الشعبوية في الرياضة والترفيه والثقافة الشعبية

Populism in Sport, Leisure, and Popular Culture

* Abdelkarim Amengay عبد الكريم أمنكاي|

الملخّص

​عنوان الكتاب في لغته: Populism in Sport, Leisure, and Popular Culture عنوان الكتاب: الشعبوية في الرياضة والترفيه والثقافة الشعبية المحرران: بريان كليفت Bryan Clift وألان توملسون .Alan Tomlison سنة النشر: 2022 الناشر: روتليدج .Routledge عدد الصفحات: 288

Abstract

This book examines and establishes the sociological relevance of the concept of populism and illuminates the ideological use of sport, leisure, and popular culture in socio-political populist strategies and dynamics.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

Populism in Sport, Leisure, and Popular Culture عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: الشعبوية في الرياضة والترفيه والثقافة الشعبية المحرران: بريان كليفت Clift Bryan وآلان توملينسون Tomlinson.Alan سنة النشر: 2022 الناشر: روتليدج.Routledge عدد الصفحات: 288

مقدمة

حضرت دراسة الشعبوية بقوة في حقل السياسة المقارنة منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وذلك في أعقاب النجاحات الانتخابية التي حققتها أحزاب اليمين الشعبوي الراديكالي المعادي للمهاجرين في أوروبا الغربية1، ولا سيما في فرنسا مع حزب الجبهة الوطنية National Frontبقيادة جان ماري لوبينJean-Marie Le Pen (لاحقًا حزب التجمع الوطني Rally National)، وحزب الحرية النمساويFreedom Party of Austria بزعامة يورج هايدر Haider Jörg. ثم أصبحت مع وصول الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب Trump Donald (2021-2017) إلى سدة الحكم سنة 2017 من المواضيع البحثية المهيمنة على اهتمام الباحثين، ولا سيما في الجامعات الأميركية، بعدما كانت طوال عقود حكرًا على المتخصصين بأوروبا وأميركا اللاتينية. لكن رغم هذا الاهتمام الكبير، فإن الأسئلة البحثية التي ظلت تهيمن على دراسة هذه الظاهرة السياسية المعاصرة بقيت في مجملها منحصرة في ثلاثة أسئلة كبرى. أولً، ماهية الشعبوية. بعبارة أخرى، ما الشعبوية؟ هل الشعبوية أيديولوجيا؟ أم هي نمط خطابي؟ أم استراتيجية تواصلية يُسعى من خلالها لحشد الجماهير؟ أم هي شيء آخر؟ ثانيًا، ما الذي يفسر النجاحات الانتخابية للأحزاب والمرشحين الشعبويين؟ والتي في عدد من الحالات، كالولايات المتحدة الأميركية والمجر وإيطاليا، بل حتى الهند والفلبين، مكّنتهم من الوصول إلى السلطة، هل هي العوامل البنيوية المتمثلة في التغيرات التي عرفتها المجتمعات الغربية على المستوى الديموغرافي مع الهجرات المتتالية من دول الجنوب مثلً؟ أم هي التحولات في التفضيلات السياسية نتيجة للتغييرات القيمية في مجتمعات ما بعد الحداثة؟ وثالثًا، ما العلاقة التي تربط الشعبوية بالديمقراطية؟ هل صعود الشعبوية إشارة إلى أزمة تعيشها الديمقراطية الليبرالية التمثيلية؟2 أم هي العلاج الضروري والوحيد لمرضها وخيانتها لروح الديمقراطية الحقيقية التي تقوم على مبدأ سيادة الشعب؟3في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة أنتجت العلوم السياسية بحقولها الثلاثة الرئيسة (السياسة المقارنة، والفكر السياسي، والعلاقات الدولية)، العديد من الدراسات التي تدفع بالمرء من أن يتساءل: هل بقي أمر لا نعرفه عن الشعبوية؟ يجد هذا السؤال جوابًا، ولو جزئيًا في الكتاب الذي بين أيدينا الصادر عن دار النشر راوتليدج سنة 2022، والذي أشرف على تحريره بريان. رغم Alan Tomlinson وآلان توملينسونBryan Clift كليفت أن البعض يرون أنّ هناك تخمة بحثية حول الشعبوية، فإن المتمعن في الإنتاج البحثي حول الموضوع يلاحظ أنه بقي حبيسًا لحقل العلوم السياسية وموضوعاته وأدواته البحثية التقليدية، مع هيمنةٍ جليّة لدراسة السلوكيات الانتخابية في أبحاثٍ يغلب عليها التوجه الكمي. أي إنه على سبيل المثال لا الحصر، يلاحظ أن مفهوم الشعبوية ظل خارج اهتمام علماء الاجتماع، أو على الأقل لم يُنظر بالضرورة إلى المفهوم على أنه ذو قيمة معرفية أو تحليلية في حدّ ذاته، حيث إنه في فهم الموجة الثالثة من الشعبوية (على الأقل من منظور علم الاجتماع) أو تفسيرها جرى التركيز على مفاهيم أو نظريات أصيلة في هذا الحقل، كمفهوم المركزية الإثنية Ethnocentrism ونظرية الحرمان النسبي deprivation Relative، من دون اهتمامٍ حقيقي بما يمكن أن يقدّمه مفهوم الشعبوية للتحليل. كما يلاحظ أنّ الباحثين ركزوا جلّ جهدهم على دراسة الشعبوية في المجال السياسي (بالمعنى الضيّق للكلمة: أحزاب، انتخابات، حكومات،... إلخ). أي إن تمظهرات الشعبوية في نشاطات مجتمعية "عادية" ليست في جوهرها سياسية4(أو على الأقل تحسب كذلك) من قبيل النشاطات الترفيهية، وعلى رأسها الرياضة، لم يولها متخصصو الشعبوية مستوى الاهتمام نفسه. يحاول هذا الكتاب أن يتجاوز هذا الفراغ المعرفي في ستة عشر فصلً مهيكلة في ثلاثة أقسام. أوّلها، تقديم إطار نظري لكيفية تجنيد مفهوم الشعبوية في دراسة النشاطات الترفيهية5، باعتبارها ظواهر اجتماعية قابلة للتسييس. وثانيها، يستعرض مجموعة من دراسات الحالة التي تقف على معالم حضور الخطاب الشعبوي في الرياضة في عدد من الدول الأوروبية (اليونان وإيطاليا وبريطانيا) وأميركا اللاتينية (مع تركيز جليّ على البرازيل). وذلك من خلال أمثلة تاريخية ومعاصرة تحاول حصر معالم تقاطع الشعبوية مع الرياضة على مستويين أساسين، هما: نجاحات الرياضيين المحليين على المستوى الدولي، ولا سيما كرة القدم، وتنظيم التظاهرات الرياضية العالمية الكبرى، ولا سيما بطولة كأس العالم لكرة القدم والألعاب الأولمبية. أما القسم الثالث والأخير من الكتاب، فينصب اهتمامه حول حالة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وكيف لم تسلَم

