تحّولّات النظام الإقليمي العربي: مقاربة بنائية

Transformations of the Arab Regional Order: A Constructivist Approach

مروة فكري| Marwa Fekry *

الملخّص

تسعى هذه الدراسة للبحث في دور الهوية والأفكار والمعايير والمصالح في تشكيل النظام الإقليمي العربي عبر مراحل تاريخية مختلفة، انطق ا من أطروحات ألكسندر ونت البنائية. وتهدف يأضًا إلى تقييم إمكانيات النظرية البنائية في تفسير ديناميات المنطقة، والكشف عن حدودها التفسيرية. وتركز على مراحل محورية ارتبطت بأحداث كبرى مثل حلف بغداد (1955)، وهزيمة حزيران/ يونيو 1967، وحرب الخليج الأولى (1990)، وغزو العراق (2003)، والربيع العربي (2011)؛ وُتبيّن كيف أعادت هذه الأحداث تشكيل الهويات الإقليمية من خلال صراع الروايات والثنائيات المهيمنة؛ إذ اعتمدت شرعية الفاعلين على قدرتهم على فرض رواياتهم وإعادة تعريف القضايا الأساسية. وتخلص إلى أن الهوية والمعايير أديا دورًا محوريًا في تشكيل السياسة الإقليمية؛ إذ تجاوزت الصراعات التنافس على القوّة المادية، إلى الصراع على التصوّرات والأدوار. وعلى الرغم من مساهمة البنائية في ربط الهوية بالتفاعلات الإقليمية، فإن تفسيراتها تبقى محدودة، فشأنها شأن نظريات لاعالقات الدولية الأخرى.

Abstract

This study examines the role of identity, ideas, norms, and interests in shaping the Arab regional order across different historical periods, building on Alexander Wendt's constructivist approach. It critically evaluates both the explanatory power and inherent constraints of this approach in explaining regional dynamics within the Arab region. The study focuses on pivotal junctures linked to major events such as the Baghdad Pact (1955), the 1967 defeat, the Gulf War (1990), the Iraq invasion (2003), and the Arab Spring (2011). It demonstrates how these events reshaped regional identities through competing narratives and dominant dichotomies, where actors' legitimacy depended on their ability to impose narratives and redefine core issues. The study concludes that identity politics and normative frameworks played a central role in shaping regional policies and dynamics. Regional conflicts mainly manifested as struggles over ideational factors and positional roles rather than crude power maximization. Although constructivism offers valuable insights into how identity shapes regional interactions, its explanatory scope remains partial. As with all IR theoretical perspectives, it emphasizes certain dimensions while neglecting others.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

لا يستطيع المتأمّل في أنماط الصراعات والتحالفات، التي تتميز بها السياسة الإقليمية العربية، إغفال أهمية الأبعاد المتعلقة بالهوية، والاختلافات حول المعايير والمبادئ التي ينبغي أن يؤَّسَس عليها النظام الإقليمي. فعلى سبيل المثال، يمثل الصراع الُسنّي - الشيعي لعبةَ قوةٍ أساسيةً في المنطقة بين المملكة العربية السعودية وإيران؛ وهو صراع اتّخذ أبعادًا جديدة مع الربيع العربي - وما قبله أيضًا - أهمها بروز البعد الطائفي في السياسات الداخلية والخارجية لدى فاعلين كثُر في المنطقة؛ إضافة إلى الانقسامات البينية الأخرى التي رسمت طبيعة التحالفات والمحاور في المنطقة ما بين اعتدال وممانعة، واستقرار واضطراب، وغيرهما. في الوقت نفسه، لا يخلو الخطاب السياسي الذي تتبنّاه غالبية الدول العربية، على سبيل المثال، من الإشارة إلى "الأمة العربية" و"المصلحة العربية" و"الشعوب العربية"، وهي مفاهيم تعكس انتماءً ثقافًّيًا مشتركًا، وتحمل إرثَ أفكار القومية العربية التي، وإن توارت مع الوقت، لا تزال تنطوي على توقعات لدى الأفراد، بل يفرض هذا الخطاب على النخب الحاكمة تبرير أفعالها إذا ما جانبته. تستدعي هذه الأمثلة أطروحات النظرية البنائية في حقل العلاقات الدولية1، التي تُركّز على دور العوامل غير المادية في تشكيل سلوك الدول، ومن ثم طبيعة البنية التي توجَد فيها. وقد أوضح ألكسندر ونت في مقالة له معروفة بعنوان "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، منشورة في عام 1992، أن الفوضى - بمعنى غياب سلطة مركزية عن النظام الدولي - هي نتاج لعملية تفاعل اجتماعي أنتجتها ممارسات الفاعلين في النظام، وأثّرت في بنيته، وتأثّرت بها في الوقت نفسه. ويعني ذلك أن طبيعة النظام الدولي، وما يترتب عليها، هي نتاج عمليات وعلاقات اجتماعية بين الوحدات في تفاعلها مع بنية النظام الدولي2. ويؤكد ونت في هذا السياق دور الأفكار والإدراكات والهويات في السياسة الدولية وتعاظم تأثيرها، مقارنة بالقوى والعوامل المادية. على الرغم من أن ونت طرح أفكاره في الأساس على مستوى النظام الدولي لفهم طبيعة العلاقات الدولية السائدة في سياقات زمنية ومكانية مختلفة؛ فإن سؤلًا يُثار عن إمكانية تطبيق أفكاره على النظام الإقليمي العربي، وإذا ما كان من شأن هذا التطبيق إثراء قدرتنا على فهم أنماط التحالفات والخصومات، وسلوك الدول عمومًا، في المنطقة في مراحل زمنية مختلفة. ومن ثم، تطرح هذه الدراسة سؤلًا رئيسًا، مفاده: كيف ساهمت الهوية والأفكار والمعايير في رسم ملامح النظام الإقليمي العربي عبر فترات زمنية مختلفة من صيرورته؟ ومن هذا السؤال الرئيس تتفرّع، على الأقل، ثلاثة أسئلة فرعية: كيف شكّلت هويات الفاعلين تصوّرات التهديد، ومن ثم نمط التحالفات السائدة في المنطقة؟ وما أثر التحّولّات في الهوية في طبيعة الخطاب السياسي السائد؟ وكيف بدّلت الطائفية من السياسة الإقليمية؟ وكيف أثّر نظام الدول الإقليمي في الطائفية؟

أولا: مدخل نظري إلى إشكالية البحث

تعتمد هذه الدراسة على مقولات البنائية الرئيسة، خاصة تلك التي صاغتها كتابات ونت، لتقييم مدى فائدتها في دراسة النظام الإقليمي العربي وحدود التحليل الذي يُبنَى عليها. تستند البنائية في تفسيرها سلوك الدول الخارجي إلى عوامل مستمدة من دور الأفكار Ideational؛ أي غير مادية، بحسبان أنها هي التي تُضفي معنى ودلالة على العوامل المادية. ويرفض ونت ادّعاء الواقعية والليبرالية بوجود واقع خارجي موضوعي مستقل عن فهمنا له. وتهتم نسخة البنائية الونتية Constructivism Wendetian، في المقابل، بأثر المعايير والقيم والأفكار والهويات والثقافة المشتركة وتصوّرات الذات في سلوك الدول، انطلاقًا من مقولة ونت الشهيرة التي مؤداها أن: "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها". فلا يتحدّد سلوك الدول، وفقًا له، تحت تأثير بنية النظام الدولي وتوزيع القوة المادية بينها فحسب، بل أساسًا من خلال هوياتها وأفكارها ومعاييرها3. ما يهمّنا، في هذا السياق، هو ما يتعلّق بفكرة الهوية4 وآثارها في المصلحة، ومن ثم في التفاعل والبنية. فالفاعل لا يحوز هويةً فحسب، بل يحرص على عرضها أيضًا. وتنتج هوية الفاعل من نظرته إلى نفسه في علاقته بالآخر؛ أو، كما بّين ونت، هي تلك الصورة المتجذّرة في الفهم الذاتي للفاعل (أي فهم الفاعل لذاته). ومن ثم، يمكن أن تؤسس الدول أفعالها على الدين أو الأيديولوجيا أو العرق، أو غير ذلك. وعلى هذا

  1. 1 ثمة جدل بشأن إمكانية حسبان البنائية نظرية في العلاقات الدولية. وترى هذه الدراسة أنها نظرية، لكن ليس بالمعني الوضعي التقليدي الذي يتوقع من النظرية بناء ارتباطات سببية مُتكّن من التنبؤ بالسلوك لاحقًا؛ وهي بدلًا من ذلك، تُركّز على العمليات
  2. Alexander Wendt, "Anarchy is what States Make of it," International Organizations , vol. 46, no. 2 (1992), pp. 391-425; وينظر ترجمة المقال إلى اللغة العربية، في: ألكسندر ونت، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: السياسة الدولية بوصفها بناءًاجتماعيًا"، ترجمة سارة إسماعيل، سياسات عربية، مج 13، العدد 73 (آذار/ مارس 2025)، ص.152-123 3 Ibid.
  3. الاجتماعية بدلًا من القوانين السببية.
  4. 4 ميّز ونت بين أربعة أنواع من الهويات: الشخصية Personal، والنوعية Type، والمتعلقة بالدور Role-Related، والجماعية Collective. وفقًا له، تُفعَّل معظم الهويات بانتقائية، اعتمادًا على المواقف التي نجد فيها أنفسنا. ينظر: Alexander Wendt, Social Theory of International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), p. 230.

