القبلية والجهوية وتعّثر بناء الدولة الحديثة في ليبياّ

Tribalism, Regionalism, and the Stumbled Building of the Modern State in Libya

هاني موسى| Hani Mousa *

الملخّص

تأتي هذه الدراسة ضمن سياق البحث في أزمة بناء الدولة العربية عمومًا، وليبيا على نحو خاص، التي تعاني منذ بدء ثورات الربيع العربي (2011) انسدادًا سياسيًا واحترابًا داخليًا وتعثّرات في التسويات بين مكوّنات الفضاء السياسي، تتغير صعودًا وهبوطًا، من دون أن تنجح في استكمال بناء الدولة وتكوين نظام سياسي جامع، أو إنتاج هوية وطنية موحدة. وتحاول هذه الدراسة البحث في معوّقات استكمال بناء الدولة الحديثة في ليبيا، وتحديد مدى تأثير العامل الجهوي ودراسة موقع القبيلة في عرقلة بنائها. وتنطلق من فرضية أساسية، مفادها أن ليبيا تعثّرت، ولم تسلك مسارًا تدريجيًا في تكوين الدولة الحديثة، ولم تجتز مراحل التحوّل السياسي اللازمة لذلك؛ ما جعلها تبقى حبيسة ولاءات ضيّقة تقطع الطريق على تعزيز الانتماء للدولة. وتخلص إلى أن مسار بناء الدولة المتعثّر، ارتبط بمحددات قبلية وجهوية تقاطعت مع عوامل خارجية.

Abstract

This study is about the state-building impasse in the Arab World in General, and in Libya in particular. These states have suffered, since the beginning of the Arab Spring, from lack of political prospects, eruptions of civil wars, and obstacles of political settlements among different actors in the public space. These elements have inhibited the achievement of state building, the formation of a pluralist political system and the realization of an integrated national identity. This study endeavors to analyze the obstacles that have obstructed state-building in Libya until now. It focuses on tribalism and regionalism as main obstacles to that process. In addition, it analyzes the role of external factors and actors in the light of tribalism and regionalism. It argues that state-building in Libya has stumbled and has not followed a gradual path of modern state-building and formation, and it has not gone through the necessary stages of political transition. The former has trapped Libya within narrow loyalties which are short of the wider loyalties necessary for the national state.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

تنطلق هذه الدراسة، في تناولها موضوع تعّثر بناء الدولة الحديثة1في ليبيا، من الواقع الراهن الممتد منذ عام 2011؛ جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا، الذي يُشكل امتدادًا للتكوين الاجتماعي والتقسيم الجهوي. فقد شهدت الوحدة السياسية الليبية، تاريخيًا، مسارات صعبة وانتكاسات عدة، حدّت من القدرة على بناء دولة وطنية تتمكّن من فرض سيادتها على كامل إقليمها وشعبها، ومواجهة التحديات في علاقاتها الداخلية والخارجية، على حد سواء. فما تشهده ليبيا في الوقت الراهن من صراعات وانقسامات داخلية وحرب أهلية وتدّخلّات خارجية إقليمية ودولية، يعكس عمق الأزمة التي باتت تُهدّد وحدة الدولة الليبية وسلامة أراضيها. وتنبع أهمية هذه الدراسة من محاولتها تأصيل أزمة بناء الدولة الليبية الحديثة والوقوف على إرهاصاتها ومعوّقاتها وأهم تجلياتها. كما تنبع أهميتها من محدودية الدراسات التي تناولت الموضوع بالتحليل المطلوب، وهو ما قد يُشكل مدخلًا للباحثين في الشأن الليبي، لفهم المحددات البنيوية والسياق التأسيسي للأزمة الراهنة وإضاءة للنخبة السياسية الليبية، خاصةً في ظل صعود حالة الانسداد السياسي في البلاد وهبوطها. فالدولة تعّثتر، وقد يكون ذلك مرتبطًا بعدم ترسّخ مفهومها وكيانها عند الليبيين، نظرًا إلى وجود انتماءات قبلية وجهوية ضيّقة تقطع الطريق على الانتماء للدولة. تتميز هذه الدراسة باحتوائها على مفاهيم سياسية واجتماعية عابرة للتخصصات؛ إذ لم تقتصر على تناول الأبعاد الاجتماعية للقبلية والجهوية فحسب، وإنما تناولت أبعادهما السياسية أيضًا. وتضيف بُعدَين على الدراسات السابقة: الأول، أن تلك الدراسات لم تُعالج على نحو مُعمّق تجربة ليبيا بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، التي لا تزال الدراسات بشأنها محدودة. والثاني، أن هذه الدراسة تركز على أثر العوامل الاجتماعية في الأبعاد السياسية، فهي لا تتعامل مع القبلية والجهوية من منطلق القالب التقليدي الجامد، بل على أنهما مساحات من الفعل الدينامي المتحرك والمنتج آثارًا سياسية. ويسمح هذان البعدان بالإسهام في تحديد دور كل من العامل الجهوي والقبليي في تعّثر بناء الدولة الحديثة في ليبيا. ويتم ذلك عبر تحليل موقع العاملين على طول خط سير التكوينات السياسية، وعلى تتابع الحقب السياسية المختلفة. وقد يُساعد ذلك في تحقيق الهدف الرئيس لهذه الدراسة، المتمثل في البحث في معوّقات استكمال بناء الدولة الحديثة في ليبيا. سارت الدراسات السابقة بمسارات مختلفة؛ فذهب بعضها بمسار تاريخي في تناوله الحالة الليبية، مثل دراسة عليي احميدة2. وذهب بعضها الآخر بمسار شمولي عام، لم تمنح فيه الحالة الليبية حقّها بالتحليل المطلوب، ولا سّيمّا في فترة ما بعد معمر القذافي (2011-1969)، مثل دراسة عبد الإله بلقزيز3. في حين حاول بعض الدراسات التأطير نظريًا لحالة الدولة العربية، مثل دراسة برهان غليون4. وهناك دراسات أخذت المنحى الوصفي في البحث بالشأن الليبي، مثل دراسة محمد الشيخ5. في المجمل، لم تأخذ الدراسات السابقة المسار التحل ليي لتطور العلاقة بين القبيلة والدولة من جهة، وخصوصية الجهوية في السياق الليبي من جهة أخرى. وبناءً على ما يكتنف الحالة الليبية اليوم من احتراب داخليي وتفكك يعتري مفاصل الدولة كلها، يتمحور النقاش في هذه الدراسة حول إشكالية رئيسة، تتعلق ببحث أثر عامَلي القبلية والجهوية في إخفاق تكوّن الدولة الليبية الحديثة، ويتفرع من ذلك التساؤلات الآتية: ما خريطة التكوين الجهوي في ليبيا؟ وكيف أثرت البنية الاجتماعية الليبية في تكوين الثقافة السياسية؟ وكيف أسهمت الثقافة السياسية السائدة في ليبيا بتعّثر بناء الدولة الحديثة؟ ولماذا لم تتمكّن ليبيا من تجاوز القبلية والجهوية في بناء دولتها الحديثة؟ تنطلق الدراسة في معالجة هذه الإشكالية من فرضية أساسية، مفادها أن عدم نجاح الدولة الليبية، منذ نشأتها الحديثة، في تفتيت الهوية القبلية والولاءات الجهوية المتحكمة في مفاصل حياة المجتمع الليبي، حال دون تمكّنها من توليد هوية وطنية جامعة، تصهر الليبيين في مواطنيةٍ مُوِحّدة وجامعة؛ ما أضعف البنيان الدولاني، وحال دون ترسيخ الدعائم والأركان الضرورية لبناء الدولة الليبية الحديثة. فقد استمرت الهويات الفرعية، القبلية والجهوية، بثقافتيها

  1. تجدر الإشارة إلى أن الدولة الحديثة بُنيت على أساس أن تكون دولة أمة. تامرس السيادة على كامل إقليمها وشعبها، وتتّسم بالتجانس وانفتاح مكوّناتها بعضها على بعض. ظهرت الدولة الحديثة بعد مؤتمر وستفاليا في عام 1648، ومنذ ذلك الحين، تطوّرت هياكلها تدريجيًا، حتى باتت في الوقت الراهن ترتكز في شرعيتها على منظومة من المؤسسات المنتخبة ديمقراطيًا. تدير المجتمع بأدوات وقواعد قانونية وبنى مؤسسية حديثة، بعيدة عن
  2. عليي عبد اللطيف احميدة، "دولة ما بعد الاستعمار والتحّولّات الاجتماعية في ليبيا "، تبين، مج 1، العدد 1 (آب/ أغسطس 2012)، ص.180-165
  3. عبد الإله بلقزيز، "مشكلات ما بعد سقوط نظام القذافي"، المستقبل العربي، السنة 34، العدد 393 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2011)، ص.121-119 4 للمزيد يُنظر: برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 35 -.46 5 محمد عبد الحفيظ الشيخ، "ليبيا بين الصراع السياسي والصراع المسلح: التحديات والآفاق"، مجلة دراسات شرق أوسطية، مج 19، العدد 71 (2015)، ص 13 -.39
  4. الاعتبارات الضيقة، الشخصية والعرقية والجهوية والطائفية، حفاظًا على التعددية والتعايش السلمي بين مختلف مكوّناتها المجتمعية. يراجع: ياسر أبو حسن، "الدولة القومية الحديثة
  5. الراشدة: المفاهيم والمعايير والمتطلبات"، مجلة دراسات مجتمعية، العدد 15 (حزيران/ يونيو 2016)، ص.105

السياسية والاجتماعية المفككة، مهيمنة على فكرة الهوية الوطنية الجامعة؛ ما أبقى البلاد حبيسة أزمة داخلية مزمنة، أجّجت بتدخلاتٍ خارجية مركّبة. تحاول الدراسة تفسير تعّثر بناء الدولة الحديثة في ليبيا من خلال المنهجين: الوصفي التحل ليي الذي يُساعد في فهم الواقع الليبي، سياسيًا واجتماعيًا، والمنهج التاريخي الذي مُيّ كّن من الرجوع إلى أبرز الوقائع والأحداث التاريخية، لتوضيح إرهاصات مسار الأزمة وتطوّرها، والتعرّف إلى مكوّناتها الاجتماعية والسياسية. إلى جانب ذلك، تطلّبت الدراسة إحالات منهجية مركبة، من خلال الاستناد إلى مداخل منهجية بنائية وظيفية، على مستوى قراءة تحّولّات المركبات موضع الدراسة، مثل القبلية والجهوية والبنى السياسية، ومحاولة تحليل العلاقة والتفاعلات بين هذه الفواعل. ومن أجل تأصيل الموضوع المبحوث، تطرح الدراسة مدخلًا نظريًا حول الدولة، قد يُساعد في تفسير حالة التعثر التي تشهدها ليبيا في الوقت الراهن وتحليلها. فقد تشكّلت الدولة الحديثة بعد معاهدة وستفاليا في عام 1648، بوصفها وحدة سياسية مرتكزة على مؤسسات عامة، إدارية وقانونية وسياسية وأمنية، تمارس من خلالها السيادة على مجموعة من الأفراد ضمن حيّز جغرافي مُحدّد، وتحتكر العنف المشرّع قانونًا في إدارة المجتمع ضمن هذا النطاق. وقد خلقت المؤسسات العامة تحوّلًا في بنية الدولة ودورها، مقارنة بالبنى التقليدية السابقة. نظريًا، تحظى الدولة بالشرعية من خلال التعاقد مع الأفراد، تتوّلى بموجبه إدارة الشؤون العامة للمجتمع، من خلال اشتراع منظومة من القوانين التي يضمن تنفيذها استتباب الأمن الداخليي، إضافة إلى تأمين الحماية من الأخطار الخارجية. ومن المفترض أن تقف الدولة على مسافة واحدة من أفراد المجتمع، بغض النظر عن ماهية تجانس تركيبتهم من النواحي العرقية واللغوية والدينية6. هناك اتجاهان بارزان يفسران تكوين الدولة؛ يربط الأولنشأتها بالتطور الطبيعي والتدريجي للبنى الاجتماعية، ويرى أن تكوينها جاء تلقائيًا نتيجة التفاعلات المجتمعية الطبيعية. فالمجتمع وفقًا لهذا الاتجاه تكوّن تاريخيًا بعملية انتقال تدريجية، بدأت بوحدة صغيرة، تتمثل في الفرد، ثم تطوّرت وظهرت وحدات أخرى مثل الأسرة والعائلة والقبيلة. ومع تراكم الانتقال، نشأت وحدات أكثر تعقيدًا، مثل القرى والمدن، حتى وصل المجتمع في ذروة هذا المسار إلى تكوين الدولة بصيغتها الحديثة7. أما الاتجاه الثاني، فيرى أن تكوينها جاء اصطناعيًا، نتيجة، إما تفاعلات داخلية، وإما تأثيرات خارجية، دفعت بالأفراد والمجتمع، طوعًا أو قصرًا، إلى إقامة الدولة. نشأت الدولة في الحالة الأولىالناجمة عن تفاعلات داخلية من خلال عقد اجتماعي إرادي، رسمَ علاقات الفواعل الاجتماعية البينية، ونقل الأفراد من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية. وجاء هذا التعاقد بشكلين: إما جزئيًا، يمكّن الأفراد والمجتمع من استرداده وتعديله، وهنا تكون الدولة مقيّدة، وإما تعاقدًا شموليًا كاملًا، يُعطي الدولة سلطة مطلقة في إدارة المجتمع، على نحو يخلو من التقييد8. أما الحالة الثانية لتشُّكُل الدولة اصطناعيًا، فحديثة نسبيًا، جاءت مرتبطة بالظاهرة الاستعمارية التي برزت في القرنين التاسع عشر والعشرين. في هذه الحالة، التي تشمل تكُّوُن الدول العربية، فرض المستعمر نموذج الدولة القطرية على مجتمعات، من دون مراعاة خصوصية سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن دون أن يترك لها حرية اختيار نُظمها السياسية والإدارية، وتحديد من يحكم، وكيف يحكم، ولمصلحة من يحكم9. وبناءً عليه، فإن السياق الذي جاءت فيه الدولة في القارة الأوروبية، يختلف عن السياق الذي نشأت فيه الدولة في المنطقة العربية، فالأزمات البنيوية التي تعانيها الأخيرة، تعود، في جزءٍ منها، إلى سياق نشأتها غير الطبيعية، لما كان للاستعمار من أثر بارز في مسار تكوينها، وفي تشكيل علاقتها مع مجتمعاتها10. بتفاوتات، فشلت الدولة القطرية العربية عمومًا، في بناء هوية وطنية جامعة، ضمن الحدود الجغرافية التي رسمها المستعمر؛ ما أبقى ارتباط الأفراد بالولاءات والهويات الفرعية الضيقة، المناطقية والجهوية والقبلية، قويًا ووثيقًا، وجاء مستقطِعًا من حساب الهوية الوطنية العامة. كما فاقم نهج السلطوية في السياق العربي، الذي أدّى إلى تهميش المجتمع وعرقل مراكمة ثقافة سياسية جامعة؛ ما أنتج فشلًا في رسم السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وأدّى إلى عنف بنيوي في العلاقة بين النظام والمجتمع11.