  1. 1 أصطلح على هذه النجاحات ب "الموجة الشعبوية الثالثة."
  2. 2 عزمي بشارة، في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019
  3. Chantal Mouffe, For a Left Populism (London/ New York: Verso, 2018).
  4. 4 علمً أنّ كونها غير سياسية لا يعني أنها غير قابلة للتسييس.
  5. 5 إنّ الاهتمام بتمظهرات الشعبوية في النشاطات الترفيهية غير الرياضية هو في الحقيقة أمر ثانوي في الكتاب (الفصل الخامس فقط تطرق إلى موضوع الموسيقى، مع إشارات إلى الثقافة الشعبية في الفصل السابع)، ما يجعل المؤلَّف محاولة لدراسة علاقة الشعبوية بالرياضة أكثر منها علاقتها بالنشاطات الترفيهية على نحوٍ عام. بناءً عليه، نركز في هذه المراجعة على موضوع الرياضة التي هي في نظرنا جوهر مساهمته العلمية.

الرياضة من محاولاته لاستعراض أفكاره السياسية وتجييش أنصاره عبر منصة تويتر.

أولا: الرياضة والشعبوية: أيّ إطار نظري؟

إنّ دراسة العلاقة بين الشعبوية والرياضة تتطلب بداية تحديدًا دقيقًا لمفهوم الشعبوية، على اعتبار أن تعريف هذا المفهوم يعتبر من أكثر الأسئلة البحثية جدلية6، أو كما وصفه كاس موده Cas Mudde وكريستوبل روفيرا كالواسر Kaltwasser Rovira Cristóbal "مفهومًا متنازعًا فيه7". فباستثناء إجماع المتخصصين على اعتبار التضادّ بين "الشعب الخيّ " و"النخب الفاسدة" مسألة جوهرية في كل تعاريف الشعبوية، أي لا شعبوية من دون حضور هذا التضاد، فليس هناك في الحقيقة بين الدارسين أيّ اتفاق حول ماهيتها، أو إن صحّ التعبير أنطولوجياتها. يخصص مؤلفو الكتاب القسم الأول منه لمحاولة تحديد معالم الإطار النظري الذي يموضعون فيه دراستهم للعلاقة بين الشعبوية والرياضة. فانطلاقًا من أدبيات الحركات الاجتماعية، يميز ريشارد جرونو Gruneau Richard، بين ثلاثة تمثلات لمفهوم الشعبوية؛ أولها، الشعبوية بوصفها موقفًا نقديًا رافضًا "الاعتراف بمشروعية السلطة" القائمة المتحكمة في الدولة (ص. 26). وثانيها، الشعبوية باعتبارها حركة اجتماعية موجَّهة ضد السلطة. وثالثها، الشعبوية "نمط خاص من الحكم، يدّعي فيه الزعيم الكاريزماتي التحدث باسم 'الشعب'" (ص. 27). يرى جرونو أنه بغضّ النظر عن المقاربات التحليلية المعتمدة لدراسة الظاهرة الشعبوية يبقى "الشعب" بوصفه مفهومًا أيديولوجيًا مركزيًا في جميعها. مفهوم أيديولوجي، لأنه "ليس هناك وجود لكيان سوسيولوجي أو سياسي اسمه 'الشعب' في أي دولة-أمة" معرّف بذاته، حيث إنّ تعريف الشعب وحدوده ومعايير الانتماء إليه هو "مجال للصراع الأيديولوجي" (ص. 28)، حيث إنّ الشعب مثلً يمكن أن يعرَّف على أساس إثني كما هي الحال عند اليمين الشعبوي الذي نشأ في أوروبا الغربية، أو على أساس طبقي كما هي الحال عند اليسار الشعبوي التي يجد جذوره في أميركا اللاتينية8. ولكن كيف يمكن ربط مفهوم الشعبوية المتمحور حول ظاهرة سياسية بالرياضة التي هي من مستوى الظواهر الاجتماعية؟ على عكس ما يمكن اعتقاده، فإن الاهتمام بدراسة مفهوم الشعبوية لم يكن دومًا حكرًا على حقل العلوم السياسية، حيث نجد توظيفًا له باعتباره أداةً معرفية أو تحليلية في حقلَ الدراسات الثقافية والتاريخ الثقافي اللذين استخدما مصطلح "الشعبوية الثقافية"9 لوصف ذلك التيار الروائي أولً، والثقافي ثانيًا، الذي نشأ وتطور في بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي كان يطمح في أعقاب الكساد الكبير لسنة 1929، وما ترتّب عليه من مآسٍ اجتماعية إلى "ربط المثقفين بالشعب" (ص. 12). عمومًا، يمكن تعريف "مدرسة" الشعبوية الثقافية بأنها ذلك التوجه الفكري الذي يعتقد "أن الممارسات الرمزية والتجربة الخاصة بالأشخاص العاديين أهم على المستوى التحليلي والسياسي من الثقافة بمعناها الكبير" (ص. 13). أي إن الشعبوية الثقافية تدافع عن ضرورة تركيز اهتمام الأعمال الفكرية، ولا سيما الإبداعية منها، على حياة الأشخاص في حياتهم اليومية (ص. 13)، ومن ثم جعل الأشخاص العاديين جوهر أو قلب مشاغلها في نبذٍ للنخبوية الثقافية. بناءً عليه، فإنّ مفهوم الشعبوية الثقافية يمكن أن يشكل أحد المنطلقات النظرية لدراسة العلاقة بين الشعبوية والرياضة؛ وذلك من خلال اعتبار "خبرات وممارسات المؤسسات والأشخاص، بمن فيهم أصحاب النفوذ السياسي والشخصيات السياسية، [منطلقًا للتحليل و] التساؤل عن كيفية تأثير الشعبوية [المتمظهرة في الحقل السياسي] في التجارب والممارسات الترفيهية والثقافات الرياضية" (ص. 14) للأفراد على اعتبار هذه الأخيرة ظواهر اجتماعية تتأثر بالمجال السياسي. أي إن الرياضة نشاط اجتماعي يبقى عرضة للتأثير السياسي الشعبوي، وعلى الباحث أن يستجلي طبيعة هذا التأثير وآلياته. في حقيقة الأمر، إن السعي لفهم التقاطعات الممكنة بين الشعبوية والرياضة ليس أمرًا مستجدًا، إذ يوضح آلان توملينسون وزميلاه (ص. 7) أن أحد رواد علم الاجتماع الرياضي، جون هرجريف Hargreaves John تنبّه في كتابه المرجعي "الرياضة والسلطة والثقافة"10 إلى أنّ الدراسة الاجتماعية للرياضة تتطلب من الباحث أن يأخذ في الاعتبار مؤثرات المحيط الذي تتبلور فيه الرياضة ظاهرةً اجتماعية، والتغييرات التي تحدث في هذا المحيط عبر الزمن، بما فيها التغييرات ذات الطبيعة السياسية، كالحكومة وسياساتها وتفضيلاتها

