الدولة والاقتصاد والرياضة
The State, Economics and Sport
الملخّص
قدّم بيير بورديو هذه الورقة بمناسبة استضافة بلده، فرنسا، بطولة كأس العالم في عام 1998. وهي تمثل آخر نص ينجزه عن الرياضة، بعد أن قدّم عدة نصوص وفصول، بدءًا من أواخر السبعينيات من القرن العشرين، شكّلت جوهرَ إسهامه في سوسيولوجيا الرياضة، الذي يقوم على الكشف الطبقي للممارسة الرياضية، الذي لا تشكله القاعدة المادية فقط، بل رصيد الرأسمال الثقافي والاجتماعي. والنص الذي تقدّمه سياسات عربية، هنا، يختلف تمامًا عن الطريقة والزاوية اللتين نظر عبرهما بورديو إلى الظاهرة الرياضية سابقًا، فهو يتناول علاقة الدولة بالاقتصاد، ويشير إلى "التسليع" الذي بدأت تشهده الرياضة، ولا سيما مع امتداد المنطق النيوليبرالي إليها، فأصبحت مشهدًا تجاريًا ووسيطًا إعلانيًا، وباتت الفعاليات الرياضية وتوقيتاتها يتحكم بها منطق السوق. ويأسف بورديو على زحف النيوليبرالية إلى بلد ذي تقاليد دولة مركزية، كفرنسا، لتصل إلى الرياضة، وليتخذ منها - في النهاية - فضاء يقدّم عبره مرافعته ضد النيوليبرالية.
Abstract
Pierre Bourdieu published this paper in correlation with France hosting the World Cup in 1998, marking the last of his contributions to sports sociology going back to the 1970s. These texts worked to address social class at the core of sports practice, decided as much by cultural and social capital as financial. The text translated here by Siyasat Arabiya contrasts with Bourdieu's earlier methods in the study of sports, as it deals with the relationship of the state to the economy, detailing the 'commodification' of and the extension of neoliberal logic to sports, to become a 'commercial spectacle' and a medium for advertisement. Sporting events and timings are now controlled by the market. Bourdieu thus laments the creep of neoliberalism into a country with a traditionally centralised state, such as France, permeating sports, and presents his case against neoliberalism through the example of sport.
- الدولة
- الرياضة
- الاقتصاد
- النيوليبرالية
- فرنسا
- State
- Sports
- Economy
- Neoliberalism
- France
يصعب الحديث علميًا عن الرياضة لأنّه أمر في غاية السهولة؛ فلا أحد منّا ليست له أفكار خاصة عن الموضوع، ولا يستشعر في نفسه القدرة على الإدلاء بآراء يراها حاذقة عنه. وحتى إيميل دوركهايم كان قد أبان في حينه عن أنّ الصعوبة الرئيسة في السوسيولوجيا تتولد عن اعتقاد الجميع بأنّ فهمهم لهذا العلم كامل. وفي الواقع، إنّ الموضوعات الاجتماعية محجوبة خلف لوحة من الخطابات المبنيّة مسبقًا التي تعدّ أسوأ عائق يواجهه البحث العلمي، إلى درجة أنّ عددًا كبيرًا من "السوسيولوجيين" يعتقدون أنّهم يتحدثون عن موضوعات دراستهم بينما هم، في واقع