النحو، تعني الهوية، لدى ونت، الرؤية والوجهة اللتين تُحدّدان كيفية تصرّف الفاعلين تجاه بيئتهم، والمصالح المُراد تحقيقها؛ إذ بتغّير الهوية، يختلف تعريفُ الفاعل لمصلحته، ومن ثم يتغّير سلوكه5. عّبر ونت عن هذه الفكرة من خلال مفهوم "بنية الهوية والمصلحة"، موضحًا أنه لا توجد بنية واحدة تترتب منطقيًا على الفوضى6؛ فالمصلحة الوطنية ليست شيئًا محدّدًا على نحو موضوعي، بل هي مشروع دائم التشكّل، ويختلف باختلاف الزمن، وباختلاف علاقات الفاعل الاجتماعية. ويعني ذلك أيضًا أن البنية ليست واحدة أو ثابتة؛ إذ تُشكّل المعايير المختلفة، وفقًا للأفكار والهويات السائدة، أنواعًا مختلفة من الفوضى في النظام الدولي: هوبزية (نسبة إلى توماس هوبز)، حيث عالم من الأعداء، أو لوكية (نسبة إلى جون لوك)، حيث عالم من المنافسين الأنانيين، وكانطية (نسبة إلى إيمانويل كانط)، حيث عالم من الأصدقاء7. يبرز هنا مبدأ أساسي من مبادئ البنائية الاجتماعية، كما عّبر عنه ونت، فحواه أن الأفراد يتصرّفون تجاه الأشياء – بمن في ذلك الفاعلون الآخرون – بناءً على المعاني التي تحملها هذه الأشياء بالنسبة إليهم. ولذلك، تتصرّف الدول بطريقة مختلفة تجاه الأعداء، مقارنةً بالأصدقاء؛ ومن هنا، فإن الفوضى وتوزيع القوى لا يكفيان للتمييز بين العدو والصديق. صحيح أن توزيع القوى يؤثّر في حسابات الدول، لكن كيفية ذلك تعتمد على المعاني والتوقعات البينذاتية Intersubjective التي تُشكّل التصورات المتبادلة عن الذات والآخر. وعلى هذا النحو، تشكّل المعاني الجماعية البنى التي تُنظّم أفعالنا، ويكتسب من خلالها الفاعلون هوياتهم8. يفترض ونت أن أيّ بنية اجتماعية تتألف من ثلاثة عناصر: أولًا، الأفكار التي تشكّل الفاعلين في موقف ما، وطبيعة علاقاتهم، سواء أكانت تعاونية أم صراعية9. ثانيًا، الظروف المادية؛ إذ يتصرف الفاعلون على أساس المعاني المبنيّة اجتماعيًا، التي تحملها الأشياء برالنسبة إليهم. ثالثًا، المصالح، التي تُعرَّف بعد تحديد الهوية، وتتغّي بتغّير ها. وهنا، تتمثل المسألة المهمة في أن هذه العناصر مترابطة إلى حد بعيد، وهي ضرورية لفهم النتائج الاجتماعية؛ إذ "لا وجود لمصالح من دون أفكار؛ ومن دون مصالح، لا وجود لشروط مادية ذات مغزى، ومن دون شروط مادية، لا يوجد واقع على الإطلاق"10. عطفًا على ذلك، يمكن الحديث عن نظام إقليمي عربي11 يتشكّل اجتماعيًا وتاريخيًا منذ نشأته، من خلال الأفكار التي مثّلت دينامية دافعة في تطوّره وتشُّكُل هويته. فقد وُلِد هذا النظام حاملًا معه سماتٍ مميزةً؛ فهو نظام ما بين الدول، لكنه متجذّر في هويات فوق الدولة، على حد تعبير ريموند هينبوش12، إضافة إلى أنه يحظى بدرجة عالية من التماسك اللغوي والثقافي والاجتماعي. وتمثل هذه الخصائص بنية الهوية التي تحدّث عنها ونت، كما تُفّسر الثنائيات في الأفكار والهويات التي طالما اتّسمت بها طبيعة العلاقات في الإقليم، ومجموعة القيم التي نتجت من التفاعلات العربية - العربية منذ نشأة النظام الرسمية في عام 1945 وحدّدت هويته. فقد كانت العروبة في مرحلة معيّنة، على سبيل المثال، أداة قوية دفعت الدول العربية إلى تشكيل مجموعة من المعايير القومية العربية التي أصبحت معيارًا للشرعية – على الأقل على المستوى الشعبي – ومن ثم شكّلت سلوك الدولة بطرائق لم يكن الماديون البنيويون يتوقّعونها13. وانطلاقًا من رؤية ونت، لكل هوية نقيضها، فوجود الأنا يتطلّب وجود الآخر. ومن هنا، نفهم، على سبيل المثال، الكثير من الثنائيات التي ظهرت على مدار تاريخ تطوّر الإقليم، مثل القومية العربية، في مقابل الانتماءات غير العربية، أو العروبة (تحديدًا، القومية الناصرية)، في مقابل النزعة الإسلامية، أو الدول الرجعية، في مقابل الدول التقدمية، فضلًا عن الإسلام الُّسُنّي، في مقابل الإسلام الشيعي، وهكذا. يتعلّق المكوّن الثاني، كما بّين ونت، بكيفية التفاعل مع الظروف المادية.

  1. 5 فصّل ونت أكثر في هذه الأفكار في كتابه نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، حيث بّين أن البنية الناتجة تتأثر بالأفكار أكثر من تأثّرها بالعوامل المادية، مؤكدًا تشُّكُل مصلحة الفاعل وهويته، سواء أكان فردًا أم جماعة أم دولة، عن طريق هذه الأفكار المشتركة والتفاعلات المتبادلة أكثر من الأمور المادية أو الطبيعية. ينظر: Ibid., pp. 96, 135, 136; Alexander Wendt, "Identity and Structural Change in International Politics," in: Yosef Lapid & Friedrich Kratochwil (eds.), The Return of Culture and Identity in IR Theory (London/ Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1996), p. 50.
  2. Wendt, "Anarchy is what States Make of it," p. 396.
  3. Wendt, Social Theory , pp. 98-99, 105-106.
  4. Wendt, "Anarchy is what States Make of it," pp. 397, 398.
  5. 9 بنية النظام الدولي، بحسب ونت، هي بنية من الأفكار المتشاركة؛ إذ تؤدي الأفكار المتشاركة المختلفة إلى أفعال ومصالح مختلفة. ينظر: Wendt, Social Theory , p. 231.
  6. Ibid., 139. في مقالة سابقة نشرت في عام 1995، عرّف ونت العامل الثالث من عوامل البنية الاجتماعية بأنها "الممارسات". وبناء عليه، لا توجد البنى الاجتماعية في عقول الفاعلين، ولا تعتمد على القدرات المادية فحسب، بل ترتبط أيضًا بالممارسات التي تُعيد إنتاج البنى الاجتماعية. ينظر: Alexander Wendt, "Constructing International Politics," International Security , vol. 20, no. 1 (1995), p. 73.
  7. 11 تعود البدايات السياسية للنظام الإقليمي العربي إلى نشأة التيارات العروبية التي انطلقت من الشام في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر في وجه سياسة التتريك والجامعة الإسلامية العثمانية التي أطلقتها الأستانة.
  8. Raymond Hinnebusch, "The Sectarian Surge in the Middle East and the Dynamics of the Regional State-System," Tidsskrift for Islamforskning , vol. 13, no. 1 (2019), p. 36.
  9. Raymond Hinnebusch, "Identity in International Relations: Constructivism Versus Materialism, and the Case of the Middle East," The Review of International Affairs , vol. 3, no. 2 (2003), pp. 358-362.

وتشير العوامل المادية إلى سمات النُظم السياسية والاقتصادية في الدول المكوّنة النظام، إضافة إلى الإطار السياسي الإقليمي والدولي ومحدّداتهما وقيودهما، ونمط الإمكانات ومستوى القوّة في النظام14. ومن المهم ههنا التمييز بين الدول التي مُتّ ثّل قلب النظام ومحور تفاعلاته السياسية، والدول الهامشية التي لا تنخرط في تفاعلات مكثّفة مع بقية دول النظام15. وينشأ من تفاعل الأفكار مع العوامل المادية تصوّرات للتهديد بناء على المعاني التي مُتّ ثّلها هذه الأوضاع عند الفاعلين، كما تتولّد معايير مقبولة وأخرى مفروضة للسلوك. ويأتي التغّير في توجهات القيادة المصرية بعد نكسة عام 1967 بخصوص طرائق تحقيق الوحدة العربية مث لًا على ذلك، كما سيأتي لاحقًا. ثم هناك المصالح التي تتحدّد على أساس الهوية، والتي تتغّير بتغّير ها؛ فالهويات والمصالح تنبعان من التفاعل، ولا تنشآن خارجه16؛ فالمصالح المترتبة على غلبة هوية الوحدة العربية، على سبيل المثال، تختلف عن تلك التي تنبع من التأكيد على هوية شرق أوسطية، وهكذا. وتنعكس المصالح أيضًا على نمط السياسات والتحالفات، وطبيعة العلاقات السائدة، وماهية القضايا التي يُثار الخلاف حولها17. بحسب ونت، لا تتغّير الهوية بسهولة إّلا إذا كان ثمة تغير كبير يجعل الفاعلين ينخرطون في علاقات اجتماعية جديدة تُسهم في تحديد هوية جديدة. كما يمكن أن تكون لدى الأفراد والجماعات والدول هويات متعددة، قد تُدمج على نحو متجانس في بعض الأحيان، بينما تنتظم في أوقات أخرى على نحو تراتبي. وهنا، تصبح إحدى تلك الهويات بمنزلة الهوية المركزية، أو الهوية القلب، في حين يجري تشغيل الهويات الأخرى في لحظات اجتماعية معيّنة على نحو لا يُقوّض مقوّمها الأساسي. يُبّين تاريخ النظام الإقليمي العربي أن الهويات المتعددة التي يتّسم بها قد تتصارع أحيانًا حين يفرض السياق على الفاعلين الاختيار بين مطالب هوياتية متباينة. ويمكن أن تعاني الدول، في هذا السياق، صراعَ هوية، من المحتمل أن يظهر في ظل ظرفين أساسيين: الأول، حين تدفع التعريفات المتنافسة للهوية الجماعية نحو سلوكات أو أدوار متناقضة. والثاني، حين لا تصبح تعريفات الذات الجماعية مقبولة في ظل ظروف تاريخية جديدة. لذلك، تحدد هذه الدراسة عددًا من المراحل المحورية التي شهدت تغيرًا في طبيعة هوية الإقليم من خلال تشغيل مستويات معيّنة في بنية الهوية وتهميش الأخرى. وغالبًا ما ارتبطت هذه المراحل بأحداث كبرى، مثل تأسيس حلف بغداد في عام 1955، وهزيمة حرب حزيران/ يونيو 1967، وحرب الخليج الأولى في عام 1990، وغزو العراق في عام 2003، وانتفاضات الربيع العربي في عام 2011. وتتحدد أهمية هذه الأحداث من خلال التغيرات في مسألة أيّ الروايات أو الثنائيات التي سيطرت في كل مرحلة تاريخية؛ إذ تعتمد صدقية كل فاعل على قدرته على تحييد الروايات المنافسة، وقدرته على تحديد طبيعة القضايا السياسية المهمة في لحظة محددة وطبيعتها18.

