نهج دول الخليج المانحة عبر الرابطة الثلاثية في السياقات الهشة والمتضررة من الصراع: الواقع والتحديات والآفاق

The Approach of Gulf Donor Countries Through the HDP Triple Nexus in Fragile and Conflict-affected Contexts: Reality, Challe

وديع العرابيد| Wadee Alarabeed *

الملخّص

ظهرت دول الخليج الأربع، السعودية والإمارات والكويت وقطر، خلال العقود الماضية، بوصفها دولًا مانحة نشطة، تقوم بأدوار بارزة في المناطق الهشّة والمتضررة من الصراعات في المجالات الإنسانية والتنموية والمرتبطة بالسلام. وفي حين تبرز معظم مساعداتها الخارجية في المجالين الإنساني والتنموي، فقد بقيت مساعداتها المتعلقة بالسلام مجهولة الاتجاه وينقصها التحليل الكافي نتيجة لغياب نظام توثيق رسمي يصدر عن المانحين الخليجيين في هذا المجال. ولسدّ هذه الثغرة، تتناول هذه الدراسة تدفقات المساعدات الخارجية للدول الخليجية المانحة عبر عدسة الرابطة الثلاثية أو نهج الإنسانية والتنمية والسلام. ويشير التحليل إلى أن دول الخليج المانحة لا تتصرف مع المساعدات المقدّمة بطريقة تتوافق مع حركة الإصلاحات التي قادتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الخاصة بنهج الرابطة الثلاثية. وتظهر النتائج أن تحديات التطبيق الكامل لهذا النهج في سياسات المساعدة الخارجية لهذه الدول تتمثل في ضعف التنسيق بين المانحين الخليجيين وغيابه، وضعف تبادل البيانات والمعلومات والتحليلات المشتركة، إضافة إلى عمل المانحين ضمن إطار التمويل الثنائي.

Abstract

Over the past decades, the four Gulf states—Saudi Arabia, the United Arab Emirates, Kuwait, and Qatar—have emerged as active donor countries, playing prominent roles in fragile and conflict-affected areas in the humanitarian, developmental, and peace-related fields. While most of their foreign aid is visible in humanitarian and development sectors, their peace-related assistance remains directionally unclear and lacks sufficient analysis due to the absence of an official documentation system issued by Gulf donors in this area. To address this gap, this paper examines the foreign aid flows of Gulf donor countries through the lens of the Humanitarian-Development- Peace Triple Nexus. The analysis suggests that Gulf donor countries do not align their aid with the reform movement led by the Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD) regarding the HDP Triple Nexus. The results reveal that the challenges to fully implementing this approach in the foreign aid policies of these countries include weak coordination among Gulf donors, the absence thereof, inadequate exchange of data, information, and joint analysis, in addition to operating within a framework of bilateral funding.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

على مدى السنوات الماضية، برزت دول الخليج المانحة الأربع، السعودية والإمارات والكويت وقطر، بوصفها مساهِمة رئيسة في المساعدات الإنسانية والإنمائية والمتعلقة بالسلام خارج المنتدى التقليدي لأعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وقد تميزت مساعداتها للسياقات الهشّة والمتضررة من الصراعات المختلفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأماكن أخرى، بكونها تُعّبر في الأساس عن تعهدات ومساهمات استراتيجية متأصّلة وبوصفها جزءًا لا يتجزأ من أدوات السياسة الخارجية لهذه الدول، فضلًا عن أنها "مدفوعة بمبادئ دينية راسخة، قوامها الأعمال الخيرية التي كثيرًا ما تُصاغ وفقًا للأهداف السياسية الوطنية للبلدان المانحة على وجه الخصوص"1. وإضافةً إلى ذلك، فهي تعكس المواقف المبدئية المتعلقة بالأمن البشري والتكامل الثقافي وسيادة الدولة" والمصلحة الوطنية2، بالتزامن مع تأطير هذه المساعدات باعتبارها تهدف على نحو واضح إلى تحقيق السلام والأمن الدولَييَن. وغالبًا ما يجري تهميش مثل هذه الحقائق - تحديدًا تلك المتعلقة بدوافع تحقيق الأمن والسلام للمساعدات الخليجية - في الدراسات الأكاديمية، خصوصًا عند مقارنة توجهات دول الخليج المانحة في المساعدة الخارجية بالمانحين الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أجندة "الإصلاح الهيكلية" الخاصة بالرابطة الثلاثية تستهدف الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لذلك فهي لم تكن ملزمة لدول الخليج المانحة3. وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات الجوهرية في عمل المنظمة ودول الخليج المانحة، مع الأخذ في الحسبان وجود خصائص مشتركة، مثل اهتمام الأخيرة التاريخي بتوجيه التمويل إلى برامج البنية التحتية الاجتماعية، فإن السنوات الأخيرة شهدت بعض أوجه التقارب بين الجهتين (ما يعرف في الدراسات التعاون بين الشمال والجنوب). وتُعدّ مشاركة دول الخليج العربية المانحة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الإمارات في عام 2014، وقطر في عام 2016، والكويت والسعودية في عام 20184، مع بروز توجّهات للعمل ضمن عدسة الرابطة الثلاثية، خصوصًا في السياقات الهشّة والمتضررة من الصراعات، من أبرز تمظهرات هذا التقارب5. تُظهر البيانات أن هناك ميلًا نسبيًا لدى دول الخليج إلى تأطير سياسات المساعدة الخاصة بها وعملياتها عبر عدسة الرابطة الثلاثية، وفي هذا تبرز بعض المزايا النسبية بوصفها من الفاعلين المحتملين لتمويل برامج ضمن هذا الفضاء، لكنها تواجه تحديات كبيرة باعتبارها مانحة في التبني الكليي لمثل هذا الدور. هذه التحديات مترابطة ومتعددة الأبعاد. على سبيل المثال، تشمل بعض العوائق التي تحول دون قيام دول الخليج بدور في تعزيز الرابطة الثلاثية، غياب وجود مفهوم واضح لما يعنيه نهج الرابطة الثلاثية، وتحديدًا من الناحية العملية، ومن ثمّ يؤدي ذلك إلى خلل في التنفيذ. وفي حين تُعّبر دول الخليج عن المساعدات الخارجية بأنها تهدف إلى تحقيق السلام، في التصريحات الرسمية، فإنّها غالبًا ما تؤطر مساهماتها في ظل "الصوامع التقليدية" التي تفضّ ل الربط بين المساعدات الإنسانية والتنموية (الرابطة الثنائية)، وليس نهج العلاقة الثلاثية بين المساعدة الإنسانية والتنمية والسلام. ومن العوائق أيضًا أن تبنّي نهج الرابطة الثلاثية يحمل في طيّاته العديد من المخاوف، خاصة عند التفكير في المعاني المختلفة التي تعكسها مساعدات السلام. وهناك من عّبر عن أن هذا النهج قد يثير العديد من الحساسيات السياسية التي قد تُعرّض حياد المنظمات الإنسانية للخطر، إلى جانب عدم وضوح النهج حين تطبيقه على آليات المساعدات الخارجية لدول الخليج بسبب غياب بعض الحقائق حول طبيعتها، لذلك فإن مسألة تبنّيه بالكامل في السياسات تُعدّ صعبة ومعقّدة جدًا. علاوة على ما سبق، فإن ضعف آليات التنسيق والإبلاغ وأطر السياسات المتباعدة بين العمل الإنساني والتنموي والسلام، والخطوط غير الواضحة التي تحدد بدقة نماذج العمل الإنساني والتنموي والمشاريع المتعلقة بمساعدات السلام، وضعف التنسيق وتبادل المعلومات وغياب التحليلات المشتركة الصادرة عن دول الخليج، كما سنوضح لاحقًا بالتفصيل، يجعل ذلك كله من التتبع الدقيق لوجهة المساعدة في ضوء الرابطة الثلاثية موضوع بحث صعب، وبالغ الأهمية في آنٍ معًا6.

  1. Elia Zureik, "Qatar's Humanitarian Aid to Palestine," Third World Quarterly , vol. 39, no. 4 (2018), p. 794.
  2. Sultan Barakat & Stephen Zyck, "Gulf State Assistance to Conflict-
  3. Sultan Barakat & Ghassan Elkahlout, "Gulf State Donors across
  4. Ibid. 5 Pauline Veron & Volker Hauck, "Connecting the Pieces of the Puzzle: The EU's Implementation of the Humanitarian-Development-Peace Nexus," Discussion Paper , no. 301, The European Centre for Development Policy Management (ECDPM) (June 2021). 6 ينظر: "فعالية "إطلاق تقرير الأثر السنوي 2021 لقطر الخيرية"، مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، يوتيوب، 2022/9/12، شوهد في 2023/3/26، في: https://bit.ly/42mIwTf
  5. Affected Environments," Kuwait Programme on Development, Governance and Globalisation in the Gulf States, The Centre for the Study of Global Governance, LSE (2010).
  6. the Humanitarian-Development-Peace Nexus," Gulf Research Center Cambridge (2022), accessed on 26/3/2023, at: https://bit.ly/3ns9mJ6

ومع مرور أكثر من عقد على صعود أجندة الرابطة الثلاثية على المستوى العالمي، فإن هناك حاجة ملحّة إلى دراسة توجهات المساعدات الخارجية عبر عدسة الرابطة الثلاثية، التي بدأت تظهر حديثًا في بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لدى دول الخليج المانحة تحديدًا، وتبيان موقعها في ما يتعلق بالعلاقة الثلاثية، ومناقشة التحديات التي تواجهها في تبنّي مثل هذا النهج. وللقيام بذلك، تقدّم هذه الدراسة بعض التأملات النظرية التي توضح ماهية الرابطة الثلاثية، ومن ثم تحلّل طبيعة الدور الحالي لدول الخليج بوصفها جهات فاعلة في تعزيز نهج الرابطة الثلاثية ومدى قدرتها على الظهور باعتبارها من الناشطين التحوّليين في هذا المجال. وتتّبع الدراسة تقنية تحليل المحتوى، التي مُتّ كّن من توثيق مشاركة دول الخليج المانحة في الرابطة الثلاثية في السياقات الهشّة والمتضررة من الصراعات، وتحليل البيانات المعروضة على نظام التتبع الخاص بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، واعتمادًا على مسح للأدبيات ذات الصلة، والتي تتضمن مجموعة من الدراسات الأكاديمية وأوراق السياسات الصادرة عن المنظمات الدولية وملخصات التقارير الإعلامية التي جرى تحليلها من الصحف الإنكليزية والعربية. وتفيد تقنية تحليل المحتوى في كونها تضع المساعدات الخارجية الموثّقة في الجداول المرفقة في هذه الدراسة ضمن سياق، وتعوّض عن عدم إمكانية الحصول على البيانات الرسمية للمساعدات الخارجية بسبب انعدام نظام توثيق رسمي يصدر عن المانحين الخليجيين في هذا المجال7. وتعتمد الدراسة أيضًا على الخبرة التراكمية للباحث في المجال، نظرًا إلى انخراطه في المنطقة خلال السنوات الماضية. تبدأ الدراسة بمراجعة أدبية لتصوّر نهج الرابطة الثلاثية، ثم تحلّل دور دول الخليج في تعزيز هذا النهج، ومن ثم تبّين موقع دول الخليج في ما يتعلق به، وتختم بمناقشة التحديات أمام تنفيذ هذا النهج في العالم العربي ودول الخليج المانحة.