الحال، مجرد ناقلي بدل للخطاب الذي ينتجه الموضوعُ عن نفسه، في الرياضة أو في أي مجالٍ آخر، سواء كان خطاب المسؤولين أو المشجعين أو الصحافيين. وينجم عن ذلك أنّ بناء موضوعات علمية حقًا يفترض القطيعة مع التمثلّات المشتركة (التي يسميها دوركهايم "التصورات المسبقة" prenotions) التي نتمثّلها، ولا سيمّا حين نعدّهذه "التصورات المسبقة" "موضوع الدراسة". من الضروري، إذًا، إحداث قطيعة مع البناءات المسبقة، ولكن من دون السعي إلى النأي بأنفسنا عن المشكلات، ولا سيما السياسية، التي يمكن أن تُعنى بها الخطابات المبنية مسبقًا من خلال ما يمكن أن أسميه "الفرار إلى الحياد القيمي" werfreiheit of escapism (أو "التحرر من القيمة" free-ness value)1، وهو نأي منهجي في ذلك النوع من اللامبالاة الحيادية بالسياسة. وأنا شخصيًا شاركت في هذا النأي. وينبغي لنا القول إننا نجني منافع اجتماعية كبيرة من خلال إعطاء (وادعاء) مظاهر الحياد (الذي يُفهم على أنه الموضوعية). وعلى الرغم من أنّني كنت دائمًا أباشر البحثَ في مسائل "ساخنة"، فإنني كنت أميل إلى أن أكون أشد برودة وأن أستثمر (زمنيًا على وجه الخصوص) أكثر في مهمة "الموضعة" objectivation بقدر ما كانت الموضوعات "ساخنة". ولكنّ هذا "الفرار" يتيح أيضًا للمرء في كثير من الأحيان أن يجني منافع عظيمة بثمنٍ زهيد. إذ يستطيع المرء، مثلً، أن يشرع في سوسيولوجيا جزئية وصفية بتقديم عروض عن نادٍ رياضي ريفي صغير وهادئ يخلو من المشكلات، أو عن أطفال في ضواحي المدن يلعبون كرة السلة في الشارع2، أو على العكس من ذلك، أن يقدم مسوحًا شاسعة عن موضوعات تخلو من رهانات نظرية أو تجريبية مهمة، مثل قضية التكوين الاجتماعي للجماهير في الملاعب، التي يجري ربطها على نحو غامض بمشكلة العنف، مع مناقشة العلاقة بين العنف وأصول الجمهور الاجتماعية. ويصدق الأمر نفسه على استعمال معيّ للتاريخ، يجعلنا نستعيض بأريحية ببحثٍ يُراد به تمجيد أشخاص أو مؤسسات عن السوسيولوجيا التاريخية، الذي يمكن أن يكون مقوِّضًا أو حتى متفجرًا ولا يُطاق، عندما يدرس أدوات تفكير الباحثين أو المجتمع البحثي نفسه. وهذا ما يقودني إلى المشكلة التي أودّ إثارتها، وهي مشكلة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والرياضة. وهي مشكلة هائلة تعالجها – بطريقة غير علمية - الأدبيات الناقدة للتواطؤ بين الرياضة والسياسة والمال، الأمر الذي يؤدي إلى خطر إثارة ردة فعل "الفرار المحايد قيميًا"، ومن ثمّ صرف الباحثين عن المسائل المهمة التي تعيّنها تلك الأدبيات نفسها، من قبيل تعاطي المخدرات، وتدخّل الأعمال التجارية في الرياضة، والآثار الاقتصادية والسياسية لتسليع منتج كرة القدم. ينبغي لنا تناول هذه المشكلات الصعبة بروح من الجدّية. ولكن كي نكون قادرين على تقديم حلٍّ علمي لها، يجب بذل عناية عظيمة لغرض بناء موضوع الدراسة. لذلك، سأحاول أن أقدّم مسوّدة برنامج بحثي، أي نسقًا متماسكًا من التساؤلات التي يمكن تناولها علميًا.