  1. عادل مجاهد الشرجبي، "أزمة عجز الدولة وخطر انهيارها: حالة اليمن"، في: أزمة
  2. عليي الجرباوي، المعرفة، الأيديولوجية، والحضارة: محاولة لفهم التاريخ (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2021)، ص.85
  3. المرجع نفسه، ص 91، 95 -.96
  4. نزيه نصيف الأيوبي، العرب ومشكلة الدولة (بيروت: دار الساقي، 1992)، ص 27 -.29
  5. جمال خالد الفاضي، "مقاربة نظرية حول أزمة الدولة في المنطقة العربية"، تسامح، العدد 67 (كانون الأول/ ديسمبر 2019)، ص.48-47 11 شفيع بومنيجل، "هوية الدولة والمسألة الديمقراطية في الوطن العربي"، في: الدولة الوطنية المعاصرة: أزمة الاندماج والتفكيك، تحرير أحمد عوض الرحمون (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 91 -.93
  6. الدولة في الوطن العربي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع مركز كارنيغي للشرق الأوسط والجمعية العربية للعلوم السياسية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص 126 -.128

نظريًا، هناك عوامل عدة تؤثر سلبيًا في استقرار الدولة وإعادة تشكّلها، منها عامل الولاء، ويحدث ذلك عندما تكون ولاءات الأفراد لأطر ووحدات ضيقة، أقل من الدولة، قوية وسائدة. يبقى المجتمع في هذه الحالة غير منصهر، ومقسّمًا لمجموعات، ولاءاتها مفككة ومفتتة في بنى صغرى، مثل الولاء للقبيلة. كما يبرز إلى جانب مشكلة الولاء، عامل غياب التجانس، ويظهر ذلك عندما يكون إقليم الدولة غير متكامل، وغير منفتح بعضه على بعض، ويُعاني التفتت المجتمعي لجهويات منفصلة وبعيدة عن المركز، وتفتقر إلى الارتباط العضوي في ما بينها. وهذان العاملان هما الأكثر تأثيرًا في الحالة الليبية، ويشكلان عائقًا أمام تكوين دولة مواطنة حديثة12، فبناء دولة متماسكة، ومجتمع موحد لا يتطلّب وحدة حضارية ولغوية وثقافية فحسب، بل هنالك حاجة إلى وجود تواصل وترابط عضوي بين مختلف المكوّنات، من خلال بنية مؤسسية تخلق تفاعلًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا جامعًا، يتجاوز البنى القبلية والجهوية المفِّرِقة13. وعلى الأغلب، أن هذا ما أخفقت به الدولة الليبية، حيث لم تحول حالة التفكك المجتمعي إلى تعددية إيجابية بنّاءة، ينصهر فيها ما وصفه عزمي بشارة ب "الشروخ" الإثنية والطائفية14، إلى جانب القبلية والعشائرية التي تشكل عائقًا أمام نشوء مواطن فرد ومجتمع تعاقدي15. يمكن تعريف الأزمة16 في سياق بناء الدولة بأنها اختلال وظيفي، أو حالة تتعّثر فيها مجريات الأحداث في الدولة، سواء في مسارها السياسي أم الاقتصادي أم الاجتماعي أم الأمني، وقد تتداخل هذه المسارات الأربعة في تكوينها واستمرارها. وقد يؤدي هذا الاختلال إلى ضياع النمط الطبيعي، أو تشوّه الدور والسلوك الوظيفي للدولة، إضافة إلى إدخالها في حالة من عدم الاستقرار أو التعطل، ويصعب مع مرور الوقت تعديل مجراها ومسارها. وقد ترتبط الأزمة بعوامل داخلية أو خارجية، أو بالعاملين معًا، وقد تكون مادية أو معنوية، هيكلية أو بنيوية17. قد تواجه الدولة سلسلة أزمات تعرقل أي تنمية سياسية حقيقية فيها، أهمها أزمات الهوية والشرعية والتغلغل والتوزيع والمشاركة. وفي ما تأتي أزمة الهوية نتاجًا للفشل في خلق وعي جمعي مشترك بين الأفراد، تنبع أزمة الشرعية من تعطيل المشاركة السياسية وتكبيل التداول السلمي للسلطة واحتكارها. أما أزمة التغلغل، فتتمثل في عجز الدولة عن استيعاب مجتمعاتها المفككة وأقاليمها، خاصة البعيدة عن المركز، في المفاعيل المتعددة للتنمية. أما أزمة التوزيع، فترتبط بالقدرة على التغلغل، وهنا تشهد الدولة فشلًا سياساتيًا على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، مرتبطًا بانتقائية توزيع الموارد والاستثمار، الذي يستند إلى قواعد زبائنية ولائية بالعادة. في حين تأتي أزمة المشاركة مرتبطةً بالأزمات السابقة، ونابعة من احتكار السلطة، وتنتج من حرمان الأفراد وحواضنهم التمثيلية، خاصة الأحزاب، من المشاركة السياسية18. في ديناميات مواجهة أزمة الدولة الوطنية، شعبيًا ونخبويًا، قد تقف الأزمة عند الاحتجاجات على سياسات توزيع الموارد الحكومية، وقد تتصاعد وتصل إلى بنية الحكومة وتُفضي إلى تغييرها، وقد تصعد لتغيير النظام السياسي، وقد تتفاقم وتصل إلى استمرار الدولة بصفتها كيانًا ووحدة سياسية وجغرافية متماسكة، ولا سّيمّا في الحالات التي لا يكون فيها مسار بناء الدولة قد اكتمل19. ولعل ما يحصل في ليبيا حاليًا يمثّل أزمةً مركبةً على صعيد هذه المستويات كلها؛ إذ أسهمت عوامل عدة بتعقيد عملية بناء الدولة في ليبيا، وعلى الرغم من تشاركها بهذه العوامل مع عدد من دول المحيط العربية، فإنها حملت خصوصية ليبية فاقمت من أثرها، وهي عوامل ارتبطت جزئيًا، وفق ما يرى مصطفى التير، بتعّثر التحوّل نحو الحداثة في ليبيا، أهمها ذوبان شخصية الفرد في الجماعة، وليس المقصود هنا الجماعة الوطنية الجامعة، بل في الجماعات الفرعية التي عزّزها تخلّف التعليم، وكذلك ترييف المدينة وإفراغها من دورها في إنتاج الطبقة الوسطى، وطبيعة الاقتصاد الريعي الذي أنتج زبائنية وجماعات مصالح في الغالب، قبليّة20.

  1. من الجدير ذكره أن القبيلة وفق ما يرى عبد الله الغذامي تتّسم ببنية ثقافية تقليدية مغلقة، ما يعني أن أساس عصبيتها رابطة الدم والنسب، ويكون الولاء فيها للأشخاص، في حين أن أساس المواطنة هو القانون، ويكون الولاء فيها للدولة. للمزيد ينظر: عبد الله الغذامي، القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة، ط 2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص 229 -.230
  2. للمزيد ينظر: محمد جابر الأنصاري، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)،
  3. عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة
  4. عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات
  5. للمزيد حول مفهوم الأزمة ينظر: عبادة محمد التامر، سياسة الولايات المتحدة وإدارة
  6. ص 123 -.124
  7. )الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 96 -.97
  8. الوحدة العربية، 2007(، ص.245
  9. الأزمات الدولية: إيران – العراق – سورية - لبنان أنموذجًا )الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015(، ص.37 17 إدغار موران، في مفهوم الأزمة، ترجمة بديعة بوليلة )بيروت: دار الساقي، 2018(، ص 53 -.59 18 محمد شطب عيدان المجمعي، "النخبة السياسية وأثرها في التنمية السياسية"، مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية، السنة 1، العدد 4 )2009(، ص 145 -.148 19 هاني موسى، "أزمة الدولة في العالم العربي: دراسة مقارنة لحالتي العراق والسودان"، أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه، تونس، جامعة تونس المنار، 2018، ص 5. )غير منشورة( 20 مصطفى عمر التير، صراع الخيمة والقصر: رؤية نقدية للمشروع الحداثي الليبي )بيروت: منتدى المعارف، 2014)، ص.84

أولا: الطريق إلى الدولة: مسار متعّثرّ

1. أزمة التكوين السياسي في ليبيا: جذور وسياقات

شهدت ليبيا، تاريخيًا، أزمة في وحدتها السياسية، وكذلك في بناء كيانها الجامع بوصفها "دولة قومية"، وكانت قد عانت عدم استقرار البنى الإدارية والقانونية والاجتماعية قبل استقلالها. وشهدت تعاقب أنظمة حكم، من دون نضوج دولة، ذات سيادة على حدودها، بحكومة مركزية تحتكر العنف المشرّع قانونًا على كامل الجغرافيا الليبية21. وتجّلى ضعف الوحدة السياسية في انقسام ليبيا جهويًا إلى ثلاثة أقاليم رئيسة، شكّل كل منها وحدة سياسية مستقلة نسبيًا: إقليم برقة في الشرق، وإقليم طرابلس في الغرب، وإقليم فزّان في الجنوب22. في العهدين الفرعوني والفينيقي، وبالتحديد في القرن العاشر قبل الميلاد، خضع إقليم برقة للحكم المصري، بينما حكم الفينيقيون إقليم طرابلس، أما الجنوب الليبي، فحكمته قبائل مرتحِلة، كانت تُعرف باسم "الجرامانتيين"23. وبالانتقال إلى العهدين الإغريقي والروماني، لم يتغير الواقع السياسي والاجتماعي في ليبيا، حيث خضع إقليم برقة في القرن السابع قبل الميلاد، للحكم اليوناني، في حين خضع إقليم طرابلس في القرن الثاني قبل الميلاد، للحكم الروماني. استمر هذا الانقسام بين أجزاء الجغرافيا الليبية حتى انتهاء العهد الإغريقي، وخروج اليونانيين من برقة في عام 74 ق.م. منذ ذلك الحين، تمكّن الرومان من توحيد هذه الأقاليم الثلاثة تحت حكمهم، قرابة 400 عام، من خلال سطوتهم العسكرية وحكمهم المباشر24. عادت ليبيا إلى انقسامها بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية في عام 435 م، حيث خضعت برقة لبيزنطة، بينما خضعت طرابلس وفزان لروما25. وفي ظل الحقبة الإسلامية التي امتدت حتى القرن السادس عشر ميلادي، لم تنشأ في ليبيا سلطة مركزية على كامل التراب الليبي؛ إذ كانت الأقاليم الليبية تابعة لمراكز القوى الإسلامية المتعاقبة، فإقليما برقة وفزان كانا في معظم فترات الحكم الإسلامي تابعين لمصر، بينما كان إقليم طرابلس تابعًا لإمارة أفريقيا التي تركّزت في تونس. وعزّز هذا الغياب للسلطة المركزية مكانة الوحدات السياسية (الأقاليم)، والتقليدية (القبائل)، والمناطقية (الجهوية) في ليبيا، وأضعف فرصة اندماجها في إطار دولة مدنية واحدة26.