أولا: المراجعة الأدبية: نهج الرابطة الثلاثية

شهد العالم بعد الحرب الباردة مجموعة من التحّولّات السياسية والاجتماعية التي أثّرت في سياق ومفهوم تدخلات الأطراف الثالثة في الاستجابة في المناطق الهشة والمتأثرة بالنزاعات والأزمات. وأخذت تدخلات الأمم المتحدة ووكالاتها والحكومات المانحة والمنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية والمحلية في المجالات كلها، الإنسانية والتنموية وبناء السلام، نصيبها من هذه التحولات؛ إذ توجّه تركيزها على نحوٍ متزايد إلى الاستجابة ضمن نهج يربط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام، وخصصت موارد وجهودًا كبيرة لهذا الغرض. وكذلك شجّعت النكسات التي واجهتها الاستجابات الطارئة والقصيرة الأجل في العديد من السياقات الهشّة والمتضررة من الصراعات، مثل رواندا والبوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي، نظرًا إلى الفشل في معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات وتركيزها على أنشطة الإغاثة فحسب، على أن تكون الرابطة الثلاثية على رأس جدول الأعمال العالمي طوال العقد المنصرم. وقد تَبدّت الرابطة الثلاثية بدايةً بوصفها نهجًا إصلاحيًا لنظام المعونة الإنسانية والتنموية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ثم تحوّلت إلى نهج عالمي. وقد شكّل قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2282 (2016) بشأن مراجعة هيكل الأمم المتحدة لبناء السلام، والخطاب الافتتاحي للأمين العام للأمم المتحدة في عام 2016، الأرضية الصلبة لدعم نهج الرابطة الثلاثية وتبنّيه على نطاق واسع من خلال تأكيد أهمية العمل معًا من أجل "إعطاء الأولوية للوقاية من الأسباب الجذرية ومعالجتها، ولمؤسسات الدعم من أجل السلام والتنمية المستدامين"8. ويشير هذا التركيز إلى أن نهج الرابطة الثلاثية لا يُعدّ جزءًا من جدول أعمال يتجاوز المنطقة المألوفة للعمل الإنساني فحسب، لكن الأهم من ذلك أنه يُعترف به الآن عنصرًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار والأمن العالمَييَن والقضاء على الفقر في القرن الحادي والعشرين. يتمثّل أحد أبرز العوامل التي دفعت بهذا النهج إلى الأمام في معالجة أوجه القصور المتجذّرة في نظام المساعدة الإنسانية والإنمائية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، البالغ عددها 38 دولة حول العالم. وتتمثل أوجه القصور هذه في فشل آليات الاستجابة الإنسانية والتنموية في معالجة الآثار الطويلة للأزمات والحروب، وانعدام آليات استجابة متكاملة للنزاع، وعدم القدرة على إثبات فاعلية المعونة في الانتقال من الحرب إلى السلام وتحقيق التنمية الطويلة المدى، وضعف التنسيق بين الفاعلين في المنظومة الإنسانية والتنموية وبناء السلام، وضعف آليات التمويل الجيدة والمرنة والمتعددة الأطراف9. واستجابةً لأوجه القصور هذه، نُصِ ح

  1. لمزيد من المعلومات حول مقاربة تحليل المحتوى المستخدمة في هذا الشكل من الدراسات، ينظر: 789 p..Zureik,
  2. Elizabeth Ferris, "The Humanitarian-Peace Nexus," Research Briefing Paper , UN Secretary-General's High-Level Panel on Internal Displacement (August 2020), accessed on 26/3/2023, at: https://bit.ly/3RjpNST
  3. Sumarry Report and a Roadmap for Future Action," Joint Workshop between the Iasc Task Team on Humanitarian-Development Nexus in Protracted Crises and the UN Working Group on Transitions on the Humanitarian-Development-Peace Nexus, 20-21/10/2016, New York, 22/11/2016, accessed on 26/3/2023, at: https://bit.ly/3LwjRp8

المساهمون في النظام الإنساني الذين لديهم إشكالات في الهياكل التنظيمية لنظم الاستجابة بإجراء المزيد من الإصلاحات الهيكلية وزيادة "الإجراءات التعاونية والتكميلية الإنسانية والإنمائية والسلام، ولا سيما في السياقات الهشة والمتأثرة بالصراعات"10. وينادي أنصار الرابطة الثلاثية بتعزيز الصلة بين المساعدة الإنسانية والتنمية وبناء السلام معًا، بما في ذلك إنهاء القطيعة بين أنشطة الإغاثة القصيرة الأجل والتنمية الطويلة الأجل، والتي قوّضت، على مدى سنوات، فاعلية عمليات الاستجابة للنزاعات حول العالم11. وتشير الدراسات النظرية كذلك إلى أن ظهور مفهوم "الهشاشة" Fragility و"المرونة" Resilience، في بدايات هذه الألفية، قد عزّز الحوارات والنقاشات الدائرة حول النماذج الشاملة والمتكاملة في الاستجابة للنزاعات12. وقد بادر اتجاه آخر إلى نقد نهج الرابطة الثلاثية من ناحية أنه يحمل العديد من المخاوف، خاصة عند التفكير في المعاني المختلفة التي يعكسها السلام. ويجادلون بأن هذا "قد يزيد من استغلال العمل الإنساني ويساهم في مزيد من تقلص الحيّز الإنساني، لأنه قد يمنح، على سبيل المثال، الجهات الفاعلة الحكومية دورًا مهيمنًا في برامج المنظمات وسياساتها"13. يركّز جزء كبير من هذا النقد على طبيعة برامج بناء السلام التي غالبًا ما تتضمن "عمليات من أعلى إلى أسفل وتتجاهل المجتمعات والثقافات والقدرات المحلية"14. وقد دفع ذلك العديد من الجهات الفاعلة إلى الدعوة إلى مزيد من التنسيق والتعاون بين الجهات الفاعلة الإنسانية والإنمائية - "رابطة العمل الإنساني والتنمية أو العلاقة المزدوجة أو الثنائية"15. وعلى هذا النحو، يُنظر إلى فئة مساعدات السلام باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تحول دون اعتماد العلاقة الثلاثية، حيث إنها أقل وضوحًا من المساعدات الإنسانية والتنموية، خاصة من جانب الجهات الفاعلة الإنسانية. وقد جادلنا سابقًا بأن هذا التوجّه ناجم عن الخلل الهيكليي في آليات التنسيق والتعاون بين الأطراف الفاعلة في المنظومة الإنسانية، والناتج على نحو رئيس من انعدام التخطيط والبرمجة المشتركة الشاملة بين القطاعات الثلاثة على المستوى الوطني والإقليمي والدولي16. فالتنسيق والتعاون يؤديان إلى تبادل المعلومات وتحسين الجودة والمساءلة في العمل وتبادل الخبرات والتعلم بين الجهات الفاعلة الإنسانية والتنمية والسلام، ما يُقلّل من الفجوة بين القطاعات الثلاثة. يتضمن مكوّن السلام مجموعة من الجهات الفاعلة والمؤسسات الدولية والإقليمية والمحلية، بما في ذلك الجانب "الناعم"، لبناء السلام وحل النزاعات والهيكل الدبلوماسي للنظام الدولي، والجانب "الصعب" من حيث الأمن والاستقرار وجهود حفظ السلام17. أحد التفسيرات لنقص آليات التنسيق والتعاون المحددة بين الجهات الفاعلة الإنسانية والإنمائية والسلام هو عدم وجود تعريف واضح ومتماسك لإطار السياسات الإنسانية والإنمائية والسلام في بعض البلدان، وهذا يجعل تفسير دوافع الجهات الفاعلة للانخراط في سياقات النزاع في القطاعات الثلاثة أكثر صعوبة، وقد يُلقي بظلال من الشك على آليات الجودة والمساءلة المتّبعة في المناطق الهشّة والمتضررة من الصراعات18. ومع ذلك، فقد استمرت الحركة الدولية في الدعوة إلى تبنّي نهج الرابطة الثلاثية. جرى تأكيد أهمية هذا النهج خلال القمة العالمية للعمل الإنساني في عام 2016، حيث اتفق المشاركون (الدول والمنظمات)، بالإجماع، على الحاجة إلى تعزيز العلاقة بين العمل الإنساني والتنمية والسلام، لتحدي العوائق والعقبات المؤسسية والتنسيقية والتمويلية. كان التزام الجهات المانحة خلال القمة العالمية بما يسمى "طريقة جديدة للعمل" NWOW، يشبه حافزًا قويًا أيضًا للعمل الإنساني الناشئ مع التنمية والسلام. على الطرف الآخر، جادل تيار بأن القيام بالمهمات الإنسانية ينبغي له أّلا يتوقف عند التركيز على التدخلات الطويلة الأمد، ومع ذلك، فإن التفكير في الاستجابة الطويلة الأمد مهم، ويجب أن تجري هذه الأنشطة بالتزامن وضمن خطط وسياسات واضحة، قائمة على الجهود الجماعية والتعددية والتنسيق والتعاون المشترك بين أعضاء المجتمع الدولي19. وعمومًا، شكّل التزام الدول والمنظمات الدولية خلال مؤتمر القمة العالمية بما سُمي "طريقة

  1. Gloria Nguya & Nadia Siddiqui, "Triple Nexus Implementation and Implications for Durable Solutions for Internal Displacement: On Paper and in Practice," Refugee Survey Quarterly , vol. 39, no. 4 (2020), pp. 466-480.
  2. Sultan Barakat & Sansom Milton, "Localisation across the Humanitarian-Development-Peace Nexus," Journal of Peacebuilding & Development , vol. 15, no. 2 (2020).
  3. Sultan Barakat & Anna Larson, "Fragile States: A Donor-Serving Concept? Issues with Interpretations of Fragile Statehood in Afghanistan," Journal of Intervention and State Building , vol. 8, no. 1 (2014), pp. 21-41.
  4. Ralf Südhoff, Sonja Hövelmann & Andrea Steinke, "The Triple Nexus in Practice: Challenges and Options for Multi-Mandated Organisations," Center for Humanitarian Action (CHA) (2020), accessed on 26/3/2023, at: https://bit.ly/3xNrFdu
  5. Sultan Barakat, "Gulf States and Peacebuilding: Key Characteristics, Dynamics, and Opportunities," Center on International Cooperation (April
  6. Wadee Alarabeed, "Qatar's Approach across the Triple Nexus in Conflict-Affected Contexts: The Case of Darfur," Third World Quarterly , vol.
  7. Ibid., pp. 8 - 9.
  8. Ibid.
  9. Ibid. 19 Ibid.
  10. 54, no. 1 (2024), pp. 6 - 23.