الرياضة والاقتصاد
عندما ينظر المرء إلى التطور الراهن الذي تشهده الرياضة، خصوصًا كرة القدم، يلحظ وجود اتجاه نحو "التسليع" يشمل مجمل فضاء النشاطات الرياضية، ولكن على نحوٍ متمايز وفق المنطق الداخلي لكل رياضة، ولا سيما المنطق الخاص بالعلاقة بين ممارسي كل رياضة على حدة والتلفاز، الذي يُعدّ بمنزلة حصان طروادة الحقيقي من حيث فرض المنطق التجاري على الرياضة. ويجري حجبُ هذه العملية عبر الإشارة إلى الأطفال الصغار في بلاد المغارب أو السنغال الذين يلعبون كرة القدم بعلب الصفيح أو بكُرات مصنوعة من الخِرق (غالبًا ما تكون الفئات المحرومة في البلدان المتخلفة حواضن للاعبي كرة القدم حيث يجد بينهم مروّجو كرة القدم التجارية لاعبين يشكلون منهم فرقًا تنافسية)، أو عبَر عرض نوادي الهواة الصغيرة - وهو مثال أقرب إلينا - التي يعتمد وجودها الهش دومًا على التفاني والتضحية المستمرة لمتطوعينا. والمبدأ الرئيس المحدِّد لهذه التغيرات كافة هو أنه إلى جانب كرة القدم بوصفها "ممارسةً"، وإلى جانب الرياضة التي يمارسها الهواة، ولا سيمّا في نوادي المدن الصغيرة حيث يمكن الأطفال أن يلعبوا هواةً إلى أن يصبحوا ناضجين، إلى جانب ذلك، تجري على نطاقٍ واسع ممارسة كرة قدم تُنتَج ليجري تسويقها
بوصفها "برامج تلفزيونية"، أي "منتجات تجارية" مربحة على نحو خاص لأنّ كرة القدم تمارَس على نحو واسع، ومن ثم تولِّد اهتمامًا كبيرًا جدًا، ولأنها لا تستلزم سوى القليل من رأس المال التفسيري (يذهب الظنّ بالناس إلى أنّهم، لكونهم ركلوا كرةً يومًا، يمتلكون كل ما يلزم لفهم مباراة كرة قدم أو التعليق عليها. وليس هذا حال جميع الرياضات؛ فبعضها تقتضي قدرات تفسيرية على نحوٍ أكبر بكثير، ومن هم ليسوا على درايةٍ بها لا يفهمون فيها شيئًا، والأهمّ أنّهم يعرفون أنّهم لا يفهمون شيئًا). وتنحو الأندية أكثر فأكثر إلى أن تصبح شركات رأسمالية، بعضها مدرج في أسواق البورصة، وتحقّق أرباحًا مشروعة وغير مشروعة. وهذا أمر معروف جيدًا. ولكن ما هو غير معروف هو ما يترتب على ذلك من عواقب. من بين العوامل الأخرى المساهمة في "تسليع" الرياضة هذا، ولا بد من التطرق إليها، امتداد قواعد النيوليبرالية الاقتصادية إلى الرياضة التي يجسدها "حكم بوسمان" الشهير3. في الواقع، يشبه هذا الإجراء كثيرًا من الإجراءات التي تؤثر في ممارسات أخرى، مثل "اتفاقية الاستثمار متعددة الأطراف" التي عملت عليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، واحتج عليها الفنانون الفرنسيون. الهدف الصريح لمؤيدي "حكم بوسمان" هو تعميم منطق السوق، ووضع حدٍّ لما قد يُطلق عليه، على سبيل القياس، "الاستثناء (الرياضي) الفرنسي" من خلال منع المجالس البلدية من الاستمرار في دعم أندية كرة القدم. ويجري تشجيع هذا المنطق النيوليبرالي على مديات متباينة من خلال السياسة الرياضية لمختلف البلدان. ولكن بالعودة إلى العامل المهم الآخر، ألا وهو التلفاز، فلقد بيّنتُ في مقال عن الألعاب الأولمبية4 أنّه من خلال تدخل التلفاز، أصبح هذا الاحتفال الطقسي بالقيم الكونية وسيطًا للتعبير عن النزعة القومية5. فمن خلال ما يبدو أنه مشهد كوني (مع وجود كثير من الزخم القومي الواسع الذي يُعرض في الملاعب نفسها: الاستعراضات الافتتاحية لكل فريق قومي على حدة، والأعلام القومية، والأناشيد القومية، وما إلى ذلك)، تنقل القنوات