دور الشرطة في الثورة المصرية المضادّة
The Role of the Police in Egyptian's Counter-revolution
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في دور جهاز الشرطة في مصر خلال ثورة 25 يناير 2011 والثورة المضادة التي تلت انقلاب عام 2013. تبدأ الدراسة بعلاقة كل من المجلس العسكري والرئيس محمد مرسي بجهاز الشرطة، ثم تبحث في مظاهر ارتداد وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية لممارساتها القمعية القديمة، بما في ذلك عمليات القتل والتعذيب خارج نطاق القانون. وأوضحت الدراسة أن الجهاز الأمني ظلّ يعاني التشظّي، واتسم هيكله بتداخل الصلاحيات وإعطاء الأولوية للتنافس على الموارد لا التنسيق. لكن التهديد الوجودي الذي سبّبته ثورة عام 2011، دفع الجهاز القمعي إلى توحيد صفوفه لمواجهة التهديد الملموس المهيمن الذي تمثّله الاضطرابات الشعبية، وبعد عام 2013، شارك الجيش والأجهزة الاستخبارية الأخرى في تكريس قمع المعارضة بشتى أشكالها، مع إفلات شبه كامل من العقاب.
Abstract
This study investigates the role of the police apparatus in Egypt during the 2011 revolution and the subsequent counter-revolution following the 2013 coup. It begins by examining the relationships between the Military Council, President Mohamed Morsi, and the police apparatus. The study then explores how the Ministry of Interior and its security agencies reverted to their previous repressive practices, including extrajudicial killings and torture. The research highlights that the security apparatus remained fragmented, marked by overlapping authorities and a focus on resource competition rather than coordination. However, the existential threat posed by the 2011 revolution compelled the apparatus to unify against the tangible threat of popular unrest. Following 2013 , the military, security and intelligence agencies furthered the suppression of opposition in various forms, largely evading accountability.
- الشرطة
- مصر
- ثورة يناير
- الثورة المضادة
- الإصلاح الأمني
- Police
- Egypt
- January Revolution
- Counter Revolution
- Security Sector Reform
مقدمة
تبحث هذه الدراسة في دور وزارة الداخلية المصرية خلال الثورة والثورة المضادة. اندلعت انتفاضة عام 2011 بفعل وحشية الشرطة، لكن وزارة الداخلية وشرطتها لم تخَْتر الجانب الخاسر، في ما أعقب الانتفاضة من صراع على السلطة. لقد تمكّنت وزارة الداخلية، خلاف ذلك، من تجاوز المرحلة الانتقالية التي أعقبت زوال حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك (2011-1981)، من دون أن يمسسها سوء. في الواقع، ارتفعت مكانتها أخيرًا في أوساط المجتمع الأمني والائتلاف الحاكم، عبر تنظيم جديد لا يركّز على تنافس مكوّنات الجهاز القمعي المختلفة، إنما على التعاون في ما بينها1.
أولا: الثورة
على الرغم من أن جهازَي الشرطة والمخابرات العامة كانا في ما سبق من أدوات التوازن التي تُبقِي الجيش تحت السيطرة، فإن الوضع قد تغّير جذريًا منذ أن نشر الجيش قواته في الشوارع، خلال جمعة الغضب، في 28 كانون الثاني/ يناير 2011؛ إذ وُضِ عت وزارة الداخلية تحت السيطرة العسكرية المباشرة2. ومع بدء المرحلة الانتقالية، حرَص المجلس الأعلى للقوات المسلحة (أو المجلس العسكري اختصارًا) على إعادة تأهيل جهاز الشرطة وخفض حجمه، وفق تفويض جديد يركّز على مواجهة خطر الثورة الشعبية.
1. المجلس العسكري ووزارة الداخلية
كانت عودة وزارة الداخلية إلى الشوارع ضرورية لإعفاء الجيش من واجبات الأمن اليومية؛ الأمر الذي كان يشكّل تهديدًا لتماسك صفوفه. من هنا، قال عبد الفتاح السيسي، مدير المخابرات الحربية آنذاك، للسياسيين الذين أصيبوا بالإحباط من جرّاء مماطلة المجلس العسكري في إصلاح جهاز الشرطة: "نحن ندرك أن وضع وزارة الداخلية في تراجع، لكننا لا يمكن أن نعمل من دونهم"3. بعد إطاحة حسني مبارك (2011) من هرم السلطة، أدرك الجنرالات أن عليهم استرضاء الشعب وقوى المعارضة، من خلال بعض الإصلاحات المحدودة والإشارات الرمزية. لم تكن هناك نيّة إحداث تغيير ثوري ذي مغزى. هكذا أقدم المجلس العسكري بسهولة على حلّ الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، الذي كان قد أضعِف في الواقع، واعتقال أكثر المسؤولين المغضوب عليهم من زمرة جمال مبارك، ثم ألقى القبض على مبارك وولديه استجابة لضغط الشارع4. لقد ثبت أن إعادة تأهيل وزارة الداخلية أكثر صعوبة مما يبدو. لم يكن وزير دفاع مبارك ورئيس المجلس العسكري، المشير محمد حسين طنطاوي (2021-1935)، على وفاق مع وزير داخلية النظام، اللواء حبيب العادلي (2011-1997)، لذا حمّله مسؤولية سوء التعامل مع الانتفاضة وإذكاء نارها5. أُلقي القبض على العادلي في 18 شباط/ فبراير 2011، وأُرسل إلى سجن طُرة6، في انتظار محاكمته مع ستة من كبار مساعديه، فضلًا عن اللواء حسن عبد الرحمن؛ مدير جهاز مباحث أمن الدولة. كما واجه عشرات ضباط الشرطة، في القاهرة وبقية المحافظات، تهمة قتل المتظاهرين7. وفي حين أصدرت المحاكم العسكرية أحكامًا قضائية في حقّ أكثر من 12 ألف متظاهر و"بلطجي"، في السنة الأولى من الانتفاضة، أصرّ المجلس العسكري على محاكمة رجال الشرطة ومسؤولي النظام في المحاكم المدنية، عبر النائب العام عبد المجيد محمود الذي عيّنه مبارك، متجاهلًا بذلك الحملات التي طالبت بإقالته، وتطهير القضاء ممن عُرِفوا بعلاقتهم الوثيقة بالجهاز القمعي8. كان كثير من أعضاء النيابة العامة ضباطًا سابقين في جهاز الشرطة، وعلى استعداد للتعاون
مع زملائهم السابقين وحمايتهم9. من هنا، أدّت أحكام القضاة وأداء ممّثلّي النيابة العامة في المحاكم بالضرورة إلى خيبة أمل أَسر الضحايا ومنّظمّات حقوق الإنسان والثوّار10. تعرّض بعض أَسر الضحايا للترهيب على يد رجال الشرطة، من أجل إسقاط دعاواهم القضائية أو تغيير شهاداتهم. ووافق آخرون على إسقاط دعاواهم، في مقابل تعويضات مالية غير رسمية، بعد أن توسّط شيوخ سلفيون في إبرام اتفاقيات تتعلّق بهذا الشأن، ولا سيما في الإسكندرية. لم تصدر الأوامر بإيقاف رجال الشرطة الذين كانوا يخضعون للمحاكمة عن عملهم، بل احتفظوا بأسلحتهم ورواتبهم11، وانتهى معظم المحاكمات ببراءة رجال الشرطة. أما مَن صدرت ضدّهم أحكام بالإعدام أو السجن، فقد استأنفوا تلك الأحكام. وبحلول عام 2016، صدر الحكم ببراءة آخر شرطي كان يمثُل أمام المحكمة بتهمة قتل المتظاهرين12. كانت حالة العادلي هي الاستثناء الوحيد (جزئيًا)؛ إذ أمضى في السجن أكثر من أربعة أعوام بقليل، لأنه كان يُحاكم في قضايا متعدّدة، تضمّنت قتل المتظاهرين والفساد المالي وإكراه مُجنّدي قوات الأمن المركزي على العمل بالُّسُخرة في مزرعته الخاصة. صدرت ضد العادلي في البدء أحكام بالسجن بلغ مجموعها 45 عامًا13. مع ذلك، قُبِلت استئنافاته المتتالية بعد رحلة طويلة في المحاكم لم تنتهِ إّلا في عام 2020، ولم يصدر حكم الإدانة في حقّه إّلا في قضية إجبار مُجنّدي الأمن المركزي على العمل بالُّسُخرة؛ إذ حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، كان قد قضاها فعلًا وهو ينتظر المحاكمة. أما القضية الأخرى المتعلّقة بالفساد المالي في وزارة الداخلية، فلم يُحكَم فيها إّلا بدفع مبلغ زهيد قدره 500 جنيه مصري (ما يعادل نحو 31 دولارًا آنذاك)14. لقد استغرقت رحلة حبيب العادلي في دهاليز المحاكم فترة أطول من نظرائه في جهاز الشرطة ومسؤولي النظام، لأنه كان أكثر رموز نظام مبارك إثارة للكراهية الشعبية، فضلًا عن مشاعر الاحتقار التي كان يكنّها طنطاوي له، الأمر الذي دفعه إلى الرغبة في إذلاله15. ومن أجل حماية رجال الشرطة سيّئي السمعة، ممن عُرف عنهم تورّطهم في جرائم القتل والتعذيب، لجأ المجلس العسكري أيضًا إلى استراتيجية "الكراسي الموسيقية". فعِوضَ محاكمتهم، لجأت الوزارات التي عيّنها المجلس العسكري إلى سلسلة من التعديلات الإدارية، تضمّنت نقل الضباط من المناصب التي كانوا يشغلونها قبل الثورة أو خلالها إلى مناصب مختلفة في قطاعات أخرى تابعة لوزارة الداخلية16. أما الإصلاح الأوحد الذي شهده عام 2011، فتلخّص في إصدار بطاقات تعريفية، تتضمّن أسماء رجال الشرطة، لكن تطبيق ذلك لم يدُم أكثر من شهر واحد، ثم أُوقِف العمل به17. وبحلول صيف 2011، أقدم وزير الداخلية المُعّين حديثًا، منصور العيسوي (6 آذار/ مارس 7-2011 كانون الأول/ ديسمبر 2011)، على إحالة 505 ضباط، برتبة لواء، و 82 عميدًا و 82 عقيدًا على التقاعد18، ومنحهم رواتب تقاعدية كاملة. أما صغار الضباط الذين وُجّهت إليهم تُهَم بقتل المتظاهرين، فقد أمر العيسوي بنقلهم إلى وظائف أخرى، لا تتطلّب اتص لًا مباشرًا بالمواطنين. لم يكن لمِثل هذه الخطوة الخرقاء أن تُسفِر عن أي إصلاحات؛ إذ كُلّف الضباط المنقولون بمهّما ت التدريب، فنقلوا بذلك خبراتهم المعرفية وأساليبهم إلى ضباط آخرين في الجهاز نفسه. فضلًا عن ذلك، نفى العيسوي تورّط وزارة الداخلية في قتل المتظاهرين، وتعهّد بتخصيص الأموال اللازمة للدفاع القانوني عن جميع الضباط الذين يخضعون للمحاكمة19. وإمعانًا في الاستهزاء بمطالب الثورة، صدرت الأوامر بترقية عدد كبير من الضباط الذين اُّتُهِموا بقتل المتظاهرين22.