  1. 6 عبد الكريم أمنكاي، "شعبويو السلطة وجائحة كورونا بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب: حالة الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترامب"، سياسات عربية، العدد 50 (أيار/ مايو 2021)، ص.106-86
  2. 7 كاس موده وكريستوبل روفيرا كاتواسر، مقدمة مختصرة في الشعبوية، ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.22
  3. 8 عن الاختلاف بين اليسار الشعبوي واليمين الشعبوي ومركزية التباين في تصور الشعب في هذا الاختلاف، ينظر: Cas Mudde Cristóbal Rovira Kaltwasser, "Exclusionary vs. Inclusionary
  4. 9 للمزيد عن مفهوم الشعبوية الثقافية، ينظر: Gary Cross, Time and Money: The Making of Consumer Culture (London: Routledge, 1993), p. 12
  5. John Hargreaves, Sport, Power and Culture: A Social and Historical Analysis of Popular Sports in Britain (Cambridge, UK: Polity Press, 1986).

الأيديولوجية. كان هذا يعني لهرجريف في وقت صدور كتابه الوعي بخصائص حكومة المحافظين بزعامة مارغريت تاتشر، والتي كان أهمها "الشعبوية السلطوية"11، والتي عرّفها بأنّها "الجعل من توجيه النداء إلى الشعب أساسًا لتثبيت السياسات النيوليبرالية" (ص. 11). من هذا المنطلق، وفي إطار تحليل التوظيف السياسي للرياضة من لدن تلك الحكومة، استعار هرجريف مفهوم السلطوية الشعبوية لتوصيف طريقة الحكم التاتشرية اليمينية النيوليبرالية، والتي كانت تجنح إلى نوعٍ من الراديكالية والتحجر الأيديولوجي و"الاهتمام... الشديد بمسألة الفخر القومي" البريطاني (ص. 7) هذا الهوس بالفخر القومي من خلال الحنين إلى أمجاد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لم تنحصر تمظهراته في الدخول في المواجهة العسكرية ضد الأرجنتين حول جزر الفوكلاند (أو المالوين) في المحيط الأطلسي الجنوبي، بل أيضًا عن طريق إيلاء استعراض قوة بريطانيا وعظمتها على المستوى الدولي اهتمامًا كبيرًا، بوسائل "القوة الناعمة" كالتفوق الرياضي في المسابقات الرياضية الدولية الكبرى. لكن إذا كانت مقاربة "الشعبوية الثقافية" توفر إطارًا نظريًا يسمح بالربط بين الممارسة الشعبوية والتجربة الاجتماعية، وإذا كانت "السلطوية الشعبوية" تنبه إلى أن الرياضة هي إحدى الوسائل "المُتوفَّرة" لدى الحكومات اليمينية القومية لدغدغة الشعور الوطني وحشد المساندة الشعبية لها، هل هذا يعني أن اهتمام الدارسين يجب أن ينحصر في كيفية توظيف الحكام الشعبويين للرياضة ليحققوا مآرب سياسية؟ من خلال تفحّص ما يقدّمه آلان توملينسون في الفصل الثالث من الكتاب (ص. 41-55)، يتوصل القارئ إلى الإجابة بالنفي؛ على اعتبار أن التتبع التاريخي لتطور خطاب وممارسات ما سماه "المنظمات غير الحكومية الدولية الرياضية" يبين أن الشعبوية حاضرة بقوة، وإن لم تكن دومًا بنفس الثبات والقوة خلال جميع المراحل التاريخية لدى رؤساء اللجنة الأولمبية الدولية والفيفا (ص. 41). تُعتبر هاتان المنظمتان الرياضيتان الدوليتان الأكثر إشعاعًا ونفوذًا ومواردًا، وقد عملتا منذ نشأتهما في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على بلورة نمط بلاغي Rhetoric "تدَّعيان فيه أنهما ترافعان عن مصالح كل شعوب العالم" (ص. 42)، رغم أنّ شعاراتهما لم تخْلُ من المركزية الغربية وحتى الصبغة العنصرية بالنسبة إلى اللجنة الأولمبية، إلى غاية أواسط القرن العشرين. فرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" جول ريمي Rimet Jules (1954-1921) كان يعدّ كرة القدم حاملة لقيم كونية ويراها قادرة على "تجاوز انقسامات الطبقات الاجتماعية" (ص. 42). في حين أنّ الفرنسي، رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، البارون بيير دوكوبرتان Coubertin de Pierre de (1973-1869)، كان يدافع عن قدرة الأولمبياد "على الدفع بثقافة السلام العابرة للحدود" (ص. 45). ويرى آلان توملينسون أنه مع تعاقب الأحداث التاريخية، خصوصًا مع الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحصول عدد كبير من دول الجنوب العالمي على استقلالها وما تلاه من تقوية حضورها وتأثيرها في المنظمات الرياضية الدولية، تراجع الخطاب الممركز حول الغرب في هذه المنظمات، بحيث عزز أشخاص مثل رئيس الفيفا البرازيلي جواو هافلونجJoão Havelange (1998-1974) الخطاب الشعبوي للفيفا بعناصر خطابية جديدة، مثلً من خلال تقديم نفسه المدافع عن الاتحادات الكروية الأفريقية والآسيوية الممثلة لشعوب الجنوب في وجه الهيمنة الغربية، في نوع من الاستثمار الشعبوي لفكرة "شعوب الجنوب الخيّة" في مواجهة "نخب الشمال الفاسدة"، أي إنّ كرة القدم لاعتبارها الرياضة الأكثر شعبية حول العالم ومنظمتها الفيفا هي رياضة الشعوب كلها التي يختفي فيها أيّ تراتب بين دول العالم وتُ حى فيها المركزية الغربية.