2. اللامركزية الإدارية وتعزيز الجهوية والقبلية: الحقبة العثمانية

خضعت ليبيا للدولة العثمانية لأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن)1911-1551(27. تخلّل هذه الفترة خضوع ليبيا لحكم عائلة القرمانلية، ذات الأصول التركية، التي استطاعت بنفوذها بناء ولاءات قبلية ليبية، أوصلتها إلى الحكم في عام 1711، واستمر حتى عام 1835. قابلت الدولة العثمانية ذلك بالاحتواء، تجنّبًا للصدام مع هذه العائلة المسيطرة، وضمانًا للعوائد الضريبية لإسطنبول التي تعهّدت بها هذه العائلة أسوةً بباقي الولايات الخاضعة للدولة العثمانية، خاصة "العربية" منها28. اعتمدت الدولة العثمانية، في تعاملها مع ليبيا، نموذج الإدارة اللامركزية29، فاكتفت بالإشراف العام، من خلال ولُاة يتبعون للباب العالي مباشرة، يعتمدون في حكمهم، أسوةً بتعامل الإمبراطورية العثمانية مع بقية ولاياتها، على وكلاء محليين – زعماء قبائل، ورجال دين وأعيان وأصحاب نفوذ - دورهم الأساسي ضبط مجتمعاتهم المحلية وجباية الضرائب لمصلحة الباب العالي. وقد شهدت ليبيا

  1. يجدر التوضيح أن بدايات تسمية ليبيا بهذا الاسم تعود إلى العهد الإغريقي القديم، حيث أطلقه اليونانيون على الأراضي الواقعة في شمال القارة الأفريقية. ومع مرور الزمن، وتعاقب الحضارات والحقب، أصبحت هذه التسمية مقتصرة على خريطة ليبيا الحالية فحسب، أي على الأراضي الواقعة غرب مصر، وصولًا إلى تونس. وقد أخذت هذه التسمية
  2. شوقي عطا الله الجمل، المغرب العربي الكبير من الفتح الإسلامي إلى الوقت الحاضر: ليبيا – تونس – الجزائر - المغرب الأقصى (مراكش) (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2009)، ص.127
  3. للمزيد حول موضوع الجرامانتيين، ينظر: مبروكة سعيد الفاخري، "المملكة الجرمية في فزان منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى القرن السادس الميلادي"، مجلة جامعة سبها للعلوم الإنسانية، مج 14، العدد 2.)2015(
  4. محمد يوسف المقريف، ليبيا بين الماضي والحاضر: صفحات من التاريخ السياسي، ج 1: ميلاد دولة الاستقلال، مج 1 )أكسفورد: مركز الدراسات الليبية، 2004(، ص 40 - 42،
  5. المرجع نفسه.
  6. فتحي حسن نصار، ليبيا من الاحتلال الأسباني حتى الاستقلال - 1510 51 19 )القدس: دار الجندي للنشر والتوزيع، 2015)، ص.17-15
  7. الجمل، ص.130 - 129 28 نصار، ص.70 - 69 29 يجدر التوضيح أن الدولة العثمانية تعاملت مع ليبيا أسوة بباقي ولاياتها العربية، مع الأخذ في الحسبان حدوث تباينات في طريقة إدارتها لبعض الولايات بين فترة زمنية وأخرى. فقد اعتمد العثمانيون نظامًا سياسيًا خاصًا بالولايات العربية، حيث قُسّمت هذه الولايات إلى 24 إيالة ضمن نطاق هذا النظام، كانت طرابلس واحدة منها، وكان لكل إيالة والٍ مسؤول عن إدارة شؤونها، ويُدرج تحت سقفه أربعة مستويات إدارية؛ الأولمجلس الديوان الذي كان يتألف من كبار الموظفين في المجال العسكري والقضائي والديني والاقتصادي. في حين تمثل المستوى الثانيفي الحامية العثمانية التي اختص دورها في مهمات تنفيذية وأمنية ضمن نطاق الولاية. أما المستوى الثالث، فقد تجّلى في حكام السناجق والمقاطعات، وكان هؤلاء الحكّام يمثّلون الوالي في إدارة مناطقهم وأقاليمهم، وكانوا مسؤولين في الوقت ذاته عن تأمين الضرائب للوالي. وبالانتقال إلى المستوى الرابع، فكان يتمثل في زعماء العشائر والقبائل، وأدّى هؤلاء دورًا مهمًا في ضبط المجتمعات المحلية، ولا سّيمّا البعيدة منها والنائية. يُنظر: المرجع نفسه، ص 39 -.40
  8. طابعًا رسميًا في عام 1934، في الوقت الذي كانت ليبيا تحت وطأة المستعمر الإيطالي. يراجع:
  9. نيكولاي إيليش بروشين، تاريخ ليبيا من نهاية القرن التاسع عشر حتى عام 1969، ترجمة عماد حاتم (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2001)، ص.25

إبان عهدي الحكم العثماني الأول (1711-1551) والثاني (-1835 1911)، تغّير ات سريعة في ولاتها، تحقيقًا لسياسة الباب العالي في الحفاظ على تبعيّتهم وولائهم، والحدّ من فرصة خروجهم عن نطاق السيطرة العثمانية30. كان هذا النوع من الحكم والإدارة عاملًا مساعدًا في تكريس القبلية والجهوية على الأراضي الليبية؛ إذ استمرت الوحدات السياسية (الأقاليم) في وجودها بحالة انفصال نسبي، بعضها عن بعض، إذا ما تم استثناء فترة حكم العائلة القرمانلية (1835-1711)31. وفي ظل هذا الواقع، برز دور الوكلاء المحليين الذين ساهموا في تعزيز الولاءات الضيّقة من جهة، واستفحال ظاهرتي الفساد والصراع على السلطة من جهة ثانية. وأدى ذلك إلى تراخي قبضة الباب العالي على بعض الأقاليم والولايات، وتجّلى، كما ذُكر سابقًا، في سيطرة القرمانليين على إيالة طرابلس وزيادة حدّة التدّخلّات الخارجية في أراضي الدولة العثمانية نتيجة بروز الظاهرة الاستعمارية32. انتقلت الدولة العثمانية في عام 1835 إلى الحكم المباشر في ليبيا، وتبع ذلك ربط إقليم برقة بالباب العالي مباشرة، بعد فصله عن ولاية طرابلس في عام 1879، فمُنح حكمًا ذاتيًا، وأصبحت مدينة بنغازي مركزًا له. لكن هذا التغّير في نمط الحكم والإدارة، لم يُخرج الليبيين من أزماتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية33. وهنا بدأت تظهر في ليبيا، وتحديدًا في برقة، حركة دينية صوفية إصلاحية، عُرفت باسم الحركة السنوسية، نسبة إلى مؤسسها محمد بن عليي السنوسي، صاحب الأصول الجزائرية34. كان الهدف المعلن من نشأة السنوسية، محاولة تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في الأقاليم العربية الخاضعة للحكم العثماني من جهة، والتصدي للتغلغل الاستعماري في هذه الأقاليم من جهة ثانية. وتركّز نشاطها في المناطق الليبية البعيدة عن المركز، مثل الواحات والتجمعات البدوية والريفية، وبدأت تجلّياتها بإنشاء نظام الزوايا في هذه المناطق. فالزاوية هي نظام سياسي صغير، كان ذا بعد ديني، ارتكز على بنية قبلية. وقد شكّلت الزوايا في ليبيا وحدات شبه إقطاعية، وأصبحت مع مرور الوقت إمارة ذات طابع ثيوقراطي. استمر هذا الوضع السياسي المرتبط بحكم العائلة السنوسية حتى وقوع ليبيا تحت الاستعمار الإيطالي في عام 191135.

3. الجهوية والقبلية بوصفهما أدوات استعمارية

لم تستَقلّ ليبيا بعد انتهاء الحكم العثماني على أراضيها، بل وقعت تحت الاحتلال الإيطالي لفترة زمنية قاربت الثلاثة عقود (-1911 1940). وتُقسم هذه الفترة إلى قسمين: الأولفترة ما قبل الحكم الفاشي الإيطالي (1922-1911)، و الثانيفترة ما بعد الحكم الفاشي (1940-1922). فخلال الفترة الأولى، عانت ليبيا غياب الوحدة بين مكوّناتها، وتجّلى ذلك في نشوء حكم ذاتي للسنوسيين في برقة، بدعم إيطالي، ونشوء جمهورية صغيرة في طرابلس بضغط من الوجهاء السياسيين التقليديين في المدينة ومحيطها. كان هدف المستعمر من دعم إنشاء هذه الكيانات تفتيت الهوية الوطنية الليبية وزيادة حدة التناقضات السياسية والقبلية والجهوية في المجتمع الليبي. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الكيانات لم تستمر طويلًا، ففي الفترة الثانية، أنهى المستعمر الإيطالي الاستقلال الجزئي في برقة وطرابلس، وأخضع الأقاليم الليبية الثلاثة لحكمه المباشر، في محاولة منه للتوسع وزيادة رقعة سيطرته المباشرة36. عانت الحركة الوطنية الليبية غياب التماسك في صفوفها خلال الفترتين الاستعماريتين الأولى والثانية. تجّلى ذلك في انقسام الليبيين بين مؤيد للتفاوض والمهادنة مع المستعمر، مثل قيادة الحركة السنوسية بعد انقسامها في عام 191637، ومعارض لهذا النهج السلمي في التعامل مع الاحتلال، مثل القبائل والزوايا السنوسية ومجموعات الطوارق التي انتظمت للقتال ضد المستعمر. كما عانت الحركة الوطنية تفوّق المصالح الضيّقة على المصالح الوطنية العليا، فمن جهة سعت الحركة السنوسية على نحو مستمر، وتحديدًا خلال الفترة الأولى التي سبقت الحكم الفاشي، للارتقاء بالحكم الذاتي وتحويله إلى إمارة دينية خاصة، ومن ثم الاستحواذ الكامل على إقليم برقة؛ ومن جهة ثانية، استفحل الخلاف والتنافس على الزعامة بين وجهاء الأعيان والقبائل

  1. المرجع نفسه.
  2. تجدر الإشارة إلى أن ليبيا شهدت في ظل حكم القرمانليين حكمًا مركزيًا، كان من أهم تجلّياته خضوع أقاليمها كلها لطرابلس المركز.
  3. نصار، ص.109 - 108
  4. تجدر الإشارة إلى أن الأوضاع الصعبة التي شهدتها ليبيا منذ مطلع القرن التاسع عشر،
  5. بروشين، ص 58 - 59،.70
  6. المرجع نفسه، ص 69 - 72،.91 36 بشرى خير بك وعقيل نمير، تاريخ الوطن العربي المعاصر "المغرب العربي" (دمشق: جامعة دمشق، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2016-2015)، ص 196، 206،.217
  7. والتي تمثّلت في تفاقم أزماتها الاقتصادية والأمنية، وحدوث تفكك في أوساط نخبتها السياسية الحاكمة، وخروج بعض الأقاليم والمناطق، مثل فزّان، وانفصالها عن حكم العائلة القرمانلية، وعدم قدرة هذه النخبة على الإيفاء بالتزاماتها المالية والضريبية تجاه الباب العالي، واقتراب المستعمر الأوروبي من الحدود الليبية، دفع ذلك كله العثمانيين إلى التدخل المباشر لإنهاء حكم القرمانليين، ووضع ليبيا تحت إدارتهم المباشرة. يراجع: الجمل، ص.141-137
  8. تجدر الإشارة إلى أن الحركة السنوسية شهدت انقسامًا في عام 1916 بين الفريق الداعم للمقاومة المسلحة في مواجهة المستعمر، بقيادة أحمد شريف السنوسي، والفريق الداعم للتسوية السياسية مع المستعمر، بقيادة إدريس السنوسي، وقد حُسم هذا الخلاف لمصلحة الأخير.