واجه العيسوي والمجلس العسكري قضية ملحّة أخرى تتعلّق بمصير مباحث أمن الدولة، بعد أن اقتحم المتظاهرون مقرّاتها في موجتين؛ في جمعة الغضب، وفي آذار/ مارس 2011. وبناءً على تقليد عريق، كنا شهِدنا حلّ "القسم الخاص" في عام 1952، ليُعاد إحياؤه باسم "إدارة المباحث العامة"، ثم حُلّت هذه الأخيرة بدورها في عام 1971، ليُعاد العمل بها ثانية باسم "مباحث أمن الدولة". وفي 15 آذار/ مارس 2011، أعلنت وزارة الداخلية رسميًا حلّ مباحث أمن الدولة وإنشاء قطاع "الأمن الوطني"25. وتعهّدت الوزارة بأن الجهاز "الجديد" لن يركّز إّلا على جمع المعلومات ومكافحة الإرهاب، ووعدت بإصدار قانون يُنظّم هذا التغيير، لكنّ هذا الوعد لم يتحقّق قط26. لم يخضع موظّفو مباحث أمن الدولة للمساءلة عن جرائمهم السابقة. ومع استمرار وزارة الداخلية - التي يسيطر عليها المجلس العسكري - في لعبة "الكراسي الموسيقية"، أقدمت على نقل نحو 75 في المئة من ضباط مباحث أمن الدولة إلى أقسام أخرى في جهاز الشرطة، بما في ذلك 23 لواءً، وأكثر من 40 عميدًا30. وقد دافع لواء في الجيش عن إعادة تأهيل هؤلاء الضباط، بالقول: "لو قرّرنا إقالة كل المتورّطين في الانتهاكات، وهم كثُر، وإذا لم يكن لدينا التمويل اللازم لإعادة دمجهم أو منحهم وظائف مدنية بديلة أو رواتب تقاعدية مناسبة، فسنتسبّب في حدوث كوارث"31. كانت نتيجة ذلك، كما اتّضح في الشهور اللاحقة، أنْ بقيت وزارة الداخلية على حالها من دون تغيير، محتفظة بأسلوب عملها وعقيدتها نفسها32. وحينما كان المجلس العسكري يعمل، من خلال التعديلات الإدارية، على حماية ضباط الشرطة من الملاحقة القضائية وضمان إفلاتهم من العقاب، بدأت أيضًا حملة دعائية لتهيئة الظروف المواتية لإعادة انتشار الشرطة. هكذا أغرِقَت القنوات التلفزيونية بالتقارير المثيرة التي زعمت أن البلطجية أقدموا على عمليات اغتصاب جماعي واعتداءات على المباني السكنية ونهب الممتلكات العامة واقتحام المستشفيات، وأن عصابات إجرامية استخدمت سيارات الشرطة والإسعاف المسروقة. لقد وصل الأمر بالتلفزيون الرسمي إلى عرض برنامج يومي بعنوان "الأمن للجميع"، صوّر مصر من دون شرطة، كما لو كانت غابة من الفوضى، تخرج فيها كل أشكال الجريمة عن السيطرة. واجتاحت شاشات القنوات إعلانات تجارية تروّج لرُهاب الغرباء Xenophobic، محذّرة المصريين من الجواسيس الأجانب33. وفي منتصف أيار/ مايو 2011، أشرف طنطاوي على تخرّج دفعة من طلاب أكاديمية الشرطة، قبل شهرين من الموعد المقرّر سلفًا، معلنًا أن هذه الخطوة جزء من الجهود الرامية إلى "مكافحة الفوضى"34. وُأنتِجت أيضًا إعلانات تجارية رسمت للشرطة صورة إيجابية. ودُفِع رجال الشرطة إلى الظهور في البرامج الحوارية، لترسيخ صورة جديدة لقوة أمنية خضعت للإصلاح35، حتى إن جهاز الأمن الوطني عقد اجتماعات للعلاقات العامة مع الناشطين والصحافيين، في الشهور القليلة الأولى التي أعقبت إنشاءه36، واستُقدِم مدافعون عن حقوق الإنسان لإلقاء محاضرات على ضباطه37. فضلًا عن ذلك، روّج الجهاز الدعائي للمجلس العسكري علنًا روايات تستند إلى نظرية المؤامرة، تُظهر أن الثوار عملاء أجانب ومخرّبون يسعون لتدمير مؤسسات الدولة؛ الأمر الذي فسح المجال أمام وزارة الداخلية لادّعاء براءتها وبراءة ضباطها من الجرائم التي ارتُكِبت في حقّ المتظاهرين، خلال انتفاضة يناير 2011، وما بعدها38. ربما كانت المهمّة الأصعب التي واجهت المجلس العسكري هي إعادة التماسك إلى وزارة الداخلية. لقد وصف مسؤول رفيع المستوى في وزارة الداخلية، تأثير ثورة عام 2011 في الشرطة بأنه "أسوأ مّما واجهه
الجيش في حرب "196739. ولتحقيق ذلك، استندت جهود المجلس العسكري إلى ركيزتين: إغراق الجهاز بالحوافز المادية، واحتواء أي بوادر للتمرد والمعارضة داخل صفوفه. وفي خطوة ذات دلالة، أقدمت وزارة الداخلية بقيادة المجلس العسكري، في 13 شباط/ فبراير 2011، على زيادة مكافآت منتسبي الشرطة بنسبة 100 في المئة40. وفي اليوم التالي، صدر مرسوم آخر يقضي بإدراج أي شرطي يلقى حتفه خلال تأدية واجبه، في تفريق مظاهرة أو تجمّع أو شغب أو اعتصام، في فئة "الشهداء"؛ الأمر الذي يعني أن أسرته تستحقّ راتبًا تقاعديًا خاصًا وامتيازات أخرى41. وبحلول تشرين الأول/ أكتوبر 2011، أصدرت وزارة الداخلية مرسومًا يقضي بصرف حوافز لضباط صف الشرطة، تصل إلى 200 في المئة من رواتبهم الأساسية، فضلًا عن وعود بإجراء إصلاحات إدارية42. وفي الشهر نفسه، أصدرت وزارة الداخلية أيضًا اللائحة التنظيمية الأولى لقواعد سلوك الشرطة43. لكن، فضلًا عن التشديد على قائمة طويلة من "حقوق الشرطة"، افتقرت الوثيقة إلى الالتزامات والعقوبات الواضحة. وعِوضَ حماية المواطنين من الانتهاكات، ضمِنت الوثيقة إفلات الشرطة من العقاب، مستخدمة مصطلحات أكّدت الطابع العسكري للجهاز44. أما الزيادة الكبرى في الأجور، فقد جاءت في حزيران/ يونيو 2012، قبل فترة وجيزة من تنصيب الرئيس محمد مرسي (2013-2012). ارتفعت الموازنة السنوية لوزارة الداخلية من 18.9 مليار جنيه (3.17 مليارات دولار آنذاك)، إلى 23.7 مليار جنيه (نحو 3.95 مليارات دولار)45. رفع المجلس العسكري الرواتب الأساسية لكل رتب الشرطة، من الجندي إلى اللواء46. وكانت العلاوات والبدلات المقرّرة تعني زيادة إضافية في الرواتب بنسبة 300 في المئة47. وقد ثبت أن هذه الحوافز المادية قد أدّت دورًا رئيسًا في نزع فتيل الإحباط الذي شعر به أصحاب الرتب الدنيا في وزارة الداخلية. بعد إطاحة مبارك مباشرة، انفجرت المعارضة في صفوف مُجنّدي الشرطة وضباط الصف وصغار الضباط؛ ما جعل مهمة المجلس العسكري في إعادة التماسك إلى الجهاز وتأهيله أكثر صعوبة. وقد شهدت البلاد عددًا من التحركات الواسعة خلال عامَي 2011 و 2012، حتى إن أفراد الداخلية أنفسهم قد عّبر وا عن غضبهم تجاه قيادة وزارة الداخلية. لكن تلك الأحداث تحتاج إلى دراسة دقيقة؛ إذ لا يصحّ القول دائمًا إن حالات "المعارضة" كلّها كانت ثورية أو داعمة للإصلاح الحقيقي. كانت نزعات التمرّد التي انتشرت في صفوف مجنّدي الشرطة من أكثر الأعمال الثورية وضوحًا. لقد تفجّر عدد من التمرّدات خلال عمليات انتشارهم، بدءًا من جمعة الغضب، لينتقل لاحقًا إلى الثكنات. كان الدافع