ثانيًا: التألق الرياضي في خدمة أجندة الحكام الشعبويين

ليست محاولات التوظيف السياسي للرياضة بالأمر المستجد. في هذا الصدد، يقف ريتشارد غرونو Gruneau Richard على مثال إيطاليا أيام الحكم الفاشي تحت حكم بينيتو موسولينيBenito Mussolini (1943-1919)، والذي كان يرى أن الرياضة إخراج فني "لقيم القوة، والسرعة، والحركة في شكل دراماتيكي، تلك القيم التي كان يعتبرها [موسوليني] مركزية في النظرة الفاشية للعالم [...] إضافةً إلى [اعتقاده في قدرة] الرياضة على توحيد الأمة [الإيطالية] حول مشروع واحد، [وأنها] تُعِدّ وتدرّب الأجسام للحرب، وتعكس قوة ونجاح المشروع الفاشي للخارج" (ص. 32). كانت بطولة كأس العالم لكرة القدم، دون منازع، التي نظمتها إيطاليا وفازت بها سنة 1934 فرصةً للزعيم الفاشي "لتقوية ترابطه مع الجماهير"، وخطوة في مشروعه "لجعل إيطاليا عظيمة مرة أخرى" (ص. 33)، وهو الذي كان يسوّق لفكرة إيطاليا وريثة شرعية لأمجاد الإمبراطورية الرومانية البائدة، والتي يحمل على عاتقه إحياءَها من جديد. بغضّ النظر عن أننا "لا نوافق على اعتبار الحالة الفاشية تمظهرًا تاريخيًا للشعبوية12، فغرونو يرى أنّ ما يجمع بين فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى في إيطاليا (التي عرفت صعود الفاشية) والزمن الحاضر

  1. Ibid., pp. xi–xii.
  2. 12 سنعود إلى هذه النقطة في الجزء الخامس من هذه المراجعة.

المتميز بصعودٍ غير مسبوق للشعبوية اليمينية في الديمقراطيات الغربية أنهما فترتان من عدم اليقين، أو إن صح التعبير من الأزمة المركبة: أزمة للديمقراطية التمثيلية، وأزمة اجتماعية، وأزمة اقتصادية وأزمة قيمية. حيث يحاكي مؤلف الفصل الثاني بين هجومات "ترامب الموجَّهة ضد المهاجرين، ومعاداته لتعدد الولاءات الوطنية، وتدخلاته المتحزبة في النظام القضائي، وتبريراته "بجعل أميركا عظيمة مرةً أخرى"، وبين لائحة التلاعبات الجدالية الخطابية التي ميزت إيطاليا موسوليني الفاشية (ص. 35). أي إنّ موسوليني وترامب هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة وهي الشعبوية اليمينية المتلاعبة بالمشاعر القومية والمروّجة للكراهية والحنين إلى أمجاد الماضي، رغم العقود والسياقات الزمانية والمكانية التي تفصل بينهما. تحظى إيطاليا كذلك باهتمام مارتن سيمونMartin Simon (ص. 102-121)، والذي ينقل عن فدريكو روب13 وصفًا لهذا البلد ب "جنة الشعبوية". فمن موسوليني في الثلاثينيات إلى رئيس الحكومة الإيطالية الأسبق سلفيو برلسكونيSilvio Berlusconi (1995-1994) (2006-2001) (2011-2008) وبروز هذا الأخير على ساحة السياسة في تسعينيات القرن الماضي، مرورًا بأشيل لورو Lauro Achille، عمدة مدينة نابولي في جنوب إيطاليا في الخمسينيات، تقدّم إيطاليا عدة أمثلة على زعماء سياسيين شعبويين تمكّنوا من تجنيد الرياضة، لتلميع صورتهم في أعين الجماهير أو لإقناعها بأفضلية مشروعهم الأيديولوجي أو لحشد أصواتها في الانتخابات. فأشيل لورو مثلً، الذي كان له ارتباط وثيق بنادي مدينة نابولي لكرة القدم (ص. 107)، لم يكن فقط يُغذي من خلال شعبويته آمال مشجعي الفريق المحلي في التنافس على الفوز باللقب في بطولةٍ تهيمن عليها فرق الشمال الإيطالي الغنيّ، بل كان خطابه الشعبوي أيضًا تعبيرًا عن الغبُن الذي يحس به أهل الجنوب تاريخيًا تجاه الشمال (ص. 110) المهيمن اقتصاديًا وسياسيًا منذ تحقيق الوحدة الإيطالية في القرن التاسع عشر. في المقابل، فإن برلسكوني، الذي جمع بين رئاسة نادي أي سي ميلانو الشهير وملكيته، جعل هذا الأخير "منصة لمساره السياسي" (ص. 111) من خلال استثماره للألقاب الرياضية لفريقه العتيد في التسويق لنفسه بوصفه رجل أعمال قادرًا على تحقيق النجاحات (ص. 113)، ومن ثم تقديم نفسه على أنه قادر على قيادة البلد بنفس الحنكة والنجاح. ع المنوال المقارن نفسه، تقدّم لنا ماريا ريناتا تليدو Toledo Renata Maria (ص. 122-135) مث لً آخر للتوظيف الناجح للرياضة (في تقاطع مع التراث الموسيقي الشعبي) من طرف رئيس شعبوي في البرازيل. فهذا البلد الأميركي اللاتيني، الأكبر مساحة والأكثر سكانًا، عرف وصول أول رئيس شعبوي في تاريخه إلى سدة الحكم مع غوتليو فرجاس Vargas Getúlio في فترتين زمنيتين منفصلتين، 1945-1930 و 1951-1945، والذي لُقِّب في التاريخ البرازيلي ب "أب الفقراء" (ص. 123). عُرف فرجاس بنمط زعامته الشعبوي المتميز بخلق "نوع من العلاقة المباشرة بينه، بوصفه زعيمً شعبويًا، وبين الجماهير التي تسانده" (ص. 124). فهو الذي صرّح في أحد خطاباته: "لم أكن [يومًا] مرشّحًا لحزبٍ واحد: بل كنت مرشّحًا للشعب، مرشّحًا للعمّ ل. وبناءً عليه سأحكم مع الشعب الذي انتخبني" (ص. 124). كان فرجاس مقتنعًا بقدرة الرياضة، ولا سيما كرة القدم، على توحيد المجتمع المنقسم، فسعى من خلالها في المجتمع البرازيلي المنقسم طبقيًا وعرقيًا إلى بناء هوية وطنية برازيلية موحّدة (ص. 125)، على اعتبار أنّ الفريق الوطني البرازيلي لكرة القدم هو تجسيد لهذا التنوع العرقي البرازيلي المُعرّف للهوية البرازيلية. لم يكن فرجاس حالة خاصة أو استثنائية في أميركا اللاتينية، فقد حظيت كرة القدم باهتمام كبير من طرف الحكام الآخرين منذ العقد الأول من القرن العشرين، سواء من خلال مداومة عدد من رؤساء هذه الدول على حضور المقابلات الكروية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمواجهة فرق محلية ضد فرق أجنبية، أو من خلال التمويل الحكومي السخيّ لبناء ملاعب كرة القدم (ص. 157). فمثلً في أثناء فترة حكم الرئيس الأرجنتيني خوان برونJuan Perón (1952-1946)(1952-1958) و - وهو أحد أعلام الشعبوية في أميركا اللاتينية، بل ربما أوّل من ألهم الباحثين لدراسة الشعبوية - نشأت علاقة قويّة بين الدولة وكرة القدم، حيث عمل النظام على توظيف النجومية العالمية للاعبي كرة القدم المنحدرين من الفئات الشعبية وجعلها متلائمة مع سرديته الشعبوية (ص. 158)، العملية التي جنّدت فيها أجهزة الدولة الإعلامية والصحافة بطريقة بروباغاندية في تغذية الشعور القومي أو في برامج رياضية موجّهة للجماهير (ص. 159).