سبق أن قدّم مايكل بارنيت مقاربة بنائية لسيرورة تطوّر النظام الإقليمي، قائمة على التنافس بين هويتين أساسيتين وطبيعة النظام الإقليمي المرغوب فيه المترتب على كل منهما، وهما الهوية القائمة على العروبة، والأخرى النابعة من السيادة الوطنية. وعلى الرغم من براعة بارنيت في توظيف البنائية في تعزيز فهم السياسة العربية19، فإنه همّش، بدرجة كبيرة، مكوّنًا مهمًا من مكوّنات الهوية الإقليمية، ألا وهو الدين - تحديدًا الإسلام - وتأثيراته في هويات الفاعلين الرئيسين في المنطقة، من الدول، وغير الدول أيضًا.

  1. 14 جميل مطر وعليي الدين هلال، النظام الإقليمي العربي: دراسة في العلاقات السياسية
  2. 15 المرجع نفسه.
  3. Wendt, "Anarchy is what States Make of it," p. 394.
  4. 17 مطر وهلال، ص.19-18
  5. Andrea Teti, "A Role in Search of a Hero: Construction and Evolution of Egyptian Foreign Policy," Journal of Mediterranean Studies , vol. 14, no. 1 (2004), p. 94. 19 Michael N. Barnett, "Identity and Alliances in the Middle East," in: Peter J. Katzenstein (ed.), The Culture of National Security: Norms and Identity in World Politics (New York: Columbia University Press, 1996), pp. 400-447; Michael Barnett, Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order (New York: Columbia University Press, 1998).
  6. العربية، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص.19-18

لذلك، تتبنّى هذه الدراسة فكرة ونت الخاصة ببنية الهويات والمصالح، التي تحمل في ثناياها فكرة تعدد الهويات وإمكانية اختلاف تراتبيتها وفقًا لتطوّرات بعينها، أو عبر لحظات تاريخية مختلفة. وتتبع في رصدها تطوّر النظام الإقليمي ثنائية الدول المراجِعة Revisionist، في مقابل الدول المحافظة على الوضع القائم quo Status، وذلك من خلال تحديد الهويات التي تستند إليها كل فئة من هذه الدول، والقضايا التي تهتم بها، والمصالح التي تصوغها، وطبيعة النظام الإقليمي الذي ترغب فيه20. وتفهم الدراسة الدول المراجِعة باعتبارها تلك الراغبة في تغيير قواعد اللعبة السائدة، خاصة ما يتعلّق بتصوّر دورها والهوية التي تُعّبر عنها (أو تدّعي التعبير عنها) في النظام، ومصادر الشرعية التي تستند إليها. أما دول الوضع القائم، فهي تلك التي تسعى للحفاظ على الأدوار والهويات ومصادر الشرعية على ما هي عليه21.

ثانيًا: تحّولّات النظام الإقليمي العربي

تستلهم الدراسة، إذًا، المراحل التي أوضحها ونت في مقالته، والتي تجري من خلالها سيرورة التغّير في الهوية والمعايير؛ وتبدأ بانهيار الإجماع حول التزامات الهوية، مرورًا بالفحص النقدي للأفكار القديمة عن الذات والآخر، وأخيرًا الممارسة الجديدة التي تتضمن تغرُّي ا في الهويات والمصالح22، مع إضافة بعض المراحل المهمة لفهم هذه التحّولّات الخاصة بالسياق العربي تحديدًا. وننتقل في ما ليي إلى فحص هذه المراحل. النشأة وولادة التناقضات (1916 - 1948)23تمتد هذه المرحلة من الحرب العالمية الأولى حتى تأسيس دولة الاحتلال الإسرائ ليي (1948)؛ وشهدت تصاعد نشاط الحركة القومية العربية وتبلورها في شكل تيار سياسي مُراجِع، يسعى للتأكيد على استقلال العرب عن الدولة العثمانية، وكذلك منع أيّ تدخّل أجنبي للسيطرة على البلدان العربية24. وكانت أبرز ملامح التعبير عنها الثورة العربية بقيادة الشريف حسين في عام 1916. وعندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، كانت الفكرة القومية قد انتشرت بدرجة ملموسة في المنطقة، خاصة في بلاد الشام، وتراجعت الهوية الدينية – خاصة بين النُخب – التي ربطت الشعوب العربية من قبلُ بالدولة العثمانية. وإن كانت حدود هذه الأمة لم تكن محَّلَ اتفاق بعد25. وباتت ملامح النظام الإقليمي العربي وحدوده، مع مرور الوقت، أوضح، واتّخذت شكلها المعروف اليوم، وأصبحت مُتّ ثّل إطارًا تحدُث ضمنه التطورات السياسية في المنطقة26. مع نهاية الحرب العالمية الثانية (1945)، نضجت الأفكار القومية بدرجة كبيرة، وكذلك أفكار التحرر الوطني من الاستعمار. وارتبط مفهوم الوطن في هذه المرحلة ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم تقرير المصير والاستقلال، بعيدًا عن الرابطة الدينية27. وأخذ القوميون العرب في فترة الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات يطوّرون تصوّرًا جديدًا للوحدة العربية، مُستمدًا من افتراضهم أن الأمة العربية ما هي إّلا كيان اجتماعي ينبغي تحوّله إلى وحدة سياسية واحدة، تتماهى مع الحدود التاريخية والجغرافية للغة العربية28؛ وهي الأفكار التي أدّت إلى بروز تيارين رئيسين يُعّبر ان عن شكلين من أشكال الهوية في بنية الهوية29: الدعوة القومية والمنطق القُطري، على حساب الروابط الدينية والمحلّية الأخرى. وترتب على ذلك تشكّل كتلتين رئيستين متنافستين، تطرحان أفكارًا متناقضة بشأن طبيعة النظام الإقليمي المرغوب فيه، هما: الكتلة المراجِعة التي تمثّلت في الكتلة

  1. Wendt, Social Theory , pp. 98-99, 105-106.
  2. 21 ينبغي لنا الإشارة هنا إلى أن مفاهيم مثل الدول "المراجِعة" ودول "الوضع القائم " هي مفاهيم مبنية اجتماعيًا أيضًا، لأنها تتشكّل عبر التفاعلات والصراعات والتوافقات بين الفاعلين. ومن ثم، فهي قابلة لإعادة التأويل وإعادة التشكيل باستمرار وفقًا للتغّيارت في العوامل المادية، وكذلك في الإدراك الجمعي لهذه التغّيارت. قد تؤدي هذه التحّولّات إلى إعادة صوغ مفهوم الشرعية أو إلى تعديل في معايير السلوك المقبولة، وما إلى ذلك.
  3. Wendt, "Anarchy What States Make of it," p. 420.
  4. 23 وقعت المنطقة العربية أو الشرق الأوسط تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، حتى الحرب العالمية الأولى. وكانت هذه الإمبراطورية مزيجًا من القوميات، مثّل الدينُ الإسلامي الرابطَ المشترك بينها. ونتيجة لذلك، وحتى بداية القرن العشرين، لم تكن هناك حركة شعبية قوية تنادي بالاستقلال العربي. إّلا أن هذا تغّير مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914)،
  5. 24 حتى نهاية القرن التاسع عشر، تعددت البنى السياسية التي خضع لها الإقليم. فقد مثّلت الإمبراطورية العثمانية والإسلام والبنى القبلية والقروية المحلية جزءًا من حياة الأفراد،.Barnett, Dialogues in Arab Politics , p. 58:ومن ثم شكّلت هوياتهم السياسية. ينظر
  6. 25 وفقًا للمؤتمر العربي في باريس، في عام 1913، اقتصرت الحدود الجغرافية لمفهوم القومية العربية على شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب. ينظر: يوسف الشويري، القومية العربية: الأمة والدولة في الوطن العربي، نظرة تاريخية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص.114
  7. 26 مطر وهلال، ص 65-61؛ Kristina Kausch, "Debating Middle Eastern Alliances," Conference Report , KAS Regional Program Political Dialogue South Mediterranean (March 2020), p. 3, accessed on 5/5/2024, at: https://acr.ps/1L9zRWD
  8. الشويري، ص.105-104
  9. 28 المرجع نفسه، ص.169
  10. أشكر المحكم المُغفل الهوية على ملاحظته الخاصة بإدخال الحركية في التحليل. فلا يعني ظهور كتلتين رئيستين في هذه المرحلة استمراريتهما بسيرورة التشكل نفسها وللأسباب نفسها. وهنا يفتح التحليل البنائي المجال لفهم عملية التشكل وإعادة التشكل في المراحل المختلفة.