المعتاد من وراء ذلك هو سوء معاملة ضباطهم لهم، أو رفضهم الانخراط في قمع المواطنين المصريين48. لكن، بقيت مثل تلك الأفعال الراديكالية محصورةً في إطار الفورات العفوية، التي لم تتطوّر إلى هياكل تنظيمية يمكنها الحفاظ على هذه التعبئة، أو إجراء تغييرات شاملة في طبيعة قوات الشرطة. من هنا، فُتِح الباب أمام قيادة وزارة الداخلية للتعامل مع كل تمرّد على حدة، سواء بقمعه أم بتقديم تنازلات مؤقّتة (نقل الضباط المُسيئين أو توبيخهم، أو تحسين ظروف الخدمة في الثكنات). بيد أن تحرّكات ضباط الشرطة وضباط الصف كانت أكثر تعقيدًا. بدأت احتجاجات هاتين المجموعتين في شباط/ فبراير 2011، وقد حضرتُ عددًا من تلك التحرّكات في ميدان التحرير، خلال الأسبوع الأول الذي أعقب إطاحة مبارك49. وخلال حديثي مع مشاركين كثُر، من صغار الضباط أو ضباط الصف، دانوا العادلي ووصموا قيادة وزارة الداخلية بالفساد. لكنهم أنكروا أيضًا تورّطهم في قتل المتظاهرين خلال الانتفاضة، وتبنّوا الخطاب الرسمي الذي يؤكد
أن بعض العناصر السيّئة هي التي كانت تقف خلف التجاوزات التي وقعت قبل عام 2011، وشوّهت سمعة قوات الشرطة برمّتها. كما أنهم ردّدوا بعض الشعارات المُرتجلة على عجل، من نحو "نحن إخوتكم! نحن جزء من الشعب! نريد حماية الشعب!". أنشأ بعض "نشطاء" الشرطة على مدار الشهور التالية، عددًا من الكيانات (أو الائتلافات كما اعتادوا الإشارة إلى أنفسهم). كان القاسم المشترك بينهم هو رفضهم ظروف العمل التي كانت سائدة قبل عام 2011، لكنهم اختلفوا في الشؤون الأخرى كلها. كان لبعضهم مطالب متعلّقة بالإصلاح المؤسساتي، وسعوا ل "ْمَت دِين" Civilianize الشرطة، بينما أراد بعضهم الآخر مزيدًا من "العسكرة" Militarization، لتمكين الضباط من مواجهة الشعب50. في البدء، تسامحت قيادة وزارة الداخلية نسبيًا مع هذه الائتلافات، حتى إنها اجتمعت بصفة غير رسمية مع عدد من ممثّليها في بعض المناسبات. وسُمِح لهم بالظهور في البرامج التلفزيونية الحوارية والتحدّث إلى وسائل الإعلام، لكن ذلك لم يعْنِ الاعتراف الرسمي بأنهم نقابة. ولم يجانب الباحث إبراهيم الهضيبي الصواب، حين أشار إلى أن هذه المقاربة المتأنّية، التي اتبعتها وزارة الداخلية للتيارات "الإصلاحية"، نابعة إلى حدّ بعيد من عجزها عن قمعها في المقام الأول، "وبالنظر إلى الأضرار التي لحقت بأدوات القمع الإداري المعتادة مؤخّرًا، فإن محاولات استخدامها كانت ستأتي بنتائج عكسية"51. وثمة سبب آخر في رأيي، يكمن في أن قيادة وزارة الداخلية ربما شعرت بأن مثل هذه المبادرات الإصلاحية يمكن أن تساعد في تحسين صورة الشرطة، على المدى القصير في أقل تقدير. لقد ركّزت قيادة وزارة الداخلية على احتواء نوبات الغضب العفوية التي اعترت مراتب الشرطة، وتأخير أي إصلاحات جدية، وتقديم تنازلات محدودة حتى تنحسر هذه الضغوط الإصلاحية تدريجًا52. وفضلًا عن زيادة الرواتب، شملت الإصلاحات فتح الطريق أمام ضباط الصف للترقية إلى رتبة ضابط. كما وافق المجلس العسكري على إلغاء المحاكم العسكرية التي كانت تحاكم رجال الشرطة على مخالفاتهم السلوكية، وتعويضها بلجان تأديبية إدارية، تديرها وزارة الداخلية نفسها53. بمرور الوقت، تمكّنت قيادة وزارة الداخلية من إضعاف أي محاولة جادة يُقْدِم عليها صغار ضباطها للانضمام إلى النقابات، مستخدمة خبرتها الطويلة في اختراق النقابات وتخريبها. هكذا أصبحت ائتلافات الشرطة المختلفة تركّز على نحوٍ متزايد على المكاسب المادية فحسب، إضافة إلى عسكرة الجهاز من أجل قمع "الجريمة" والاحتجاجات. وفضلًا عن استراتيجيات الاستقطاب، ازدادت ثقة وزارة الداخلية بنفسها، فحين حلّ آذار/ مارس 2012، شرعت في اتخاذ إجراءات تأديبية في حقّ الضباط المشاركين في مبادرات الإصلاح، ومنعهم من التواصل مع منظمات المجتمع المدني54. تلاشت تحالفات الضباط، ولم يُسمع عنها ثانية. مع ذلك، تواصل نشاط ضباط الصف في فوراتهم العفوية حتى عام 2015 تقريبًا، بسبب مطالبهم المتعلّقة بظروف العمل والأجور والإفلات من العقاب. أما وزارة الداخلية التي باتت متماسكة وواثقة بنفسها، كما سأوضّ ح لاحقًا، فقد استخدمت قوات الأمن المركزي ببساطة، من أجل سحقهم55. ومع اقتراب نهاية عام 2011، وفي الشهور القليلة الأولى من عام 2012، كانت قيادة وزارة الداخلية قد تمكّنت بالفعل من تعزيز تماسكها المفقود إلى حدّ بعيد56. وقد شعر الثّوار في الميادين بذلك تدريجًا، وبصفة مباشرة. وفي حين لم يكن للشرطة وجودٌ في أي مكان خلال شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2011، باستثناء بعض رجال شرطة المرور، ظهرت قوات الأمن المركزي على استحياء، بوصفها قوة مساعدة، في الهجوم الذي قاده الجيش ضدّ متظاهري ساحة التحرير، في 9 نيسان/ أبريل، وفي محيط السفارة الإسرائيلية، في الجيزة، في 15 أيار/ مايو57. لكنّ قوات الأمن المركزي هاجمت تجمّعًا لُأَسر الشهداء بوحشية، بحلول نهاية حزيران/ يونيو؛ الأمر الذي تحوّل إلى اشتباكات دامت يومين في ميدان التحرير ووسط القاهرة، في 28 و 29 حزيران/ يونيو58. لم يكن الحادث محض محاولة لتفريق المتظاهرين على يد إحدى وكالات إنفاذ القانون؛ إذ وُصِ م سلوك قوات الأمن المركزي ب "الانتقام الشخصي"؛ ما أثبت أن التغيير الذي لحق عقيدة وزارة
الداخلية وأسلوب عملها، إن وُجِد، كان بسيطًا59. لقد بات التماسك المُستعاد للجهاز أشدّ وضوحًا؛ إذ شعرت وزارة الداخلية بالثقة الكافية لتشنّ هجومًا آخر، استهدف أَسر الشهداء في ميدان التحرير، في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011؛ ما أسفر عن أسبوع دامٍ من القتال المستمر ضد القوى الثورية60. وقد أدّى السيسي دورًا محوريًا في الإشراف على إعادة بناء القدرة القمعية لوزارة الداخلية، بوصفه مديرًا للمخابرات الحربية. وبحلول الوقت الذي اندلعت فيه انتفاضة شارع محمد محمود، كان السيسي يدير بالفعل حملات القمع61. وقد وثّق نشطاء حقوقيون عودة التعذيب إلى أقسام الشرطة، في وقت مبكر من أيار/ مايو 2011، فضلًا عن استخدام الذخيرة الحيّة لتصفية الحسابات في الشوارع. واللافت أن التعذيب كان مصحوبًا بعبارات تحقيرية ومواقف متغطرسة من رجال الشرطة، بهدف تأكيد حقيقة أنهم ما زالوا "أسيادًا"62.