ثالثًا: الشعبوية وتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى

تُعدّ دراسة أهداف الدول والأنظمة السياسية (سواء الديمقراطية منها أو السلطوية) من تنظيم التظاهرات الرياضية الدولية الكبرى

  1. Federico Robbe, "Il populismo di Achille Lauro nello scenario locale, nazionale e internazionale 1947- 1958," Mondo Contemporaneo, vol. 3 (2015), pp. 5-24.

من أكثر المواضيع بحثًا في حقل السياسة والرياضة14. يناقش ألكس جليتAlex Gillett وكفين تيننتKevin Tennent كيفية تحديد الدوافع التي تحفّز الحكومات لتنشئ "المشاريع الكبرى" في أربعة أشكال من "أشكال الإبهار"؛ وهي أولً، الإبهار التكنولوجي الذي يدفع الحكومات لبناء أكبر أو أطول مبنى في العالم؛ وثانيًا، الإبهار السياسي الهادف مثلً إلى توليد المساندة الشعبية؛ وثالثًا، الإبهار الاقتصادي المتمثل في تحصيل أرباح أو وظائف؛ ورابعًا، الإبهار الجمالي من أجل بناء منشآت ذات جمالية تؤثّث الفضاء العام (ص. 167). انطلاقًا من هذا، يحلل مؤلفو الفصل الحادي عشر من الكتاب حالتَي كأسَ العالم في إنكلترا سنة 1966 وفي روسيا سنة 2018. ففي إنكلترا، ومع وصول حكومة العمال بزعامة هارولد ويلسونHarold Wilson (1970–1964 و 1976-1974)، بدأت الحكومة تهتم بالحدث العالمي الذي كانت سابقتها من المحافظين لا ترى فيه فائدة. فحكومة ويلسون كانت أوّل حكومة بريطانية "تدخل الرياضة حقل السياسات العامة من خلال نظرتها إلى الفوائد التي يمكن جنيها منها في تدبير الأمن العام، والسياسة الخارجية لتحسين صورة المملكة المتحدة في الخارج وتشجيع الصادرات واستعراض القوة الناعمة" البريطانية (ص. 170)، على نحوٍ دفع بها إلى تقديم الدعم المالي لتنظيم كأس العالم لتحديث المنشآت الرياضية والاستقبال (ص. 171). أما في كأس العالم في روسيا سنة 2018، فقد كان السعي لتلميع صورة الدولة على المستوى الدولي حاضرًا بقوّة في أذهان الروس عند استضافتهم الحدث الكروي الأهم في العالم. فرغم الجدالات التي سبقت البطولة والمتعلقة بمهاجمة رصيد روسيا في حقوق الإنسان والمخاوف المتمحورة حول "التهديدات الإرهابية، والهوليغانز، والأمن، والمنشأت، والعنصرية"، فقد تمكنت روسيا من عكس صورة البلد الناجح تنظيميًا والآمن (ص. 174). ما يجمع كلتا الحالتين، رغم الهوة التاريخية التي تفصل بينهما وغياب تقديم تبرير حقيقي لهذه المقارنة أو صواب اختيارهما في كتاب موضوعه علاقة الشعبوية بالرياضة، أن الحدثين الكرويين استخدمهما الحاكم والطبقة الحاكمة "لاستثارة الفخر القومي... والإلهاء عن الأوضاع الاقتصادية غير المريحة" (ص. 177) قد لا يتمكن تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى من بلوغ تلك الأهداف الداخلية أو الخارجية؛ حيث يمكن أن يتحول احتضان تظاهرة رياضية عالمية كبرى من نعمة إلى نقمة على السياسيين الحكام أولً، والبلد ثانيًا، على نحوٍ يخدم التيارات الشعبوية في المعارضة، ويتبين ذلك من خلال حالتَي البرازيل واليونان. فالرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا( كان يسعى من 2010-2003)Luiz Inácio Lula da Silva دا سيلفا خلال استضافة البرازيل في أقل من سنتين لأهم حدثين رياضييَن دولييَن (كأس العالم لكرة القدم لسنة 2014، والألعاب الأولمبية الصيفية لريو دي جانيرو 2016)، إلى جعلهما أداة "لحشد الفخر القومي" )ص. 133( في بلدٍ منقسم إثنيًا وطبقيًا، وفرصة "لتأكيد الصعود العالمي للبرازيل" )ص. 138(. ولكن على عكس ما كان يطمح إليه الرئيس دا سيلفا وخلفه في السلطة، الرئيسة ديلما روسلفRousseff Dilma )2016-2011(، والتي كانت إحدى الشخصيات المحورية في حكومته والمسؤولة عن عدد مهمّ من القطاعات والسياسات التي نفّذها في أثناء حكمه، من قبيل برنامج تسارع التنمية الذي كان أحد أكبر البرامج الحكومية المتدخلة في بناء المنشآت المتعلقة بأولمبياد ريو )ص. 139(، فإن تلك الأولمبياد ستصبح محاصرة، أو إن صحّ التعبير ضحية للخطاب الشعبوي لمعارضيهما المتمحور حول الاتهامات بالفساد منها ما له علاقة ببناء منشآت الألعاب الأولمبية. أدى هذا الأمر في النهاية إلى تنفيذ مسطرة عزلها من طرف الكونغرس البرازيلي بالتزامن مع اقتراب الأولمبياد )ص. 137(، رغم أن التحقيقات اللاحقة برّأتها من جميع التهم )ص. 146). فقد كانت الرئيسة ديلما روسلف خلال الأشهر التي سبقت ألعاب ريو 2016 عرضةً لحملة شرسة منظمة قامت على أساس خطاب شعبوي يميني يقدّمها بوصفها رمزًا للفساد، والذي في كثير من الأحيان لم يكن يخلو من لغة معادية للنساء في تعبيرٍ واضح عن المنطق الرجوليmachismo الذي يسود الشعبوية والممارسة السياسية في دول أميركا اللاتينية كما يتوضح في الفصل التاسع من الكتاب. يمكن أن يكون انتقاد تنظيم الأولمبياد أيضًا عنصرًا من عناصر الخطاب الشعبوي اليساري كما حدث في اليونان. فكما هو معروف، فإنّ هذا البلد الأوروبي المتوسطي كان من أكثر الدول التي عانت اقتصاديًا واجتماعيًا في أعقاب الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، التي دفع ثمنها غاليًا على المستوى السياسي الحزب الاشتراكي اليوناني (باسوك) (PASOK) Movement Socialist Panhellenic The، والذي هيمن على الحكم في اليونان منذ سقوط الحكم العسكري في سبعينيات القرن الماضي. فمع الانهيار الانتخابي لليسار التقليدي صعد اليسار الشعبوي، وتمكّن من الوصول إلى رئاسة الحكومة بقيادة ألكسيس تسيبراس Tsipras Alexis (2019-2015) (ص. 90). إن الشعبوية في اليونان بعيدة كل البعد عن أن تكون أمرًا مستجدًا في الحياة السياسية اليونانية، حيث إن النظام السياسي الذي ميزها خلال الأربعة عقود اللاحقة لسقوط دكتاتورية العقداء وُصف ب "الديمقراطية الشعبوية"؛ لكون جميع الأحزاب السياسية الكبرى الحاكمة أو في المعارضة، من اليسار أو من اليمين عُرفت بتبنّيها لخطاب شعبوي يجعل من إخلاء المسؤولية الذاتية وتحميلها للآخر