على مستوى مدينة طرابلس، وإقليمي برقة وطرابلس على مستوى ليبيا. وعلى الرغم من هذا التشتت في المشهد السياسي الليبي، فإن مقاومة المستعمر كانت جليّة في بروز حركة عمر المختار في عشرينيات القرن العشرين38. وقد شهدت ثلاثينيات القرن العشرين تراجعًا في حركة المقاومة الليبية، وقد ارتبط ذلك بالحملة الإيطالية العنيفة على هذه الحركة وحاضنتها الشعبية، وتجّلى ذلك في إعدام زعيمها عمر المختار في عام 1931، ونفي قادة الحركة السنوسية إلى الخارج ووقف نشاط الزوايا السنوسية بإغلاقها، وفرض حكم عسكري مباشر على كامل الأراضي الليبية39. استمر هذا الواقع الليبي حتى بدأت الحرب العالمية الثانية في عام 1939، عندما اصطدمت إيطاليا مع كل من بريطانيا وفرنسا على الأراضي الليبية، وانتهى هذا الصدام بوقوع برقة وطرابلس تحت حكم المستعمر البريطاني في عام 1943، وكذلك وقوع إقليم فزّان الجنوبي تحت حكم المستعمر الفرنسي. ولم يختلف هذا الاستعمار الجديد لليبيا عن سابقه من حيث تغييب دور الليبيين في إدارة شؤونهم، وتعزيز الانقسام بين المكوّنات الليبية وفقًا لأسس قبلية وجهوية40. طرأت مستجدات عديدة على وضع ليبيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945. فمن جهة، وللخروج بصيغة واضحة حول مستقبل ليبيا في ظل تسارع وتيرة الاستقلال في العالم العربي وأفريقيا، شهدت ليبيا حراكًا داخليًا بين مختلف مكوّناتها السياسية41. في إطار هذا الحراك، برز موقف الحركة السنوسية التي أعادت طرح رؤيتها السياسية، المتمثلة في إقامة إمارة في ليبيا، معتبرةً أن إقليم برقة سيشكل نواة هذه الإمارة. ومن جهة ثانية، أدّى عدم اتفاق القوى السياسية الليبية حول قضيتي الوحدة والإمارة السنوسية42، وكذلك عدم اتفاق القوى الاستعمارية على الترتيبات المتعلقة بمستقبل ليبيا، إلى تدويل الملف الليبي ونقله إلى هيئة الأمم المتحدة. وقبل صدور قرار دولي يُحدّد مستقبل ليبيا، اتّخذت الحركة السنوسية خطوة استباقية، أعلنت من خلالها عن استقلال إقليم برقة في آذار/ مارس 1949، وشرعت في خطوات عملية لترجمة إعلانها مثل إنشاء حكومة وبرلمان وإصدار جنسية خاصة بأهالي برقة. عزّزت هذه الخطوة التي حظيت بقبول بريطانيا ودعمها، انقسامَ المشهد السياسي الليبي، ودفعت الأمم المتحدة، في العام نفسه، إلى تحديد سقف زمني لاستقلال ليبيا بأقاليمها الثلاثة، لا يتجاوز عام 195243.

4. معضلة بناء الدولة الحديثة: من البنى التقليدية إلى البناء الجامع

استقلّت ليبيا في عام 1951، في العام نفسه الذي وُضعت فيه أول مسَّوَدة دستورية، بالتزامن مع تفاعلات داخلية وخارجية حدّدت الشكل الاتحادي للدولة الليبية، بنظامها الملكي. ووقع الاختيار على إدريس السنوسي ليصبح ملكًا على ليبيا، بأقاليمها الثلاثة. شهد العهد الملكي مرحلتين زمنيتين: الأولىامتدت من الاستقلال حتى عام 1963، في حين امتدت المرحلة الثانية حتى سقوط الملكية في عام 1969. أفرز هذا التقسيم تحوّلًا في البنية الدستورية والإدارية، وذلك بالانتقال من دولة اتحادية مركّبة، هي المملكة الليبية المتحدة، إلى دولة بسيطة موَّحَدة في عام 1963 هي المملكة الليبية. عانت الدولة الناشئة، قبل التعديل الدستوري في عام 1963، انقسامَ مركز قرارها السياسي والإداري بين مدينتي طرابلس وبنغازي، العاصمتين السياسيتين للدولة الليبية وفق دستور عام 1951. وقد أضعف ذلك قدرة النظام الملكي على ربط المكوّنات الليبية (الأقاليم) بالمركز، وشكّل نوعًا من عدم التوازن في التمثيل السياسي بين هذه المكوّنات، وأدّى إلى انقسام الولاءات السياسية والوطنية في بيئة تعاني النعرات القبلية والجهوية. وقد عزّز ذلك الانقسام من مظاهر التباعد والجهوية، وأضعف القدرة على بناء مجتمع سياسي حديث قائم على الديمقراطية والتعددية والمواطنة44. أدركت النخبة السياسية، في نهاية الحقبة الملكية، الحاجة إلى بناء مجتمع سياسي فاعل، يتجاوز المعوّقات القبلية والجهوية، فبدأ العمل على تحويل مدينة البيضاء الليبية عاصمةً للإجماع، بدلًا من طرابلس وبنغازي. لكن جاءت ثورة أيلول/ سبتمبر 1969 لتنهي هذه المحاولة. وبالمجمل، لم يخرج نمط الحكم عن طابعه التقليدي القبليي – الزبائني - الجهوي، على الرغم من البدء بتحديث الهياكل والمؤسسات الناظمة للتعليم والاقتصاد، خاصة مع دخول ليبيا نادي الدول المصدّرة للنفط

  1. المرجع نفسه، ص 192 - 195، 211 -.215
  2. جيف سيمونز، ليبيا والغرب من الاستقلال إلى لوكربي، ترجمة وتقديم نقولا زيادة (أكسفورد: مركز الدراسات الليبية، 2013)، ص 19 -.20
  3. خليل حسين، التاريخ السياسي للوطن العربي، تقديم محمد المجذوب (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2012)، ص.643
  4. يجدر التوضيح هنا أن من أهم الفواعل السياسية الليبية التي نشأت في برقة كان المؤتمر الوطني الذي أسّس في عامُ 1948 بتدخل مباشر من قائد الحركة السنوسية محمد إدريس السنوسي. وقد جمع هذا المؤتمر في إطاره الأطر والجمعيات السياسية كلها التي برز نشاطها في برقة بعد الحرب العالمية الثانية، لعل أبرزها جمعية عمر المختار ورابطة الشباب والجبهة الوطنية. أما في طرابلس، فقد برزت قوى سياسية عديدة لم تتفق في ما بينها مع رؤية المؤتمر الوطني في برقة، والقائمة على قبول هذه القوى بإقامة الإمارة السنوسية في ليبيا، وهو شرط مسبق لتحقيق الوحدة الليبية. وكان من أبرز القوى المعارضة لهذا الطرح الحزب
  5. المرجع نفسه، ص.39 - 36 43 حسين، ص.644
  6. الوطني في طرابلس، وكذلك الكتلة الوطنية الحرة. يراجع: سيمونز، ص.39
  7. احميدة، ص.170 - 169

في ستينيات القرن العشرين، وهي تحّولّات أفضت إلى ولادة طبقة وسطى، شكّلت تحديًا للوضع القائم. كما تأثر الفضاء السياسي الليبي بالتحّولّات الجذرية المحيطة في الوطن العربي، وأهمها سقوط الملكيات لمصلحة نُظم ثورية أقرب إلى الطبقة الوسطى، وهذا ما خلق تفاعلات ثقافية وسياسية وفكرية، أفضت إلى تقويض نظام الحكم الملكي، ودفع التحول إلى النظام الجمهوري في عام 196945.

5. القذافية السياسية: الجهوية والقبلية بوصفهما أدواتٍ للسيطرة

على الرغم من التحّولّات الدستورية التي جرت في العهد الملكي، فإن أزمات النظام السياسي الليبي بقيت حاضرة، مع عدم تحقيق التطلّعات السياسية والقومية لليبيين، خاصة تطلّعات الطبقة الوسطى الناشئة. فتمكّنت مجموعة من الضباط العسكريين، أطلقت على نفسها اسم "الضباط الوحدويون الأحرار"، بقيادة الملازم أول معمر القذافي، من إطاحة الحكم الملكي السنوسي في عام 1969. استندت الثورة التي أصبحت تُعرف ب "ثورة الفاتح"، إلى ثلاثة مرتكزات؛ وهي: السياسي الداعي إلى وحدة البلاد والديمقراطية والتمثيل الشامل، والاجتماعي القائم على العدالة والتمكين، والاقتصادي القائم على محاربة الرأسمالية. لم تتُرجم هذه الوعود على الأرض، حيث اتّسم النظام الجديد بالسلطوية ومعاداة التحديث السياسي، وتجّلى ذلك في رفض التعددية السياسية والفكرية واستبعاد النخب التكنوقراطية وملاحقتها، والتعامل الأمني مع القوى المعارضة46. وفي الوقت نفسه، فرض القذافي نمطًا جديدًا من الحكم، تجّلى في نظريته العالمية الثالثة، التي تقوم في جوهرها على خليط من الماركسية والماوية والاشتراكية العربية47. اتّضحت سلطوية نظام القذافي في أسلوب الحكم الذي اتّبعه، على الرغم من محاولته إخفاء معاداته لعملية التحديث السياسي في ليبيا، حيث اخترع مُسمّيات جديدة في محاولة ضبط المجتمع الليبي وتطويعه، كان ظاهرها يبدو ديمقراطيًا، مع أن مضمونها كان سلطويًا. من أبرز تلك المُسمّيات: "الثورة الشعبية"، "الديمقراطية المباشرة"، "اللجان الشعبية"، "اللجان الثورية"، "الروابط الشبابية"48. وعمل القذافي على إعادة البنى التقليدية إلى الواجهة من جديد، وتجّلى ذلك في بناء تحالفات قبلية تُعزّز من سطوته الأمنية، من خلال منح القبائل الموالية له دورًا وظيفيًا في ضبط مجتمعاتها المحلية وكبح جماحها، بدلًا من حمايتها. كما لجأ إلى اللعب على وتر التناقضات في البنية الاجتماعية الليبية وإثارتها، سواء القبلية أم الجهوية، وذلك حتى تنشغل المجموعات المختلفة في نزاعات بينية تضمن له تحقيق طموحه السياسي في التفرّد بالحكم49. وعمد القذافي إلى التخلّص من هياكل ومراكز قوى الثورة، التي كانت تضغط في اتجاه التحوّل والانفتاح السياسي. فأطلق في نيسان/ أبريل 1973 برنامجًا من خمس نقاط، قام على تعزيز مكانته قائدًا، وشمل البرنامج تعطيل القوانين، وشرعنة ملاحقة معارضيه تحت مسمى "تطهير البلاد من المرضى وأعداء الشعب"، وإعلان ما سّما ه الثورة الإدارية والثقافية، إلى جانب مخاطبة الشعب بمحاور شعبوية، مثل "حرية الشعب" و"تسليح الشعب"، وهذا ما قاده إلى استبدال بنى موالية معزّزة للسلطوية بالبنى المؤسسية، هندسها تحت مسمّيات "اللجان الشعبية"، وما نتج منها من تعزيز دور البنى القبلية والجهوية سياسيًا50. شكّل ارتكاز القذافي على الشخصية القبلية في الحكم تكبيلًا لفرص التحوّل إلى دولة حديثة؛ إذ نقل هذا النمط القبليي إلى الدولة51، وهو نمط ارتجالي غير مؤسساتي، عاطفي، يوظّف القبيلة والنمط الاجتماعي المحيط بها توظيفًا أداتيًا لخدمة النظام. فقد عمد النظام إلى استغلال القبيلة في التعبئة السياسية لمصلحته، التي تشمل استقطاب أفراد وجماعات داعمة، واستغلالها في الرقابة القائمة على الرصد والملاحقة والتتبع لخدمة السلطة52. وضمن مساعي القذافي للقضاء على العمل المؤسسي في الدولة، شهدت ليبيا في عام 1977 منعطفًا سياسيًا حاًّدًا في التحوّل نحو حكم الفرد المطلق، بإعلانه تأسيس الجماهيرية الليبية53، واستبداله بالمؤسسات السياسية والإدارية في الدولة، هياكل جديدة

  1. المرجع نفسه، ص.173 - 170
  2. يوسف محمد جمعة الصواني، ليبيا الثورة وتحديات بناء الدولة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص 34 -.36
  3. عليي محمد عليي سالم، "ليبيا الحرة: ليبيا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية"، في: مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، عدد خاص: أبحاث المؤتمر العلمي الدولي (الثورة والقانون)، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، كانون الأول/ ديسمبر 2011، ص.630
  4. الصواني، ص.42 - 40
  5. بلال عبد الله، الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية بين ممكنات التكيف وأزمة الاندماج الوطني (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2014)، ص.25
  6. صادق حجال، ليبيا وإشكالية بناء الدولة - الأمة: 2017-1951 م (ع م نا: مركز الكتاب الأكاديمي، 2019)، ص.25
  7. عبد الله، ص.22 - 20
  8. المنصف ونّاس، الشخصية الليبية: ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة (تونس: الدار ية للنشر، 2014)، ص 28 - 29،.33
  9. يجدر التوضيح هنا أن الجماهيرية الليبية قامت على رؤية القذافي الواردة في الكتاب الأخضر، التي اعتبرت بمنزلة الدستور الذي حكم بموجبه ليبيا طوال فترة حكمه -1969(2011)، حيث تم وقف العمل بدستور عام 1951 منذ إطاحة الحكم الملكي في عام 1969. وكما جاء في رؤية القذافي، يقوم نظام الحكم الجماهيري على الديمقراطية المباشرة التي تجسّدت، وفقًا لرؤيته، في مفهوم السلطة الشعبية، وقد ترجمها من خلال عقد المؤتمرات الشعبية التي حلّت محل السلطة التشريعية، وتشكيل اللجان الشعبية التي حلّت محل السلطة التنفيذية. هذا إلى جانب النوادي القبلية والروابط الشبابية والاتحادات المهنية. يراجع: سالم، ص 637 -.638