العمل الجديدة"، نقطة التحول لربط العمل الإنساني بالتنمية والسلام20. في جوهر الأمر، تُستخدم العلاقة بين العمل الإنساني والتنمية والسلام خطابيًا، إلى حدٍ بعيد، من الجهات المانحة للدلالة على الالتزام بأشكال مبتكرة ومتكاملة للاستجابة للصراعات التي تعمل عبر المجالات الإنسانية والتنمية وبناء السلام. لذلك، فإن التحدي الحاسم في ما يتعلق بهذا التحول هو الانتقال من التصوّر إلى التنفيذ العمليي من أجل تقليص الفجوة غير المقبولة والقائمة بين الخطاب والواقع21. في عام 2017، بادر قطاع التنمية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، في البدء، بمعالجة هذا التحدي من خلال وضع العلاقة بين التنمية والعمل الإنساني وبناء السلام ودور برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مناطق ما بعد الصراعات، على رأس جدول أعمال مناقشة الأنشطة التنفيذية للشروع في تنفيذ النهج على أرض الواقع. وبناءً على هذه المناقشات، جرى التشديد على أن جوهر نجاح التحوّل إلى الرابطة الثلاثية، يرتكز على عاملين رئيسين: أولًا، ضرورة الانتقال من النُهج المنسقة إلى المتكاملة من أجل الحفاظ على السلام، وثانيًا أن التغيير على مستوى النظام بأكمله يتطلّب وجود إرادة سياسية لدى الفاعلين الدوليين22. تجدر الإشارة إلى أن الشعبية التي حازها مفهوم الرابطة الثلاثية، والتي دُفعت بسلسلة التغيرات السياسية والاجتماعية في النظام الإنساني العالمي خلال السنوات الماضية، أدّت إلى أن يتغير في سياقها معنى "الرابطة" نفسه، وجعلته يشهد تطورًا كبيرًا. ففي البداية، تمثّلت الدعوة في الإصلاح بربط العمل الإنساني بالتنمية "الرابطة المزدوجة أو الثنائية"، وبعد ذلك برز المفهوم على نحو أكثر وضوحًا انطلاقًا من أن السلام يتطلّب تدّخلّات ناجحة على المستوى الإنساني والتنموي23. في الوقت الحالي، تميل جهات فاعلة دولية عديدة في المنظومة الإنسانية إلى اعتبار الرابطة الثلاثية ركيزة رئيسة في الاستجابة للسياقات الهشّة والمتضررة من الصراعات24. وتعني الرابطة الثلاثية الصلة بين مجالات العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام، حيث يُطلب من الجهات الفاعلة في العمل الإنساني والتنموي والأنشطة المتعلقة بالسلام العمل معًا أكثر وزيادة مستوى التنسيق لمعالجة الأزمات الطويلة الأمد والمعقدة وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود، وتحديدًا المجتمعات الهشّة25. من الناحية التشغيلية، يمكن أن يجري التكامل والاتساق والتنسيق بين هذه الركائز الثلاث، على سبيل المثال لا الحصر، من خلال: 1. تعزيز آليات التنسيق بين الفاعلين في المنظومة الإنسانية والتنموية والسلام، 2". تطوير تحليلات السياق المشتركة وتقييمات الحاجات والنتائج المشتركة بين الجهات الفاعلة، 3. التغييرات في التمويل، مثل التحرك نحو التمويل المتعدد السنوات، والمساعدة المخصصة أقل، 4. التمويل المرن وتبسيط آليات التمويل"26.

ثانيًا: دور دول الخليج في تعزيز نهج الرابطة الثلاثية

يقدم هذا المبحث لمحة موجزة عن الطرائق التي تساهم بها دول الخليج في تعزيز نهج الرابطة الثلاثية: الإنسانية والتنمية والسلام. 1. المممساعدات الإنمائية الثنائية الرسمية الخليجية للسياقات الهشة عبر الرابطة الثلاثية27يقدّم هذا الجزء بيانات دول الخليج العربية المانحة الأربع، السعودية والإمارات والكويت وقطر، التي جرى جمعها أساسًا وفقًا لنظام التتبع الخاص بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وذلك لإظهار طبيعة المساعدات المقدّمة عبر عدسات الرابطة الثلاثية للسياقات الهشّة فحسب، وعرض نطاقها. يعرض الجدول (1) المساعدات الإنمائية السعودية الثنائية الرسمية للسياقات الهشّة عبر الرابطة الثلاثية بين عامي 2015 و 2020، حيث بلغ مجموع مساهماتها نحو 2.25 مليار دولار أميركي للمساعدات الإنسانية، و 6 مليارات دولار أميركي للمساعدات التنموية، في حين بلغت مساعدات السلام 158.6 مليون

  1. Sebastian Weishaupt, "The Humanitarian-Development-Peace Nexus:
  2. Demystifying the Humanitarian, Development and Peace Nexus," International Council of Voluntary Agencies (ICVA), accessed on 16/3/2023, at: https://bit.ly/4bUXW5N
  3. Alarabeed.
  4. Barakat & Milton.
  5. Barakat & Elkahlout.
  6. Veron & Hauck.
  7. The Triple Nexus: Questions and Answers on Integrating Humanitarian, Development and Peace Actions in Protracted Crises," ReliefWeb, 6/8/2020, accessed on 20/4/2023, at: https://rb.gy/0l18mw 27 وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تُعرّف الهشاشة بأنها "مزيج من التعرض للمخاطر وقدرات التكيّف غير الكافية للدولة والنظام و/ أو المجتمعات لإدارة هذه المخاطر أو استيعابها أو التخفيف منها. يحدث في مجموعة من الشدة Intensity of Spectrum عبر ستة أبعاد: الاقتصادية والبيئية والسياسية والأمنية والمجتمعية والبشرية. ثم أضيف البعد السادس للهشاشة - البعد الإنساني - عام 2022 ليعكس أهمية الاستثمار في رفاهية الناس وسُبل عيشهم. يساعد إطار الهشاشة المتعدد الأبعاد، من خلال تصويره توازن المخاطر وقدرات المواجهة عبر ستة أبعاد، في فهم دوافع الهشاشة وعواقبها، بما في ذلك الاستجابات لها في السياقات الهشّة. وهو يوفر أساسًا تحليليًا لسلسلة تقارير حالة الهشاشة". ينظر: " States of Fragility 2022," OECD, accessed on 20/4/2023, at: https://bit.ly/40OPz5A
  8. Towards Differentiated Configurations," UNRISD Working Paper , no. 2020- 8, The United Nations Research Institute for Social Development (UNRISD) (2020), accessed on 26/3/2023, at: https://cutt.ly/LTAseDM

دولار أميركي في الفترة المحددة28. الحصة الأكبر من المساعدات كانت للمساعدات الإنمائية، ثم المساعدات الإنسانية ومساعدات السلام على التوالي. ويتبّين من الجدول (1) أيضًا أن مساهمات السعودية لمساعدات السلام تأتي في المرتبة الثانية من بين الدول الخليجية المانحة الأربع، تسبقها الإمارات بحوالى 838.8 مليون دولار أميركي بين عامي 2009 و 2020، مع الأخذ في الحسبان النقص في بيانات السعودية. ومع ذلك، وحتى عام 2020، ووفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، احتلت السعودية المرتبة الأولى من حيث حجم المساعدات الإنمائية الرسمية، مقارنةً ببقية دول الخليج العربية29. وبالعودة إلى مساهماتها للسياقات الهشّة، فقد بلغت 45.5 في المئة من إجمالي المساعدة الإنمائية الرسمية في عام 2020 (نحو 864.7 مليون دولار أميركي). في حين بلغت نسبة المساعدات الإنسانية 24 في المئة من إجمالي المساعدة الإنمائية الرسمية، وهو ما شكّل انخفاضًا من 43 في المئة في عام 2019، وفي المقابل جرى تخصيص 4 في المئة لمساعدات السلام في عام 2020، بزيادة بلغت حوالى 2.4 في المئة على العام السابق. ارتفعت المساهمات المخصصة للوقاية من النزاعات، وهي "مجموعة فرعية من المساهمات في السلام" إلى 3.6 في المئة، وهي زيادة على عام 2019 بنسبة 1.6 في المئة. يشير الجدول (2) إلى أن الإمارات تمزج إلى حدٍ بعيد بين الأهداف

مساعدات
السلام
المساعدات
التنموية
المساعدات
الإنسانية
الفئة
امإلعام
0.557887479319.8074403244.81018462015
5.032473975435.4536668214.20162532016
37.28792615648.472378966.012340922017
42.923786293134.078162805.17322882018
38.34270176883.6405018706.02893382019
34.478234622.9555728207.26603572020
7 158.6230096044.4077232243.492349المجموع

الإنسانية والتنمية والسلام في مساعداتها الخارجية للسياقات الهشّة، مع تقلّد المساعدات التنموية الترتيب الأول، مقارنةً بالمساعدات الأخرى؛ إذ وصلت إلى مبلغ قدره 9.58 مليارات دولار أميركي، وإلى 3.614 مليارات دولار أميركي مساعدات إنسانية، في حين وصلت مساعدات السلام إلى أكثر من 838 مليون دولار أميركي، وذلك بين عامي 2009 و 2020. وفي عام 2019، بلغت مساهمة الإمارات حوالى 71.6 في المئة للسياقات الهشّة، وهو يشكّل أكثر من 1.3 مليار دولار أميركي، منها 13.6 في المئة قُدّمت للمساعدات الإنسانية، وهي زيادة بنسبة 27.4 في المئة، عما كانت عليه في عام 2019، بينما جرى تخصيص 0.5 في المئة لمساعدات السلام، بزيادة 0.1 في المئة على الدعم المخصص في عام 2019. وبمقارنة البيانات في الجدول (2) بالبيانات في الجداول (1 و 3 و 4)، نجد أن الإمارات تُولي اهتمامًا كبيرًا في تخصيص الدعم لمساعدات السلام، مقارنةً بالدول الأخرى. ويمثل ذلك بوضوح بروز العمل عبر الرابطة الثلاثية في سياسة المساعدات الخارجية الإماراتية. ويوضح الجدول (2) أن أعلى نسبة من مساعدات السلام قد جرى تخصيصها في عام 2009 بأكثر من 177 مليون دولار أميركي، وفي عام 2015 بأكثر من 124 مليون دولار أميركي، إّلا أنه كان من الصعب تنبؤ وجهتها في ذلك الحين، وذلك بسبب غياب البيانات الرسمية للمساعدات الخارجية الصادرة عن الإمارات في هذا الشأن. ومع ذلك، أحد أقرب التفسيرات إلى اهتمام الإمارات، بما في ذلك السعودية وقطر، لتخصيص الدعم لمساعدات السلام، هو تداعيات هجمات 11 سبتمبر 2001، من أجل صرف النظر عن مزاعم تمويلهم الإرهاب في ذلك الوقت30. وقد قدّمت دول الخليج العديد من التبرعات السخية للعديد من البرامج الفرعية التي تُدرج تحت نطاق مساعدات السلام للأمم المتحدة من أجل هذا الغرض، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، بحسب البيانات المتوافرة، تبرّع السعودية في عام 2011، بأكثر من 100 مليون دولار لتأسيس مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، الذي أدرج رسميًا تحت إشراف إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام (إدارة الشؤون السياسية التابعة للأمم المتحدة سابقًا)31. ال جدول (1) المساعدات الإنمائية السعودية الثنائية الرسمية في السياقات الهشة عبر الرابطة الثلاثية بين عامي 2015 و 2020 (مليون دولار أميركي)