  1. 14 لتفصيل أكثر في الموضوع يمكن مراجعة: Alan Brainer, John Kelly Jung Woo Lee (eds). Routledge Handbook of Sport and Politics (London/ New York: Routledge, 2020).

خاصية عامة للخطاب والممارسة السياسية اليونانييَن، أي إن هناك حضورًا دائمًا للثنائية المانوية "نحن الخيّ ون" مقابل "الآخرين الأشرار" (ص. 90-91). حضر هذا النمط الخطابي بقوة عند تحالف سريزا (اختصار يوناني لتحالف اليسار الراديكالي) في انتقاداته الحادة تجاه "إرث الألعاب الأولمبية، على وجه الخصوص [ما سُمّي] "الفيلة البيضاء" (ص. 94)، أي مجموع المنشآت الرياضية المكلفة التي بُنيت خصيصًا للألعاب الأولمبية والوعد الذي قُدّم بخصوص تحقيق طفرة عمرانية وحضارية للمدينة، التي سرعان ما تُركت من دون عناية وتدهورت أحوالها لضعف الاهتمام بها أو لعدم استغلالها بعد نهاية أولمبياد أثينا صيف 2004. بل أكثر من ذلك اعتبر تسيبراس أنّ المشاريع التي أنجزت استعدادًا للأولمبياد شكّلت مج لً خصبًا للرشوة والزبونية وهدرًا للأموال العامة كان يمكن أن توظف في "بناء مدارس أو مستشفيات أفضل" أو "دولة اجتماعية أحسن" (ص. 94). ربما يصبح تنظيم الأولمبياد، أيضًا، موضوعًا للتهجم الشعبوي حتى من دون تنظيمها فعليًا أو بعد مرور أكثر من نصف قرن على الحدث، كما كانت حال فرجينا راغي Raggi Virgiinia، السياسية الإيطالية المنتمية إلى حركة النجوم الخمسة الشعبوية The Five Star Movementالتي فازت بانتخابات العاصمة الإيطالية روما في حزيران/ يونيو 2016. فقد جعلت راغي أحد أهم وعودها الانتخابية تجميد ترشّح روما لتنظيم الألعاب الأولمبية لسنة 2024، متحجّجة بالآثار المحتملة غير المحمودة لهذا الأمر، سواء اقتصاديًا أو اجتماعيًا، وذلك من خلال الإشارة إلى التجربة السابقة في هذا المجال للمدينة سنة 1960، التي عمدت إلى تقديمها على أنها كانت كارثة على المدينة، وذلك في تعارضٍ تامّ مع رغبة الحكومة الإيطالية اليسارية في تنظيمها (ص. 114-116). ومن ثم، فإن راغي تقدّم لنا مث لً على أن زعامات شعبوية يمكنها أن توظف عدم الرضا أو التوجس من تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى لتحقق مكاسبَ سياسية. أصبح من الصعب تصوّر مؤلف يتبنى مقاربة عابرة للدولة في دراسته للشعبوية من دون أن يتطرق إلى حالة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، ومن هنا، خصص هذا الكتاب موضوع المراجعة قسمً كاملً لتقاطعات الشعبوية الترامبية مع الرياضة.