تُعزّز سيطرته، وتجعل منه مرجعًا وحيدًا للنظام السياسي54، وتجّلى ذلك في احتكاره القرار السياسي، من خلال تركيز السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية في يده، وإضعاف الجيش بصفته مؤسسة وطنية عامة55، والاستعاضة عنه بتشكيل كتائب وروابط أمنية موالية له56، جُلّها من رجال القبائل. كما نشأت في هذا السياق النوادي القبلية، ذات البعد الأمني، التي فرضت سطوتها على الحياة السياسية الليبية، تنفيذًا لرؤية القذافي الواردة في الكتاب الأخضر57. فاقم أسلوب الحكم الذي اتّبعه القذافي في إدارة شؤون الدولة الليبية، على مدار أربعة عقود ونيّف (2011-1969)، الجهوية في علاقة الأقاليم الثلاثة – برقة وفزان وطرابلس - بعضها ببعض من جهة، وفي علاقتها بالدولة من جهة ثانية. فساهمت السياسات التمييزية في التعامل بين المكوّنات الليبية، وحرمانها من التمثيل السياسي، وغياب العدالة في توزيع الموارد، ومنح الأفضلية في الحصول على ريع السلعة النفطية لإقليم طرابلس، وكذلك للمناطق والمدن التي تتركز فيها قبيلة القذاذفة والقبائل الموالية، مثل مدينتي سرت وسبها، وتهميش الأقاليم الشرقية والجنوبية موطن الثروة الليبية، ومنحها حصصًا تضمن الحدّ الأدنى من الصمت لا الإسناد، في استفحال الفساد بمختلف أشكاله وتشظّي الولاءات وإعاقة تحقيق الاندماج المجتمعي؛ ما أدى إلى تعثر بناء مجتمع سياسي موحّد، وتهميش المكوّنات البعيدة عن المركز58. أدى تراكم مظاهر الاستبداد في فترة حكم القذافي، وعدم التسامح مع المعارضين، كما حدث في عام 1996 عندما أعدم حوالى 1200 معارض سياسي داخل سجن أبو سليم (غرب طرابلس)، والاستمرار بمحاباة القبائل والمناطق المناصرة، والتعامل مع المواطنين بصفتهم رعايا وأتباعًا، وعدم التعامل جدّيًا مع الدعوات المطالبة بالإصلاح والتغيير، إلى حراك مجتمعي صاحبه تدخل خارجي في عام 2011، انتهى بسقوط حكم العقيد معمر القذافي، ودخول ليبيا في مرحلة جديدة لا تقل في تعقيداتها عن المراحل السابقة59.

6. ما بعد الثورة: سقوط نموذج هش

لم يؤدِ سقوط حكم القذافي إلى تحوّل تلقائي وسلس نحو نظام حكم ديمقراطي في ليبيا، وذلك لغياب البنية التحتية المؤسساتية والثقافة السياسية اللازمة لإحداث ذلك التحول. أدى ذلك إلى تفجّر الأزمات الليبية المتراكمة منذ الاستقلال، التي نجمت عن غياب المؤسسات والعمل الديمقراطي ووقف العمل بالدستور وطغيان القبلية والجهوية والفئوية على المشهد السياسي وضعف مؤسسة الجيش وإهدار الموارد وانتشار الفساد بأشكاله المختلفة، وهي قضايا برزت تجلّياتها بقوة في المشهد الليبي بعد ثورة السابع عشر من شباط/ فبراير 2011. وقد أدخلت هذه الأزمات المجتمع الليبي في حالة من التوتر والصدام الأمني والسياسي والأيديولوجي، التي ما زالت رحاها تدور حتى الآن60. عاد الانقسام السياسي بين المكوّنات الليبية إلى الواجهة من جديد، ليحمل في طياته بُعدًا جهويًا وقبليًا وفئويًا وآخر عرقيًا61، حتى بات المشهد الليبي مشابهًا لفترة ما قبل الاستقلال. فقد اختلف الليبيون، بعد رحيل القذافي، حول قضايا الوحدة الوطنية، وشكل الدولة، ونموذج الحكم، وتوزيع الموارد62. وتجّلى ذلك الاختلاف في تجدّد المطالبات، في إقليمي برقة63 وفزان، الداعية إلى العودة إلى الدولة الاتحادية بصيغتها الفدرالية، وبرزت مطالبات ذهبت إلى أبعد من ذلك، طارحةً صيغة الكونفدرالية، تحقيقًا لرغبتها الانفصالية64. في المقابل، اتّجهت قوى طرابلس إلى التمسك باستمرار الشكل البسيط والموَّحَد للدولة الليبية. كما اختلف الليبيون حول شكل النظامين

  1. الصواني، ص.40
  2. تجدر الإشارة إلى أن القذافي قد أنفق في فترة حكمه حوالى 30 مليار دولار على التسليح، من دون أن يفضي ذلك إلى إنتاج مؤسسة وطنية وجيش كفوء. يُنظر: عليي عبد اللطيف احميدة (معد)، دراسة تمهيدية عن المجتمع في ليبيا: الواقع والتحديات والآفاق.. الجزء الثاني من دراسة أولية لمشروع الحوار الاجتماعي والاقتصادي الليبي، إعداد عليي عبد
  3. يجدر التوضيح أن نظام القذافي حاول تعزيز مقاربته الأمنية بشبكة موالاة قبلية، نظرًا إلى المحاولات المتعددة للانقلاب على حكمه، كما جرى في عامَي 1975 و 1985، وبعد هزيمة تشاد في عام 1987، وهي محاولة أفضت إلى حل الجيش وتحويله إلى كتائب على أساس الولاء القبليي..
  4. سهام الغضبان، "ليبيا ما بعد القذافي: معوقات بناء الدولة"، مجلة الإسلام والعالم المعاصر، مج 7، العدد 3 -4 (2012)، ص 161، شوهد في 2022/1/21، في: https://bit.ly/3umiNOf
  5. عبد الله، ص.27
  6. رمضان عبد السلام حيدر، "الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة"، مجلة العلوم الإنسانية والتطبيقية، العدد 25 (2014)، ص 156 -.159
  7. محمد الشيخ، "إشكالية تعثر الانتقال الديمقراطي في ليبيا بعد 2011 "، مجلة دراسات شرق أوسطية، مج 18، العدد 68 (صيف 2014)، ص 46 -.47
  8. يشير رمضان عبد السلام حيدر إلى أن الأقليات العرقية في ليبيا، التي لا تتعدى نسبتها 10 في المئة من مجموع السكان، غُيّبت عن المشهد السياسي في فترة حكم القذافي، الأمر الذي دفعها إلى الدخول في المشهد السياسي الجديد، في محاولة منها لتحسين مكانتها السياسية والاقتصادية، وكذلك حماية هويتها الثقافية، ولعل أبرز هذه الأقليات الأقلية الأمازيغية - البربرية، وأقلية التبو ذات الأصول الأفريقية، وأقلية الطوارق. يراجع: حيدر، ص.165 62 كامل عبد الله، "لماذا تتعثر محاولات بناء نظام انتقالي في ليبيا؟"، مجلة الديمقراطية، العدد 75 (تموز/ يوليو 2019)، ص 198 -.199
  9. اللطيف احميدة (بيروت: الأمم المتحدة: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا 'الإسكوا'، 2020)، ص.23
  10. من الأمثلة المهمة على التوجه الانفصالي ما حدث في عام 2012، بإعلان مدينة بنغازي الواقعة في إقليم برقة تأسيس إقليم فدرالية في الشرق الليبي، وقد تم هذا الإعلان في مؤتمر عام، ضم الآلاف من الليبيين من سكان المدينة والإقليم. يراجع: حنان لبدي، "ليبيا بين التفكك الداخليي والاختراق الخارجي"، دفاتر السياسة والقانون، مج 13، العدد 3 (2021)، ص.624
  11. خالد حنفي عليي، "دولة منزوعة السيطرة: محفزات وكوابح تفكك ليبيا بعد الثورة"، مجلة السياسة الدولية، مج 49، العدد 195 (كانون الثاني/ يناير 2014)، ص.21

السياسي والاجتماعي وهويتهما، بين من يُطالب بحكم إسلامي65، وآخر بحكم علماني67. وفي ظل هذا المشهد، دخلت ليبيا في دوامة من العنف جرّاء الصدام بين مكوّناتها السياسية، سواء بين الأقاليم أم داخلها؛ ما أفرز ظاهرة الكتائب والميليشيات المرتبطة بالمدن، كما حدث في مدينتي مصراتة والزنتان، وكذلك في برقة، ببروز المشير خليفة حفتر وسيطرته العسكرية على مدينة بنغازي، وتوجّهه اللاحق لبسط نفوذه على كامل التراب الليبي68. أخفق المجلس الوطني الانتقالي الذي نشأ مباشرة بعد اندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط، في لمّ شمل الليبيين والانتقال بليبيا نحو الاستقرار وتجاوز الأزمات المتراكمة وإيجاد حلولٍ للتناقضات التي برزت في المشهد السياسي الجديد. وكانت أهم خطواته الانتقالية إعداد مسَّوَدة دستورية مؤقتة وإجراء انتخابات المؤتمر الوطني العام في عام 2012، وتسليم السلطة لهذا المؤتمر الذي اتخذ من طرابلس مركزًا له69. لكن غياب بنية مؤسساتية ناظمة، وتشظّي الخريطة السياسية والعسكرية في ليبيا، فرضَ ا تحديات صعبة على المؤتمر الوطني الذي لم يتمكّن هو الآخر من تجاوزها بتحقيق التقدم نحو الديمقراطية والوحدة الوطنية. تجّلى هذا التعثر في عام 2014 عندما أصبح المؤتمر الوطني جزءًا من الأزمة السياسية، برفضه تسليم السلطة للبرلمان الجديد المنتخب (مجلس النواب)70. وقد قادت هذه الأزمة إلى مزيد من التشظّي والتعقيد، حيث أصبح هناك برلمانان وحكومتان تتنازعان السلطة والمشهد السياسي؛ الأولى في طرابلس غربًا، يقودها المؤتمر الوطني، والثانية في طبرق شرقًا، يقودها مجلس النواب الذي حظي باعتراف دولي71. استمرت الأزمة الليبية، بصيغتها الحادة بين طبرق وطرابلس إلى أن تدخّلت الأمم المتحدة ودعت إلى عقد مؤتمر الصخيرات في المغرب، في نهاية عام 2015، الذي تمخض عنه اتفاق سياسي بين الجناحين، أو البرلمانين الليبيين، وتم بموجب هذا الاتفاق إنشاء مجلس الدولة الموَّحَد، وكذلك حكومة الوفاق الليبية، لكن لم يُكتَب لهذه الخطوة الوحدوية النجاح في إنهاء الأزمة بين المكوّنات الليبية، في ظل طغيان المصالح الفئوية والاعتبارات الجهوية من جهة، وتنازع المشهد الليبي بين الفواعل الخارجية من جهة ثانية72. إقليميًا، برز دور كل من مصر والسعودية والإمارات في دعم القوى المسيطرة على شرق ليبيا، ولا سّيمّا العقيد خليفة حفتر في بنغازي، ومجلس النواب في طبرق، وذلك في مواجهة قوى الإسلام السياسي. في المقابل، صُنّف الدوران القطري والتركي على أنهما داعمان لقوى الإسلام السياسي في المؤتمر الوطني، ولاحقًا لحكومة الوفاق الليبية، بقيادة فائز السراج، في مواجهة ظاهرة حفتر وتمدّد نشاطه العسكري73.

ثانيًا: عرقلة بناء الدولة الحديثة: عوامل مركزية

يُناقش هذا المبحث أهم معوّقات بناء الدولة الحديثة في ليبيا، التي ظهرت في الفترات الزمنية المتعاقبة، وتحديدًا في الفترة الراهنة، وذلك على النحو الآتي:

1. العامل القبلي

ينحدر المجتمع الليبي في غالبيته من أصول قبلية، حيث تعتبر القبيلة أساس تشكّل البنية الاجتماعية في ليبيا؛ إذ يصل عدد القبائل إلى نحو 140 قبيلة، تتفاوت في حجمها وتأثيرها، وكذلك في أصولها العرقية، وانتماءاتها المذهبية. وتتوزّع هذه القبائل على الأقاليم الثلاثة المكوّنة للدولة الليبية. ففي الجنوب، وتحديدًا في الشريط الحدودي المحاذي للدول الأفريقية غير العربية، تتركز قبائل الطوارق، وتعيش بالقرب منها، قبائل التبو، وهي أفريقية الأصل، في حين تتركز القبائل الناطقة بالأمازيغية في مرتفعات غرب ليبيا. أما بقية القبائل، التي تشكّل الغالبية السكانية والعددية، فتنتشر في إقليمي برقة وطرابلس، مثل: قبيلة بني سالم، والعبيدات، وبني هلال، ورفلة، وترهونة، وكراغلة، والتواجر. وبرزت قبيلة القذاذفة بعد وصول القذافي إلى الحكم في عام 1969، وأصبحت من القبائل المؤثرة في المشهد السياسي الليبي، على الرغم من صغر حجمها74.