2. مرسي ووزارة الداخلية
يطرح حّما م الدم الذي دبّرته الشرطة ضد جماعة الإخوان المسلمين في أعقاب انقلاب عام 2013، أسئلة رئيسة: هل كانت قوات الشرطة معادية لجماعة الإخوان، خلال الفترة الانتقالية التي أدارها المجلس العسكري؟ وهل كانت الشرطة تكِنّ العداء لمرسي منذ لحظة انتخابه، وتنتظر ببراعة اللحظة المناسبة لإفشال حكمه؟ تحاشت جماعة الإخوان المسلمين، منذ عام 2011 حتى انقلاب تموز/ يوليو 2013، إجراء أي إصلاحات ذات جدوى في مجال إعادة هيكلة وزارة الداخلية، بل عوض ذلك، بذلت قصارى جهدها في استرضاء الشرطة. هكذا أقدمت جماعة الإخوان في مناسبات كثيرة، على حماية قيادة وزارة الداخلية من ضغوط الثورة، في مقابل بعض التنازلات المحدودة التي يعود نفعها، في المقام الأول، على الجماعة. كما أبدت حرصها على حفظ تماسك جهاز الشرطة وتوسيع نفوذها داخله، وما ذلك إّلا لاستخدامه في مشروعها السياسي الخاص63. لقد ظهر أن مشروعهم الليبرالي الجديد في توجّهه الاقتصادي، وشديد المحافظة من الناحية السياسية، يحتاج إلى أداة أمنية يستخدمها بعد نهاية الفترة الثورية64. وفي وقت مبكّر من آذار/ مارس 2011، اعترفت قيادة جماعة الإخوان المسلمين بوجود "كثير من الرجال الشرفاء" في جهاز الشرطة، ودعت الجمهور إلى "التعاون مع الشرطة الجديدة"، والانضمام إلى جهود الإخوان في تشكيل "لجان أصدقاء الشرطة" في أنحاء مصر كلها65. وقد امتنعت الجماعة عن المشاركة في معظم التحرّكات الجماهيرية التي أعقبت إطاحة مبارك، ولا سيما تلك التي انطوت على مواجهات عنيفة مع وزارة الداخلية (والجيش)، في ميدان التحرير وأماكن أخرى طوال عام 2011، كما حدث في 9 نيسان/ أبريل، و 15 أيار/ مايو، و 29-28 حزيران/ يونيو، و 1 آب/ أغسطس، و 9 أيلول/ سبتمبر، و 25-19 تشرين الثاني/ نوفمبر، و 23-16 كانون الأول/ ديسمبر66. تضمّنت قائمات مرشّحي حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين)، في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 البرلمانية ضباط شرطة سابقين، وقد أشرفوا على القضايا المُتعلّقة بوزارة الداخلية في وقت لاحق، حين أصبحوا أعضاء في لجنة الأمن القومي البرلمانية؛ ما أدّى إلى عرقلة مبادرات الإصلاح وخنق مشاريع القوانين67. وقد شملت وعود اللجنة التي هيمن عليها حزب الحرية والعدالة، حلّ قوات الأمن المركزي وإخضاع جهاز الأمن الوطني مباشرة لمجلس الوزراء، عوض تبعيّته لوزير الداخلية68، لكن تلك الوعود لم يتحقّق منها شيء. وقد تحدّث سعد الكتاتني، رئيس مجلس النواب عن حزب الحرية والعدالة، بصراحة قائلًا: "لا نريد التصادم معهم"69. كما دافع الكتاتني عن تصرّفات وزارة الداخلية، خلال انتفاضة شارع محمد محمود الأولى، مكرّرًا مزاعم الشرطة بأنها لم تُطلِق الرصاص الحي70.
قبل حلّ مجلس النواب بفترة وجيزة، وافق على تعديل قانون الشرطة، كما اقترحه المجلس العسكري، وقد تضمّن زيادة رواتب رجال الشرطة بنسبة 300 في المئة، وإلغاء المحاكم العسكرية للشرطة. وُألغِي كذلك منصب رئيس المجلس الأعلى للشرطة، وهو منصب صوري كان يرأسه رئيس الجمهورية. إّلا أن ذلك لم يرقَ إلى مستوى أي إصلاح حقيقي في قطاع الأمن؛ إذ لم تؤكد التعديلات وجود أي رقابة برلمانية أو مدنية، ولم تربط زيادات الرواتب بأي أهداف إنجازية ملموسة، مرتبطة بالإصلاح71. في مقابل هذا الدعم السياسي والمالي السخي، رُفِع الحظر المفروض على التحاق أنصار الإخوان المسلمين بأكاديمية الشرطة72. كما تمكّن الإخوان المسلمون من إقصاء بعض ضباط الأمن الوطني، ودفعوا ببعض الضباط الذين اعتُِبر وا متعاطفين معهم إلى مناصب معيّنة في وزارة الداخلية73. وشعر قادة تحالفات ضباط الصف في الشرطة بتفاؤل كافٍ بشأن حكم الإخوان المسلمين المستقبلي، حتى إنهم دعموا مرسي في الانتخابات الرئاسية74. لقد مثّل انتخاب مرسي، الذي كان يتمتّع بنفوذ سياسي كبير في البداية، فرصة ضائعة أخرى لإصلاح جهاز الشرطة75. ففي تموز/ يوليو 2012، أُحِيل 454 ضابطًا من رتبة لواء آخرين إلى التقاعد76. لكن الحكومة المعيّنة حديثًا لم تأمر حتى بمراجعة قطاع الأمن، فضلًا عن وضع خطة شاملة للإصلاح. وحينما قدّمت لجنة الصياغة، التي هيمنت عليها جماعة الإخوان المسلمين، دستورًا جديدًا للموافقة عليه عبر استفتاء عام في كانون الأول/ ديسمبر، لم يتضمّن إصلاح قطاع الأمن، أو ما يغّير صلاحياته على نحوٍ جوهري، في أقل تقدير77. عّين مرسي في 29 تموز/ يوليو 2012 لواء الشرطة، أحمد جمال الدين، وزيرًا جديدًا للداخلية. كان جمال الدين من المعارضين المتشدّدين لمشروع إصلاح الشرطة، فقد عُرِف عنه إصراره على تقوية الشرطة واستعادة الأمن والنظام باستخدام القوة. تعاون الوزير الجديد مع جماعة الإخوان المسلمين تعاونًا كاملًا، ولم ترد تقارير عن أي احتكاك له بمرسي. كما عمل مع أحمد مكي، وزير العدل في حكومة مرسي، على صياغة قانون "حماية المجتمع من العناصر الخطرة"، لتمكين آليات وزارة الداخلية من الضبط الاجتماعي78. ولاحظ النشطاء الحقوقيون، خلال فترة ولاية جمال الدين، تحوّلًا مفاجئًا نحو اتّباع الشرطة أساليب عدوانية، مع اللجوء المفرط إلى استخدام النيران المميتة في التعامل مع حالات أمنية بسيطة، في 12 محافظة مختلفة. غير أن هذه الحالات اقتصرت على أعمال الشرطة اليومية، واستجابتها للاحتجاجات الاجتماعية المحلية79. وثّق مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف، خلال الشهور الثلاثة الأولى من حكم مرسي، انتهاكات الشرطة التي أفلتت من العقاب، بما في ذلك 30 حالة تعذيب في مراكز الشرطة، و 11 حالة وفاة في الحجز من جراء التعذيب، فضلًا عن الاعتداء على المحامين، واستئناف المداهمات العنيفة للأحياء الفقيرة في المدن80. لكن هناك عاملًا مهمًا ساعد في ترسيخ "شهر العسل" الأولي بين مرسي والشرطة، تمثّل في أن وزارة الداخلية حصرت كل جهودها تقريبًا، في مكافحة "الجريمة" وتضييق الخناق على الاحتجاجات الاجتماعية الأقل بروزًا. وقد كفّ جمال الدين إلى حدّ بعيد عن قمع الاحتجاجات "السياسية". لكن المعارضة السياسية لمرسي لم تكن في أعلى مستوياتها، قبل الإعلان الدستوري في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012. كان مرسي آنذاك متمتّعًا بنفوذ سياسي كبير، حتى إن بعض عناصر المعسكر الثوري كانوا يرون ضرورة منحه الفرصة المناسبة، وتعليق نشاطهم مؤقّتًا. من هنا، شهدنا "استقرارًا نسبيًا وتعبئة منخفضة"81. كان مرسي قد بالَغ في ثقته بنفسه، واعتقد أنه انتصر على الأجهزة القمعية ومؤسسات الدولة؛ لذا أقدم على خطوة صدمت الكثيرين، بتعيين لواء الشرطة خالد ثروت مديرًا للأمن الوطني، في تشرين الأول/ أكتوبر 201282. كان ثروت ضابطًا مخضرمًا، عمِل سابقًا في الإدارة العامة لمكافحة النشاط المتطرّف التابعة لمباحث أمن الدولة؛ إذ كان مكلّفًا بملف الإخوان المسلمين على وجه التحديد. وفي وقت لاحق، توّلى دورًا قياديًا في الإدارة العامة للنشاط الداخلي التابعة لمباحث أمن الدولة، التي كانت متخصّصة في مراقبة الأحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات الدولة واختراقها. وخلال انتفاضة يناير 2011،
كان ثروت مسؤولًا عن أنشطة مباحث أمن الدولة في القاهرة. وقد احتفظ بمنصبه في جهاز الأمن الوطني الذي أنشِئ حديثًا، ولم يُحاكَم على جرائمه قط، كما أن ضحاياه السابقين منحوه أخيرًا منصب مدير جهاز الأمن الوطني. يلاحظ الباحث كريم عنّارة أن الاحتجاجات "السياسية"، مثل الذكرى الأولى لانتفاضة شارع محمد محمود، والاشتباكات التي اندلعت في أنحاء العاصمة والمحافظات كلها، في أعقاب الإعلان الدستوري، "قوبلت بمزيد من ضبط النفس أو اللامبالاة، من جانب الشرطة"83، بينما كان ردّ وزارة الداخلية القوي على "الاحتجاجات الاجتماعية"، أسرع مما كان عليه في عام 2011. ومع تصاعد وتيرة الاحتجاجات، لتصل إلى ما أصبح يُعرف باسم "اشتباكات الاتحادية" في محيط القصر الرئاسي، انسحبت قوات الأمن المركزي ببساطة في 4 كانون الأول/ ديسمبر 2012، بعد بضع جولات من الغاز المسيل للدموع، تاركة مهمة حماية القصر للحرس الجمهوري84. ردًا على صدمتها بتقاعس الشرطة، حشدت جماعة الإخوان المسلمين كوادرها الأساسية لتفريق المتظاهرين في اليوم اللاحق؛ ما أسفر عن اشتباكات مشينة، خلّفت ما لا يقل عن 10 قتلى، فضلًا عن إصابة العشرات85. شكّلت تلك الأحداث نقطة تحوّل في علاقات مرسي بالقوى السياسية غير الإسلامية. لقد أدّى فقدان الثقة المتنامي بين الطرفين، الذي سرعان ما استحال عداءً، إلى ضعف قدرة مرسي على الحكم بالتوافق؛ ما دفعه إلى الاتّكال على الأجهزة القمعية أكثر. في الشهر اللاحق، أمر مرسي بإقالة جمال الدين من منصبه، بعد أن شعر بالإحباط من تعامله البوليسي الضعيف مع الاحتجاجات السياسية. لم تعد الخلافات بينهما سّرًا، بعد أن وجدت طريقها إلى الصحافة المحلية86. من هنا، عُّين لواء الشرطة محمد إبراهيم مصطفى (2015-2013) قائدًا جديدًا لوزارة الداخلية؛ لأنه كان أكثر استعدادًا لاستخدام تكتيكات القبضة الحديدية علانية ضد المعارضة، وهو ضابط ذو سمعة سيّئة، كان يدير نظام السجون. لم يُضِ ع وزير الداخلية الجديد الوقت، فبادر إلى إثبات استعداده للضرب على يد المعارضة السياسية واللجوء إلى الاعتقالات الجماعية وتفريق الاحتجاجات باستخدام الذخيرة الحيّة87.