رابعًا: الرياضة أداة لخدمة الشعبوية العنصرية

تعكس عبارة "لقد أصبحت كرة القدم [الأميركية] ناعمة" (ص. 185)، التي قالها ترامب في أحد تصريحاته الانتخابية سنة 2016، مث لً للاستعمال الجدالي للرياضة في خطابه الشعبوي ذي البعد العنصري الموجّه إلى الطبقة المتوسطة البيضاء. فمن جهة، تحظى كرة القدم الأميركية بشعبية كبيرة لدى هذه الفئة الإثنية من الشعب الأميركي، متابعةً وممارسةً. ومن جهة أخرى، نظرًا إلى الطابع الصدامي أو حتى العنيف لكرة القدم الأميركية فإنها تجسد في مخيلة أنصارها قيم الذكورة والشجاعة في مواجهة الخصم، والتي تعتبر مركزية في الثقافة العسكرية ذات البعد القومي والمتأصلة في المجتمع الأميركي. ففي طيات تصريحه، رسالةٌ لقواعده بأن الولايات المتحدة أصبحت هي نفسها "ناعمة"؛ أي إنها تعيش حالة من التقهقر العام، ولم تعد بتلك القوة والبأس اللذين عُهِدا فيها، وهكذا، فإنّ مشروعه السياسي الذي يقوم على "إرجاع أميركا عظيمة مرة أخرى" يصبح مبررًا على أساس الضعف الذي صارت أميركا تعانيه. إن التوظيف السياسي للرياضة على مستوى رئاسة الدولة ليس أمرًا مستجدًا في الحياة السياسية الأميركية، ولكن ما ميز ترامب عن سابقيه هو الطابع التضادي Antagonistic لانخراطه في الحقل الرياضي (ص. 190)، مستخدمًا في ذلك خطاب "الذكورية، والحنين إلى الماضي، والقومية الإقصائية، ومعاداة الأجانب، والعنصرية، والعسكرة، والإمبريالية" (ص. 236) تُعتبر المناوشات التي خاضها ترامب عبر حسابه على تويتر ضد الرياضيين السود الممارسين في دوري كرة القدم الأميركية والمنخرطين في حملة "حياة السود مهمة" أهم تجليات هذا الطابع التضادي لانخراط ترامب في الحقل الرياضي. فاستنكارًا على قتل عددٍ من السود في تدخلاتٍ للشرطة، بدأ عدد من أولئك الرياضيين في حملة احتجاج اتخذت شكل رفض الوقوف أثناء عزف النشيد الوطني الأميركي، انطلاقًا من 26 آب/ أغسطس 2016 (ص. 190). لم يكن الحادث ليفوت ترامب المترصد لكل فرصة ممكنة ليمرّر خطاب الغضب على الوضع القائم المتفشي لدى فئات من الأميركيين البيض الذين يشكّلون غالبية قاعدته الانتخابية. فقد عُدّ ترامب بمنزلة "المفترس العاطفي" Predator Emotional (ص. 245) الذي يغذي القلق النفسي بعوامل داخلية وخارجية (ص. 186). فقد استغل ترامب الحادثة وما تلاها من حالات مشابهة، ليتّهم الرياضيين المعنيين بأنهم "غير وطنيين، وأعداء عديمي الاحترام للأمة الأميركية" (ص. 191). في مجتمع أميركي أصبح فيه العلم والنشيد الوطني يمثلان السمات المتميزة المفترضة لقيم الحرية التي يحملها الأميركي الحقيقي فقط، أي الأميركي الأبيض (ص. 192) في مقابل السود الذي يقدَّمون تعبيرًا عن "أعداء الداخل" (ص. 195). إن توظيف ترامب لوسائل التواصل الاجتماعي لنشر خطابه الشعبوي، اعتبره البعض تمظهرًا لما اصطلح عليه "الشعبوية الرقمية" (ص. 202-219)

أما على المستوى الخارجي، فقد مثّل مسار الترشح لتنظيم كأس العالم لسنة 2026 للملف المشترك الأميركي – الكندي - المكسيكي مث لً آخر على قدرة ترامب الشعبوي على توظيف الرياضة لخدمة أجندته. فإذا كانت صورة ترامب السلبية على المستوى الدولي شكّلت مصدر قلق جدي للساهرين على الملف، والذين حاولوا صياغة سردية حول وحدة الدول والشعوب القادرة على تجاوز الخلافات السياسية (ص. 238)، فسرعان ما وضعت صدامات ترامب مع كندا والمكسيك حول قضايا التجارة والهجرة وقراراته بمنع المواطنين المنحدرين من عدد من الدول الإسلامية، ملف الترشيح المشترك على المحكّ (ص. 239). رغم هذا، أدى فوز الدول الثلاث بالتنظيم في النهاية إلى إثبات أن ترامب كان حاضرًا بقوة في توجيه تصويت عدد من الاتحادات الوطنية، على سبيل المثال العراق والسعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة؛ حيث فسّ تصويت هذه الدول للملف الأميركي وليس المغربي، على أنه نتيجة لتدخّله الشخصي المباشر عبر زوج ابنته ومستشاره جاريد كوشنر Kushner Jared (ص. 241). طبعًا، لم يفت ترامب فرصة أن ينسب هذا النجاح لنفسه (ص. 242)؛ وذلك لاستمالة فئات ليست بالضرورة من قواعده من خلال بعث رسالة "لآباء كرة القدم"، أي تلك الفئة الاجتماعية من الطبقة الوسطى العليا الأميركية التي تعيش في ضواحي المدن، والتي تنامى بينها الاهتمام بكرة القدم ومتابعة منافساتها الدولية، ككأس العالم، خلال السنوات الأخيرة، والتي غالبيتها من الجمهوريين المعتدلين المتعلّمين والمتوجسين من الخطاب العنصري الترامبي (ص. 249).

