسكرية التي تُقدّمها الدول الكبرى إلى الدول الفقيرة، في مقابل حجم المعونات الموجهة إلى قطاعات أخرى، مثل الصحة والتعليم، مع ضرورة إخضاع كل أنواع الصادرات والمساعدات العسكرية وتكنولوجيا المراقبة إلى معايير محددة لضمان عدم استخدامها في الصراعات الداخلية في الدول، وفي قمع المعارضين. تطرق التقرير وتوصياته إلى استخدام قوانين الطوارئ، وخصّص له تقريرًا منفردًا أيضًا. وهذا أمر مهم جدًا؛ إذ إنّ الخطر الأكبر هو أن تتحول حالة الاستثناء إلى قاعدة دائمة بعد انتهاء الأزمة، وذلك عبر تقنين بعض الإجراءات الاستثنائية ضمن الأطر الدستورية والقانونية القائمة. حدَث هذا مؤخرًا في مصر، على سبيل المثال؛ وذلك عندما ألغيت حالة الطوارئ في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، ثم أقدم البرلمان بعد أيام على إجراء ثلاثة تعديلات تشريعية تتعلق ب "حماية المنشآت الحيوية"، و"مكافحة الإرهاب"، و"صون أسرار الدولة"، اعتبرتها منظمات حقوقية تُقنّن حالة الطوارئ والاستثناء وتمنح الرئيس والجيش سلطات واسعة16. لهذا، من الأهمية دومًا التركيز على أن تكون الإجراءات الاستثنائية محًّلًّ للنقاش الدائم في المجال العام، من أجل ضمان أنها مؤقتة، وأنها تجري تحت رقابة البرلمانات والمجتمع المدني والإعلام الحر، وتتصل بما تتطلّبه معالجة الأزمة فحسب، فضلً عن أنه من الضروري دعم كل المبادرات الهادفة إلى حشد التعبئة الشعبية في الشارع لمواجهة المشكلات الهيكلية التي كشفتها الأزمة وطرحتها للنقاش الحر في المجال العام والتفكير في طرائق معالجتها.

  1. ينظر لقاء نوعم تشومسكي في: C.J. Polychroniou, "Chomsky: Ventilator Shortage Exposes the Cruelty of Neoliberal Capitalism," Truthout, 1/4/2020, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/3e2Shxr
  2. Kimberly Amadeo, "US Military Budget, Its Components, Challenges, and Growth," The Balance , 24/2/2022, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/32a6GoT; من الجدير ذكره هنا أن الضرائب تنخفض في الولايات المتحدة بالنسبة إلى من كانوا في القمة، في حين أنها تتصاعد بالنسبة إلى سائر فئات الدخل. ينظر: Emmanuel Saez & Gabriel Zucman, The Triumph of Injustice: How the Rich Dodge Taxes and How to Make them Pay (New York: W.W Norton & Company, 2019).
  3. ينظر على سبيل المثال: عبد الفتاح ماضي، "أي دور للنظام العالمي في نشر الكراهية للغرب؟"، مجلة السياسة الدولية، العدد 199 (كانون الثاني/ يناير 2015)؛ Tamer Balcı, "Islam and the Middle East in Texas Textbooks," Digest of Middle East Studies , vol. 27, no. 2 (2018), pp. 227-260; Paul A. Silverstein, "The Context of Antisemitism and Islamophobia in France," Patterns of Prejudice , vol. 42, no. 1 (2008), pp. 1-26; Engy Abdelkader, "A Comparative Analysis of European Islamophobia: France, UK, Germany, Netherlands and Sweden," UCLA Journal of Islamic and Near Eastern Law , vol. 16
  4. International IDEA, The Global State of Democracy 2021: Building Resilience in A Pandemic Era , p. 25. 16 ينظر: أحمد شوشة، "هل كان رفع حالة الطوارئ في مصر إجراء شكليًا؟"، بي بي سي عربي، 2021/11/2، شوهد في 2022/3/21، في: https://bbc.in/3dUhGJZ
  5. (2017), pp. 29-64; Ahmed Kabel, "The Islamophobic-neoliberal-Educational Complex," Islamophobia Studies Journal , vol. 2, no. 2 (2014), pp. 58-75.