  1. Saudi Arabia: Development Co-operation Profiles," OECD, accessed on 20/4/2023, at: https://bit.ly/3l8K0zz
  2. Ibid. المصدر: "Saudi Arabia: Development Co-operation Profiles," OECD, accessed on 20/4/2023, at: https://bit.ly/3l8K0zz
  3. Barakat.
  4. United Nations, Office of Counter-Terrorism, "Funding and Donors," accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/3u6vJYD المصدر: "United Arab Emirates: Development Co-operation Profiles," OECD, accessed on 20/4/2023, at: https://bit.ly/3MjXMdJ

الجدول (2) المساعدات الإنمائية الإماراتية الثنائية الرسمية في السياقات الهشة عبر الرابطة الثلاثية بين عامي 2009 و 2020 (مليون دولار أميركي)

م مساعدات السلامالمساعدات
التنموية
المساعدات
الإنسانية
الفئة
امإلعام
177.3540394417.5754856127.33105322009
12.2011941246.813062886.004099452010
0.857384584190.1347801125.19980162011
0.815717687458.064622749.707709672012
2.179344111337.820874626.549043532013
0.540044297281.0852416208.39520062014
124.67787171050.303737406.75081152015
0.3554147071150.168019441.67725162016
420.74188341064.203837345.00933382017
90.706229561997.9401411150.5829082018
1.2876003511229.642417464.68381342019
7.1810938911156.25246182.6610012020
8 838.8978179580.0046773614.552028المجموع

الكويت أيضًا ناشط فاعل في سياسات المساعدة الإنمائية في دول الخليج، وأول دولة عربية خليجية تؤسس كيانًا مخصصًا لهذا الغرض، تحت اسم "الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية" في عام 1961، وبذلك فهي تمتلك خبرة أكثر من 60 عامًا في هذا المجال32. وتشير البيانات في الجدول (3) إلى ضعف تمويلها المخصص لمساعدات السلام للسياقات الهشّة، حيث بلغت بين عامي 2010 و 2020 حوالى 2.5 مليون دولار أميركي فقط، والنسبة الأعلى من تمويلها، تُوجّه إلى المساعدات الإنمائية، حيث بلغت أكثر من 2.646 مليار دولار أميركي، في حين بلغت المساعدات الإنسانية أكثر من 35 مليون دولار أميركي. وقد مثّلت المساهمات الكويتية للسياقات الهشّة حوالى 12.7 في المئة، بمبلغ قدره حوالى 96 مليون دولار أميركي من إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية الثنائية البالغة 388 مليون دولار أميركي في عام 2020، منها 2.6 في المئة قُدمت على شكل مساعدات إنسانية، والباقي جرى تخصيصه للمساعدات التنموية. وبالنظر إلى بيانات الجداول الأربعة، يتّضح أن المساهمات المقدّمة من الكويت للسياقات الهشّة هي الأقل، مقارنةً بمساهمات دول الخليج الأخرى. ويشير الجدول (3) إلى أن الكويت تُفضّ ل العمل الذي يربط ما بين المساعدات التنموية والإنسانية، إّلا أن أبرز الخصائص التي تميّز الدولة في هذا السياق، الفهم الواضح في التصريحات الرسمية لطبيعة العمل عبر الرابطة الثلاثية، ويُستدل على ذلك من التصريحات الرسمية العلنية لدولة الكويت. وكما ذكر نائب وزير الخارجية، خالد الجار الله، في المنتدى الدولي الأول للاجئين، في جنيف في كانون الأول/ ديسمبر 2019، معلّقًا على الاستجابة لأزمات اللاجئين، فإن "هذا الأمر يتطلّب خلق رؤية دولية موَّحَدة، مقرونة بدعم دولي للمساعدة في تخفيف الضغط على البلدان المضيفة وتعزيز اعتماد اللاجئين على أنفسهم والعمل وفق رؤية مشتركة تستند على منهج الرابطة الثلاثية التي أجمع عليها المجتمع الدولي في القمة الإنسانية العالمية في عام 2016 والقائمة على الإنسانية والتنمية والسلام لمعالجة جذور هذه الأزمات"33. وما يؤشر أيضًا على تبني الكويت الواعي لخطاب الرابطة الثلاثية، توقيع الصندوق الكويتي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي اتفاقية شراكة في منتصف عام 2021، تهدف إلى تبادل المعرفة والخبرة بشأن زيادة المساهمات المخصصة للبلدان والمجتمعات المتضررة من الأزمات والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامةSDGs من خلال الدعم عبر الرابطة الثلاثية34.

  1. Ghassan Elkahlout, "'Hearts and Minds': Examining the Kuwaiti Humanitarian Model as an Emerging Arab Donor," Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies , vol. 14, no. 1 (2020), pp. 141 - 157.
  2. خالد الجار الله: الكويت حريصة على مشاطرة المجتمع الدولي المسؤوليات والأعباء "، القبس، 2019/12/17، شوهد في 2023/3/28، في: https://bit.ly/3TQ5yxv
  3. UNDP, "Kuwait Fund and UNDP Join Forces to Support the Most Vulnerable People in Countries Affected by Crisis: Joint Efforts to Focus on Humanitarian-Development-Peace Nexus," 5/5/2023, accessed on 5/5/2023, at: https://bit.ly/3nxvAJK المصدر: "Kuwait: Development Co-operation Profiles, Kuwait," OECD, accessed on 20/4/2023, at: https://bit.ly/40FCafQ

الجدول (3) المساعدات الإنمائية الكويتية الثنائية الرسمية للسياقات الهشّ ة عبر الرابطة الثلاثية بين عامي 2010 و 2020 (مليون دولار أميركي)

مساعدات
م السلام
المساعدات
التنموية
المساعدات
الإنسانية
الفئة
امإلعام
0.676523345152.54335192010
141.12779462011
177.47344032012
142.96184532013
114.392080122.405899112014
1.815367843242.80088192.8683226882015
582.43696312016
235.2010837.8030806462017
0.067603374509.25729822018
255.24652482019
93.441547952.522020
2.5594945632646.88281135.59730244المجمو ع

تعد قطر ناشطًا جديدًا في الدبلوماسية الإنسانية والتنموية والسلام. ويُبّين الجدول (4) أن الجزء الأكبر من المساعدات الخارجية كان موجّهًا إلى المساعدات التنموية، بأكثر من 469 مليون دولار أميركي، وأكثر من 315 مليون دولار أميركي للمساعدات الإنسانية، في حين وُجّه أكثر من 7.5 ملايين دولار أميركي لمساعدات السلام، وذلك في الفترة 2019 - 2020 فحسب. وقد مثّلت نسبة المساعدات الخارجية المخصصة للسياقات الهشّة حوالى 66.5 في المئة من إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية في عام 2020، في حين وُجّه 1.3 في المئة لمساعدات السلام، بزيادة 0.7 في المئة على عام 201935. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أصبحت قطر مزوّدًا مهمًا للمساعدات الخارجية، وأظهرت التزامًا متزايدًا لتخصيص الأموال عبر الرابطة الثلاثية. وعلى الرغم من أن هذه الأموال المقدّمة مباشرة لقطاع السلام تعكس حصة منخفضة (في البيانات المعروضة هنا)، مقارنةً بإجمالي المساعدات التنموية والإنسانية، فإن المسؤولين القطريين يبرهنون عن مساعداتهم الإنسانية والإنمائية بوصفها أشك لًا لتعزيز السلام في البيانات العامة. بعبارة أخرى، تعترف قطر بالمساعدات الخارجية التي تقدّمها بوصفها مساهمة مباشرة في السلام. وعلى مستوى المؤسسات الوطنية، بُذلت جهود للعمل عبر الروابط الإنسانية والإنمائية والسلام36. وأظهرت المنظمات القطرية اتجاهًا في السنوات الأخيرة نحو تمويل التنمية وتخصيص الأموال لإعادة الإعمار والسلام، وتوزّعت مساعدتها في أكثر من 100 سياق متضرر من الأزمات حول العالم. فمثلًا، نفّذت قطر الخيرية سلسلة من المشاريع التي تُدرج تحت الرابطة الثلاثية، منها على سبيل المثال لا الحصر، مبادرة "الرياضة من أجل السلام والتنمية في دارفور"، التي اعتبرها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة "نموذجًا ناجحًا لمكافحة التطرف"37. ويُعدّ مشروع "تمكين الشباب وإنقاذ أحلام الأطفال الصوماليين من خلال الرياضة"، الذي أطلقه صندوق قطر للتنمية وقطر الخيرية بالتعاون مع المركز الدولي للأمن الرياضي في عام 2023، إحدى المبادرات التي يجري تنفيذها عبر عدسة الرابطة الثلاثية في المناطق الهشّة والمتأثرة بالصراعات. وعلى المستوى الكليي، يمكن تفسير الدور الدبلوماسي لدولة قطر في دارفور، المتمثل في الوساطة، مع التزامها بتقديم حزمة من المساعدات لتحفيز الأطراف على تنفيذ وثيقة الدوحة للسلام، بأنه عبارة عن إطار حكم يشكّل صلةً بين العمل التنموي والسلام. صحيح أن هذه الممارسات تُظهر تقدمًا ملحوظًا في فهم نهج الرابطة الثلاثية لدى القطاعات الثلاثة، فإن تحديد الخط الفاصل بين هذه القطاعات في حاجة إلى مزيد من الوضوح داخل هذه المنظمات، مع الأخذ في الحسبان أن تنفيذ الأنشطة التي تصل العمل الإنساني والتنموي والسلام عشوائي في المؤسسات الخليجية عمومًا، ولا توجد سياسات واضحة تُبّين كيفية العمل عبر عدسة الرابطة الثلاثية. وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن دولة قطر نشطت في مجال الوساطة وحل النزاعات في العديد من مناطق الصراع حول العالم، فإن تكاليف هذه الجهود أو الأنشطة المبذولة لم يجرِ التعبير عنها في أٍّيٍ من ملفات بياناتها، في حين أن مثل هذه الأنشطة غالبًا ما تُدرج تحت عنوان مساعدات السلام في ملفات تعريف المانحين التقليديين38.