الهاشمية، وسعت لتحقيق الاندماج وتكوين سوريا الكبرى؛ وكتلة الوضع القائم التي تزعّمتها مصر، والتي دعمت فكرة سيادة الدولة وبقاء الوضع الإقليمي القائم على ما هو عليه30. ترتبت على هذه الأفكار المتعلقة بالهوية مجموعةٌ من المعايير والقواعد والقيم السياسية العربية الحاكمة لسلوك أعضاء النظام، المتعلقة بمجموعة من القضايا، مثل الاستقلال عن الاستعمار والوحدة العربية والقضية الفلسطينية. كما أنشِئ الإطار المؤسسي للنظام، متمثلًا في جامعة الدول العربية، في عام 194531، الذي جسّد التناقض بين الهويتين المتقابلتين الأبرز في هذه المرحلة: القومية العربية الساعية نحو الوحدة العربية من خلال إعادة النظر في الحدود السياسية القائمة، والهوية المستندة إلى استقلال الدول وبسط سيادتها. وعّبر ت جامعة الدول العربية عن النقيضين، فهي من ناحية منظّمة إقليمية تضم دولًا متجاورة جغرافيًا، تحترم سيادة كل منها؛ وتُعّبر، من ناحية أخرى، عن فكرة قومية، كونها إطارًا جامعًا للشعوب العربية، أو الأمة العربية بمفردات أخرى. وقد ظهر ذلك بوضوح في المشاورات العربية حول مشروع الجامعة؛ إذ قُدمت أربعة مقترحات متضاربة، مُتّ ثّل رؤى العراق وسورية والسعودية ومصر. فقد هدف العراق إلى مشروع يضم الهلال الخصيب إلى جانب مصر32، في حين طرحت مصر مشروعًا أوسع للتعاون يضم الوطن العربي كله33، لكنه لا يرقى إلى الاندماج التام، أما سورية فعارضت مشروعَي سورية الكبرى والهلال الخصيب المقترَحين من شرق الأردن والعراق، ودافعت في المقابل عن فكرة وحدة آسيا العربية، مع إضافة مصر، لصعوبة تجاهلها. وبالنسبة إلى السعودية، فقد عارضت المشروعات كلها الصادرة عن الأسرة الهاشمية في عّما ن وبغداد، تحت وطأة الريبة بشأن نيّاتها وفهم هذا على أنه مجرد خطوات أولية نحو استعادة نفوذ العائلة الهاشمية والمطالبة به في شبه الجزيرة العربية نفسها34؛ ومن هنا، أصرّت على استقلال كل دولة عربية استقلالًا تامًا، مع تشجيع التعاون متى تطلّبت الضرورة. وجاء ميثاق الجامعة بالفعل مُعرّب ا عن الحد الأدنى المشترك؛ إذ حُِّدِدت أهدافها في: 1. التخلّص من الاحتلال الأجنبي وتمكين الأقطار العربية من الحصول على الاستقلال التام، 2. مواجهة المشروع الصهيوني بحسبانه خطرًا على كل الدول والشعوب العربية،.3 رفض واقع التجزئة، والعمل على تشجيع كل أشكال التنسيق والتضامن والتعاون بين الأقطار العربية إلى أن تتمكّن شعوبها من إقامة دولتها الموحدة35. كان لهذا الصراع بين هويتين أثر ممتد يتعلق باستمرار ضعف المنظمة وعدم فاعليتها36، وهو ما يُفّسر أيضًا أزمة الثقة التي نشأت وتأصلت بين الجامعة والرأي العام العربي، كونها لم تحقق الحد الأدنى من الأماني القومية حتى الآن37. وكان لغياب التعاون والاندماج الإقليمي دوره في هزيمة الجيوش العربية وتأسيس دولة الاحتلال الإسرائ ليي في عام 1948، وهو الحدث الذي أفرز قواعد للسلوك العربي وبعض المعايير الإقليمية، وفي مقدمها المشروعية القومية للعمل السياسي. وهكذا، أفرز الكفاح من أجل الاستقلال، ثم قيام دولة الاحتلال الإسرائ ليي، شعورًا بالتهديد المشترك، نابعًا من الهوية المشتركة القائمة على الانتماء إلى العروبة. وتطوّرت في تلك الفترة مفاهيم القومية العربية والأمة العربية على نحو أشدّ دقة، وارتبطت بمعاني معاداة الاستعمار وتحقيق الاستقلال السياسي، في حين تراجعت الهوية الدينية. وعلى الرغم من أن النزعة الوطنية (أو القُطرية) التي تقتصر على بلد عربي معّين بقيت قوّة سياسية لا يُستهان بها، فإن الدعوة إلى وحدة عربية أوسع، احتلّت درجةً أعلى في بنية الهويات، وحلّت محلّها على نحو متزايد، وحجبتها في أحوال كثيرة.

المدّ القومي والحرب الباردة العربية

مثّلت المرحلة الممتدة بين عام 1950 وحرب عام 1967 مرحلة المّد القومي، أو كما يُطلق عليها بعضهم "الحرب الباردة العربية"38؛ إذ صعدت الهوية القومية العربية لتكون أعلى مستوى في البنية الهوياتية

  1. 30 عمومًا، وقفت السعودية وسورية إلى جانب موقف مصر حتى عام 1957، عندما أخذت السياسات المصرية والسعودية في الاختلاف. وكانت الرغبة في كبح الطموحات الهاشمية في الهلال الخصيب القاسم المشترك بينهما. ينظر: المرجع نفسه، ص.204
  2. 31 يعتبر النظام الإقليمي العربي مفهومًا أعم وأشمل من جامعة الدول العربية؛ فالجامعة من الناحية التنظيمية جزء من النظام، كونها مُتثّل التنظيم الإقليمي الذي يضم الأقطار كلها، أعضاء النظام، وتعكس سياسات هذه البلدان وتطلّعاتها ومصالحها. ينظر: مطر وهلال، ص.63-62
  3. 32 الشويري، ص.203
  4. 33 طُرِحت أول مرة إمكانية إشراك دول شمال أفريقيا في المداولات، على الرغم من حقيقة أن جلّ أقاليمها كان لا يزال تحت الحكم الاستعماري الفرنسي. وعلى الرغم من عدم السماح لأيّ ممثلين عن شمال أفريقيا بحضور المداولات بسبب الاعتراضات الفرنسية، فإن
  5. 34 أدى قضاء عبد العزيز بن سعود على السلطة الهاشمية في غرب شبه الجزيرة، في عام 1926، إلى النظر بعين الريبة والشك إلى المشاريع الهاشمية للوحدة العربية.
  6. 35 عمر كامل حسين، النظام الإقليمي العربي بينن التحديات المزمنة والمتغّيارت الجيوسياسية الراهنة (عّما ن: دار الخليج للنشر والتوزيع، 2020)، ص.29
  7. 36 مطر وهلال، ص.61
  8. 37 المرجع نفسه، ص.168
  9. Malcom Kerr, The Arab Cold War, 1958-1964: A Study of Ideology in Politics (Oxford: Oxford University Press, 1965).