في الواقع، تقوم العديد من الحكومات حول العالم، بما في ذلك في الدول الديمقراطية، باستغلال الأزمة الصحية الحادة لتحقيق مصالح أيديولوجية أو سياسية ضيقة، مثل قيام السياسيين بمهاجمة خصومهم وتعميق الاستقطاب، كما حدث في البرازيل والولايات المتحدة والهند والمجر، وتمرير تشريعات من دون نقاشات حقيقية في بولندا وسريلانكا، وسحْب قضايا إلى مساحة الجدل حول جائحة فيروس كورونا، مع انعدام علاقتها بالأزمة، مثل القيود التي وضعت على المسلمين في الهند وسريلانكا. وبحسب بيانات منشورة في كانون الأول/ ديسمبر 2021، فإن 110 دول تعيش تحت قوانين طوارئ من نوع ما. فبموجب هذه القوانين، يجري توسيع صلاحيات السلطات التنفيذية، وتعطيل عمل البرلمانات تقريبًا، وحظْر التجمعات، والسماح باحتجاز الناس إلى أجل غير مسمى، وإيقاف المظاهرات والاحتجاجات، واستهداف الأقليات؛ كما حدث مع المسلمين في الهند وسريلانكا، ومع المهاجرين في دول غربية عدة17. لم تأخذ مسألة استخدام خطاب الحرب على الإرهاب من أجل قمع الأصوات المطالبة بالديمقراطية وحماية حقوق الإنسان الاهتمام اللازم في التقرير؛ فبخلاف إشارات عابرة عن "الإرهاب" في حالات مثل الهند وميانمار والفلبين وأفغانستان، وكذلك عند التوصية بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، لا حديث عن مراجعة المقاربات السائدة لمكافحة الإرهاب - ولا سيما في الغرب - وهي مقاربات أثبتت أنها غير فاعلة في معالجة جذور الإرهاب. ولا حديث عن استخدام خطاب محاربة الإرهاب لقمع المخالفين في الرأي والمعارضين السلميين في كثير من الدول ذات نظم الحكم التسلطي والعسكري18. ثمة عقبات أخرى لم تأخذ نصيبها في التوصيات، فالتحديات التي تواجهها الدول الديمقراطية الضعيفة أو المختلطة تتطلّب اهتمامًا خاصًّا، وأقصد هنا تحديات مثل الحروب الأهلية والصراعات المسلحة والانقلابات العسكرية والتلاعب بالدساتير في أفريقيا، وممارسات الحكام المنتخبين الشعبوية في عدد من دول العالم، فضلً عن محدودية الدور الذي تقوم به المنظمات الإقليمية والدولية في تعزيز الديمقراطية.

خاتمة

أخيرًا، يمثل هذا التقرير مادة ثريّة لتتبّع حالة الديمقراطية في أنحاء العالم، وهو تقرير، مثل غيره من المنشورات القيّمة الأخرى للمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، يضيف الكثير في هذا المجال. بيد أنه قد حان الوقت للاهتمام أكثر بالجذور الهيكلية لأزمة الحكم الديمقراطي التي كشفتها بوضوح أزمة كورونا. ومن ثم، من الأهمية استغلال هذه الأزمة الأخيرة وتحويلها إلى فرصة للبدء في معالجات جذرية وإعادة هيكلة النظام الديمقراطي ذاته على أسسٍ أكثر عدالة سياسيًا واقتصاديًا؛ وذلك على مستوى الأفكار والمبادئ، وعلى مستوى المؤسسات والإجراءات والقواعد، على نحو يضمن إعادة الاعتبار إلى القيم والأخلاق في ممارسة السلطة، وتمكين المواطنين وتوسيع مساحة الفعل الفردي والمجتمعي في المجال العام. يستلزم هذا الأمر عدم الاكتفاء بالحديث عن إصلاح المؤسسات الديمقراطية الحالية، والكفّ عن الاعتقاد أن تقديم سياسات عامة تُعزّز الرفاه الاجتماعي والاقتصادي يمكن أن يحل الأزمة، بل ينبغي التفكير جدّيًا في الآليات الكفيلة بتحقيق غايتين أساسيتين: الأولى تغيير منظومة القيم الحاكمة لنظم الحكم الديمقراطي بما يضمن تعزيز قيم العدالة والتعددية ونبذ الهيمنة بكل أنواعها، ووضع هذه القيم فوق ممارسات السلطة والقوة، فضلً عن انعكاس هذا التغيير على الأطر القانونية والدستورية والمؤسسية لنظم الحكم. أما الثانية، فهي تعزيز عمل المنظمات والأجهزة الداعمة للديمقراطية والحكم الرشيد وتعزيز إقامة الشراكات فيما بينها على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك لضمان الفاعلية والمتابعة ونقل الخبرات. وفي المجتمعات التي تعاني صراعات أهلية أو استقطابات سياسية حادة، ثمة حاجة ملحّة إلى توصيات محددة حول تعزيز جهود بناء السلم الأهلي في المجتمعات، وبناء إجماع حول الديمقراطية كنظام للحكم ودمج هذه الأخيرة ضمن جهود بناء السلم وتسوية النزاعات. ربما تحتاج الديمقراطية اليوم إلى "بيريسترويكا" أو إعادة بناء شاملة، تُقدّم نسخةً جديدةً منها، تقوم على العدل والتعددية الحقيقية، وتُوقف الانتقائية الغربية في التعامل مع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتكشف كذلك زيف ادّعاء وجود بدائل تسلطية كنماذج تُحتذى.