  1. Kuwait: Development Co-operation Profiles, Kuwait," OECD,
  2. Peter Salisbury, "Aiding and Abetting? The GCC States, Foreign Assistance, and Shifting Approaches to Stability," James A. Baker III Institute for Public Policy of Rice University (2018).
  3. إدراج مبادرة 'الرياضة من أجل السلام والتنمية بدارفور' نموذجًا لمقاومة التطرف "، العرب، 2020/7/6، شوهد في 2023/3/24، في: https://bit.ly/3Gq6PWE 38 Alarabeed. المصدر: "Qatar: Development Co-operation Profiles," OECD, accessed on 20/4/2023, at: https://rb.gy/3ilk1e
  4. accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/40FCafQ

الجدول (4) المساعدات الإنمائية القطرية الثنائية الرسمية للسياقات الهشّ ة عبر الرابطة الثلاثية بين عامي 2019 و 2020 (مليون دولار أميركي)

مساعدات
السلام
المساعدات
التنموية
المساعدات
الإنسانية
الفئة
امإلعام
3.05653387325.9628195103.48543482019
4.68603832143.1611072212.41206622020
7.74257219469.1239267315.897501المجموع

2. موقع دول الخليج المانحة في ما يتعلق بالرابطة الثلاثية

يعالج هذا الجزء موقع دول الخليج في ما يتعلق بالعلاقة الثلاثية. أولًا، تُعرف دول الخليح المانحة، على مدار العقود الماضية، بأنها مانحة غير تقليدية ونشطة وفاعلة ومؤثرة في منظومة العمل الإنساني والتنموي، وقد انخرط بعضها، مثل الكويت وقطر، في أنشطة عديدة، تُدرج تحت غطاء مساعدات السلام، وتحديدًا الجهود الدبلوماسية والوساطة وحلّ النزاعات في العديد من المناطق المتضررة من الصراعات. وفي حين يجري تأطير المساعدات الإنسانية والتنموية في البيانات بصراحة ووضوح، فإنه نادرًا ما تُؤطّر الدول الأربع مساعداتها تحت مفاهيم بناء السلام، إّلا في السنوات الأخيرة. وتؤكد ذلك البيانات في الجداول (1 و 2 و 3 و 4) التي توضح أن معظم مساهماتها المالية تُسجَّل باعتبارها مساعدات إنسانية وتنموية، في حين مُتّ ثّل مساهماتها المالية في بناء السلام نسبة منخفضة إلى حدٍ بعيد من إجمالي مساعداتها الخارجية. هناك إشكاليات عديدة في تأطير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمساهمات دول الخليج، تحديدًا حينما يوثّق الدعم الموجّه إلى السياقات الهشّة عبر عدسات الرابطة الثلاثية. وعلى الرغم من أن نظام التوثيق هذا يوضح المساعدات عبر عدسة الرابطة الثلاثية، فإننا قد نجد أن دول الخليج نفسها توثّق المساهمات نفسها في بياناتها المالية، باعتبارها مساعدات إنسانية وتنموية. على سبيل المثال، لو تتبّعنا البيانات المالية التي توثّقها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، باعتبارها مساعدات سلام تُقدّمها الإمارات، فسنجد أنها توثّقها باعتبارها مساعدات لتحقيق هدف التنمية المستدامة رقم 16 (السلام والعدالة)، وفي بعض الحالات وُثّقت بعض المساعدات باعتبارها موجّهة إلى بعثات حفظ السلام، لكنها قليلة مقارنةً بالمساعدات الموجّهة إلى تحقيق هدف التنمية المستدامة رقم 16 التي تجاوزت مليار دولار أميركي في عام 2017 وفقًا للتقرير السنوي للمعونة الخارجية الصادر عن الدولة39. ويوضح ذلك، بلا شك، الاختلاف النسبي في فهم المساعدات الخارجية وتصنيفها بين دول الخليج ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ثانيًا، من المهم أن ندرك أن دول الخليج لم تشارك رسميًا في نهج الرابطة الثلاثية السائد في الإصلاحات الإدارية والمؤسسية، كما هي الحال في ممارسات الدول الأعضاء في منظمة التعاون. وجدير بالإشارة هنا أن نهج الرابطة الثلاثية لم ينفذ على نحو كامل أصلًا في ممارسات الدول الأعضاء في منظمة التعاون نفسها، وفي حالات معيّنة يُنفّذ انتقائيًا. ومع ذلك، نجادل بأن أنماط العمل لدى دول الخليج، وإن كانت غير متجانسة مع المنظمات الغربية، فممارساتها يمكن أن تتطوّر لتشكيل نهج عربي للرابطة الثلاثية، انطلاقًا من أن جذور هذا العمل موجودة ومتأصّلة في العمل العربي الإنساني والتنموي والمتعلق بالسلام الذي يهدف في الأصل إلى نشر رسالة الخير، التي يُعدّ الأمن والسلام من أهم دوافعها، إلى جانب الدوافع الأخرى المشار إليها سابقًا. في حين تشير بعض الدراسات إلى أن دول الخليج المانحة، "لا تميل إلى دعم بناء السلام المجتمعي على المستوى الجزئي، كما تمارسه مجموعة واسعة من المنظمات غير الحكومية والمجموعات المجتمعية والجمعيات الدينية وغيرها على مستوى العالم"، إّلا أن هذا التوصيف ليس مكتملًا. ويكمن الجواب، أقلّه جزئيًا، في أنّ بناء السلام المجتمعي على المستوى الجزئي متجذّرٌ في المجتمعات الخيرية والإنسانية في المنطقة العربية. وعلى صعيد الدول الخليجية المانحة، فإن دولة مثل قطر تتّسم بوجود نظام مجتمعي منسجم ومتماسك جدًا، كان له دور كبير جدًا في بناء دولة مستقرة ومرنة ومزدهرة ومحبّة للسلام40. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض التفسيرات التي تدمج السلام الليبرالي في العمل الخيري والإنساني والتنموي، تتغاضى عن مثل هذه الأمور، بقصد التقليل من أهمية المساعدات الخارجية التي تنطلق من المنطقة العربية. وكذلك على المستوى الوطني، تُظهر التصريحات العلنية للقيادات في هذه الدول، رسوخ هدف تحقيق السلام في مساعداتها الخارجية المقدّمة للدول المتأثرة بالصراعات.

  1. ينظر: الإمارات العربية المتحدة، وزارة الخارجية، "التقرير السنوي للمعونة الخارجية "، شوهد في 2023/4/20، في: https://bit.ly/40jB7C4
  2. Mehran Kamrava, "Qatari Foreign Policy and the Exercise of Subtle Power," International Studies Journal (ISJ) , vol. 14, no. 2 (Fall 2017), pp. 91 - 123.

ويظهر ذلك بوضوح في دعم الدول الخليجية تطوير البنية التحتية في مناطق ما بعد الصراع، وصنع السلام والوساطة في المناطق المتضررة من الصراعات. الفرق في هذا الإطار بين الدول الخليجية المانحة لهذه القضايا والدول الغربية، أن الأخيرة تسجل نفقات أنشطة حفظ السلام وبنائه على نحوٍ مكتمل وتعرضها على شكل مساعدات سلام، في حين تفتقر دول الخليج النشطة في مجال حفظ السلام وبنائه إلى وجود نظام توثيق خاص بمبادراتها في هذه المجالات، وتحديدًا في الكويت وقطر. ثالثًا، على الرغم من غياب قرار واضح من جانب صنّاع السياسات في دول الخليج بتوجيه التمويل عبر عدسة الرابطة الثلاثية، فإن البيانات تشير إلى وجود ممارسة، وإن كانت نسبية، في توجيه المساعدات الخارجية عبر العلاقة الثلاثية بين المساعدة الإنسانية والتنمية والسلام41. تدحض هذه النقاط مقولة إن "دول الخليج تتجاهل دعم مشاريع السلام باعتبارها شكلًا من أشكال العمل الخيري، وليس مج لًا للممارسة، يقوم على بناء التماسك الاجتماعي والثقة واستعادة العلاقات المجتمعية، كما هي الحال في العالم الغربي"42. وغالبًا ما يُساء فهم ممارسات دول الخليج في المساعدات الخارجية على حساب المعايير التي تفرضها المنظمات الدولية، مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فمثلًا، يُعتبر الدعم الذي تقدّمه منظمات المجتمع المدني في العمل الإنساني والتنموي، بما في ذلك التمويل غير المخصص المقدم من المانحين الغربيين، دعمًا للنهج الثلاثي في العالم الغربي، إّلا أنه في المقابل، يُهمَّش دور القوى المحلية الاجتماعية والدينية، منظماتٍ وجماعاتٍ وأفرادًا، في حشد مصادر التمويل المنوعة وغير المخصصة والمرنة في دول الخليج خصوصًا، والعالم العربي عمومًا. ويتميز الخليج بوجود هياكل مجتمعية منوعة تدعم العمل الإنساني والتنموي والسلام، وتشكّل مدخلًا مهمًا لفهم المساعدات الخليجية. وينبغي النظر إلى ممارسات هذه الأطراف باعتبارها مختلفة ومنوعة، مع الأخذ في الحسبان التنوّعات من حيث السياق والثقافة بصورة إيجابية، بدلًا من إجبار الطرف الآخر على معايير لا تلُائمه. وفي السياق نفسه، ثمة من ينظر إلى أن التزام دول الخليج باحترام السيادة وتقديم المنح غير المشروطة، يتناقض مع غايات عمليات بناء السلام وحفظه ومكافحة الإرهاب وإصلاح قطاع الأمن المتجذّرة في المساعدات الغربية43، بينما ينظر في الاتجاهات الحديثة في دراسات المساعدة الإنمائية وتوجّهاتها باعتبارها تهدف إلى تحقيق السلام. ومن ذلك ما تشير إليه الباحثة راشيل جيسيلكويست من أن "المساعدة الإنمائية للدول الهشّة والمناطق المتأثرة بالصراعات هي عنصر أساسي في بناء السلام"44. ومن المعروف أن دول الخليج هي مانح رئيس للمساعدات الإنمائية، وتحديدًا للبلدان الهشّة والمتضررة من الصراعات، كما رأينا. رابعًا: لمعرفة موقع الدول الخليجية المانحة في الرابطة الثلاثية، والبدء في التفكير في نهج تحّولّي شامل في هذا المجال، لا بد من الابتعاد عن المقارنة السلبية لتفضيلات دول الخليج وتصنيفاتها وخصائصها بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتؤدي هذه المقارنة إلى العديد من القضايا الإشكالية. في حين أن ممارسات العمل الخيري الخليجي متأثرة بعوامل متعددة، منها ثقافية ودينية، قد تكون مختلفة عن الدول المانحة التقليدية، إّلا أن التركيز على المعايير التي تروّج لها الأخيرة قد يصطدم في حالات كثيرة مع الهوية الثقافية والوطنية والاجتماعية للعمل الإنساني والتنموي الخليجي الذي تميز طوال سنوات بنشاطه وفاعليته في العالم العربي وخارجه. وقد أصبحت سياسات العمل الإنساني والتنموي المتعلق ببناء السلام في دول الخليج المانحة متأثرة بعوامل أخرى وأكثر قوة، مثل اعتبارها جزءًا رئيسًا من أدوات السياسة الخارجية في هذه الدول. إضافة إلى أن العمل الإنساني والتنموي الخليجي يتميز بأن قيم الإسلام التي تحث على حب الخير والتعاون وتحقيق السلم الأهليي والسلام الإقليمي والعالمي متجذرة فيه، ومتأثرة به كما أشير سابقًا. وبناءً عليه، يجب أخذ هذه الميزّات كلها في الحسبان حين دراسة سياسات المساعدات الخارجية في دول الخليج المانحة. ويشير الاختلاف في الأولويات القطاعية للمانحين الخليجيين، مثل دعم مشاريع البنية التحتية، وخاصة في مجال النقل وتوفير الطاقة والحصول على المياه، عن أولويات لجنة المساعدة الإنمائية، مثل دعم تقديم المساعدة لقطاع الخدمات، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية وتطوير الحوكمة (غالبًا من خلال دعم الميزانية) ودعم الاستقرار الاقتصادي، إلى مسألة إيجابية، حيث يكمّل بعض هذه الخصائص بعضها الآخر، بدلًا من المقارنة السلبية. وهذا واضح من خلال تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2019 الذي أشاد بالأهمية التنموية الكبيرة لتركيزات المانحين العرب، من بينهم المانحون الخليجيون، وذلك بالقول: "وتمثل أربعة قطاعات 59 في المئة من إجمالي مدفوعات المساعدة الإنمائية الرسمية العربية. يستحوذ النقل والتخزين على الحصة الأكبر (25 في المئة)، تليها الطاقة (17 في المئة) والزراعة والغابات وصيد الأسماك (9 في المئة) وإمدادات المياه والصرف الصحي (8 في المئة). وتمثل فئة القطاعات المتعددة 16 في المئة من مخصصات القطاع العربي، وتتركز على نحو رئيس في أنشطة التنمية الحضرية. وعلى الرغم من أن