لقد بات أي حديث عن إصلاحات قطاع الأمن أو دمقرطة الشرطة منتهيًا حقيقة، قبل الانقلاب بفترة طويلة. صعّد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين على نحوٍ متزايد خطابَ القانون والنظام، في التصدّي للجريمة أو المعارضة السياسية. وقد عّبر ضابط شرطة سابق وعضو إسلامي في مجلس الشعب عن هذا التصعيد، بقوله: "إن غياب الأمن في مصر، هو أكبر مسمار في النعش السياسي للرئيس مرسي"88. ففي ظلّ القيادة الجديدة، شهدت بورسعيد أكثر إجراءات الشرطة ترويعًا. هكذا، فتحت عناصرها النار، في 26 كانون الثاني/ يناير 2013، على مثيري الشغب خارج السجن، الذين عّبر وا عن غضبهم من أحكام الإعدام التي صدرت في حقّ المتّهمين بارتكاب مذبحة الإستاد، سيّئة الصيت، في العام المنصرم، والتي راح ضحيّتها 72 مشجعًا للنادي الأهلي الكروي. أمطرت بنادق حرّاس السجن في أبراج المراقبة، المتظاهرين بوابل الرصاص، وجابت مركبات مدرّعة تابعة لقوات الأمن المركزي شوارع المدينة، وفتحت النار عشوائيًا على كل من يقع في نطاقها. وأطلقت الشرطة النار على السكان في منازلهم، باستخدام رشاشات غرينوف، فلَقِي 38 مواطنًا حتفهم. وفي اليوم اللاحق، فتحت النار على مواكب التشييع؛ ما أسفر عن مقتل 9 آخرين، فضلًا عن إصابة المئات
دافع مرسي عن إجراءات الشرطة، واتّهم المتظاهرين بأنهم "بلطجية" و"متآمرون معادون للثورة"89. وكرّر مسؤولو حكومته الادعاءات نفسها؛ إذ وصف أحد الوزراء الاضطرابات التي انتشرت في مدن قناة السويس بأنها "ثورة البلطجية"90. لم يُحاسَب ضابط شرطة واحد على المذبحة. وفي الوقت نفسه، وفّر مرسي لوزارة الداخلية الحماية من الملاحقة القضائية، بشأن الفظائع التي ارتكبتها ضدّ المتظاهرين في العام السابق، عبر رفضه نشر تقرير لجنة تقّصي الحقائق التي شكّلها هو نفسه91. وبحلول نهاية كانون الثاني/ يناير، مُنِحت قوات الأمن المركزي أزياء رسمية جديدة، مزوّدة بدروع واقية من الرصاص عالية التقنية92. ومضى مرسي قُدمًا في تقوية وزارة الداخلية، باستيراد 140 ألف قنبلة غاز مسيل للدموع أميركية الصنع93. وبعد نحو أسبوعين، صدر أمر باستيراد 100 ألف مسدّس لصغار الضباط وضباط الصف94. في آذار/ مارس اللاحق، زار مرسي قيادة قوات الأمن المركزي في القاهرة، وألقى كلمة أشاد فيها بالضباط، وزعم على نحوٍ يثير السخرية أن الشرطة كانت في "قلب" ثورة يناير 201195، ووعدهم بزيادة رواتبهم. وبحلول منتصف أيار/ مايو، وقبل نحو شهرين من عزله، أضاف 10 مليارات جنيه مصري (1.43 مليار دولار آنذاك) إلى الميزانية السنوية لوزارة الداخلية96.
ثانيًا: الثورة المضادة
يؤكّد الهضيبي أن "أحداث الاتحادية كانت نقطة فاصلة في منع اكتمال التحالف الجديد للسلطة" بين الإخوان المسلمين والأجهزة القمعية97. وكان جهاز الشرطة أول الشركاء المنسحبين من التحالف؛ لأنه الطرف الذي تعرّض لأكبر قدر من الضغوط. فقبل تشرين الثاني/ نوفمبر-كانون الأول/ ديسمبر 2012، تعاونت الشرطة تعاونًا كاملًا مع الإخوان، عامين كاملين بعد الانتفاضة، حتى في سعيها لحفظ القانون والنظام، لم تُِثر أي مشكلة في التعامل مع الجهاديين السابقين، مثل أولئك الموجودين في كرداسة98. لكن ما اتّضح بعد اشتباكات الاتحادية، هو أن الإخوان المسلمين كانوا يطالبون بما لم تكن غالبية قوات الشرطة مستعدة لتقديمه. لم يعُد الخلاف بين جمال الدين ومرسي، بشأن تعامل الشرطة مع الاحتجاجات السياسية، طيّ الكتمان؛ إذ تسرّب إلى الصحافة المحلية والشرطة نفسها99. لقد أبدى مصطفى الذي خلف جمال الدين في وزارة الداخلية موافقته المبدئية على رغبة مرسي في اتّباع مقاربة أكثر صرامة في التعامل مع المعارضة السياسية، لكن ذلك جاء بنتائج عكسية. استمرّ ضباط الشرطة وضباط الصف في إضراباتهم واحتجاجاتهم بصفة متقطّعة، وانتشرت في العاصمة والمحافظات بين كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس 2013، حتى مجيء الانقلاب. تنوّعت مظالم الشرطة من مكان إلى آخر، وعمّت مطالبهم شتى أطياف الجهاز، وقد تضمّنت زيادة الرواتب وعسكرة الشرطة وعزل وزير الداخلية الذي اتّهم بأخْونَة Brotherhoodizing الشرطة، فضلًا عن حماية "حيادية" وزارة الداخلية100. لم تكن مطالب الشرطة، بعدم إرسالهم في مهّما ت قمع الاحتجاجات السياسية، نابعة من موقف "ثوري" أو "ديمقراطي". لقد كان أنصار المقاربة القمعية يطلبون ببساطة عدم التورّط في الخلاف المحتدم بين الإخوان المسلمين الذين تتفاقم عزلتهم، وأولئك الذين يعارضونهم، على الرغم من مواصلتهم استهداف الاحتجاجات الاجتماعية والتحرّكات العمالية101. هذا يفّسر المطالب التي رفعها رجال الشرطة في أثناء إضرابهم، خلال آذار/ مارس 2013، بشأن "استقلال الشرطة عن الإشراف الرئاسي"، مع أن تعديلات قانون الشرطة في حزيران/
يونيو 2012، قد أزالت الرئيس بالفعل من منصبه الصوري رئيسًا للمجلس الأعلى للشرطة102. وخير دليل على ذلك، أن الشرطة استمرّت بقمع إضرابات العمال، باستخدام تكتيكات لم تكن تخطر في بالهم إبان عهد مبارك، حتى في ذروة احتجاجاتها ورفضها استهداف المعارضة السياسية نيابة عن الإخوان المسلمين. ففي 17 شباط/ فبراير 2013 مثلًا، اقتحمت وزارة الداخلية في الإسكندرية مصنع شركة بورتلاند للإسمنت، معزّزَة بوحدات مكافحة الإرهاب التابعة لقوات الأمن المركزي، وأطلقت الكلاب البوليسية على المُضرِبين؛ ما أسفر عن إصابات خطرة. ألقى بعض العمال أنفسهم من الطابق الثالث والرابع للهرب من هجمات الكلاب، واحتُجِز نحو 100 مُضرِب وتعرّضوا للتعذيب في أثناء احتجازهم103. دافع مرسي بقوة عن وزير داخليته، ورفض مرارًا وتكرارًا دعوات الضباط وضباط الصف إلى عزله104. لكن مصطفى كان، في كل الأحوال، يفقد سيطرته على الوزارة؛ إذ فشلت محاولاته الرامية إلى نزع فتيل المعارضة المنتشرة في صفوف قواته، وخلص تدريجًا إلى أن التحالف مع الإخوان المسلمين لا طائل منه، وأنه سيكلّفه غاليًا105. من هنا، واصل أداء دور محوري في انقلاب تموز/ يوليو، وما أعقبه من حملات وحشية استهدفت مناصري الإخوان؛ الأمر الذي شهد استعادته السيطرة الفاعلة على رجاله ووزارته، حتى تقاعده في آذار/ مارس.2015