  1. COVID-19 Civic Freedom Tracker," The International Center for Not-for-Profit Law, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/3N5zsKy
  2. ثمة دراسات كثيرة أثبتت أن قمع المعارضين ليس له تأثير إيجابي في النجاح في الحرب على الإرهاب. ينظر على سبيل المثال: James A. Piazza, "Repression and Terrorism: A Cross-National Empirical Analysis of Types of Repression and Domestic Terrorism," Terrorism and Political Violence , vol. 29, no. 1 (2017), pp. 102-118; Beth Elise Whitaker, "Exporting the Patriot Act? Democracy and the 'War on Terror' in the Third World," Third World Quarterly , vol. 28, no. 5 (2007), pp. 1017-1032; List Storm, "The Persistence of Authoritarianism as a Source of Radicalization in North Africa," International Affairs , vol. 85, no. 5 (September 2009), pp. 997-1013.

References المراجع

العربية

بشارة، عزمي. "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي". سياسات عربية. مج 7، العدد 36 (كانون الثاني/ يناير.)2019 سعدي، محمد. "الاتحاد الأوروبي والمشروطية الديمقراطية: اختبار ما بعد الربيع العربي". سياسات عربية. مج 7، العدد 36 (كانون الثاني/ يناير.)2019 العامل الخارجي والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية. تحرير عبد الفتاح ماضي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 ماضي، عبد الفتاح. "أي دور للنظام العالمي في نشر الكراهية للغرب؟". مجلة السياسة الدولية. العدد 199 (كانون الثاني/ يناير.)2015 ________. "العوامل الخارجية والثورات العربية: أربع إشكاليات للبحث". سياسات عربية. مج 7، العدد 36 (كانون الثاني/ يناير.)2019

الأجنبية

Abdelkader, Engy. "A Comparative Analysis of European Islamophobia: France, UK, Germany, Netherlands and Sweden." UCLA Journal of Islamic and Near Eastern Law. vol. 16 (2017). Balcı, Tamer "Islam and the Middle East in Texas Textbooks." Digest of Middle East Studies. vol. 27, no. 2 (2018). The Tracker." Freedom Civic "COVID-19 International Center for Not-for-Profit Law. at: https://bit.ly/3N5zsKy International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA). The Global State of Democracy Indices Methodology: Conceptualization and Measurement Framework (Stockholm: 2017). at: https://bit.ly/3yNbDjY ________. The Global State of Democracy Indices. "Regime types as of 31 December 2020." at: https://bit.ly/3NauR9N Jeannerod, Bénédicte. "Documents Claim France Abets Deadly Egyptian Air Strikes." Human Rights Watch. at: https://bit.ly/3sbK7LO Islamophobic-neoliberal- "The Ahmed. Kabel, Educational Complex." Islamophobia Studies Journal. vol. 2, no. 2 (2014). Piazza, James A. "Repression and Terrorism: A Cross- National Empirical Analysis of Types of Repression and Domestic Terrorism." Terrorism and Political Violence. vol. 29, no. 1 (2017). Polychroniou, C.J. "Chomsky: Ventilator Shortage Exposes the Cruelty of Neoliberal Capitalism." Truthout. at: https://bit.ly/3e2Shxr Saez, Emmanuel & Gabriel Zucman. The Triumph of Injustice: How the Rich Dodge Taxes and How to Make them Pay. New York: W.W Norton & Company, 2019. Silverstein, Paul A. "The Context of Antisemitism and Islamophobia in France." Patterns of Prejudice. vol. 42, no. 1 (2008). Storm, List. "The Persistence of Authoritarianism as a Source of Radicalization in North Africa." International Affairs. vol. 85, no. 5 (September 2009). Whitaker, Beth Elise. "Exporting the Patriot Act? Democracy and the 'War on Terror' in the Third World." Third World Quarterly. vol. 28, no. 5