  1. Barakat & Elkahlout.
  2. Barakat.
  3. Ibid.
  4. Rachel M. Gisselquist, Development Assistance for Peacebuilding (London: Routledge, 2018).

غالبية هذه القطاعات تُدرَج ضمن فئة البنية التحتية الاقتصادية، فإن مقدّمي الخدمات العرب لديهم أيضًا مساهمة كبيرة في قطاعات البنية التحتية الاجتماعية، التي تعتبر أقل أهمية من الناحية المالية، لكن لها نتائج تنموية مهمة"، ومن ثم فهي مهمة في دعم السلام وتعزيزه45.

ثالثًا: تحديات تنفيذ نهج الرابطة الثلاثية في العالم العربي ودول الخليج المانحة

هناك مجموعة من التحديات التي تعوق تقديم دول الخليج المانحة للمساعدات الخارجية عبر عدسة الرابطة الثلاثية. فبغض النظر عن غياب قرار من جانب قيادات القطاعات الثلاثة في هذه الدول لتنفيذ هذا النهج، فإن هناك تحديات أخرى مهمة يجب أخذها في الحسبان حين مناقشة الرابطة الثلاثية في هذا السياق46. من الضروري الإشارة إلى أن معالجة هذه التحديات قد تكون مدخلًا مهمًا لخلق رؤية مشتركة لنهج الرابطة الثلاثية في العالم العربي. وتتمثل هذه التحديات في التنسيق المحدود بين المانحين الخليجيين، وضعف تبادل البيانات والمعلومات وإجراء التحليلات المشتركة في المناطق الهشّة والمتضررة من الصراع، والافتقار إلى التبادل الإقليمي لأفضل الممارسات والخبرات في ما يتعلق بالتمويل المتعدد الأطراف والمرن، وكلها نناقشها في هذا المبحث.

1. ضعف التنسيق بين المانحين الخليجيين وغيابه

يُعدّ بناء التعاون بين الأطراف الفاعلة في العمل الإنساني والتنموي والسلام من خلال آليات التنسيق أمرًا بالغ الأهمية للاستجابات الفعالة في المناطق الهشّة والمتضررة من الصراعات. وتبرز أهمية توافر آليات تنسيق قوية بين الفاعلين في الحقل الإنساني والتنموي وبناء السلام في تقسيم المسؤوليات بين هذه الجهات في مختلف مراحل الاستجابة، بما في ذلك "توفير الأساس للتخطيط والبرمجة" المشتركة والشاملة47. ويشهد التنسيق على المستوى العالمي تحديات كبيرة على المستوى التنفيذي بين المنظمات الدولية الرئيسة، مثل منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات العالمية غير الحكومية. وبالمثل، فإن كثيرين من المراقبين انتقدوا دول الخليج بسبب ضعف التنسيق، وفي الكثير من الحالات يلُاحظ غياب آليات التنسيق والتعاون بينهم بالكامل. وعلى الرغم من أن تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في بداية الثمانينيات مثّل فرصة أمام تعظيم جهود التنسيق العربية الإقليمية في مجال المساعدات الخارجية، فإن التنسيق خلال الاستجابات في المناطق الهشّة والمتضررة من الصراعات بقي ضعيفًا بينها. ويرجع أحد أبرز أسباب ذلك إلى سمة التنافس التي ظهرت بين أعضاء المجلس، والتي أدّت في حالات كثيرة إلى غياب التنسيق الفعليي للاستجابات الفعّالة في المنطقة. صحيح أن دول الخليج، وأبرزها الكويت وقطر، قد استضافت العديد من المنصّات والمؤتمرات العالمية للاستجابة للأزمات في المنطقة العربية، مثل العراق وسورية وفلسطين، وهو ما يمكن أخذه في الحسبان بوصفه عاملًا مهمًا في تعزيز أواصر العلاقة بين العمل الإنساني والتنموي والسلام، إّلا أن تنفيذ هذه المساعدات من الناحية العملية بقي منفردًا بينها، مع ضعف مشاركة البيانات والاتصالات. في هذا السياق، قد يكون لوجود منصّة عربية موَّحَدة لتنسيق الاستجابات الإنسانية في السياقات الهشّة والمتأثرة بالصراعات والأزمات أهمية كبرى لمواجهة تحديات ضعف التنسيق العربي في الاستجابة الإنسانية أو غيابه. وعمومًا، يمكن القول إنه حتى مع وجود بعض الدراسات التي تتعامل مع المانحين في الخليج العربي بصفتهم مانحين "جددًا"، أو "ناشئين"، ما يعني أنهم في حاجة إلى مزيد من الوقت على صعيد إيجاد قنوات تنسيق قوية، إّلا أن انخراطهم في الاستجابة الإنسانية للأزمات والصراعات قد امتد على مدار عقود، وأصبحت لديهم خبرة طويلة في العمل الميداني، وذلك بلا شك يجعل الفرص أمام وجود آليات تنسيق راسخة في العالم العربي تجمع المانحين في المنطقة العربية كبيرة جدًا.

2. ضعف تبادل البيانات والمعلومات والتحليلات المشتركة في المناطق الهشّة والمتضررة من الصراع

مثّلت قضية ضعف تبادل البيانات والمعلومات والتحليلات المشتركة بين الفاعلين في مجال العمل الإنساني والتنموي وبناء السلام أحد أوجه القصور في النظام الإنساني العالمي والإقليمي. وقد تم الانتباه إلى هذه القضايا منذ التقييم المشترك للاستجابة الإنسانية في رواندا في عام 1996، حيث لوحظ غياب تبادل البيانات والمعلومات والتحليلات المشتركة فيها، وهو ما أدّى إلى اضطراب المنظومة الإنسانية في الاستجابة، ولم تصل حتى إلى حدّها الأدنى في ما يتعلق بتبادل المعلومات ومشاركتها بين الأطراف الفعالة في العمل

  1. How Arab Countries and Institutions Finance Development," Report , OECD (2019), accessed on 20/4/2023, at: https://shorturl.at/begoQ
  2. Barakat & Elkahlout.
  3. Development Actors at the Nexus: Lessons from Crises in Bangladesh, Cameroon and Somalia," Synthesis Report , The Food and Agriculture Organization of the United Nations, Development Initiatives & Norwegian Refugee Council (April 2021), accessed on 24/3/2023, at: https://bit.ly/3lqlDxi

الإنساني والتنموي والسلام حينما اندلع الصراع في المنطقة48. وقد أشار التقييم المشترك حينها إلى أهمية التنسيق في تبادل البيانات والمعلومات، ومن ذلك تقسيم العمل بين الوكالات الإنسانية العاملة في السياق نفسه، وأثره الإيجابي أو السلبي في ديناميات السلام والصراع في المنطقة49. العامل الرئيس الآخر في هذا السياق هو توافر آليات التحليل المشترك داخل نظام المساعدة الخارجية، الذي بدوره يشكّل "أساسًا قائمًا على الأدلّة للوقاية من النزاعات العنيفة وحلّها بشكل فعال"50، كما يُسهم في تمكين استجابة المنظومة العاملة في الحقل الإنساني والتنموي والسلام لتصميم تدخلات أكثر فاعلية وشمولية وحساسة للنزاع51. على صعيد دول الخليج، لا يزال المانحون الخليجيون يعتمدون في الاستجابة الإنسانية على التحليلات التي تصدر منفردة عنها ومنظماتها العاملة في المجال الإنساني والتنموي، والتي غالبًا ما تفتقر إلى التكامل والشمولية في تحليل الأزمات في المناطق الهشّة والمتضررة من الصراعات، مع ملاحظة غياب كبير للبيانات والمعلومات والتحليلات التي تدمج بين القطاعات الثلاثة، لتمكينها من الاستجابة عبر عدسة الرابطة الثلاثية. في بعض الحالات، قد تعتمد المنظمات على التحليلات الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة، أبرزها خطط الاستجابة الإنسانية السنوية الصادرة عن الأمم المتحدة، نظرًا إلى الافتقار إلى الموارد اللازمة لإجراء التحليلات الخاصة أو المشتركة في هذا السياق. وفي هذا الشأن، يساعد وجود نظام مشترك لتبادل البيانات والمعلومات، والقيام بتحليلات مشتركة للأزمات دولَ الخليج على تقوية التنسيق للاستجابات، والأهم من ذلك يمكّن منظمات العمل الإنساني والتنموي ومنظمات بناء السلام من العمل معًا من أجل مواجهة التحديات التي كثيرًا ما برزت في الفضاء الإنساني، أهمها الوقاية من النزاعات متى كان ذلك ممكنًا، حيث يمكّن وجود نظام لتبادل البيانات والمعلومات، وكذلك توافر التحليلات المشتركة، من رفع مستوى الاستجابة للنزاعات، الأمر الذي ييّسر مهمات الوقاية منها على المستوى التشغ ليي من خلال توجيه البرامج المخصصة لهذا الغرض. وفي حالات نشوب النزاع، يمكّن وجود هذا النظام من معالجة جذور النزاع وحساسيته، وكذلك وضع خطط استجابة طويلة الأمد عبر القطاعات الثلاثة من المتلازمة الثلاثية.