1. عودة الشرطة
استند السيسي إلى حدّ بعيد، في الفترة التي أعقبت الانقلاب مباشرة حتى عام 2019، إلى المخابرات الحربية في إدارة المشهد السياسي المحلي106. وتسلّم الجيش أيضًا عددًا من الملفّات الأمنية التي كانت تتوّلا ها وزارة الداخلية سابقًا. لقد أسنِدت إلى المخابرات الحربية مثلًا مهّما ت الأمن في المنطقة الساحلية الشمالية الغربية، التي تمتدّ من غرب الإسكندرية إلى الحدود الليبية. وأصبحت المخابرات الحربية (بمشاركة جهاز المخابرات العامة لاحقًا) الجهة الرئيسة المكلّفة بالتعامل مع رؤساء العائلات الكبيرة وشيوخ القبائل، كما أشرف الجيش على عمليات مكافحة المخدّرات التي كانت غالبًا من اختصاص وزارة الداخلية107. لكنّ ما حدث خلال هذه الفترة لا يُحتّم علينا القول بتهميش وزارة الداخلية. على الرغم من ذلك، فإن الشرطة شعرت "مؤقّتًا بأنها تعمل محض سكرتارية للجيش"، على وفق ما يقول جمال عيد، وهو محامٍ مخضرم في مجال الحقوق، كان هدفًا لحملات الشرطة القمعية108. لجأ السيسي إلى تحديث ترسانة وزارة الداخلية ومعدّات الرقابة والمركبات المدرّعة؛ ما رفع الروح المعنوية لمنتسبي الجهاز109. يقول علي الرجّال، وهو متخصّص في السوسيولوجيا السياسية، وله أبحاث مكثّفة في الجهاز القمعي: "تخّلى رجال الشرطة عن أوهامهم القديمة التي كانت موجودة خلال فترة حبيب العادلي. لقد أدركوا أنهم أصبحوا الآن أدنى من الجيش هيكليًا، وأصبح هدفهم منصبّا على تحسين وضعهم في المجتمع الأمني، عوض الهيمنة عليه"110.
2. الأمن الوطني
حين تحوّلت مباحث أمن الدولة إلى جهاز الأمن الوطني، في مطلع عام 2011، زعم المدير الأول للجهاز اللواء حامد عبد الله حلّ إدارات مباحث أمن الدولة القديمة التي "لم تكن تعمل من أجل حماية المواطن"، ولا سيما تلك التي كانت تتعامل مع "النقابات العمالية والجامعات والمصانع والكيانات والأحزاب السياسية"111. إن الرقابة المحلية قد "تراجعت ببساطة" في الواقع، لكنها لم تتوقّف؛ إذ بقي هيكل مباحث أمن الدولة على حاله تقريبًا112. سخر مرسي من دعوات الإصلاح، بتعيين اللواء خالد ثروت مديرًا جديدًا للأمن الوطني، وهو الضابط الذي قاد الحملات القمعية التي توّلا ها الجهاز بعد الانقلاب. وقد أدرجت منظمة هيومن رايتس ووتش اسمه في تقريرها عن مذبحتَي رابعة والنهضة، ضمن ستة من كبار مسؤولي
وزارة الداخلية الذين ينبغي التحقيق معهم، في "التخطيط لعمليات القتل وتنفيذها"113. واصل ثروت الإشراف على عمليات الأمن الوطني حتى آذار/ مارس 2015. وفي الفترة التي أعقبت الانقلاب، بدأ جهاز الشرطة السرية الذي كان يشُرف عليه يستعيد مكانته في وزارة الداخلية، بعد أن تعافى من الضربات التي وُجّهت إليه في عام 2011، وقد جاء بعد ذلك عامان من التدقيق العام والتهميش السياسي النسبي. لقد اخِتيِر وزراء الداخلية الذين عُيّنوا منذ شباط/ فبراير 2011 حتى الانقلاب بعناية، وكانوا من خارج مباحث أمن الدولة (والأمن الوطني)114. لم يمضِ يوم واحد على مظاهرات التفويض التي أعقبت دعوة السيسي الشعب المصري إلى تنظيم احتجاجات جماهيرية، تطالب بمنحه تفويضًا ل "محاربة الإرهاب"، حتى أعلن وزير الداخلية مصطفى في 27 تموز/ يوليو 2013، أن الأمن الوطني قد أعاد إلى الحياة إدارتي مكافحة التطرّف والنشاط الداخلي، وهما من أكثر الإدارات سوءًا في مباحث أمن الدولة115. وبعد يومين، أُعِيد إلى الخدمة ما لا يقل عن 35 ضابطًا سابقًا في أمن الدولة، كانوا قد أِحُِيلوا إلى التقاعد بعد عام 2011، بمن فيهم الرئيس السابق لإدارة مكافحة التطرّف في أمن الدولة اللواء محمد حنفي سيّئ الصّيت116. في آذار/ مارس 2015، أعلن السيسي تعديلًا وزاريًا في قيادة وزارة الداخلية؛ إذ أقال وزير الداخلية مصطفى، وحلّ محلّه اللواء مجدي عبد الغفار (2018-2015). اتّهمت وسائل الإعلام المحلية، التي كانت تحت سيطرة الدولة آنذاك، مصطفى بالفشل الأمني، ولا سيما بعد أن صعّدت الجماعات المسلّحة المختلفة هجماتها في القاهرة، وفي أنحاء مصر كلها، ضد الأهداف العسكرية والبوليسية والمدنية117. كما استُبدِل ثروت باللواء صلاح حجازي، ليكون مديرًا جديدًا للأمن الوطني. وأطلقت وسائل الإعلام المحلية على هذا التعديل الوزاري اسم "إحياء أمن الدولة"118. كان عبد الغفار وحجازي ضابَطيَن مُخضرَميَن في مباحث أمن الدولة، وقد أشرفا على عمل بعض إداراتها سيئة الصّيت. انضمّ عبد الغفار إلى أمن الدولة في عام 1977، ليعمل في إدارة مكافحة التطرّف، وقد خدم قبل ذلك في قوات الأمن المركزي فترة وجيزة. وبعد حلّ جهاز أمن الدولة، عُّين نائبًا لمدير الأمن الوطني ثانية. من جهته، عمل حجازي فترة وجيزة في قوات الأمن المركزي، ويُرجّح أنه انضمّ إلى أمن الدولة في عام 1978، وكان يقود إدارة النشاط الخارجي للجهاز قبل أن يُكلَّف بإدارة عمليات أمن الدولة في القاهرة عشية الثورة. لم يخضع حجازي للمحاسبة قط بعد آذار/ مارس 2011، على خلفية انتهاكات أمن الدولة في العاصمة، واحتفظ بالمنصب نفسه، وواصل الإشراف على عمليات الأمن الوطني في القاهرة. وبعد الانقلاب، توّلى حجازي قطاع الاتصالات في وزارة الداخلية. وكان تعيينه اللاحق مديرًا للأمن الوطني مؤرّشًا على مدى اهتمام النظام المُتزايد بالرّقابة الإلكترونية والعمليات السيبرانية. تحوّل الإحياء التدرجي للأمن الوطني، بقيادة مصطفى، إلى صعود سريع في قوة الجهاز ونفوذه خلال إدارة عبد الغفار. لقد كان تعيينه مؤرّشًا على عودة المنصب الوزاري إلى صفوف أمن الدولة/ الأمن الوطني ثانية119. روّج عبد الغفار على نحوٍ متزايد، داخل هيكل وزارة الداخلية، لضباط أمن الدولة/ الأمن الوطني المخضرَمين، كي يقودوا قطاعات أخرى من قوات الشرطة120؛ ما ساعد في إحكام قبضة الجهاز ثانية على الديناميات الإدارية للوزارة. لكن على الرغم من توفر عبد الغفار على وسائل القمع الوحشي والتفويض غير المحدود باستخدام أي وسيلة لتهدئة البلاد121، فإن سجلّه في مكافحة الإرهاب كان كارثيًا122. في الوقت نفسه، حدّث حجازي قدرات الرقابة الإلكترونية في جهاز الأمن الوطني، وكثّف الحملات القمعية ضد الإسلاميين. كما منح ضابطًا مخضرمًا في أمن الدولة، هو اللواء محمود شعراوي، ترقية