  1. تشهد ليبيا منذ عام 2011 تنافسًا حاًّدًا بين تيارات سياسية عدة، برزت بعد الثورة مباشرة، وهذه التيارات ذات توجهات متضاربة في رؤيتها لمستقبل الدولة والنظام السياسي في ليبيا. ولعل أبرزها: التيار الإسلامي المحافظ الذي يضم كلًا من حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين، والجماعة السلفية ذات الأذرع السياسية والعسكرية المتعددة، في حين يتمثل التيار الثاني في القوى الليبرالية التي تجلّت في تحالف القوى الوطنية في طرابلس. يُنظَر: الشيخ، "ليبيا بين الصراع السياسي والصراع المسلح: التحديات والآفاق"، ص.15 66 المرجع نفسه.
  2. عبد الله، "لماذا تتعثر محاولات بناء نظام انتقالي في ليبيا؟"، ص.200
  3. خالد حنفي عليي، "سقوط الجماهيرية: من يحكم ليبيا بعد القذافي؟"، مجلة السياسة الدولية، مج 46، العدد 186 (تشرين الأول/ أكتوبر 2011)، ص.141
  4. يجدر التوضيح أن رفض المؤتمر الوطني تسليم السلطة كان سببه عدم قبول القوى الإسلامية المسيطرة عليه بنتائج انتخابات عام 2014. وأوقعت هذه الأزمة صدامًا بين هذه
  5. أحمد موسى بدوي، "تحّولّات الثورة الليبية: تفكيك الدولة وزرع الإرهاب"، مجلة آفاق سياسية، العدد 16 (نيسان/ أبريل 2015)، ص.87-86
  6. طلعت رميح، "ليبيا: الحل السياسي المأزوم والصراع العسكري الملغوم"، مجلة البيان، العدد 391 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2019)، ص.44-42 72 كامل عبد الله، "ليبيا بين مفارقات المشهد الداخليي والمواقف الإقليمية والدولية"، مجلة السياسة الدولية، مج 52، العدد 205 (تموز/ يوليو 2016)، ص.153-152
  7. القوى من جهة، وجيش خليفة حفتر من جهة أخرى، الذي انحاز إلى مجلس النواب في طبرق ضد المؤتمر الوطني في طرابلس.
  8. مصطفى شفيق علام، "القبلية والثورات العربية: نموذجا اليمن وليبيا"، مجلة البيان، العدد 9 (2012)، ص.136

من الصعوبة قراءة تاريخ ليبيا السياسي، وكذلك تعّثر بناء الدولة الحديثة بمعزل عن قراءة النظام القبليي وفهمه، فهناك علاقة عضوية بينهما، وكذلك الحال بين الفرد الليبي والقبيلة التي شكّلت قبل الاستقلال التنظيم السياسي والاجتماعي الأكثر حضورًا في ليبيا، والإطار الناظم الذي يحدد حقوق الفرد وواجباته وعلاقاته مع التنظيمات والكيانات القبلية الأخرى. ويفّسر هذا الواقع جانبًا مهمًا من ابتعاد الفرد الليبي عن مفهوم الدولة الحديثة، وذلك في ظل عدم سعي الحكومات المتعاقبة لتغيير هذا الواقع، وتحقيق التقدم نحو الديمقراطية والعمل المؤسسي75. إذًا أخفقت الحكومات المتتالية في تجاوز البنى التقليدية، وتحديدًا الكيانات القبلية، وأبعادها الثقافية والسياسية والمناطقية، وذلك بإنشاء بنى وطنية جديدة قائمة على العمل المؤسسي ومدنية الحكم. فقد كان يجري توظيف هذه البنى والكيانات التقليدية من منظور زبائني في خدمة أجندة النخب الحاكمة، ودعم بقائها في السلطة. فخلال فترة حكم القذافي، أخذ دور القبائل بالاختفاء تارةً، والظهور تارةً أخرى. فقبل إعلان قيام النظام الجماهيري في عام 1978، كان هناك نوعٌ من التحجيم لدور القبائل بأشكاله كلها، لكن سرعان ما عاد دورها إلى البروز بعد قيام الجماهيرية، وتجّلى ذلك بظهور النوادي القبلية، ولاحقًا المؤتمرات واللجان الشعبية والثورية ذات التركيبة القبلية76. وهذا يعكس أن القبيلة كانت، وما زالت، تؤدي دورًا أساسيًا في العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، وفي الحياة السياسية الليبية، حتى باتت أحد أهم السبل أمام الفرد للحصول على وظيفة أو دعم مالي من الدولة. وبهذا، يمكن النظر إلى القبيلة في ليبيا، على الأقل منذ وصول القذافي إلى الحكم، باعتبارها النقيض المقابل للمؤسساتية والمواطنة77. لم تحظَ القبائل الليبية كلها بالمعاملة نفسها من نظام القذافي، وذلك تحقيقًا لسياسته في تعزيز التناقضات وترسيخ الانقسامات التي تخدم بقاءه في السلطة. فهناك قبائل حظي زعماؤها بمعاملة تفضيلية، مثل قبيلة الورفلة والزنتان في الغرب، وأخرى حظيت بمعاملة تمييزية، مثل قبائل مصراتة وأولاد سليمان في الجنوب. وهذا ما يفسر جانبًا مهمًا من انقسامات القبائل واقتتالها بعد رحيله في عام 2011، كما جرى عندما اصطدمت قبيلة أولاد سليمان مع قبيلة القذاذفة التي ينحدر منها القذافي، وكذلك قبيلة الورفلة مع قبائل مصراتة. وقد شكّل هذا الحضور القبليي، في ظل غياب المرجعية المؤسساتية والدستورية، وغياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية، عائقًا أمام تحقيق الاندماج والمواطنة من جهة، وأمام نشوء مجتمع مدني يساعد في الحدّ من سطوة البنى التقليدية من جهة ثانية. كما شكّل هذا الحضور أحد عوامل عدم الاستقرار78 وتفّشي ظواهر الثأر والتعصّب والانتقام، وتعّثر مسار بناء الدولة في الحقبة الراهنة79. لعل ما وقع بين قبائل تاورغاء ومصراتة من مواجهة دموية إبان ثورة عام 2011، أفضى إلى تهجير عشرات الآلاف من أبناء تاورغاء، ويؤكد عودة الصراع القبليي إلى الواجهة بعد الثورة، نتيجةً لعملية التوظيف القبليي والمناطقي في الحقبة القذافية، كما يدل ذلك على حالة التفكك التي ظهرت بمجرد انهيار السلطة وبُناها80.

2. العامل الجهوي

عانت ليبيا، تاريخيًا، علوّ الهويات الجهوية الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة؛ إذ لم ينتقل الثقل السياسي والإداري إلى المركز طرابلس عند اختيارها عاصمةً للدولة الليبية، حيث بقي هناك ثقل نسبي مهم لبقية الأقاليم أو الأطراف، وتحديدًا لإقليم برقة الواقع في شرق ليبيا، وذلك على حساب ثقل المركز81. وقد تجلّت هذه الأزمة بعد اندلاع ثورة 17 شباط/ فبراير 2011، حيث عاد التباعد بين الأقاليم الليبية إلى الواجهة من جديد، وبات لها حضور في المشهد السياسي الليبي، ويظهر ذلك في تنازع القرار السياسي والإداري بين المركزين، بنغازي وطرابلس، في الوقت الراهن، في صورة مشابهة لفترة ما قبل الاستقلال، وبروزه في الحقبة الملكية أيضًا، حيث كانت الدولة بعاصمتين: بنغازي وطرابلس. وبناء عليه، أدّى مسار الثورة الذي بدأ في الشرق، إلى جعل بنغازي عاصمة لهذه الثورة، حيث تمركزت فيها لمؤسسات الجديدة، ومنها المجلس الانتقالي وقيادات الثورة الميدانية وبعض السفارات. أفقد هذا التحوّل تفرّد طرابلس بصفتها مركزًا سياسيًا وإداريًا حصريًا للبلاد، وأدى إلى مشاطرتها جزءًا من أدوارها وثقلها مع بنغازي؛ ما أظهر ليبيا وكأنها برأسين82.

  1. 74 عدنان شبين، "النزاع الاجتماعي الممتد في ليبيا بين رهانات العنف وتداعيات انهيار الدولة"، مجلة دراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، مج 3، العدد 5 (2020)، ص.362
  2. المرجع نفسه، ص 364،.376
  3. Haala Hweio, "Tribes in Libya: From Social Organization to Political
  4. يجدر التوضيح أن البعد القبليي كان، وما زال، حاضرًا في الصراع الدائر في ليبيا منذ عام 2011، ويظهر ذلك، على سبيل المثال، بعد عام 2014 عندما وقفت مجموعة من القبائل مع حفتر، مثل قبيلة الفرجان والعبيدات ورشفانة والمقارحة، ضد حكومة الوفاق الليبية. للمزيد، ينظر: كربال إبراهيم الخليل وخلاصي كعسيس خليدة، "إشكاليات اندماج القبيلة في مسار إعادة بناء الدولة الليبية بعد 2011 في ظل التحولات النظرية: مقاربة تحديثية بنائية"، المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية، مج 16، العدد 1 (2021)، ص.830-829
  5. شبين، ص.377-376
  6. 79 عليي، "دولة منزوعة السيطرة: محفزات وكوابح تفكك ليبيا بعد الثورة"، ص.20
  7. خالد محمد بن عمور، "عناصر الضعف الجيوبوليتيكية وأثرها على كيان الدولة الليبية: دراسة في الجغرافيا السياسية"، مجلة أبحاث (جامعة سرت)، العدد 13 (آذار/ مارس 2019)، ص.261-259 81 عبد الله، الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية بين ممكنات التكيف وأزمة الاندماج الوطني، ص.28-27
  8. Power," African Conflict and Peacebuilding Review , vol. 2, no. 1 (Spring 2012), pp. 117-118.

يعود هذا التفوّق للهويات الفرعية في جزءٍ منه إلى مجموعة من العوامل، تتصدّرها ثلاثة أساسية: الأول، التباعد الجغرافي بين الأقاليم الليبية، نظرًا إلى المساحة الواسعة التي تتّسم بها ليبيا (1,750,000 كيلومتر مربع)83، وعدد السكان المحدود الذي قُدر في عام 2021 بحوالى سبعة ملايين نسمة84، هذا إلى جانب الموقع الجيوسياسي الطرفي لطرابلس في أقصى شمال الغرب الليبي، على أطراف الدولة، وبعيدًا عن نقاط تأثيرها. أما العامل الثاني85، فيتمثل في غياب سياسات اجتماعية وسياسية واقتصادية جامعة لكل الليبيين، وهو ما أفشل الحكومات المتعاقبة في خلق هوية وطنية جامعة تحوي الهويات الجهوية وتصهرها في إطارٍ موحّد. ويكمن العامل الثالث في طبيعة التقسيمات الإدارية التي شهدتها ليبيا في الحقب الزمنية المختلفة بين أقاليمها الثلاثة (برقة، فزان، طرابلس)، وكذلك في المنظومة القبلية التي أفرزت مجتمعات محلية منغلقة على ذاتها، وتخوض صراعات ونزاعات في ما بينها. إضافة إلى أسلوب التسويات والتحالفات الزبائنية الذي استخدمته الحكومات الوطنية المتعاقبة في التعامل مع القبائل من جهة ثانية86.

3. الثقافة السياسية

تعتبر الثقافة السياسية جزءًا من الثقافة العامة للمجتمع، وتكمن في قيم الأفراد وسلوكهم ومعارفهم وتوجّهاتهم السياسية تجاه مؤسسات الحكم والعمل السياسي. كما تحدد الثقافة السياسية مشاركات الأفراد وعلاقاتهم وتفاعلاتهم مع الأطر المجتمعية والسياسية المختلفة87. وتتشكل هذه الثقافة مع تعاقب الأجيال والأزمنة بفعل أدوات تنشئة عديدة تساهم في صقلها وتكوينها، بدءًا بالأسرة والعائلة، مرورًا بالمدرسة والأصدقاء، وصولًا إلى تأثير وسائل الإعلام والوحدات الاجتماعية والسياسية المختلفة88. لم يعمل القذافي خلال فترة حكمه على ربط الليبيين بمفهوم الدولة الليبية وترسيخ انتمائهم لها، بل كرّس لديهم مفاهيمه الخاصة، مثل مفهوم الثورة والنظام الجماهيري والكتاب الأخضر ومفهوم الزبائنية، وذلك على حساب مفهوم الدولة الذي تعرّض للتهميش. شهدت الدولة الليبية خلال الحقبة القذافية فترة انقطاع استمرت أربعة عقود، من دون أن تشهد تنشئة سياسية تنتج فردًا ليبيًا مشاركًا وفاعلًا، وتُعزّز لديه الثقافة الوطنية، وكذلك قيم التسامح والديمقراطية وثقافة القانون والمؤسسات، بل عزّزت تلك الفترة الثقافة السياسية المفككة والموجهة. وقد ساهم هذا النمط من السلوك والحكم، إلى حدٍ ما، في طمس الشخصية السياسية للفرد الليبي، وعزّز الفواصل الاجتماعية والإدارية، القبلية والجهوية، لتبقى عائقًا أمام مشاركة الفرد في الحياة السياسية الليبية89. وعندما انهار النظام في عام 2011، وجد الأفراد في هذه الفواصل الملاذ الوحيد للاحتماء، في ظلّ حالة الفوضى العامة التي شهدتها ليبيا بعد ذلك. ساهم النظام القبليي في تعميق الثقافة السياسية للفرد الليبي، إبان حقبة القذافي وما أعقبها، وبلورة جانب مهم من منظومته القيمية. يتضح ذلك في الصفات التي غُلّبت على السلوك الفردي؛ أهمها: الخضوع وطاعة ولي الأمر وعدم تقبل الرأي الآخر وبقاؤه ضمن دائرة القبيلة المغلقة، وهو ما جعل ثقافته السياسية تتأرجح ما بين المفككة والموجهة، كما ذكر سابقًا90. وهذا يفسر جانبًا من غياب المؤسسات والمواطنة في ليبيا، وتعّثر مسار التقدم نحو الديمقراطية وضعف الهوية الوطنية الجامعة أمام الولاءات والانتماءات الإرثية الضيقة.