3. التحول من التمويل الثنائي نحو التمويل المتعدد الأطراف المرن

يُعدّ التمويل الثنائي و/ أو الموجه أو المخصص أحد الأنماط السائدة في منظومة المساعدة الخارجية لدول الخليج المانحة، حيث توجد ثلاث طرائق وقنوات رئيسة لمساعدة المانحين الخليجيين، تتمثل في: 1. المساعدة والتعاون الثنائي الذي تقدّمه الحكومة إلى الحكومة، 2. المساعدة المتعددة الأطراف الموجهة أو المخصصة المقدمة إلى المنظمات الدولية، وتحديدًا منّظمّات الأمم المتحدة، 3. التبرعات الخيرية من المنظمات غير الحكومية والمجتمع الخليجي من المتبرعين وفاعليي الخير والقطاع الخاص، التي غالبًا ما تكون موجّهة ومخصصة. وقد بدأ المانحون الخليجيون في تطوير أنظمة المساعدة الخاصة بهم منذ عام 1960، حيث تُقدّم مساعداتهم بطريقة أساسية من خلال المؤسسات الوطنية المُنشأة لهذا الغرض. فالكويت هي الدولة الأولى التي أنشأت كيانًا مؤسسيًا مخصصًا لهذا المسعى، تليها الإمارات والسعودية وقطر. وهذه الكيانات هي: الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وصندوق أبوظبي للتنمية، والصندوق السعودي للتنمية، ووزارة الخارجية في قطر قبل تأسيس صندوق قطر للتنمية52. إلى جانب هذه الصناديق الحكومية، أُسّست مجموعة واسعة من المؤسسات الخيرية الخليجية في المجال الإنساني والتنموي، التي تُقدّم المساعدة أيضًا مباشرة من خلالها، أبرزها، على سبيل المثال لا الحصر، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية، وجمعية النجاة الخيرية في الكويت، ومؤسسة قطر الخيرية، وغيرها الكثير. وإضافة إلى ذلك، تشتهر منطقة الخليج بوجود منظمات الهلال الأحمر، مثل الهلال الأحمر السعودي والإماراتي والكويتي والقطري. وتعتمد غالبيتها على التمويل الثنائي المخصص. وعلى صعيد المساعدات المتعلقة بالسلام، تشير البيانات المتاحة إلى أنه تقدّم من خلال التعاون الثنائي الذي تقدّمه الحكومة إلى الحكومة، وأحيانًا تُوجَّه إلى الوكالات المتعددة الأطراف، مثل منظمات الأمم المتحدة التي تعمل في مشاريع بناء السلام. وعمومًا، فإن دول الخليج المانحة تُوجّه التمويل المتعدد الأطراف عبر منظمات الأمم المتحدة، مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم

  1. John Eriksson et al., "The International Response to Conflict and Genocide: Lessons from the Rwanda Experience," Synthesis Report , Joint Evaluation of Emergency Assistance to Rwanda (March 1996), accessed on 20/4/2023, at: https://bit.ly/3vXpyXd
  2. Ibid.
  3. البرمجة المشتركة في سياقات الهشاشة والصراع والأزمات: "في سياق البرمجة المشتركة، يمكن استكشاف خيارين رئيسين: 1. تحليل الصراع/ الموقف في المرحلة الأولى من عملية البرمجة المشتركة. يمكن مسح النزاع من خلال دراسة مكتبية وورشة عمل، على سبيل المثال، أن يسبق تحليل البرمجة المشتركة والاستجابة لها. 2. تحليل الصراع/ الوضع لإثراء عملية البرمجة المشتركة الحالية. يمكن مراجعة مبادرة البرمجة المشتركة الراسخة ومراجعتها، على سبيل المثال إذا دعت الحاجة إلى صوغ استجابة إنسانية وإنمائية مشتركة". للمزيد ينظر: " Section 2 JP: Joint Programming in contexts of Fragility, Conflict and Crisis," European Union, accessed on 28/3/2023, at: https://shorturl.at/zjw58
  4. Ibid.
  5. Salisbury.

والثقافة "اليونسكو"، ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ومنظمة الأغذية العالمية، وغيرها. في الآونة الأخيرة، برزت أبحاث عديدة تبّشر بتحول تركيز دول الخليج المانحة بعد عام 2012 نحو التمويل المتعدد الأطراف، إّلا أن ذلك لا يعني التحول الكامل؛ إذ بقي الجزء الأكبر من التمويل مخصصًا، وليس مرنًا. يعني التمويل المرن "التمويل غير المخصص لمشروع معّين، أو مجال نشاط معّين، الذي يمكن التنبؤ به عبر سنوات عديدة، ويمكن نشره بسرعة"53. ومع مقارنة التمويل الثنائي المتعدد الأطراف الصادر عن دول الخليج المانحة ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، نجد أن التمويل المتعدد الأطراف لا يزال ضئيلًا، مقارنةً بالدول المانحة الغربية التي توجّه حوالى 90 في المئة من مساعداتها عبر الوكالات الدولية، في حين أن التمويل المتعدد الأطراف في دول الخليج يراوح بين الحد الأدنى 1 في المئة من إجمالي المساعدات المقدمة، وفي أحسن حالاته يصل إلى 6 في المئة فقط، وهو ما يتناقض مع إحدى أبرز أولويات إصلاحات الرابطة الثلاثية الداعية إلى التحوّل من التمويل الثنائي والتمويل المتعدد الأطراف المخصص إلى التمويل المتعدد الأطراف المرن54.

رابعًا: آفاق التمويل الموجّه عبر عدسة الرابطة الثلاثية من دول الخليج المانحة

طوال سنوات عديدة، كان من المفهوم أن المساهمات المالية التي تقدمها دول الخليج، تركز على المساعدات الإنسانية القصيرة الأجل والمساعدات التنموية. ومنذ عام 1990، كانت دول الخليج من بين الدول الأعلى تمويلًا للدول الهشّة والمتضررة من الصراعات، لكن حتى لو كانت دولًا مانحة سخيّة، فمن غير الواضح إذا ما كان هناك تحوّل حقيقي في عقلية المانحين الخليجيين لتوجيه المساعدات الخارجية نحو الرابطة الثلاثية، وتحديدًا التي تربط المساعدة الإنسانية والتنموية بمساعدات بناء السلام55. ومع ذلك، يرصد بعض الباحثين نقطة تحوّل في توجّهات دول الخليج نحو المساعدات الطويلة الأجل في المناطق الهشّة والمتضررة من الصراع تحت مسميات، مثل التنمية وإعادة الإعمار بعد الحرب والتعافي وصنع السلام، من بين العديد من المجالات الأخرى56، وهو ما يدل، نسبيًا، إلى جانب البيانات التي أشرنا إليها في الجداول السابقة، على الرغبة المتزايدة لدول الخليج المانحة للعمل عبر عدسة الرابطة الثلاثية57. وعلى الرغم من أن البيانات في الجداول السابقة تشير إلى توجيه المساعدات الخارجية في السياقات الهشّة للربط بين المساعدات الإنسانية والتنموية والسلام، فإن التمويل المخصص لمساعدات السلام يبقى ضئيلًا، كما يوضح ذلك نقص التمويل الموجّه خصوصًا تحت عنوان الرابطة الثلاثية. يمكن تفسير أحد أسباب الاهتمام النسبي لدول الخليج، وتحديدًا السعودية والإمارات، بالرابطة الثلاثية، وتحديدًا ارتفاع مساهمات مساعدات السلام بعد عام 2014، إلى الصراع في اليمن (التي تُصنّفها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دولةً هشّةً)، حيث اهتمت بعض الدول المانحة بتمويل برامج تحت عنوان الرابطة الثلاثية على نحوٍ متزايد. وقد كان البَلدان نشَطيَن في اليمن، وقدّما مساعدات مالية عبر الرابطة الثلاثية منها، على سبيل المثال لا الحصر، مبلغ 48 مليون دولار أميركي لدعم العلاقة بين السلام والتنمية الإنسانية في الملف الصحي، وهو مبلغ يمثل 15 في المئة من إجمالي صناديق الصحة اليمنية في عام 201958. وهناك من يفّسر أنّ هذا الاهتمام برز كذلك بالتزامن مع التوسع الجغرافي لنطاق المستفيدين من المساعدات الخارجية للمانحين الخليجيين الذي يتجاوز البلدان العربية إلى مناطق مختلفة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبقية أنحاء العالم، حيث شهدت الدول الخليجية المانحة انخراطًا واضحًا في برامج تندرج تحت بناء السلام، مثل المشاركة في بعثات حفظ السلام وتمويل برامج مكافحة الإرهاب ومكافحة التطرف الديني59. ومع ذلك، يشار إلى أن هذه التوجهات لا تعّبر عن التزام حقيقي من جانب دول الخليج المانحة للعمل عبر عدسة الرابطة الثلاثية، فآفاق هذا الدور الخليجي حتى اللحظة غامضة جدًا، تحديدًا مع غياب قرار سياسي بالتحول نحو تمويل الرابطة الثلاثية، إضافةً إلى عدم وضوح هذا النهج في العالم العربي وتحدياته60.

  1. Ed Laws, "Financing Peacebuilding and the Triple Nexus: Organizational Structures and Incentives to Improve Coherence," Center on International Cooperation, 4/4/2022, accessed on 28/3/2023, at:
  2. Zureik.
  3. B. Momani & C. A. Ennis, "Between Caution and Controversy: Lessons from the Gulf Arab States as (Re-) Emerging Donors," Cambridge Review of
  4. M. Evren Tok, "Gulf Donors and the 2030 Agenda: Towards a Khaleeji Mode of Development Cooperation," Centre for Policy Research, United Nations University (2015).
  5. Barakat. 58 " Humanitarian-Development Peace Nexus for Health Profile: Yemen," World Health Organization (October 2020), accessed on 28/3/2023, at: https://bit.ly/3zLLWBq
  6. https://bit.ly/3P3wqsR
  7. لقراءة المزيد عن انخراط دول الخليج في مساعدات بناء السلام، ينظر.Barakat: 60 Ibid.
  8. International Affairs , vol. 25, no. 4 (2012), pp. 605 - 627.