سمحت له بخلافة حنفي في قيادة إدارة مكافحة التطرّف. اكتسب شعراوي سمعة سيئة من جرّاء تعذيبه السادي؛ ما دفع ضحاياه إلى منحه عددًا من الألقاب المستقبحة123. أما صعوده لقيادة عمليات مكافحة الإرهاب في جهاز الأمن الوطني، ثم خلافته حجازي في منصب مدير الأمن الوطني خلال كانون الأول/ ديسمبر 2015، فقد أدّى إلى موجة جديدة من عمليات القتل خارج نطاق القانون، فضلًا عن انتهاكات حقوق الإنسان في تعامله مع الإسلاميين خاصة، ونشطاء المعارضة بوجه عام. مع تصاعد حدّة الهجمات الإرهابية في المدن، كثّف السيسي جهوده على نحوٍ متزايد في دعم الأمن الوطني. ففي 5 آذار/ مارس 2017، زار المقر المركزي للأمن الوطني في مدينة نصر، لمناسبة الذكرى السنوية لاقتحامه في عام 2011، وقد حظيت زيارته تلك بتغطية إعلامية واسعة. وهناك، اجتمع بقادة الأمن الوطني وضباطه ثلاث ساعات، بحضور عبد الغفار وشعراوي، وقد تعامل جهاز الأمن الوطني مع هذه الزيارة بوصفها "استعادة لكرامته"124. أطنب السيسي في مديحه للقادة والضباط، بينما ركز عبد الغفار على جهود وزارة الداخلية في ضمان "تبادل المعلومات، والتنسيق المستمرّ بين أجهزة الدولة المعنية جميعًا، من أجل حماية الأمن القومي"125. في تشرين الأول/ أكتوبر 2017 نهِيت خدمات شعراوي في جهاز، أُ الأمن الوطني، على خلفية التعديل الأمني الواسع الذي أعقب عملية الواحات البحرية الكارثية126. نُقِل إلى قيادة أمن الموانئ في وزارة الداخلية، وهو القطاع الذي يشُرف على الموانئ والمطارات، قبل أن يصبح وزيرًا للتنمية المحلّية في حزيران/ يونيو 2018127. عُّين اللواء محمود توفيق خلفًا لشعراوي مديرًا لجهاز الأمن الوطني. وقد سبق لتوفيق العمل في إدارات مختلفة، بما في ذلك مكافحة التطرّف والنشاط الخارجي، وهو ضابط مُخضرَم في مباحث أمن الدولة/ الأمن الوطني. توّلى قيادة الجهاز مدة قصيرة، امتدت أقلّ من عام، قبل أن يخلف عبد الغفار وزيرًا جديدًا للداخلية في حزيران/ يونيو 2018. في أثناء ذلك، تسلّم العميد عماد صيام، وهو الشخص الثاني بعد توفيق، قيادة الأمن الوطني. كان صيام ضابطًا مُخضرَمًا في مباحث أمن الدولة/ الأمن الوطني أيضًا، وقد عمل سابقًا في إدارة مكافحة التطرّف قبل الثورة. وسبق لتوفيق أن اِّهتِم بالتعذيب، وقدّم ضحاياه دعاوى قضائية ضدّه، لكنه نال البراءة بعد الانقلاب من التّهم كلها، بعد أن مَثُل أمام قاضٍ معروف بتأييد النظام. في تموز/ يوليو 2019، استُبدِل صيام باللواء عادل جعفر الذي ما زال يقود جهاز الأمن الوطني حتى لحظة كتابة هذه السطور. مثّل عام 2019 نقطة تحوّل في مصير جهاز الأمن الوطني (ووزارة الداخلية). إن سوء تعامل جهازَي المخابرات العامة والمخابرات الحربية مع أزمة تسريبات محمد علي التي أسفرت عن احتجاجات قصيرة الأجل، في أيلول/ سبتمبر 2019، دفع السيسي إلى إعطاء الأمن الوطني دورًا أكبر في مجال الأمن الداخلي وصنع السياسات128. فحينما كان جهازا المخابرات العامة والمخابرات الحربية مثلًا مسؤوَليَن عن هندسة برلمان عام 2015129، توّلى جهاز الأمن الوطني هذه المهمة مع مجلسي النواب والشيوخ في عام 2020130.
مع ذلك، لم يعنِ بروز قوات الأمن الداخلي ووزارة الداخلية هذه المرة تهميش نظرائهم في الجهاز القمعي، وذلك عكس ما كان يحدث في عهد الجمهورية الأولى. فالجيش ما زال يتربّع على القمة، ويعمل مع شقيقيه الأصغرَين لضمان عدم اندلاع ثورة ثانية. يمكن كل مؤسسة أن تعمل على تحسين امتيازاتها وتوسيع صلاحياتها، لكن هذا يحدث في منظومة بيئية متّحدة لمواجهة التهديد المهيمن المُتصَّوَر بنشوب تمرّد شعبي131. في ما يلي أقدّم بعض الأمثلة على تنامي قوة الشرطة بعد عام 2019، الذي حدث أيضًا في سياق التعاون لا التنافس. كان الثابت تاريخيًا أن الجيش هو الذي يُجنّد خريجي الجامعات، بينما لا تحصل الشرطة إّلا على "الفضلات" من الأمّييّن والمصابين بسوء التغذية، للخدمة في قوات الأمن المركزي وجهاز الأمن132. في عام 2009، عُدّل قانون التجنيد الإلزامي، فسمح لوزارة الداخلية بتجنيد خريجي الجامعات بقرار من وزير الدفاع، لكن بعد أن يحصل الجيش على حاجته منهم، شرط أّلا تتجاوز نسبة وزارة الداخلية 10 في المئة من القوة السنوية للتجنيد133. كان هذا الأمر ببساطة غير مسبوق من الناحية العملية134. لكن وزارة الداخلية وسّعت نطاق تجنيد خريجي الجامعات كثيرًا، بدءًا من عام 2019، بل جنّدت أحيانًا دفعة تخرّج كاملة من كليات الهندسة والطبّ وإدارة الأعمال والصيدلة مثلًا. كُلّف هؤلاء المجنّدون، المتعلّمون غالبًا، بإدارة الوظائف التي تتطلّب مهارات خاصة، كتشغيل شبكة كاميرات المراقبة التلفزيونية المغلقةCCTV في محطات مترو الأنفاق135. ويعلّق هشام صبري على ذلك بأنه "دليل على التعاون غير المسبوق بين الأجهزة الأمنية. تحتاج وزارة الداخلية إلى كوادر. وعوض توظيف الأشخاص، فإنها "تُجنّدهم مجانًا. لم يكن هذا ليحدث من دون موافقة الجيش136. كان هناك تطوّر مهم آخر، تمثّل في مشاركة قوات وزارة الداخلية الخاصة، بدءًا من عام 2021، في مناورات النجم الساطع العسكرية، المتعدّدة الجنسيات، التي كانت قبل ذلك مقتصرة على القوات المسلّحة مدة طويلة. لا يعكس هذا الأمر تصاعد عسكرة الشرطة فحسب، بل يدفع الجيش أيضًا إلى القول: "نحن واحد ولا فرق بيننا. أنا أطويك [جهاز الشرطة] تحت جناحي"137. المثال الأخير الذي سأستشهد به يعود إلى عام 2022؛ إذ شارك وفد من طلبة الكلية الحربية، أول مرة، في تاريخها، في حفل تخريج طلبة كلية الشرطة الذي حضره السيسي وكبار مسؤولي وزارتي الداخلية والدفاع والدولة138. وأرسلت هذه المؤّشرات إلى الجمهور رسالة مفادها أن "العسكريين والشرطة يد واحدة. نحن جميعًا متّحدون ضدّك [الشعب"]139، على حدّ تعبير هشام صبري.