4. العامل الخارجي

منذ اندلاع الصراع الحالي في ليبيا، جاء التدخل الخارجي بالشؤون الليبية بطريقتين: الأولى، على نحو مباشر، كما حدث في عام 2011 بتدخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" مباشرةً في حسم المواجهة ضد نظام القذافي. أما الثانية، فأخذ الشكل غير المباشر، وذلك بتقديم جهاتٍ خارجية الدعم، كلٌ لطرفٍ حليفٍ من الأطراف الليبية المتناحرة. هذا التدخل بشكليه الأول والثاني يُعزى إلى أسبابٍ اقتصادية، كالاستحواذ على الثروة النفطية الليبية، وأخرى جغرافية عبر استغلال موقع ليبيا الجيوسياسي في كبح جماح ظاهرتي الهجرة غير الشرعية والتطرف، وكذلك لمواجهة التغلغل الصيني والروسي في القارة الأفريقية. وأبرز الفواعل الدولية المؤثرة في الأزمة الليبية الحالية هي فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا،

  1. عمور، ص.261
  2. Libya," The World FactBook, CIA, accessed on 13/5/2022, at: https://bit.ly/48k5QCC
  3. عمور، ص.261-260
  4. محمد نجيب بوطالب، الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي المعاصر: دراسة مقارنة للثورتين التونسية والليبية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.144-143
  5. سليم ناصر بركات، "الثقافة السياسية: مفهوم وممارسة"، مجلة الموقف الأدبي، مج 50، العدد 606 (تشرين الأول/ أكتوبر 2021)، ص.5
  6. يوسف سالم عبد العالي امطير، "العوامل الداخلية وأثرها على عملية التحول الديمقراطي في ليبيا"، المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية، العدد 1 (2021)، ص.131
  7. زايد عبيد الله مصباح، "إشكاليات بناء الدولة الديمقراطية في ليبيا: القيم واتخاذ القرار"، المستقبل العربي، السنة 35، العدد 403 (أيلول/ سبتمبر 2012)، ص.79-76
  8. الفيتوري صالح السطي، "الثقافة السياسية في المجتمع الليبي"، مجلة شؤون اجتماعية، العدد 135 (2017)، ص.191

وهي القوى نفسها التي تحكّمت في ليبيا قبل الاستقلال، حتى بات المشهد الليبي الراهن مشابهًا لذاته بتعقيداته الآنفة91. بنت القوى الكبرى، السالفة الذكر، شبكة حلفائها ومصالحها وفق أولويات حضورها الجغرافي على أرض ليبيا، ويتضح ذلك في الدعم الإيطالي والأميركي لحكومة طرابلس، حفاظًا على مصالح كل منهما النفطية في الإقليم الغربي92. أما فرنسا، فقد ركزّت حضورها في الإقليم الشرقي بدعمها العسكري والسياسي لقوى الكرامة التي يقودها حفتر93. شكّل التضارب في مصالح القوى الكبرى عاملًا مهمًا في الأزمة الليبية؛ إذ حدّ من إمكانية تحوّلها إلى دولة حديثة94. وقد سعت كل قوةٍ من هذه القوى لجعل ليبيا جزءًا من نفوذها، وفضائها الجغرافي والاقتصادي والعسكري. وشكّل تدخل هذه القوى في الأوضاع الليبية عاملًا مساعدًا في إحداث حالة من الفراغ السياسي والأمني بانتقال ليبيا من حالة الدولة إلى حالة اللادولة (حالة الفوضى العامة)، وذلك بتفّشي ظواهر حمل السلاح والتعصّب والتفتت وعودة طغيان الهويات الفرعية (الجهوية والقبلية). وفي إطار هذا المشهد الخارجي، برزت أيضًا قوى إقليمية، تحاول أن تجعل لنفسها موطئ قدم في ليبيا، ومنها: قطر والسودان وتركيا والسعودية والإمارات ومصر. وبتدخلاتها المتفاوتة، عزّزت هذه القوى الإقليمية الانقسام الداخليي في ليبيا، من خلال دعم بعضها حفتر، مثل مصر والإمارات والسعودية95، في شرق ليبيا، ودعم بعضها الآخر حكومة الوفاق الليبية، مثل تركيا وقطر والسودان، في غرب ليبيا96.

خاتمة

إن أزمة تكوين الدولة الحديثة في ليبيا ذات جذور اجتماعية وسياسية. فقد غابت الوحدة الوطنية، بين المكوّنات الليبية، في جُل الحقب المتعاقبة، وصولًا إلى اليوم؛ إذ انتقلت الدولة الليبية الهشّة من حالة الضعف، المغطّى بسلطوية القذافي، إلى حالة الفشل97والتفكك، وهو ما ارتبط بمحددات قبلية وجهوية أضعفت الثقافة السياسية الموِّحِدة، وتقاطعت مع عوامل خارجية مفِّتِتة. ارتبطت الأزمة، في الأساس، بالنشأة غير الطبيعية للدولة الليبية؛ إذ لم تنشأ على نحو تدريجي انسيابي، أو بموجب تفاهم مجتمعي أفضى إلى تعاقد معّين، إنما أسقط نموذج الدولة على ليبيا وفق ترتيبات استعمارية خاصة، استثمرت الجهوية والقبلية للسيطرة، وهذا ما عزّز غياب المركز وضعف المواطنة بالارتكاز على العلاقة الزبائنية في الحكم خلال الفترات اللاحقة. لم تنتهِ الأزمة الليبية بنيل الاستقلال في عام 1951؛ إذ فشلت الحكومات الوطنية المتعاقبة في تجاوز الأزمات البنيوية المذكورة أعلاه، وبناء نموذج حكم قائم على قاعدة مؤسساتية وقانونية راسخة، تحقق من خلالها المواطنة، وتخلق نموذجًا للتكامل والاندماج والتعايش السلمي. كما أخفقت في بناء قاعدة إنتاجية، تستغل الموارد المالية المتأتية من قطاع النفط98. أوجد الفشل في إدارة شؤون الدولة، بتنوّعها العرقي والقبليي والجهوي، بيئة داعمة لبقاء عناصر الأزمة الليبية ومظاهرها، ومنها: غياب التعاقد الاجتماعي، وضعف المؤسسات وتفككها، والاعتماد على نمط الحكم السلطوي - المستبد وطغيان الاعتبارات القبلية والجهوية والعرقية على المشهد السياسي، وانقسام الولاءات وفقًا للاعتبارات الآنفة الذكر، وبروز ظاهرة التطرف والعنف وابتعاد الليبيين عمومًا، عن الثقافة السياسية المشاركة، ومن ثم عن مفهوم الدولة الحديثة

  1. عبد الله، "ليبيا بين مفارقات المشهد الداخليي والمواقف الإقليمية والدولية"، ص.153
  2. المرجع نفسه، ص.153
  3. 92 شبين، ص.375
  4. كان هناك أهداف أخرى أرادت القوى الغربية أن تحققها من التدخل في الأزمة الليبية؛ منها: الحد من التغلغل الصيني في القارة الأفريقية بعامّة، وفي ليبيا بخاصّة. للمزيد ينظر: محمد عبد الحفيظ المهدي، "أثر التدخل الخارجي على الثورة الليبية 2011 "، مجلة شؤون عربية، العدد 162 (صيف 2015)، ص.179-178
  5. للمزيد، ينظر: Jonathan M. Winer, "Origins of The Libyan Conflict and Options For Its Resolution," Policy Paper , Middle East Institute (May 2019), p. 8, accessed on 13/5/2022, at: https://bit.ly/3HL8RAS
  6. للمزيد، ينظر: حجال، ص.136
  7. تجدر الإشارة إلى أن الدولة الفاشلة تتّسم بمجموعة من الخصائص، أهمها: وجود جهات أخرى تنازع الحكومة استخدام العنف، ووجود صراعات داخلية تأخذ أشك لًا متعددة (حرب أهلية، تمرد، نزاعات حول الموارد المتاحة)، وفقدان الحكومة المركزية السيطرة على جزء من الإقليم، وفشلها في إدارة التنوع في البنية الاجتماعية المكونة للدولة، وتعرض الأقليات للاضطهاد من الغالبية، وغياب الرضا المجتمعي تجاه النظام السياسي القائم. يراجع: Robert I. Rotberg (ed.), State Failure and State Weakness in a Time of Terror (Washington DC: Brookings Institution Press, World Peace Foundation, 2003), ch. 1, p. 5.
  8. 97 يجدر التوضيح أن الثروة النفطية اكتشفت، في ليبيا، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، وبدأ العمل بإنتاجها وتصديرها في مطلع الستينيات، لتنتقل ليبيا نقلة كبيرة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية بالثروة النفطية، وباتت تحتل المركز الخامس عالميًا في احتياطياتها من النفط الصخري، وتشكل حصتها 2 في المئة من الحصة العالمية، وأصبحت دولة ريعية تعتمد على السلعة النفطية في إيراداتها المالية. لكن لم يوظف هذا الانتقال من الحكومات الوطنية المتعاقبة في التحديث الاقتصادي والسياسي، وكذلك في بناء بنية تحتية تقلل المسافة بين المركز والأطراف، فقد استخدم ريع السلعة النفطية من العقيد معمر القذافي في دعم تشبثه بالسلطة، وتعزيز تحالفاته مع الأطراف المحلية، وشراء الولاءات القبلية، بدلًا من استثمارها في عملية التحديث، وتحقيق التنمية بأشكالها كلها. يراجع: يوسف محمد الصواني، "الولايات المتحدة وليبيا: تناقضات التدخل ومستقبل الكيان الليبي"، المستقبل العربي، العدد 431 (كانون الثاني/ يناير 2015)، ص.11-9

والحكم الديمقراطي، واصطفافهم خلف هوياتهم المحلية الضيقة، ومصالحهم الخاصة، على حساب الهوية الوطنية الجامعة، والمصلحة الوطنية العامة. فالأزمة الراهنة في ليبيا هي ليست وليدة فترة حكم القذافي، المسؤول على نحو مباشر عن مفاقمة أسباب الأزمة التي تمر بها البلاد حاليًا، فحسب، إنما تعود بالتراكم إلى ما قبل حصول ليبيا على الاستقلال، مرورًا بفترة الحكم الملكي فيها. ازداد المجتمع الليبي، في فترة ما بعد القذافي، تفتتًا، حيث أخذ البعد العرقي دورًا أكبر من السابق، وذلك ببروز دور المكونات الأمازيغية - البربرية99 والتبو والطوارق بوصفها فواعل تدافع عن خصوصيتها الثقافية، وهويتها العرقية "الإثنية" في مواجهة التمييز والإقصاء اللذين عانتهما، بحسب ادّعاءاتها. ولعل نظام التسويات الذي اتّبعته القوى الليبية بعد الثورة، لم يحقق الرضا لدى هذه المكونات، بما في ذلك المكونات القبلية ذات العقلية المنغلقة على السعي خلف مصالحها الضيقة. ترتبط حالة عدم الاستقرار التي تشهدها ليبيا في الوقت الراهن، إلى حدٍ كبير، بغياب العمل المؤسسي في فترة حكم القذافي الذي ألغى مؤسسات الدولة ولم يُتح لها المجال للتطور والارتقاء طوال فترة حكمه. أضف إلى ذلك، عدم الاحتكام في الحكم إلى دستور رسمي، ومنع عمل الإعلام المستقل، وكذلك المجتمع المدني، وتجلى ذلك في حظر نشوء الأحزاب السياسية التي تعتبر أهم أدوات الفعل السياسي. هناكانعكاسات محتملة على مستقبل ليبيا في ظل استمرار هذا الواقع المعقد، فحالة عدم الاستقرار تهدد بقاء ليبيا دولة موحدة ضمن حدودها الحالية لمصلحة كيانات جهوية، تستند إلى الهوية الفرعية أمام الأطر السياسية الجامعة. كما يسهل في ظل هذا الواقع تعمّق العامل الخارجي المستفيد من هشاشة الكيان الجامع، إذ استطاع العديد من الدول العمل في ليبيا كنقطة ارتكاز إقليمي، متجاوزةً هياكل الدولة، عبر التحالف مع قبائل ومكونات جهوية، وهذا مرشح للتصاعد. ختامًا، يوجد دائمًا فرصة للخروج من الأزمة الليبية الراهنة، وبناء ليبيا جديدة، وذلك من خلال الترفع عن الخلافات القائمة، وفتح صفحة جديدة، والانطلاق إلى المستقبل برؤية وطنية جامعة وعقد اجتماعي جديد، والمصالحة الوطنية. وتعتبر ليبيا دولة واعدة إذا ما تم استغلال مواردها جيدًا، وهذا يتطلّب استخلاص العبر من الماضي، وبناء مستقبل آمن متقدم يتم فيه استغلال الموارد البشرية والطبيعية التي يتمتع بها هذا البلد. إن مستقبل ليبيا السياسي في حاجة إلى دراسات متخصصة، تشتبك مع أسئلة التحوّل السياسي المركزية، ومنها سؤال العقد الاجتماعي، والهوية الوطنية، ومسارات التسوية الجامعة المفضية إلى البناء، والعلاقات الوطنية وإعادة إنتاج تعقيدات هذه العلاقات بما يخدم بناء الدولة الحديثة. فالتحول نحو الديمقراطية قد يأخذ وقتًا طويلًا، لكن هناك إمكانية لفكفكة الأزمة الراهنة تدريجيًا من خلال البدء بخطوات عملية لإنهاء الصراع السياسي، وتحييد النزعات القبلية والجهوية لمصلحة دولة المواطنة، والهوية الوطنية الجامعة، وهذا ما يتطلب التوصل إلى اتفاقٍ بين مختلف الأطراف المتصارعة على عقد اجتماعي جديد.