تُظهر السنوات الأخيرة اهتمامًا كبيرًا من دول الخليج بمعالجة القضايا الإشكالية في أنظمة المساعدة الإنسانية والتنموية الخاصة بها، مع التحّولّات البطيئة في أنماط المساعدة المقدمة إلى المناطق الهشّة والمتضررة من الصراع واتجاهاتها، لربطها بالمساعدات المتعلقة بالسلام، مع الأخذ في الحسبان حقيقة تجاهل دول الخليج توثيق نفقاتها الخاصة بالوساطة والوقاية من النزاعات، تحديدًا قطر والكويت. ومع أن بعض الدول الخليجية المانحة، مثل السعودية وقطر والكويت، نشطت في مجالات تُدرج تحت مساعدات السلام، مثل مكافحة الإرهاب والوساطة وحلّ النزاعات في العديد من مناطق الصراعات حول العالم، فإنها لم تُعّبر في أيّ من بياناتها عن نفقات هذه الجهود أو الأنشطة على أنها مساعدات سلام في حين أن هذه المساهمات نفسها كثيرًا ما أدرجت تحت أنشطة بناء السلام في تقارير المانحين التقليديين في العالم الغربي. صحيح أن دول الخليج لم تلتزم بالتمويل العلني لمساعدات السلام، كما هو مفهوم في تصنيفات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أو منظمات الأمم المتحدة، فإنه في الكثير من الحالات، يجري تهميش أن هذه الدول قد أصبح لها دور كبير في مجال بناء السلام61. ويظهر ذلك في حالتي الكويت وقطر، حيث تُدمج عملياتهما في الوساطة في محافظ كبيرة من المساعدات الإنسانية والتنموية، وتشير كلتاهما إلى تأطير هذا الدعم في إطار تحقيق التنمية والسلام. ويشار هنا إلى الفرق في العقلية بين الكويت وقطر والسعودية والإمارات في ما يتعلق بالمشاركة في ما يسمى مساعدات السلام ضمنيًا في هذه الدراسة، حيث إن الأخيرة، وتحديدًا بعد التدخّل العسكري في اليمن، أظهرت انخراطًا واضحًا في الأنشطة التي يمكن أن تُدرج تحت مساعدات السلام الصلبة (ذات النزعة العسكرية التدخلية)، مثل المشاركة العسكرية في اليمن، والمشاركة في قوات حفظ السلام في مناطق أخرى، مثل أفغانستان وجيبوتي وإريتريا والصومال، بينما في حالتي الكويت وقطر، ما عدا الحالات التي شاركت فيها قطر في قوات حفظ السلام في جيبوتي وإريتريا واليمن ثم انسحبت بعد الأزمة الخليجية، فإن توجّههما هو تبني أنشطة بناء السلام الناعمة، أبرزها الوساطة والدبلوماسية الإنسانية والمساعدات الخارجية62. أخيرًا، ينبغي الإشارة إلى الخطاب الأكاديمي والإعلامي الغربي الموجّه إلى منطقة الشرق الأوسط، بأنها غارقة في الفوضى ومنتجة للدمار، وتلقائيًا تُهمّش مسألة الدور الذي تحققه المساعدات الخارجية المقدّمة من دول عربية في بناء السلام. تحتاج هذه الإشكاليات والتحديات حقًا إلى الابتكار الذكي عندما يتعلق الأمر بإدارة المانحين الخليجيين لمساعداتهم الخارجية وتنفيذها.

خاتمة

سعت الدراسة لتوثيق حجم المساعدات الخارجية المقدّمة من دول الخليج المانحة للمناطق الهشّة والمتضررة من الصراعات، وفقًا لما هو معلن من جانب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وتحليلها عبر عدسة الرابطة الثلاثية. وبيّنت أن دول الخليج محل الدراسة قد حافظت على وتيرة هذه المساعدات عالية، مع توثيق معظم الدعم الموجّه تحت عنوان المساعدات الإنسانية والتنموية، وندرة توثيقها تحت عنوان مساعدات السلام. ومن غير الواضح أن هناك توجهًا جاًّدًا يأتي في سياق أجندة إصلاحية شاملة لنظام المساعدات الخارجية للمانحين الخليجيين لتوجيه مساهماتهم عبر عدسة الرابطة الثلاثية، فلا تزال أنماط هذه المساعدات لم تتغير إّلا على نحوٍ طفيف، ومع هذا لا يمكن القول بوجود تحوّل جذري في سياسات المساعدات الخارجية لهذه الدول. فضلًا عن أن دعمها الموجّه نحو مساعدات السلام في حاجة إلى أن ينعكس باعتباره تعهدًا استراتيجيًا وطويل الأجل مستمدًا من عملية واضحة لصنع السياسات، تعمل على توطيد الرابطة الثلاثية صراحةً. ولذلك، تقدّم هذه الدراسة دروسًا مستفادة قيّمة لصُنّاع القرار والعاملين في المجال الإنساني والتنموي والسلام للبناء عليها في الجهود المستقبلية لتعزيز نهج الرابطة الثلاثية. وتظهر البيانات أن دول الخليج المانحة قادرة على الاضطلاع بدور رفيع المستوى في المستقبل عبر الرابطة الثلاثية. وعلى الرغم من أن هذه المجالات تمثّل علامات ومؤشرات قوية على موقع دول الخليج المانحة في ما يتعلق بالعلاقة الثلاثية، فإن دورها في تعزيز العلاقة بين القطاعات الإنسانية والتنموية والسلام في حاجة إلى ضبط. إِجمالًا، يمكن القول إن السنوات العشر الماضية شهدت تحوّلًا نسبيًا نحو توجيه التمويل، تحت عنوان المساعدات الإنسانية والتنموية، وعلى نحو أقل لمساعدات السلام، وهناك الكثير الذي يتعّين القيام به في هذا الصدد، أبرزه معالجة التحديات المتعلقة بضعف التنسيق وتبادل البيانات والمعلومات والتحليلات المشتركة أو غيابها، والتحول من التمويل الثنائي إلى التمويل المتعدد الأطراف والمرن، وتوجيه التمويل صراحةً نحو الرابطة الثلاثية، مع الإشارة إلى أن ذلك يحتاج إلى قرار من قيادات العمل الإنساني والتنموي وبناء السلام للقيام بحركة الإصلاحات في سياق الرابطة الثلاثية. وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أنّ اتجاهات المساعدات الخارجية المقدمة من دول الخليج المانحة، لو جرى ضبطها بسياسات وأطر تنظيمية واضحة، ونظام توثيق رسمي يدمج بين مساهمات هذه القطاعات الثلاثة، فإنها يمكن أن تقدّم نموذجًا عربيًا فريدًا من نوعه في سياق الرابطة الثلاثية لو جرى صوغ هذا المفهوم وبلورته وتنميته، انطلاقًا من رؤية عربية – عربية، تعكس تعاونًا عربيًا مستدامًا ومتكاملًا للاستجابة لأزمات المنطقة.

  1. Ibid.
  2. Ibid.

المراجع

Alarabeed, Wadee. "Qatar's Approach Across the Triple Nexus in Conflict-Affected Contexts: The Case of Darfur." Third World Quarterly. vol. 54, no. 1

Barakat, Sultan & Anna Larson. "Fragile States: A Donor- Serving Concept? Issues with Interpretations of Fragile Statehood in Afghanistan." Journal of Intervention and State Building. vol. 8, no. 1 (2014). Barakat, Sultan & Ghassan Elkahlout. "Gulf State Donors Across the Humanitarian-Development-Peace Nexus." Gulf Research Center Cambridge (2022). at: https://bit.ly/3ns9mJ6 Barakat, Sultan & Sansom Milton. "Localisation across the Humanitarian-Development-Peace Nexus." Journal of Peacebuilding & Development. vol. 15, no. 2 (2020). Barakat, Sultan & Stephen Zyck. "Gulf State Assistance to Conflict-Affected Environments." Kuwait Programme on Development, Governance and Globalisation in the Gulf States. The Centre for the Study of Global Governance. LSE (2010). Barakat, Sultan. "Gulf States and Peacebuilding: Key Characteristics, Dynamics, and Opportunities." Center on International Cooperation (April 2022). "Development Actors at the Nexus: Lessons from Crises in Bangladesh, Cameroon and Somalia." Synthesis Report. The Food and Agriculture Organization of the United Nations, Development Initiatives & Norwegian Refugee Council (April 2021). at: https://bit.ly/3lqlDxi Elkahlout, Ghassan. "'Hearts and Minds': Examining the Kuwaiti Humanitarian Model as an Emerging Arab Donor." Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies. vol. 14, no. 1 (2020). Eriksson, John et al. "The International Response to Conflict and Genocide: Lessons from the Rwanda Experience." Synthesis Report. Joint Evaluation of Emergency Assistance to Rwanda (March 1996). at: https://bit.ly/3vXpyXd Ferris, Elizabeth. "The Humanitarian-Peace Nexus." Research Briefing Paper. UN Secretary-General's High-Level Panel on Internal Displacement (August 2020). at: https://bit.ly/3RjpNST Gisselquist, Rachel M. Development Assistance for Peacebuilding. London: Routledge, 2018. "How Arab Countries and Institutions Finance Development." Report. OECD (2019). at: https://shorturl.at/begoQ "Humanitarian-Development Peace Nexus for Health Profile: Yemen." World Health Organization (October 2020). at: https://bit.ly/3zLLWBq Kamrava, Mehran. "Qatari Foreign Policy and the Exercise of Subtle Power." International Studies Journal (ISJ). vol. 14, no. 2 (Fall 2017). Laws, Ed. "Financing Peacebuilding and the Triple Nexus: Organizational Structures and Incentives to Improve Coherence." Center on International Cooperation. 4/4/2022. at: https://bit.ly/3P3wqsR Momani, B. & C. A. Ennis. "Between Caution and Controversy: Lessons from the Gulf Arab States as (re-) Emerging Donors." Cambridge Review of International Affairs. vol. 25, no. 4 (2012). Nguya, Gloria & Nadia Siddiqui. "Triple Nexus Implementation and Implications for Durable Solutions for Internal Displacement: On Paper and in Practice." Refugee Survey Quarterly. vol. 39, no.

Salisbury, Peter. "Aiding and Abetting? The GCC States, Foreign Assistance, and Shifting Approaches to

Stability." James A. Baker III Institute for Public Policy of Rice University (2018). Südhoff, Ralf, Sonja Hövelmann & Andrea Steinke. "The Triple Nexus in Practice: Challenges and Options for Multi-Mandated Organisations." Center for Humanitarian Action (CHA) (2020). at: https://bit.ly/3xNrFdu Tok, M. Evren. "Gulf Donors and the 2030

Agenda: Towards a Khaleeji Mode of Development Cooperation." Centre for Policy Research. United Nations University (2015). UNDP. "Kuwait Fund and UNDP Join Forces to Support the Most Vulnerable People in Countries Affected by Crisis: Joint Efforts to Focus on Humanitarian- at: Nexus." Development-Peace https://bit.ly/3nxvAJK Veron, Pauline & Volker Hauck. "Connecting the Pieces of the Puzzle: The Eu's Implementation of the Humanitarian-Development-Peace Nexus." Discussion Paper. no. 301. The European Centre for Development Policy Management (ECDPM) (June 2021). Humanitarian- "The Sebastian. Weishaupt, Development-Peace Nexus: Towards Differentiated Configurations." UNRISD Working Paper. no. 2020 - 8. The United Nations Research Institute for Social Development (UNRISD) (2020). at: https://cutt.ly/LTAseDM Zureik, Elia. "Qatar's Humanitarian Aid to Palestine." Third World Quarterly. vol. 39, no. 4 (2018).