في المنطقة، ما نتج منه إعادة تعريف قوى الوضع القائم والقوى المراجِعة. تشكّلت الأولى من الدول المحافظة ذات العلاقات الوثيقة مع الغرب، والأكثر استيعابًا لدوره في المنطقة، والمتمسكة بمعايير عدم تدخّل الدول العربية بعضها في شؤون بعض. وأما الدول المراجِعة، فكانت أشد عداءً للغرب وتوجّسًا من رغبته في السيطرة على الإقليم، إضافة إلى كونها أكثر تقبّلًا للانخراط في صراع مسلّح مع إسرائيل، وميلها إلى تصدير السياسة الثورية لقوى الوضع القائم39. ودار الخلاف بين الطرفين حول قضايا عدة، أهمها: الاستقلال عن الشرق أو الغرب (إذا ما كان على الدول أن تكون غير منحازة، أو يم كنها الانضمام إلى التكتلات الغربية أو تقوية روابطها مع الاتحاد السوفياتي)، والوحدة العربية (الدرجات المختلفة للالتزام بها والاختلاف حول معنى تحقيقها)، وأخيرًا الاستجابة العربية للقضية الفلسطينية40. وترتب على هذه التوجهات والمواقف تصوراتٌ مختلفة لمصادر تهديد النظام العربي: فهناك من تصوّر التهديد مرتبطًا بالدول الغربية التي فقدت مكانتها وتخشى على مصالحها في المنطقة، في مقابل من تصوّر أن مصدر التهديد يكمن في تعاظم النفوذ السوفياتي ونشاط الأحزاب الشيوعية العربية، هذا إضافة إلى الخطر الإسرائ ليي، وإن كان لم يحتلّ الأولوية حتى هذه اللحظة بعد. ولعل المعركة بشأن حلف بغداد تُلخّص جوهر الصراع الذي ساد في هذه المرحلة. بدأ الصراع بانضمام العراق – تحت حكم الأسرة الهاشمية في ذلك الوقت - في عام 1955 إلى اتفاق أمني مشترك مع بريطانيا وتركيا وإيران وباكستان، أصبح يُعرف بحلف بغداد؛ وكان هدفه المُعلن صدّ أيّ توسّع محتمل للاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط. وأراد العراق من هذا الانضمام انتزاع الاعتراف بدوره ممثلًا أساسيًا للقضايا العربية، إضافة إلى تأمين قدر أكبر من الاستقلالية ضد التأثيرات الإقليمية. واعتقد نوري السعيد – رئيس الوزراء العراقي في ذلك الوقت - أن الدول الصغيرة لا تملك ترف الحياد بين الكتلتين الشرقية والغربية، إضافة إلى اعتقاده أن خطر الاتحاد السوفياتي والشيوعية حقيقي، وأن الصهيونية والشيوعية خطران كامنان يهددان أمن العراق والوطن العربي، وبناء عليه كان التعاون مع الغرب وفقًا لوجهة النظر هذه أمرًا طبيعيًا41. كانت هذه أول محاولة في النظام الإقليمي العربي لإدخال أطراف غير عربية في معادلة النظام الأمنية، وترسيخ دور الغرب ضامنًا لأمن الإقليم. وتزعّمت مصر حركة الرفض هذه؛ إذ تصوّرت أن تلك المحاولة تُعزّز إطارًا استعماريًا يُقوّض المصالح العربية واستقلال الإقليم العربي42. ومن ثم، كان جوهر الصراع بشأن حلف بغداد صراعَ رؤى حول هوية النظام الإقليمي المرغوب فيه: الرؤية العراقية التي ترى أن التحالف مع الغرب أمرٌ مقبول، وكذلك ضم أطراف غير عربية؛ والرؤية المصرية الأشد عداءً للغرب، والأشد تأكيدًا على هوية النظام العربية43. لذا، لم يكن جوهر الصراع بالضرورة هو توازن القوى، إنما الاختلاف حول تعريف العروبة والقومية العربية والمعايير التي تحكم تفاعل الدول العربية، بعضها مع بعض، والتي تحكم علاقتها مع الآخرين. وكشفت الحملة الإعلامية الشرسة التي شنّها النظام المصري ضد العراق، والدول التي لم تعارض الحلف، عن كيفية فرض مفاهيم القومية العربية قيودًا معيارية على قدرة الدول العربية على انتهاج سياسة سيادية، كما كشفت عن عمق مفهوم القومية العربية وخصوصية النظام العربي من ناحية حدة تفاعلاته وكثافتها وتشابكها. كان لأزمة قناة السويس، في عام 1956، أثرها في سيطرة الناصرية على المشهد السياسي، بما تضمّنته من أفكار الهوية المرتبطة بالوحدة العربية واتّباع سياسة عدم انحياز تجاه قطبَي الحرب الباردة. وأثارت هذه السيطرة – خاصة القدرة على استثارة الجماهير وتعبئة الرأي العام العربي – قلق بعض الأطراف من السياسة المصرية، خاصة السعودية التي أقنعتها الولايات المتحدة الأميركية بأن الأهداف المصرية تساعد الخطط السوفياتية في المنطقة وتُشجّع الشيوعيين العرب على توّلي المراكز القيادية في أجهزة الإعلام وبعض المراكز الحساسة، ولهذا أعلنت الرياض تأييدها لمبدأ أيزنهاور44. من ناحية أخرى، شعر الأردن بأنه المستهدف الأول من حملة المراجعة المصرية، وأن الخناق يضيق عليه مع كل خطوة يخطوها النظامان السوري والمصري نحو الوحدة، فسعى لكسب تأييد السعودية والعراق،

  1. Amr Yossef, "The Regional Impact of the Abraham Accords," MWI Report , no. 2 (2021), p. 4.
  2. Mohamed Anis Salem, "Arab Schism in the 1980s: Old Story or New Order?" The World Today , vol. 38, no. 5 (1982), pp. 175-176; للمزيد بشأن هذه القضايا، ينظر: أحمد يوسف أحمد، الصراعات العربية – العربية (1945-1981) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1988
  3. 41 فواز جرجس، النظام الإقليمي العربي والقوى ال بركى: دراسة في العلاقات العربية - العربية والعربية - الدولية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص.48
  4. 42 مطر وهلال، ص.80
  5. 43 وقفت السعودية في هذه المعركة مع الجانب المصري لمنع العراق من إحداث تغييرات في القلب من المنطقة العربية؛ الأمر الذي يدعم فكرة الهوية القومية للنظام، حتى إن اختلفت التوجّهات بعد ذلك حول الطريقة المثلى التي تربط بين وحداته. ينظر: المرجع نفسه، ص.80
  6. 44 جرجس، ص 129؛ يشير مبدأ أيزنهاوز إلى الإعلان الصادر عن الكونغرس الأميركي في عام 1956، والذي حدّد المبادئ العامة للاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956. وهدف الإعلان في الأساس إلى احتواء التمدد السوفياتي في المنطقة من خلال تفويض الرئيس الأميركي سلطة استخدام القوة العسكرية في الحالات التي يراها ضرورية لضمان السلامة الإقليمية، وحماية الاستقلال السياسي لأيّ دولة، وتفويض الحكومة في تنظيم برامج المساعدة العسكرية لأيّ دولة أو مجموعة من دول المنطقة.

وأعلن تأييده مبدأ أيزنهاور45. وهكذا، أصبح الانقسام واضحًا بين الدول التي اعتُِبر ت ثورية وتقدمية مراجِعة، والدول المحافِظة. تُظهِر الحماسة الشعبية التي سادت النظام العربي، نتيجة قيام الوحدة بين مصر وسورية في عام 1958، استبدادَ أفكار الوحدة بالرأي العام العربي، ومن ثم ممارستها قوّة معيارية كبيرة على تفاعلات النظام؛ إذ جاءت غالبية التفاعلات العربية التي حدثت خلال عام الوحدة نفسه، في صورة استجابة لهذه الحماسة الشعبية الجارفة46. فقد كانت الحرب الأهلية اللبنانية (1958) مدفوعة برغبة النخبة المارونية في القضاء على التيار القومي المتصاعد؛ بينما لم يكن الاتحاد بين العراق والأردن، ثم الانقلاب في العراق، سوى تداعيات لهذا الحدث الأكبر. وبالمنطق نفسه، يمكننا تفسير مسارعة النظام اليمني بطلب الانضمام إلى دولة الوحدة47. لذلك، كان انهيار تجربة الوحدة حدثًا مفصليًا في تطوّر العلاقات البينية في فترة الستينيات، ودفعت بها إلى المزيد من الاستقطاب الأيديولوجي - الهوياتي48. فقد فهم جمال عبد الناصر الانقلاب على الوحدة مع سورية بوصفه مؤامرة من صنع الرجعية العربية، بالتعاون مع الإمبريالية الغربية، لإعادة رسم خريطة المنطقة السياسية ومعاقبة مصر على رفضها قبول الأحلاف الغربية وعرقلتها لمبدأ مناطق النفوذ49. ومن هنا، جاء هجوم عبد الناصر على السعودية والأردن، متّهمًا إيّاهما بالتآمر وتمويل نسف الوحدة مع سورية. في حين فهمت السعودية التدخّل العسكري المصري لمصلحة النظام الجمهوري في صنعاء بوصفه عقابًا لها على تدخّلها في شؤون الجمهورية العربية المتحدة، ورغبةً في إطاحة النظام الملكي السعودي والسيطرة على ثرواته النفطية الهائلة. ورأت أيضًا في وجود القوات المصرية في اليمن امتدادًا لسطوة مصر ونفوذها نحو شبه الجزيرة العربية، ما يعني بالتبعية امتدادًا للنفوذ السوفياتي50. ولذلك، تزعّمت السعودية قيادة التيار المحافظ في النظام العربي، في مواجهة حادّة مع مصر، ولجأت إلى تفعيل الهوية القائمة على الدين وتشجيعها، أملًا في أن تُوازن، أو أن تسود على الهوية القومية العلمانية التي سيطرت على النظام منذ نشأته. وبفضل التأييد الأميركي، نجحت السعودية في حثّ الدول الإسلامية والعربية على الدخول في حلف إسلامي51. وفي هذا الإطار، اتّهم عاهل الأردن، الملك حسين بن طلال، في خطاب له في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 1960، عبد الناصر بالتآمر لقلب نظام حكمه، باستخدام الطرائق والوسائل نفسها التي يستخدمها السوفيات لخدمة الحركة الشيوعية العالمية، مُدّعيًا أن مصر صارت مركزًا للتغلغل الشيوعي في الوطن العربي. وقد دفعه هذا التصوّر إلى تقديم مساعدة سياسية ومادية للانفصاليين في سورية قبل عام 1961، وكان أول حاكم عربي يعترف بالنظام الانفصالي في دمشق. وقد دفع هذا الفهم المشترك السعودية والأردن إلى التحالف لإيقاف مدّ القومية العربية في الجزيرة العربية، استنادًا إلى إدراك الدولتين أنهما ستواجهان المصير ذاته في نظام عربي يسود فيه عبد الناصر وأنصاره من القوميين العرب52. خلاف عقد الخمسينيات، شهدت الستينيات بروز الصراع العربي – الإسرائ ليي، بوصفه متغيرًا مهمًا، يتداخل مع السياسات الإقليمية في المنطقة. فقد نتج من التنافس بين الدول الراديكالية المراجِعة عودةُ الصراع العربي – الإسرائ ليي إلى قمة أولويات النظام العربي؛ إذ أصبح التزامها بالعروبة يتحدّد من خلال مواقفها من القضية الفلسطينية53. وظهر ذلك جلًّيًا مع مؤتمر القمة العربية الأولى في عام 1964، الذي تقرّر فيه اعتبار القضية الفلسطينية بمنزلة البؤرة الأساسية للعلاقات الدولية العربية، والمقياس الذي تُفرّق به البلدان العربية بين العدو والصديق54. ولا يمكن فهم زيادة درجة التصعيد العسكري مع دولة الاحتلال الإسرائ ليي من دون إلقاء الضوء على تصوّرات الهوية والأدوار لدى الأطراف العربية وتشابك القضية الفلسطينية بخيوط الحرب الباردة العربية. فعلى سبيل المثال، مارست معايير الوحدة والتضامن التي تبنّاها عبد الناصر لتقييد سلوك السياسة الخارجية لدى الدول العربية تأثيرًا في الدور المصري