التلفازية، عبر اختياراتها الناتجة من منطقها التجاري، ما يخلق مشاهدَ قومية، وحتى قوموية nationalistic، للألعاب الأولمبية، بحيث تفوّت على المرء رؤية الألعاب في كليتها. وهذا يُسهم في تحويل الرياضة إلى رهانٍ مهم بالنسبة إلى الدول القومية، مع مجموعة من العواقب التي جرت دراستها على نحوٍ بعيد، مثل طرق تدريب تسلطية، ولا سيما فيما يخصّ المنشطات (يحضرني في هذا الصدد على سبيل المثال كتاب للأميركي جون هوبرمان، عنوانه المحرِّكات القاتلة، يثبت فيه أنّ تعاطي المنشطات لا يحدث بمحض المصادفة، إنما هو سمة بنيوية في الرياضة كما هي اليوم)6. يخفي المشهد الرياضي الظاهر واقعًا يتألف من قطاع واسع من المتنافسين على الرهانات التجارية. وهذا يشبه بكل وضوح ما يحدث في الحقل الفنّي، حيث لا يعدو الفنان أن يكون وكيلً مرئيًا من دونه لن يكون هناك عمل فنّي، وحيث إنّ العمل لا يوجد في حد ذاته إلّ بفضل انتقادات النقاد، والفنانين المنافسين الآخرين، وغيرهم، أي كل ما يمكن أن أصطلح عليه "الحقل الفنّي"، فالمشهد الرياضي، على نحو ما نعرف بوصفه مشهدًا رياضيًا متلفزًا، يفترض وجود عالم من المنافسة يضمّ، إلى جانب الفاعلين الرياضيين الذين يجري تحويلهم إلى أشياء في هذا المشهد، مديري صناعة الرياضة الذين يسيطرون على حقوق التلفاز والرعاية sponsoring، ومديري القنوات التلفزيونية الذين يتنافسون على حقوق البث، على مستوى البلد أو المناطق الجغرافية بحسب لغاتها، وأصحاب الشركات الصناعية الكبرى، مثل أديداس أو كوكا كولا، المتنافسين فيما بينهم على الحقوق الحصرية للإعلان عن منتجاتهم من خلال حدث رياضي، وأخيرًا منتجي التلفاز. إنّ تحول الرياضة إلى مشهد تجاري وإلى وسيط للإعلان، يُلحظ أيضًا في عالم كرة القدم. فبطولة كأس العالم لكرة القدم هي أيضًا بطولة كأس العالم لوسائل الإعلام وللمجموعات التي تخوض غمار منافسة شديدة. ومن بين الآثار الاجتماعية لهذه "السمة الإعلامية" لعالم كرة القدم نجد تضاعف عدد المباريات (مع زيادة المسابقات الأوروبية والدولية)، وزيادة المباريات المتلفزة، وانصراف القنوات التلفزيونية المدفوعة الثمن إلى الحصول على الحقوق الحصرية لبثّ المباريات، وكون مقتضيات التلفزيون هي التي تحدد على نحوٍ متزايد مواعيد المباريات وأوقاتها، وتغيرات بنية المنافسات، وفضائح الفساد والرشوة، وظهور صنف من اللاعبين من مواطني العالم الذين يجوبون الكرة الأرضية cosmopolitan globe-trotting، غالبًا ما ينحدرون من بلدان قابعة تحت الهيمنة الاقتصادية، ممن يغيّ ون أنديتهم كل سنتين أو ثلاث سنوات، وهو الأمر الذي ينتج منه تحوّل في العلاقة بين المشجعين واللاعبين.
ويتعيّ عليّ أن أفتح قوسًا – هنا - لأشير، إضافة إلى ما تقدَّم، إلى أنّه ما دام حقل الإعلام غير متجانس heteronomous بشكل كامل، فإنّه غلب عليه (كما الحقول الأخرى جميعًا) منطقُ البحث عن ميزات تنافسية، تضمن له التمايز [عن منافسيه في الحقل]. وقد أفضى هذا المنطق، على نحو ما بيّنت فرانسواز بابا، إلى ابتكارات في أسلوب الإنتاج والتعليق التلفزيوني، [قريبة من أو] شكل من أشكال [مبدأ] الفن للفن (وقد جاء هذا بمبادرة من [شبكة قنوات] "كنال بلوس" [الفرنسية])7، أي إن هذا المنطق أفضى إلى مزايدة في الابتكارات الشكلية التي قام بها المنتجون التلفازيون في تنافسهم فيما بينهم، وهي قد تمر من دون أن يلحظها الجمهور.