  1. برز دور المكوّن الأمازيغي مبكرًا في مشهد ما بعد القذافي، وتجّلى ذلك في إنشاء المؤتمر الوطني الأمازيغي الليبي في عام 2011. تمحورت مطالب الأمازيغيين القومية في منحهم حصة في التمثيل السياسي بمؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، وكذلك إدراج اللغة الأمازيغية ضمن النصوص الدستورية بوصفها لغة رسمية في ليبيا، إلى جانب العربية، والاعتراف بالمذهب الديني الخاص بهم (الإباضي)، ومنحه حيّزًا خاصًا في ممارسة الطقوس الدينية. وانطلقت هذه المطالبات من خصوصية عرقية ومذهبية، وهذا الطرح قد يؤدي إلى إنشاء نظام سياسي ليبي يقوم على المحاصصة والزبائنية، الأمر الذي يتعارض مع مفهوم الدولة المدنية الحديثة القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الاعتبارات الثقافية والدينية والإثنية. يراجع: عبد الله، الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية بين ممكنات التكيف وأزمة الاندماج الوطني، ص.49-46
  2. Michelle Muita (ed.), Libya Conflict Insight , IPSS Peace & Security Report, vol. 1, Institute for Peace and Security Studies, Addis Ababa University, 2018.

المراجع

العربية

أبو حسن، ياسر. "الدولة القومية الحديثة الراشدة: المفاهيم والمعايير والمتطلبات". مجلة دراسات مجتمعية. العدد 15 (حزيران/ يونيو 2016).. احميدة، عليي عبد اللطيف. "دولة ما بعد الاستعمار والتحّولّات الاجتماعية في ليبيا". تبين. مج 1، العدد 1 (آب/ أغسطس.)2012 ________ (معد). دراسة تمهيدية عن المجتمع في ليبيا: الواقع والتحديات والآفاق.. الجزء الثاني من دراسة أولية لمشروع الحوار الاجتماعي والاقتصادي الليبي. بيروت/ الأمم المتحدة: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، 2020. امطير، يوسف سالم عبد العالي. "العوامل الداخلية وأثرها على عملية التحول الديمقراطي في ليبيا". المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية. العدد).2021(1 الأنصاري، محمد جابر. تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994 الدولة الوطنية المعاصرة: أزمة الاندماج والتفكيك. تحرير أحمد عوض الرحمون. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 الأيوبي، نزيه نصيف. العرب ومشكلة الدولة. بيروت: دار الساقي،.1992 بدوي، أحمد موسى. "تحّولّات الثورة الليبية: تفكيك الدولة وزرع الإرهاب". مجلة آفاق سياسية. العدد 16 (نيسان/ أبريل.)2015 بركات، سليم ناصر. "الثقافة السياسية: مفهوم وممارسة". مجلة الموقف الأدبي. مج 50، العدد 606 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2021 بروشين، نيكولاي إيليش. تاريخ ليبيا من نهاية القرن التاسع عشر حتى عام 1969. ترجمة عماد حاتم. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2001 بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007 ________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 بلقزيز، عبد الإله. "مشكلات ما بعد سقوط نظام القذافي". المستقبل العربي. السنة 34، العدد 393 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2011 بن عمور، خالد محمد. "عناصر الضعف الجيوبوليتيكية وأثرها على كيان الدولة الليبية: دراسة في الجغرافيا السياسية". مجلة أبحاث (جامعة سرت). العدد 13 (آذار/ مارس.)2019 بوطالب، محمد نجيب. الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي المعاصر: دراسة مقارنة للثورتين التونسية والليبية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 التامر، عبادة محمد. سياسة الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية: إيران – العراق – سورية - لبنان أنموذجًا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 التير، مصطفى عمر. صراع الخيمة والقصر: رؤية نقدية للمشروع الحداثي الليبي. بيروت: منتدى المعارف،.2014 الجرباوي، عليي. المعرفة، الأيديولوجية، والحضارة: محاولة لفهم التاريخ. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2021 الجمل، شوقي عطا الله. المغرب العربي الكبير من الفتح الإسلامي إلى الوقت الحاضر: ليبيا – تونس – الجزائر - المغرب الأقصى (مراكش). القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.2009 حجال، صادق. ليبيا وإشكالية بناء الدولة - الأمة 2017-1951 م. ع م نا: مركز الكتاب الأكاديمي،.2019 حسين، خليل. التاريخ السياسي للوطن العربي. تقديم محمد المجذوب. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2012 حيدر، رمضان عبد السلام. "الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة". مجلة العلوم الإنسانية والتطبيقية. العدد 25 (2014 في:). https://bit.ly/49iTPht الخليل، كربال إبراهيم، وخلاصي كعسيس خليدة. "إشكاليات اندماج القبيلة في مسار إعادة بناء الدولة الليبية بعد 2011 في ظل التحولات النظرية: مقاربة تحديثية بنائية". المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية. مج 16، العدد 1.)2021(خير بك، بشرى، وعقيل نمير. تاريخ الوطن العربي المعاصر "المغرب العربي". دمشق: جامعة دمشق، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، رميح، طلعت. "ليبيا: الحل السياسي المأزوم والصراع العسكري الملغوم". مجلة البيان. العدد 391 )تشرين الثاني/ نوفمبر.(2019 سالم، عليي محمد عليي. "ليبيا الحرة: ليبيا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية". مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية. عدد خاص: أبحاث المؤتمر العلمي الدولي )الثورة والقانون(. كلية الحقوق. جامعة الإسكندرية )كانون الأول/ ديسمبر.)2011

السطي، الفيتوري صالح. "الثقافة السياسية في المجتمع الليبي". مجلة شؤون اجتماعية. العدد).2017(135 سيمونز، جيف. ليبيا والغرب من الاستقلال إلى لوكربي. ترجمة وتقديم نقولا زيادة. أكسفورد: مركز الدراسات الليبية،.2013 شبين، عدنان. "النزاع الاجتماعي الممتد في ليبيا بين رهانات العنف وتداعيات انهيار الدولة". مجلة دراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية. مج 3، العدد 5.)2020(الشرجبي، عادل مجاهد. "أزمة عجز الدولة وخطر انهيارها: حالة اليمن"، في: أزمة الدولة في الوطن العربي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع مركز كارنيغي للشرق الأوسط والجمعية العربية للعلوم السياسية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 الشيخ، محمد عبد الحفيظ. "ليبيا بين الصراع السياسي والصراع المسلح: التحديات والآفاق". مجلة دراسات شرق أوسطية. مج 19، العدد 71.)2015(الشيخ، محمد. "إشكالية تعثر الانتقال الديمقراطي في ليبيا بعد 2011". مجلة دراسات شرق أوسطية. مج 18، العدد 68 )صيف.(2014 الصواني، يوسف محمد جمعة. ليبيا الثورة وتحديات بناء الدولة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 ________. "الولايات المتحدة وليبيا: تناقضات التدخل ومستقبل الكيان الليبي". المستقبل العربي. العدد 431 )كانون الثاني/ يناير 2015(.. عبد الله، بلال. الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية بين ممكنات التكيف وأزمة الاندماج الوطني. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2014 ________. "ليبيا بين مفارقات المشهد الداخليي والمواقف الإقليمية والدولية". مجلة السياسة الدولية. مج 52، العدد 205 )تموز/ يوليو.(2016 ________. "لماذا تتعثر محاولات بناء نظام انتقالي في ليبيا؟". مجلة الديمقراطية. العدد 75 )تموز/ يوليو.(2019 علام، مصطفى شفيق. "القبلية والثورات العربية: نموذجا اليمن وليبيا". مجلة البيان. العدد).2012(9 عليي، خالد حنفي. "سقوط الجماهيرية: من يحكم ليبيا بعد القذافي؟" مجلة السياسة الدولية. مج 46، العدد 186 )تشرين الأول/ أكتوبر 2011(.. ________. "دولة منزوعة السيطرة: محفزات وكوابح تفكك ليبيا بعد الثورة". مجلة السياسة الدولية. مج 49، العدد 195 )كانون الثاني/ يناير.(2014 الغذامي، عبد الله. القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2009 الغضبان، سهام. "ليبيا ما بعد القذافي: معوقات بناء الدولة". مجلة الإسلام والعالم المعاصر. مج 7، العدد 4-3.)2012(غليون، برهان. المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. ط 4. بيروت/ الدوحة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 الفاخري، مبروكة سعيد. "المملكة الجرمية في فزان منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى القرن السادس الميلادي". مجلة جامعة سبها للعلوم الإنسانية. مج 14، العدد 2.)2015(الفاضي، جمال خالد. "مقاربة نظرية حول أزمة الدولة في المنطقة العربية". تسامح. العدد 67 )كانون الأول/ ديسمبر.(2019 لبدي، حنان. "ليبيا بين التفكك الداخليي والاختراق الخارجي". دفاتر السياسة والقانون. مج 13، العدد 3.)2021(المجمعي، محمد شطب عيدان. "النخبة السياسية وأثرها في التنمية السياسية". مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية. السنة 1، العدد 4.)2009(مصباح، زايد عبيد الله. "إشكاليات بناء الدولة الديمقراطية في ليبيا: القيم واتخاذ القرار". المستقبل العربي. السنة 35، العدد 403 )أيلول/ سبتمبر.(2012 المقريف، محمد يوسف. ليبيا بين الماضي والحاضر: صفحات من التاريخ السياسي، ج 1: ميلاد دولة الاستقلال. مج 1. أكسفورد: مركز الدراسات الليبية،.2004 المهدي، محمد عبد الحفيظ. "أثر التدخل الخارجي على الثورة الليبية 2011 ". مجلة شؤون عربية. العدد 162 )صيف 2015(. في: https://bit.ly/3waTL52 موران، إدغار. في مفهوم الأزمة. ترجمة بديعة بوليلة. بيروت: دار الساقي،.2018 موسى، هاني. "أزمة الدولة في العالم العربي: دراسة مقارنة لحالتي العراق والسودان". أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه. تونس. جامعة تونس المنار. 2018. )غير منشورة) نصار، فتحي حسن. ليبيا من الاحتلال الأسباني حتى الاستقلال - 1510 51 19. القدس: دار الجندي للنشر والتوزيع،.2015 ونّاس، المنصف. الشخصية الليبية: ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة. تونس: الدار المتوسطية للنشر،.2014

الأجنبية

Hweio, Haala. "Tribes in Libya: From Social Organization to Political Power." African Conflict and Peacebuilding Review (Indiana University Press). vol. 2, no. 1 (Spring 2012). Muita, Michelle (ed.). Libya Conflict Insight. IPSS Peace & Security Report. vol. 1. Institute for Peace and Security Studies. Addis Ababa University, 2018. Rotberg, Robert I. (ed.). State Failure and State Weakness in a Time of Terror. Washington DC: Brookings Institution Press, World Peace Foundation, 2003. at: https://bit.ly/42ndYRs Winer, Jonathan M. "Origins of The Libyan Conflict and Options Forfor Its Resolution." Policy Paper. Middle East Institute. May 2019. at: https://bit.ly/3HL8RAS Yahaya, Jibrin Ubale, Jibrin Jibrin & Musa Mohammed Bello. "Libyan Crisis and The Escalation of Conflict and Insecurity in Africa." International Journal of Humanities and Social Sciences. vol. 18, no. 4 (March 2020).