  1. 45 المرجع نفسه، ص.82-81
  2. 46 ثمة من يرى أن تجربة الوحدة ذاتها نتجت من الضغوط المعيارية التي شكّلها عبد الناصر بنفسه، فمارست عليه تأثيرها أيضًا، فقد صعب عليه رفض العرض السوري، في الوقت الذي كان ينادي دومًا بالوحدة العربية. وبناء عليه، كانت الحسابات المعيارية، وليست العسكرية الاستراتيجية، وفقًا لوجهة النظر هذه، هي أساس القرار. ينظر في ذلك، على سبيل المثال: Barnett, Dialogue in Arab Politics , pp. 128-129.
  3. 47 مطر وهلال، ص.82
  4. 48 المرجع نفسه، ص.84
  5. 49 شعر المصريون بعزلتهم في المنطقة بعد انهيار الوحدة، لأن علاقاتهم مع الاتحاد السوفياتي كانت في أدنى مستوياتها. وزاد الاعتراف العاجل من موسكو وواشنطن بنظام الحكم السوري من مخاوف النخبة الحاكمة في القاهرة التي أضحت على قناعة بأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يهدفان إلى السيطرة على مصير العرب من خلال إقامة حكومات ضعيفة
  6. 50 المرجع نفسه، ص 204،.205
  7. 51 مطر وهلال، ص.85
  8. 52 جرجس، ص.208
  9. Barnett, Dialogues in Arab Politics , p. 123. 54 جرجس، ص.25
  10. يكون من السهل على الدولتين إملاء أوامر مباشرة عليها. ينظر: جرجس، ص.199-198

نفسه. فلم يكن في وسع مصر أن تبقى سلبية وتُعرّض صورة زعامتها للتشويه إزاء مشروع المياه الإسرائ ليي لتحويل مياه نهر الأردن، وهي التي جعلت القضية الفلسطينية بؤرة مركزية لسياستها العربية، خاصة مع اتّهام القوى المراجِعة التقدمية الأخرى لمصر بالاتفاق مع الولايات المتحدة على السكوت عن المشروع55. كما لا يمكن فهم انضمام الأردن إلى حرب عام 1967، على الرغم من الهجوم المتبادل بينه وبين عبد الناصر طوال ثمانية عشر شهرًا قبل الحرب، من دون الرجوع إلى المعايير والهويات الحاكمة في المنطقة. فلو لم يشترك الأردن في الحرب، لتعاظمت احتمالات نشوب حرب أهلية داخله. ومن ثم، كان الخوف من حدوث فوضى في البلاد، فاختار الأردن عدم البقاء على هامش الأحداث، وكان هذا الخيار نابعًا من تقديرات للقيود الداخلية والخارجية المفروضة على صانع القرار ورغبته في التأكيد على السمات العربية التي يتحّلى بها الأردن؛ أي إن شواغل الهوية والشرعية سبقت الشواغل الاستراتيجية56. بحدوث نكسة عام 1967، فرضت قوى الوضع القائم المحافظة مساوماتٍ على القيادة الثورية المراجِعة. ومع ذلك، لم تُنتج الهزيمة آثارًا قصيرة المدى في بنية النظام العربي وهويته. إّلا أن آثارها البعيدة اتّضحت تِباعًا في المراحل التالية. فقد أجِبر ت مصر – التي بقيت تُحاول، طوال سنوات، تشكيل تحالف من الدول العربية بزعامتها، يستبعد دولة الاحتلال الإسرائ ليي57 – على الإقرار ضمنيًا بما نص عليه القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يعترف بحقيقة الوجود الإسرائ ليي في المنطقة وشرعيته، ومن ثم تقويض هوية النظام العربي السائدة، وما ارتبط بها من معايير القومية والاستقلال وعدم الانحياز58. كما قَبِل عبد الناصر بشرعية البلدان العربية ووعد بأّلا يتدخّل في شؤونها الداخلية، ما يعني التخليي عن السعي نحو الوحدة العربية59. تجّلى ذلك التوجه في قمة الخرطوم، في عام 1967، التي حاولت التأكيد على هوية النظام العربي وقيمه ومركزية الصراع العربي – الإسرائ ليي، ومحاولة صوغ استراتيجية عربية جماعية تجاه دولة الاحتلال الإسرائ ليي، تتمحور حول اللاءات الثلاث الشهيرة: لا تفاوض، لا اعتراف، لا سلام مع إسرائيل60. لكنها، من ناحية أخرى، كشفت عن صعود في قوّة أصوات قوى الوضع القائم "المعتدلة"، المطالِبة بحل سياسي للصراع وإبقاء الحوار مفتوحًا مع الغرب61.

انحسار القومية العربية وانهيار الإجماع حول التزامات الهوية (1970 - 1989)

ساهمت ثلاثة أحداث أساسية، خلال هذه المرحلة، في تشكيل ملامح النظام وهويته. وعلى الرغم من أنها تبدو في ظاهرها تطورات سياسية معتادة في العلاقات الدولية عمومًا، فإنها انطوت في جوهرها، وفي تداعياتها أيضًا، على العديد من الأبعاد المعيارية والهوياتية المهمة. وتمثّلت هذه الأحداث في: معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية في عام 1979، والثورة الإيرانية في عام 1979، وأخيرًا الحرب العراقية - الإيرانية.)1988-1980(شهدت المرحلة التالية لنكسة عام 1967 تغرّي ا في المعايير والأفكار السائدة في النظام العربي، ومن ثم ملامح هويته. وكان من أبرزها التحوّل في النظرة إلى دولة الاحتلال الإسرائ ليي، والقبول من حيث المبدأ بالاعتراف بها. وتمثّلت بداية هذا التحوّل في قبول غالبية الدول العربية قرار مجلس الأمن رقم 242 )22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967) الذي ينص على الاعتراف بحدود آمنة ومعترف بها لكل الدول، بعد أن تُنهي إسرائيل احتلالها وتسحب قوّاتها من جميع المناطق التي احتلتها بعد عام 1967. وقد تركّز الخلاف بشأن كيفية تعامل الدول العربية مع الصراع العربي - الإسرائ ليي، أيكون بصيغة منفردة أم جماعية؟ من خلال الأساليب الدبلوماسية أم العسكرية؟ عن طريق التدرّج والتجزئة، أم التشديد على الحلول الشاملة؟62ُيلُاحظ في هذه المرحلة اقتران تراجع الدور المصري نحو التركيز على الجبهة الداخلية – وفي ما بعد وفاة عبد الناصر (28 أيلول/ سبتمبر 1970) – بتراجع واضح للبعد القومي في تشكيل سياسة دول المنطقة وصعود معيار أولوية مصلحة الدولة63، في ظل رجحان كفة دول

  1. 55 المرجع نفسه، ص.225
  2. 56 المرجع نفسه، ص.285
  3. 57 من هنا جاء رفض الحكّام العرب الشديد وإدانتهم الاقتراح الذي قدّمه الرئيس التونسي آنذاك، الحبيب بورقيبة، في عام 1965، الذي دعا فيه إلى تسوية سلمية نهائية مع إسرائيل من خلال القبول بقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة أساسًا لمعاهدة سلام مع الدولة اليهودية. ينظر: المرجع نفسه، ص.258-257
  4. 58 بول سالم، "الشرق الأوسط: مراحل تطور وتفكك النظام الإقليمي"، أوراق كارنيغي، العدد 9 (2008)، ص.7
  5. 59 جرجس، ص 3.10
  6. 60 المرجع نفسه، ص.315
  7. 61 المرجع نفسه، ص 03-3023؛ ينبغي لنا القول إن نتائج حرب عام 1967 امتدت إلى الدول العربية كلها، ولم تقتصر على دول الطوق. فقد ولّدت الهزيمة شعورًا بالخطر الذي تُشكّله إسرائيل، واستراتيجيتها الرامية إلى توسيع مجالها الجيوسياسي، على أمن النظام العربي واستقراره.
  8. Barnett, Dialogues in Arab Politics , p. 166.
  9. 63 على سبيل المثال، طالب الرئيس المصري السادات بسلام منفصل مع إسرائيل، ووطّد الرئيس السوري حافظ الأسد علاقاته مع الاتحاد السوفياتي وبسط نفوذه في لبنان (1976)، كما رفع الملك السعودي فيصل حظر النفط (18 آذار/ مارس 1974) بعد الضغوط التي مورست عليه. ينظر: سالم، ص.8-7