الرياضة والدولة
تواجه هذه العملية من "التسليع التجاري" مقاومةً بدرجاتٍ متباينة وفق البلدان، أي بحسب قوة تقاليدها الدولتية، مثلما بيّ كل من هوغ دونسي وجوفروا هير8 في المقارنة التي أجرياها بين إنكلترا وفرنسا. ففي إنكلترا، بدأت هذه العملية مبكرًا جدًا؛ إذ سرعان ما أصبحت الأندية شركاتٍ محدودةً مدرجةً في البورصة، وما إن انخرطت في منطق جَني الأرباح الرأسمالية حتى قطعت تضامنها مع أندية الدرجتين الثالثة والرابعة، وأسّست دوريًا مستقلً خاصًا بها، واحتفظت هذه الأندية بدخلها الإضافي، وبنت ملاعبَ بعيدة عن أحياء الطبقة العاملة، وطوّرت رعاية تجارية كاملة، واشترت لاعبين أجانب، من أفريقيا على نحو خاص، وكل هذا يعني أنّ عالمية cosmopolitanismهؤلاء اللاعبين تتعارض مع القيم المحلية لمشجعي هذه الأندية. والنتيجة الرئيسة لهذا كله هي كسرٌ لسلسلة تطور اللاعب، التي كان ينخرط فيها، فيمكنه البدء في نادي القرية لينتهي في المنتخب الوطني. كان هناك نوع من المسار الوظيفي الذي يتيح إمكان حراك عمودي لأبناء تلك الطبقات اجتماعية الذين لم تتوافر لهم سوى فرص نجاح ضئيلة في التعليم، وهو المسار الوظيفي المعتبَ اليوم. فبين رياضة القواعد sport grass-roots والرياضة بوصفها مشهدًا، بين أندية الهواة الصغيرة والفرق الاحترافية الكبيرة، كانت ثمة روابط بالغة الأهمية من منظور وظيفة الرياضة نفسها، ومن منظور العلاقة بين الرياضة ممارسةً والرياضة بوصفها مشهدًا. ومن منظور القيم الديمقراطية كانت هذه الروابط مهمة جدًا أيضًا. من منظور النيوليبراليين الاقتصاديين، تطور نظام الاحتراف [الرياضي] في فرنسا "متأخرًا" وعلى نحو "غير مكتمل"، ما ترك دورًا مهمً للمتطوعين غير المأجورين (من وجهة نظر النيوليبرالية، كل ما هو ليس نيوليبراليًا فهو عتيق، و"عفا عليه الزمن"، و"موضة قديمة"، شيءٌ يشبه مزيجًا بين حزب "الجبهة الوطنية الفرنسية" [أقصى اليمين] و"الحزب الشيوعي" [أقصى اليسار]). وعلى الرغم من أنّ منطق الأعمال قد دخل المضمار، في ثمانينيات القرن العشرين، بفضل التلفاز (ولا سيما من خلال المزايدات بخصوص حقوق البث التلفزيوني)، ظلت فرنسا متشبثةً، في مجال الرياضة وفي غيره، بأيديولوجيا "القطاع العام"، وظلّت عملية "التسليع" التجاري تواجه مقاومة بنى الهواة الرياضية (على الرغم من الضائقة الاقتصادية التي تعانيها هذه البنى، جرّاء تناقص الجماهير، وانخفاض الدعم العمومي، وما إلى ذلك). تتوافر في فرنسا بنية تحتية تعليمية مهمة، سهّلت الصلة بين النظام المدرسي والرياضة، على اعتبار أنّ الرياضة كان لها دومًا دورٌ تربوي رفيع (على سبيل المثال، يزور بعض كبار الرياضيين، من الرجال والنساء، المدارس للتحذير من تعاطي المخدرات). وهذه الصلات (التي لم تُقطَع بعد) بين الأندية والبنية التحتية الواسعة، التي تعتمد – أساسًا – على المتطوعين، هي ما يفسر تحول الأندية الفرنسية إلى حوض تنهل منه جميع الأندية الأوروبية. وقد استمر كل من العمل التطوعي ونظام الهواة في تسيير الأندية، كما كان أثرهما موجودًا في صفوف اللاعبين، واستمرت كرة القدم في القيام بدورها في تحقيق الاندماج المدني، ولا سيما بين أبناء المهاجرين. ولكن لسوء الحظ أصابَ عفنُ النيوليبرالية ثمرة "القطاع العام" في كرة القدم وسواها، والكثير من المشكلات التي تواجهها كرة القدم حاليًا9ناجم عن حقيقة أنّ العديد يسيّ ون مشروعًا خاصًا لأغراض المضاربة، والفوائد والرواتب العالية، وفي الوقت نفسه يتمتعون بالحماية التي يوفرها القطاع العام.