خامسًا: حدود تمثل الممارسات الشعبوية في الرياضة

إن دراسة تمظهرات الشعبوية في الرياضة لا تخلو في الحقيقة من صعوبات مفاهيمية وإمبريقية، خصوصًا إذا تعلّق الأمر بمؤلف جماعي كالذي بين أيدينا. فكلّ عمل من هذا النوع يعاني غالبًا، وإن بدرجات متفاوتة، نوعًا من عدم الاتزان في القيمة المضافة المعرفية الحقيقية التي يقدّمها كل فصل حول الإشكالية البحثية المركزية التي يحاول العمل الإجابة عنها، والتي نذكر أنها دراسة التقاطع بين الشعبوية باعتبارها خطابًا وممارسة سياسية والحقل الرياضي بوصفه نشاطًا اجتماعيًا. فهل تمكّن هذا الكتاب من تحقيق المراد؟ جوابنا الذي سنحاول الاستدلال عليه بإيجاز، هو: تمكّن نسبيًا فقط؛ وذلك لما يمكن أن نعيب على المؤلَّف من غياب للصرامة المفاهيمية في توظيف مفهوم الشعبوية في جميع فصوله، والتي سنذكر منها حالتين فقط على سبيل الاستدلال. أولً، من جهة، لا يمكن إنكار المجهود الحقيقي الذي حاول مؤلفو الفصلين الأول والثاني من الكتاب القيام به لحصر النقاشات الدائرة حول مفهوم الشعبوية قصد بناء إطار نظري يسمح بتوظيف المفهوم في دراسة الرياضة بوصفها ظاهرة اجتماعية، وذلك من خلال الاستعانة بمفهوم "الشعبوية الثقافية" من حقل الدراسات الثقافية، وأيضًا من خلال إحياء أعمال أب علم الاجتماع الرياضي، جون هرجريف، والذي اهتم بتأثير "السلطوية الشعبوية" في الرياضة في النطاق البريطاني زمن التاتشرية. ومن جهة أخرى، فإن الكتاب، إذا ما أخذ في مجمله، لم يتمكن في نظرنا من تجاوز أهم خطأ تقع فيه كثير من الاستعمالات غير الدقيقة لمفهوم الشعبوية، والذي حذّر منه كاس موده وكريستوبل روفيرا كاتواسر حين اعتبرا أنه عند الاطلاع على الكثير مما يُكتب ويقال عن الشعبوية يقف المرء على "خلط الباحثين في أنحاء مختلفة من العالم، بل وفي بعض الأحيان تسويتهم، بين الشعبوية وظواهر في غاية الاختلاف عنها... مثلً أنّ الشعبوية في السياق الأوروبي تُستعمل للإحالة إلى معاداة الهجرة وكراهية الأجانب، في حين توظف في أميركا اللاتينية للدلالة على الزبونية وسوء التدبير الاقتصادي"15. جعل هذا الخلط، في اعتقادنا، عددًا من المساهمين في الكتاب يصنِّفون تحت خانة الشعبوية تيارات وزعماء سياسيين، لا يُنظر إليهم عادةً على أنهم شعبويون، كالزعيم الفاشي موسوليني، وذلك بغضّ النظر عن المقاربة النظرية التي يُنطلق منها لتعريف الشعبوية. فالفاشية لا تصنَّف باعتبارها شعبوية لا في المقاربة الفكرية التي طوّرها كاس موده16 ولا في مقاربة التحليل الخطابي لأرنستو لكلاو17، وهما أكثر المقاربات انتشارًا ونفوذًا في حقل دراسة الشعبوية، رغم أنهما تحضران بقوة في الفصلين المذكورين اللذَين يسعيان لتأطير الكتاب نظريًّا. فكما هو مُجمَع عليه حول مفهوم الشعبوية، يُعتبر التضادّ بين الشعب والنخب جوهريًا في كل أنواع الشعبوية، في حين أنّ الفاشية بوصفها أيديولوجيا متكاملة الأركان تجعل من المفهوم المركزي لها أولًالدولة، وليس الشعب. ثانيًا، يبرز أيضًا غياب "الثبات المفاهيمي" بين فصول الكتاب على نحوٍ جليّ عند الوقوف على الحالات التي اختيرت للدراسة في الفصل الحادي عشر الذي يقترح علينا استجلاء مظاهر الخطاب الشعبوي لدى حكام إنكلترا وروسيا عند تنظيم كأس العالم سنتَي 1966 و 2018

  1. 15 موده وكاتواسر، ص.22
  2. Cas Mudde, "The Populist Zeitgeist," Government and opposition , vol. 39, no. 4 (2004), pp. 541-563.
  3. Ernesto Laclau, "Populism: What's in a Name?," Populism and the Mirror of Democracy , vol. 48 (2005).

على التوالي. فبغضّ النظر عن عدم وضوح الدوافع أمام اختيار الحالتين للمقارنة بينهما - أي لماذا إنكلترا وروسيا؟ وهل حقًّا الحالتان قابلتان للمقارنة؟ - فإنّ ما يبعث على الحيرة أكثر أنه يصعب تصنيف الحكّام المعنييّن في خانة الحكومات الشعبوية. يعكس هذا الأمر في الحقيقة أحد المطبّات التي يقع فيها البعض عند تعامله مع مفهوم الشعبوية؛ أي اعتبار أنّ أيّ حضور للخطاب المجيّش للفخر القومي أو أيّ إحالة على الشعب في الخطاب السياسي يكفيان لتوصيف الخطاب بالشعبوي. ويؤدي هذا الأمر في المحصلة إلى استحالة إيجاد زعيم أو حزب سياسي واحد لا يمكن تصنيفه بالشعبوي، لحضور مثل هذه العناصر الخطابية، وإن بدرجات متفاوتة، لدى كل الفاعلين السياسيين؛ أي إنّ الشعبوية تصبح موجودة في جميع التيارات السياسية، على نحوٍ يُفقد بالضرورة هذا المفهوم أيّ قيمة تحليلية وعلمية. بعبارة أخرى، إننا نعتبر أنّ عددًا من المساهمات في الكتاب لم ينتبه إلى ما أشار إليه عزمي بشارة في كون "القضايا التي يتمحور الخطاب الشعبوي... حولها، تشغل أيضًا الأحزاب المركزية"18. ومن هنا، لا يكفي ظهور بعض المواضيع التي تحضر في خطاب شعبويّي اليمين أو اليسار لاعتبار مستخدمها شعبويًّا. فبالرجوع إلى تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، كبطولة كأس العالم لكرة القدم، نجد أنّ الحكومات، بغضّ النظر عن طبيعتها وتوجّهها الأيديولوجي، تسعى دومًا لتحقيق أهداف مرتبطة بتعزيز الفخر القومي وتحسين صورتها في الخارج من دون أن يكون ذلك مث لً يمكن النظر إليه بوصفه تمظهرًا من تمظهرات الشعبوية في الحقل الرياضي، والدليل على ذلك أنّ الكتاب أشار إلى عنصر الفخر القومي وتلميع الصورة الخارجية للبلد باعتبارها عناصر تفسّ سعي البرازيل لتنظيم كأس العالم سنة 2014 وأولمبياد 2016، من دون أن يصنَّف الرئيس لولا دا سيلفا شعبويًا.

المراجع

العربية

أمنكاي، عبد الكريم. "شعبويو السلطة وجائحة كورونا بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب: حالة الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترامب"، سياسات عربية (أيار/ مايو).2021 بشارة، عزمي. في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 موده، كاس وكريستوبل روف ارر كاتواسر. مقدمة مختصرة في الشعبوية. ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.

الأجنبية

Brainer, Alan, John Kelly Jung Woo Lee (eds). Routledge Handbook of Sport and Politics. London / New York: Routledge, 2020. The Editors of Encyclopaedia Britannica. Encyclopaedia Britannica. 31/7/2022. at: https://bit.ly/3u2thyr Clift, Bryan Alan Tomlinson. Populism in Sport, Leisure, and Popular Culture. London/ New York: Routledge, 2022. Mouffe, Chantal. For a Left Populism. London/ New York: Verso, 2018. Mudde, Cas Cristóbal Rovira Kaltwasser. "Exclusionary Comparing Populism: Inclusionary vs. Contemporary Europe and Latin America." Government and Opposition. vol. 48, no. 2 (2013). Mudde, Cas. "The Populist Zeitgeist." Government and opposition. vol. 39, no. 4 (2004).