الوضع القائم المحافظة وتراكم ثرواتها64، انطلاقًا من أن القومية العربية تقوم على الاعتراف المتبادل بالسيادة وحماية الأمة العربية من التهديد الصهيوني65. وبذلك حدث تحوّل معياري، حيث الانتقال من فكرة الوحدة العربية إلى فكرة التضامن/ التعاون العربي66. وكان للهزيمة أيضًا أثرها في تفعيل الهوية الإسلامية وصعودها في بنية الهويات، خاصة على المستوى الشعبي، ولدى الفاعلين من غير الدول، انطلاقًا من أن الابتعاد عن الدين كان سببًا أساسيًا في الهزيمة. تشكّلت القوى المراجِعة في هذه الفترة في الأساس من فاعلين من غير الدول، في طليعتهم منظمة التحرير الفلسطينية التي شنّت ضربات على إسرائيل وفقًا لحساباتها. وأدّى ذلك إلى تصاعد التوترات بينها وبين الأردن، فقد شكّلت المجموعات الفدائية وجودًا شبه مستقل عن السلطة الأردنية. وبينما حاولت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) – الجناح الأشد اعتد لًا في المنظمة – الوصول إلى اتفاق مع الحكومة الأردنية، تبنّت فصائل أخرى أكثر تشددًا، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية الديمقراطية، نهجًا صداميًا تجاه السلطات الأردنية والملك، الأمر الذي تطوّر إلى صراع عنيف بين الطرفين، بلغ ذروته خلال ما يعرف بأحداث "أيلول الأسود" (1970)67. ثم جاء الحدث المفصليي الكاشف بوضوح عن الهوية المتغيرة للنظام متمثلًا بتوقيع مصر معاهدة سلام مع إسرائيل (26 آذار/ مارس 1979)، اعترفت بمقتضاها بالكيان الإسرائ ليي وتطبيع العلاقات معه. وبهذا، فكّك الرئيس محمد أنور السادات، آنذاك، أساسًا جوهريًا لمعنى القومية العربية، وهو ذلك الخاص بمسؤولية الدول العربية، بعضها أمام بعض، في ما يتعلق بسياستها تجاه دولة الاحتلال الإسرائ ليي. فقد شدّد السادات على معايير السيادة والهوية الوطنية التي تتيح له حق التفاوض الأحادي الجانب مع الإسرائيليين من أجل عودة سيناء68. وهكذا، انتقل النظام العربي إلى مرحلة جديدة، أبرز ملامحها إخراج مصر من المنظومة العربية، بطردها من جامعة الدول العربية69. مع تراجع التنافس بين استقلالية الدولة ومنطق العروبة، صعد تناقض هوياتي آخر، وهو منطق الدعوة الوطنية، في مقابل صعود الإسلام السياسي الذي دعمته حركات وقوى ناشطة من داخل النظام وخارجه. وكانت للثورة الإسلامية في إيران آثارها في تصاعد هذا البعد، خاصة مع محاولات إيران تصدير الثورة وقيادة العالم الإسلامي70. وكانت السعودية - كما سبق أن أشرنا – قد تبنّت الهوية الإسلامية بالفعل في محاولاتها موازنة نفوذ القوميين العرب. وهكذا، أصبحت إحدى القضايا الجدلية في العلاقات العربية البينية، تدور حول ضم – أو عدم ضم – وحدات إسلامية غير عربية في المنظومة العربية. وهو الخلاف الذي فتح الباب أمام أطراف فاعلة غير عربية، مثل إيران وتركيا، لأداء أدوار ناشطة في شؤون المنطقة واختراق النادي المغلق للأقطار العربية. وكلّها تطوّرات مهّدت لذوبان النظام العربي في نُظم فرعية أو إقليمية أخرى71. من ناحية أخرى، أثّرت الحرب الإيرانية - العراقية، في عام 1980، بشدة في النظام العربي. فقد كانت الحرب ذاتها تعبيرًا عن هويات متصارعة: هوية قومية، وأخرى تتبنّى شكلًا من أشكال الإسلام السياسي. وما يهمّ في هذا الصدد هو ما أكّدته الحرب على الهوية المضطربة في النظام في ظل اصطفاف بعض الدول العربية – أبرزها ليبيا وسورية – مع إيران ضد العراق. وهو ما يُعدّ إِعلاءً واضحًا لاعتبارات المصلحة القُطرية على أيّ اعتبارات قومية، ومؤذنًا بتزايد تأثير الأطراف غير العربية في النظام العربي72. وهكذا، شهدت المرحلة، منذ عام 1970، تناميًا في أدوار القوى الإقليمية غير العربية في الإقليم. وهو ما كشف عن تدهور الإجماع حول تعريف الإقليم وحدوده وأعضائه، ومن ثم هويته القومية، واتجاه الدول العربية إلى اعتماد المعايير المادية والجغرافية والبراغماتية، وليست تلك القائمة على الهوية المشتركة أساسًا لسياستها. ونتج من هذا التطور استقرار نسبي حول معايير السيادة ونظام الدول الإقليمية73، وفهم الوحدة العربية بوصفها تنسيقًا للمصالح المشتركة والمقتصرة، إلى حدٍ بعيد، على العلاقات الاقتصادية74.

  1. 64 تزايدت التوجّهات الانعزالية في مصر، وتصاعدت الحملات الإعلامية والسياسية المعارضة للفكر القومي، متّهمة إيّاه بالتسبب في الخسائر التي حلّت بالبلاد، مصوّرة الحروب العربية - الإسرائيلية نتيجةً للمواقف والسياسات القومية التي أغفلت مصالح مصر لحساب الفلسطينيين، أو سعيًا وراء أحلام القيادة. واستغلّت الحملة المشكلة الاقتصادية المتفاقمة للترويج للمزايا المترتبة على التحالف مع الولايات المتحدة. ينظر: مطر وهلال، ص.123
  2. Barnett, Dialogues in Arab Politics, p. 171.
  3. 66 أشكر المحكّم المغفل الهوية على صوغه هذه الفكرة. حول هذا التطور، ينظر:
  4. Ibid., p. 175.
  5. Ibid., p. 182.
  6. 69 مطر وهلال، ص.238
  7. 70 المرجع نفسه، ص.47
  8. جرجس، ص.313
  9. 72 مطر وهلال، ص.58-57
  10. Anis, p. 182.
  11. Makrom Muhammad Ahmad, "Chief Editor Views Egypt's Arab Role," Al-Musawwar , 24/5/1989;.Barnett, Dialogues of Arab Politics نقلًا عن, p. 49:

الفحص النقدي للأفكار القديمة عن الذات والآخر (1990 - 2003)

مَّثَل الغزو العراقي للكويت، في آب/ أغسطس 1990، حدثًا مفصليًا في تطوّر النظام الإقليمي العربي، وفي المعايير والقواعد والأفكار التي تحكمه؛ إذ اكتسب صعود الهوية الدولتية أبعادًا جديدة مع اعتداء دولة عربية على أخرى، ومحاولة ضمّها. فقد هزّ الحدث أفكارًا راسخة ومؤسسة للنظام العربي، خاصة أن مصدر تهديده المادي، يأتي دائمًا من الخارج، وليس من داخله75. كذلك شكّل الحدث انتهاكًا للمعايير التي ترسّخت خلال المرحلة السابقة، والقائمة على مبادئ السيادة وعدم التدخّل وحلّ النزاعات من دون اللجوء إلى القوة. وأوقع هذا الحدث الدول العربية في حيرة بين أمرين: الأول، الحاجة إلى معارضة التدخّل الأجنبي لاستيعاب المشاعر القومية بين مواطنيها؛ والثاني، الرغبة في دعم تحرير الكويت لترويض اعتداء صدام حسين وسلوكه المراجِع للمعايير الحاكمة للعلاقات البينية76. قوّضت الاستجابة الكثير من المعايير المُقيِّدة لسلوك السياسة الخارجية لدى الدول العربية، وعلى رأسها التحالف الأمني الصريح مع قوى خارجية، وتحديدًا الولايات المتحدة. فقد اتّخذت معايير الدولتية أبعادًا جديدةً تتعلّق بمسؤولية كل دولة عن أمنها والسماح لها باتخاذ أيّ ترتيبات أمنية تراها مناسبة. فعلى سبيل المثال، بينما كان الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية قبل حرب الخليج - عبد الله بشارة - صارمًا في اعتراضه على وجود قوّة عظمى في المنطقة، فإنه سرعان ما أعلن عن عدم تحفّظه على الوجود الأجنبي، مُبرّرًا ذلك، بأن "كل دولة لها حق شرعي للدفاع عن سيادتها وإقليمها باستخدام الأدوات والوسائل المُتاحة لها، بما فيها دعوة قوى خارجية لهذا الغرض"77. وهكذا، أعلت حرب الخليج هوية الدولة الوطنية ومصالحها، وتسببت في تدهور حاد في أيّ اعتبارات للهوية الحاكمة للسياسات العربية – العربية، وقوّضت معيارًا آخر من المعايير المؤسسة للنظام العربي؛ أي رفض النفوذ الأجنبي. كما أفسح صعود الدولتية وتدهور العروبة المجال واسعًا للجدل مرةً أخرى بشأن النظام الإقليمي المرغوب فيه: أهو نظام إقليمي عربي، أم نظام شرق أوسطي لا تقتصر فيه الترتيبات الإقليمية على الدول العربية؟ فقد روّجت الولايات المتحدة، بالتحالف مع إسرائيل، لترتيبات إقليمية غير مقيّدة بسمة العروبة، تكون بديلةً أو وريثةً للنظام الإقليمي العربي. وتمثّل ذلك في الدعوة إلى إطار شرق أوسطي، يبدأ بالتعاون في ميادين اقتصادية، تبدو هامشية، ثم ما تلبث أن تحصد ثمارًا سياسية78. انعكس ذلك جلًّيًا على القضية العربية المركزية، القضية الفلسطينية، لتتحوّل هوية الصراع "العربي - الإسرائ ليي" من صراع هوية، إلى صراع سياسي بين الدول، خاصة بعد مؤتمر مدريد في عام 1991. فقد مثّل تفاوض إسرائيل ثنائيًا مع الفلسطينيين وغيرهم من الدول العربية تغيرًا جوهريًا في إدارة الصراع وترسيخ السيادة أساسًا للنظام الإقليمي، بعيدًا عن معايير الوحدة والتضامن القومي ورفض دولة الاحتلال الإسرائ ليي. وانعكس التغّير في تصوّرات الهوية على تصوّرات التهديد المرتبطة به؛ وبدأت الدول العربية بالتقليل من تصوّرها للتهديد الإسرائ ليي صراحة. وأشار وزراء الخارجية العرب في اجتماع عقدته جامعة الدول العربية في عام 1991 إلى أن كل دولة عربية ستُحدّد علاقات العداء الخاصة بها كل على حدة، على الرغم من أن إسرائيل شكّلت العدو اللدود للأمة العربية مدة خمسين عامًا79. وقلّل هذا التغير في تصورات التهديد من الدافع إلى التنسيق والتعاون، وفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية أخرى، تتجاوز الهوية القومية للإقليم80، وتكون أكثر انفتاحًا على الاعتراف بالمصالح المشتركة مع إسرائيل، حيث لا يكمن الخلاف في الاعتراف بها، بل بالوتيرة التي تُدمج من خلالها في المنطقة.