اليوتوبيا العلمية
كلما كان التحليل مؤسسًا علميًا، كان للسوسيولوجيا الحق (أو لربما الواجب؟) في أن تكون معيارية على عكس ما تدعو له "نزعة الفرار إلى الحياد القيمي". وبعبارة أخرى، يمكن للمرء أن يكون معياريًا، ولكن بعد أن يلبّي المستحقات العلمية لذلك. والبرنامج البحثي الذي أرسم معالمه هنا ينبغي أن يوفر إجاباتٍ علميةً عن تساؤلات معيارية،
مثل التساؤل عمّ إذا كان الاستثناء الفرنسي، أي تلك العلاقة الخاصة بين الرياضة والدولة التي تجعل الرياضة خدمةً عمومية، أو تجعل الصحة خدمةً عمومية، أو تجعل التربية خدمةً مدنية، هو مجرد حالة خاصة عفا عليها الزمن ومقدَّر لها أن تذروها الرياح تحت ضربات معاول المال. وإذا ما كنت أرى لنفسي الحق في طرح هذا التساؤل، من دون أن تُوجَّه لي تهمة الحنين المترع بالرضا إلى نموذج قومي، فما ذلك إلّ لأنّني كنت قد كتبت، منذ بضع سنوات، ورقةً بعنوان "إمبرياليتان عالميتان"، حاولت أن أظهر فيها أنّ ثمة بلدَين، هما فرنسا والولايات المتحدة، كانا – ولا يزالان - يسعيان إلى أن يفرضا على العالم تصورهما الخاص عن العالمية Universality، وبناءً عليه، سيكون من الطبيعي لهذين النموذجين الثقافيين، اللذين يراد لهما أن يكونا عالميين، أن يتصادما في كلّ ميدان تقريبًا، ولا سيما الميدان الثقافي10. ولا يمكن الدفاع عن هذه الرؤية الفرنسية إلا عبر رفض إمبريالية العالمية، التي ينطوي عليها كلُّ طموح يسعى إلى جعل نموذجٍ معين عالميًا. ولا يسعني إلّ أن أدافع عن هذه الرؤية، بكل ثقة، بما أنها تتعرض اليوم لتهديد جدّي، جعلها هي تكف عن أن تكون مهدِّدة، أو تكاد. يحاول هذا النموذج، المنحدر من عصر التنوير Aufklärung، الدفاع عن بضعة خيارات تكوّن بمجملها كُلً متسقًا: تقديم "التضامن" أو "النزعة التضامنية" على "الفردية" أو "النزعة الفردانية"، وتقديم "الضمان الاجتماعي" على "التأمين الفردي الخاص"، وتقديم "الجماعي" على "الفردي". ويتعرض هذا النموذج الفرنسي لهجوم النيوليبراليين، الذين يهاجمونه باسم رؤيةٍ خاصة جدًا للدولة، ويصفون الدولة التي يقدّمها هذا النموذج بأنها شمولية وجماعاتية وهدّامة للفردية وللحرية، وأنّ ما يجسّدها بامتياز – في أعينهم – هو الدولة السوفياتية. وعلى نقيض هذه الرؤية الماركسية، التي يعدونها - على نحوٍ مفارق – رؤيتهم الخاصة، ينبغي تطوير دفاع عن الرؤية الهيغلية، أو الدوركهايمية، للدولة، التي لا تُختزل فيها الدولة إلى مجرد دولة الطبقة، بل هي أيضًا تمثل وعيَ المجتمع لذاته، المجتمع الذي "يتعقل ذاتَه"، ويتجاوز صراعاته، ليجد في العالمية تسويةً بين المصالح المتعارضة: بين القطاع العام، والمصلحة العامة، والتربية، ونظام الهواة غير المدفوعين بالمصلحة، والمنظمات التربوية الكبرى المستقلة وغير الربحية. من مميزات هذه الدولة الهيغلية، والتي كانت قد جسدتها تقريبًا دولة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إحساسها بالمسؤولية عن "الأجساد"، عبر نظام الضمان الاجتماعي والسياسات الصحية (ولا سيما في الحماية من تعاطي المخدرات)، وكذلك عبر حماية المستهلك والسياسات