3. حقول الموت: الانتهاكات والممارسات خارج نطاق القانون
يُعدّ التعذيب والاختفاء القسري، والقتل خارج نطاق القانون، ممارسات استخدمتها الشرطة بصفة منهجية قبل عام 2011. وفي ظل النظام الجديد الذي نشأ بعد الانقلاب، تصاعدت تلك الممارسات إلى مستوى غير مسبوق؛ إذ أطلِق العنان لوزارة الداخلية والأمن الوطني في قمع المعارضة بشتى أشكالها، مع إفلات شبه كامل من العقاب140. لقد اتّسمت عمليات الإعدام الميداني بدرجة أعلى من الضراوة والعشوائية، ولا سيما بعد الهجمات الكبرى ضدّ قوات النظام، بوصفها شكلًا من أشكال الثأر. يصعب تحديد عدد عمليات القتل خارج نطاق القانون بدقّة، لكن إحدى المنظمات الحقوقية المصرية البارزة قدّرت عدد عمليات القتل خارج نطاق القانون، تلك التي ارتكبتها أجهزة الجيش والشرطة ما بين عامّي 2014 و 2019، بأكثر من 356 حالة141. ويبدو أن عام 2015 قد شهد، بوجه خاص، تطبيعًا كاملًا لهذه الممارسة. لقد أكّدت جهتان بارزتان من مجموعات حقوق الإنسان المصرية أن مشروع قانون مكافحة الإرهاب القاسي الذي اعتُمِد
في نيسان/ أبريل "يشجّع المسؤولين المكلّفين بتطبيق القانون، على المشاركة في عمليات القتل خارج نطاق القانون، مع ضمان الإفلات من العقاب"142. وذهبت منظمة أخرى لمراقبة الحريات المدنية، هي منظمة هيومن رايتس ووتش، إلى أن هذه الممارسات "انتشرت بعد أن دعا الرئيس السيسي في حزيران/ يونيو 2015 إلى تحقيق العدالة الناجزة، في أعقاب الهجمات العنيفة الكبرى"143. وأضافت أن عناصر وزارة الداخلية والأمن الوطني نفّذت عمليات القتل والاختفاء القسري والتعذيب "على نطاق قد يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية"144. في المقام الأول، هناك مجموعتان أمنيّتان من قوات الشرطة الخاصة التي شاركت في مثل هذه العمليات: 1. قوة إنقاذ الرهائن التي ترتبط بالإدارة العامة للعمليات والنشاط الخاص في الأمن الوطني، و 2. وحدات العمليات الخاصة في قوات الأمن المركزي. تلقّت المجموعتان تدريبًا دوليًا، فضلًا عن التدريب على أيدي الجيش المصري. شاركت قوة إنقاذ الرهائن، وبعض عناصر قوات الأمن المركزي التي تُسمّى "بلاك كوبرا"، في مناورات النجم الساطع في عام 2021 والسنوات اللاحقة. مع ذلك، سرعان ما امتدّ تطبيع عمليات القتل خارج نطاق القانون في عمليات مكافحة الإرهاب، إلى قطاعات أخرى في وزارة الداخلية، كانت تتعامل مع قضايا "جنائية" لا تتعلّق بالإرهاب؛ الأمر الذي عزّز اتجاهًا كان يتنامى حقًا منذ أواخر الثمانينيات كما خضعت عقيدة الأمن الوطني ووزارة الداخلية إلى تحوّل، سوّغ/ مكّن مثل هذه الممارسات المروّعة. لم تقتصر العسكرة على أيديولوجيا الشرطة فحسب، بل كان لما يُسمّى باتجاهات حرب الجيل الرابع آثار جذرية. يقول هيثم محمدين، وهو محامٍ اشتراكي مخضرم وسجين سياسي سابق، تعامل مباشرةً مع ضباط الأمن الوطني، في مراكز التحقيق والسجون: "إن التغيير الأهمّ هو أن هناك الآن قوة غاشمة، وجهلًا في التمييز بين التيارات السياسية المختلفة. لقد قرّروا أننا جميعًا نشكّل تهديدًا، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. فلتذهب الأيديولوجيا إلى الجحيم. لقد أصبحنا جميعًا في نظرهم مخرّبين وإرهابيين، وأننا نريد تدمير الدولة. ليس مهًّما من يريد تدمير الدولة؛ الإخوان أو داعش أو الاشتراكيون أو 6 أبريل. إنهم يرون الآن أن لدينا أهدافًا واحدة، وأن جهودنا تكمل بعضها بعضًا: من يتظاهرون يساعدون الإرهابيين، والإرهابيون يقتلون الضباط ليثيروا فيهم الهلع من قمع التظاهرات. ومن ثم، إذا كتبتَ منشورًا بسيطًا في فيسبوك، تُعتقَل أربع سنوات، وتواجه تعذيبًا لا يختلف عّما يتعرّض له الداعشي المشتبه فيه".
خاتمة
كانت الشرطة المصرية أحد المكوّنات المركزية للجهاز القمعي، في ظل الأنظمة الجمهورية المتعاقبة. كان هذا الجهاز الأمني يعاني التشظّي على نحو تقليدي؛ إذ اتّسمت أقسامه بتداخل الصلاحيات وإعطاء الأولوية للتنافس على الموارد لا التنسيق. لكن التهديد الوجودي، الذي سبّبته ثورة عام 2011، دفع الجهاز القمعي في نهاية المطاف إلى توحيد صفوفه لمواجهة التهديد الملموس المهيمن الذي تمثّله الاضطرابات الشعبية. هكذا، تمكّنت وزارة الداخلية من تجاوز تضاريس المرحلة الانتقالية الوعرة من دون أن تصاب بأذى كبير، على الرغم من اهتزاز مكانتها بسبب فشلها في إخماد الثورة، والهزيمة التي لحقت بها في جمعة الغضب. وقد اجتنبت دعوات (ومحاولات) الإصلاح، بمساعدة انتهازية الإخوان المسلمين قبل الانقلاب، ثم عادت بقوة في ظل حكم السيسي والجيش. لكن، ينبغي لنا عدم التعامل مع استمرار وحدة الجهاز وانسجامه، بوصفه أمرًا مُسلّمًا به. فمع غرق البلاد في أزمة اقتصادية وديون متزايدة، يغدو طبيعيًا أن نتوقّع بعض المقاومة من السكان. إن مستوى هذه المقاومة وحجم المشكلات الاقتصادية، ودرجة الدعم المالي الإقليمي والدولي، عوامل قد يكون لشدّتها تأثير ضارّ في تماسك الجهاز القمعي.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. ثورة مصر، الجزء الثاني: من الثورة إلى الانقلاب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 بكري، مصطفى. الصندوق الأسود: عمر سليمان. القاهرة: اليوم السابع،.2015 _______. لغز المشير. ط 2. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية،.2016 ضوء في درب الحرية: شهداء ثورة 5 2 يناير. القاهرة: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان،.2012 "قانون رقم 25 لسنة 2012 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 109 لسنة 1971 في شأن هيئة الشرطة". الجريدة الرسمية.
"قانون رقم 152 لسنة 2009 بتعديل بعض أحكام قانون الخدمة العسكرية والوطنية الصادر بالقانون رقم 127 لسنة 1980". الجريدة الرسمية. العدد 52(مكرر.). 2009/12/27 ف:ي https://acr.ps/1L9zOK6 "قرار وزير الداخلية رقم 236 لسنة 2011 ". الوقائع المصرية. العدد 38 تابع.)(أ 2011/2/14:. في https://manshurat.org/node/4535 مجموعة العمل المصرية من أجل حقوق الإنسان. "تقرير حقوقي: وضعية حقوق الإنسان أسوأ كثيرًا من 2014 والحكومة المصرية لم تف ب 300 تعهد للأمم المتحدة". مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.. 2019/10/14 ف:ي https://cutt.ly/DelGujNs محاكمة مبارك الأولى: فرصة مهدرة لتحقيق العدالة. القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية،.2013 مولانا، أحمد. "دهاليز الأمن المركزي... النشأة والمكوّنات 2011-1969 ". دراسات. منتدى العاصمة للدراسات السياسية والمجتمعية 2021/1/18.فيhttps://cutt.ly/velFFQkt:. يوميات شعب ثائر تحت حكم العسكر. القاهرة: مركز النديم،.2012
الأجنبية
Abdelrahman, Maha. "Policing Neoliberalism in Egypt: The Continuing Rise of the 'Securocratic' State." Third World Quarterly. vol. 38, no. 1 (January 2017). Al-Ghobashy, Mona. Bread and Freedom: Egypt's Revolutionary Situation, Stanford Studies in Middle Eastern and Islamic Societies and Cultures. Stanford, CA: Stanford University Press, 2021. Al-Houdaiby, Ibrahim. "Changing Alliances and Continuous Oppression: The Rule of Egypt's Security Sector." Arab Reform Initiative, Debating Egypt. 2/6/2014. at: https://cutt.ly/Eelm5HA6 Allam, Rabha. "Egypt: The Security Police Under Morsi's Rule." Paper Presented at the 3 rd Arab - Turkish Congress of Social Sciences. Istanbul. Istanbul University Convention Center. 2013. Ashour, Omar. "From Bad Cop to Good Cop: The Challenge of Security Sector Reform in Egypt." Brookings Doha Center & Stanford on Democracy. Development, and the Rule of Law, Stanford University. Papers Series , no. 3. (November 2012). Droz-Vincent, Philippe. Military Politics of the Contemporary Arab World. Cambridge: Cambridge University Press, 2020. Ennarah, Karim Medhat. "The End of Reciprocity: The Muslim Brotherhood and the Security Sector." South Atlantic Quarterly. vol. 113, no. 2 (2014). Greitens, Sheena C. Dictators and Their Secret Police: Coercive Institutions and State Violence, Cambridge Studies in Contentious Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2016. Hamad, Mahmoud. Judges and Generals in the Making of Modern Egypt: How Institutions Sustain and Undermine Authoritarian Regimes. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Holmes, Amy Austin. Coups and Revolutions: Mass Mobilization, the Egyptian Military, and the United States from Mubarak to Sisi. New York: Oxford University Press, 2019.
Human Rights Watch. "Egypt: Publish Fact- Finding Committee Report." 24/1/2013. at: https://cutt.ly/SelAVi4u Sayigh, Yezid. "Missed Opportunity: The Politics of Police Reform in Egypt and Tunisia." Carnegie Endowment for International Peace. 17/3/2015. at: https://cutt.ly/BelW5unj The Tahrir Institute for Middle East Policy (TIMEP). "Five Years of Egypt's War on Terror Egypt Security Watch." 24/7/2018. at: https://cutt.ly/SelDd0fI Tonsy, Sara & Ali al-Raggal. "How Did Sisi Reproduce Authoritarianism in Egypt?" Rowaq Arabi. vol. 26, no. 1 (May 2021).