الرياضية. وعلى وفق هذا المنظور، يمكن أن نفهم لماذا تعدّ المخدرات، في فرنسا، مسألةً رئيسة وتطرح مشكلات خاصة؛ فالفرنسيون لا يستسيغون أن تكون النشاطات الرياضية، التي يُفترض بها أن تحارب الإدمان، سببًا في ظهور شكل جديد من أشكال تعاطي المخدرات [من خلال تعاطي المنشطات] باسم تحسين الأداء. يمكن الوقوف بوجه القوى الاقتصادية والرمزية، التي تهدّد الرياضةَ اليوم إذا ظلت ممارسة غير مرتهنة بمصلحة، ولا سيما تلك القوى التي تهتم بالاحتفالات العالمية الكبرى، كبطولة كأس العالم لكرة القدم، يمكن الوقوف بوجهها إما عبر الكاريكاتور (الذي يمكن أن يسخر أو يقوّض صدقية ما هو موجود)، أو عبر اليوتوبيا (التي يمكن أن تقترح بدائل لما هو موجود)؛ ولكن ليست أيّ يوتوبيا. ينبغي لأي يوتوبيا واقعية تقوم على أسس علمية، وتقترح نموذجًا عالميًا متماسكًا يملك فرصًا معقولة لأن يتحقق على أرض الواقع، ينبغي لها أن تدافع - على سبيل المثال – عن: التأكيد على القيمة التربوية للرياضة، وتعزيز دعم الدولة المعنوي والقانوني لأفكار مسؤولي الاتحادات الرياضية المتطوعين واهتماماتهم، واعتماد معايير شديدة ضد الفساد، وتشجيع مراكز تدريب اللاعبين الشباب، وتعزيز قطاع التكوين الرياضي لمواجهة ضغوطات أسواق انتقالات اللاعبين وشرائهم، واستعادة التواصل بين أندية القاعدة clubs grass-roots [أو الأندية الشعبية] والنخبة الرياضية رج لً ونساء، وتعزيز التماهي الواقعي للشباب مع اللاعبين المشهورين من خلال نموذج واقعي للارتقاء الاجتماعي، وتعزيز الاندماج الاجتماعي لأبناء المهاجرين عبر الرياضة. وينبغي تطوير قوانين رياضية خاصة، وصياغة ميثاق رياضي لا يخضع له الرياضيون فحسب (كما هي الحال مع القسَم الأولمبي)، بل يخضع له أيضًا المعلقون الرياضيون ومديرو القنوات التلفزيونية، وغيرهم. والغرض من هذا كلّه هو أن نستعيد تلك القيم التي يمجّدها هذا العالم، والتي تشبه إلى حد بعيد قيم الفن والعلم (اللاتجارية، وأن تكون غاية في ذاتها، وغير مرهونة بمصلحة، وأن تثمّن اللعب النظيف، كما تثمّن "الطريقة التي تُلعب بها اللعبة" في مواجهة التضحية بكل شيء من أجل النتيجة). في هذه اليوتوبيا، يشغل الصحافيون موقعًا بارزًا، ولا سيما الصحافيون الرياضيون، الذين يمكنهم (بسبب ما يهيمن عليهم في عالم الصحافة، والذي يجعلهم – أحيانًا - أكثر مرونة ونقدية من الآخرين) أن يكونوا الضميرَ النقدي في عالم الرياضة.
المراجع
Bourdieu, Pierre. "Les jeux olympiques." Actes de la recherche en sciences sociales. no. 103 (June 1994). Dauncey, Hugh Derek & Geoffrey Hare. "La Commercialisation du football." Sociétés & Représentations. vol. 2, no. 7 (Décembre 1998). Faure, Christine & Tom Bishop (eds.). L'Amérique des Français , Paris: Seuil, 1992. Hoberman, John. Mortal Engines: The Science of Performance and the Dehumanization of Sport. New York: Maxwell-Macmillan, 1992. Papa, Francoise. "Les matchs sur le petit écran." Sociétés & Représentations. no. 7 (Décembre 1998).