  1. Pinar Bilgin, Regional Security in the Middle East: A Critical Perspective
  2. Michaelle Browers, Political Ideology in the Arab World: Accommodation and Transformation (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), p. 24.
  3. Barnett, Dialogues in Arab Politics , p. 224.
  4. 78 عبد الفتاح الرشدان، "مستقبل النظام الإقليمي العربي في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية المستجدة"، أبحاث اليرموك (سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية)، مج 12، العدد 3 (1996)، ص.72
  5. Barnett, Dialogues in Arab Politics , pp. 220, 221.
  6. 80 ينظر في ذلك: عبد القادر فهمي، النظام الإقليمي العربي: احتمالات ومخاطر التحول نحو الشرق أوسطية (عّما ن: دار وائل للنشر،.)1999

كما انعكس هذا التغير في إدراكات النظام الإقليمي على خريطة الاصطفافات والتحالفات في المنطقة؛ إذ انقسم الفاعلون في النظام إلى قوى اعتدال، أو قوى "وضع قائم"؛ في مقابل قوى "مراجِعة"، أو ما عُرف بقوى الممانعة. تشير الأولى إلى مجموعة الفاعلين الأكثر توافقًا مع الغرب، وعلى رأسها مصر والأردن والسعودية؛ في حين تتّخذ الثانية مواقف رافضة ومقاومة للسياسة الغربية في المنطقة، خاصة تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وتضم إيران وسورية من الدول، وحركة حماس وحزب الله من الفاعلين غير الدول. ترسّخ هذا التقسيم بين قوى الوضع القائم/ المعتدلة والمراجِعة/ الممانعة مع غزو العراق في عام 2003. ويلاحظ في هذه المرحلة صعود الهوية الدينية – الطائفية تحديدًا – في بنية الهويات، حيث ساد تأطير فضفاض للمعسكرين المتنافسين على أنهما، من ناحية، كتلة سُنّية معتدلة مناصرة للغرب، وتتبنّى السلام مع إسرائيل خيارًا استراتيجيًا؛ ومن ناحية أخرى، محور ممانعةٍ وصفه بعضهم بالهلال الشيعي81، معارض للنفوذ الغربي وللسلام، ويتبنى خيار الصراع المسلح82. وتنافس المعسكران على النفوذ في العراق ولبنان، حيث المجتمعات منقسمة طائفيًا، كما عَّبر ا عن مواقف معيّنة في الحروب الإسرائيلية في المنطقة83. فعلى سبيل المثال، حَّمَل المعسكر السُنّي "المعتدل" حزب الله المسؤولية عن حرب لبنان في تموز/ يوليو 2006 مع إسرائيل. وكذلك الحال بالنسبة إلى الحروب الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس منذ عام 2007؛ إذ اتهمتها مصر والسعودية بأنها مخلب إيران في المنطقة84. وبذلك، اتّخذت المعايير، المنقسَم عليها من الفاعلين، بُعدًا طائفيًا إقليميًا مع غزو العراق؛ فقد أطلق الغزو الأميركي شرارة الحرب الأهلية الطائفية التي سرعان ما امتدت إقليميًا. وفُهم صعود الشيعة إلى الحكم في العراق على حساب السُنّة على أنه تمكين لإيران، ما أثار حفيظة السعودية، السُنّية، التي كثّفت من استخدام الخطاب السُنّي الطائفي ضد التدخل الإيراني في الشؤون العربية. إّلا أن هذا البعد الطائفي كان لا يزال في بداياته، خاصة مع صعود دور تركيا في الساحة الإقليمية لمصلحة محور الممانعة. فقد اتجه حزب العدالة والتنمية في تركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، نحو المزيد من الاهتمام بالعالم العربي. وسعت تركيا، تحت قيادته، لتأكيد هويتها الإسلامية والعمل على استعادة مكانتها ونفوذها في المنطقة، منقلبةً بذلك على توجّهها التقليدي نحو الغرب. وترتب على هذا التحوّل في هوية تركيا ابتعادها عن تحالفها مع إسرائيل وتزايد انخراطها في سورية، كما أصبحت من أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية85. يشير هذا التحوّل في السياسات الخارجية العربية في الإقليم إلى تحوّل في الأفكار والهويات والمعايير الإقليمية والممارسات، من ناحية طبيعة النظام وبنيته وفاعليه وأنماط تفاعلاته من تحالفات وخصومات وغير ذلك. لكن يبدو أن الدول اكتسبت المزيد من الثقة في انتهاج قرارات سياسية خارجية لا تحظى بالضرورة بالقبول الشعبي، وأبرز مثال على ذلك ما يتعلّق بالعلاقات مع إسرائيل. وفي مقابل تراجع الهوية القومية، اتّخذت الهويات في الإقليم مناحيَ مختلفة، يُعّبر بعضها عن هويات أشدّ عمومية، مثل الدعوة إلى الجماعة الإسلامية، ويتمسّك بعضها أكثر بالهوية الوطنية، في حين يُعّبر بعضها الآخر عن هويات أكثر تحديدًا وخصوصية تتعلّق بالمذهب والطائفة والإثنية. وهكذا، على الرغم من سعي الدولة العربية لترسيخ هوية وطنية (قُطرية) مستقلة، فإنها بقيت متداخلة مع هويات أوسع (مثل الهوية العربية القومية والهوية الدينية الإسلامية)، ومن دون أن تتمكّن أيضًا من التخلّص من الهويات الأضيق (مثل الانتماءات الطائفية)86.

الربيع العربي وإعادة تعريف العدو والصديق (2010 - 2022)87

مع نشوب الثورات العربية، أدّت دينامياتٌ عدة دورًا أساسيًا في تشكيل النظام الإقليمي العربي. ويظهر هنا بوضوح أثر تعُّمُق البعد الطائفي، خاصة في الخطاب الرسمي للدول، والتوجّهات بشأن الانتقال الديمقراطي وتصوّرات التهديد المرتبطة به. وتُشكّل هذه الأبعاد هويات الدول بدرجة كبيرة، ومن ثم رؤيتها لمصالحها ومصادر تهديدها؛ ذلك أنها تتشكل ضدّ "آخر"، سواء أكان "هوية دينية أم إثنية مختلفة أم دولة مجاورة"88. لقد عمّقت الثورات حدّة الانقسامات العربية. فمن ناحية، بدا أن موجة الثورات العربية في بداياتها كانت عامل تمكين للقوى المراجِعة. وظهر ذلك في ترحيب إيران وتركيا بالربيع العربي، وإدراكهما له على أنه صحوة إسلامية.

  1. 81 على الرغم من كون حماس حركة سُنّية، فإنها تُحسب على معسكر الممانعة، بسبب علاقاتها القوية مع إيران وتبنّيها سياسة مخالفة للموقف السُنّي الموصوف بالمعتدل، وهي
  2. Yossef, p. 5.
  3. Hinnebusch, "The Sectarian Surge," p. 46.
  4. Morten Valbjorn & Andre Bank, "The New Arab Cold War: Rediscovering the Arab Dimension of Middle East Regional Politics," Review
  5. أقرب إلى المواقف الإيرانية.
  6. 86 أشكر المحكم المغفل الهوية على هذه الملاحظة الدقيقة.
  7. 87 تم الانتهاء من هذه الدراسة قبل عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والعدوان الإسرائ ليي الذي تلاها على غزة. وهي لحظة فارقة تستدعي دراسة متأنية عن تأثيراتها في النظام الإقليمي العربي
  8. Hinnebush, "Secretarian Surge," pp. 37-38.

ومن ناحية أخرى، رجّحت الثورات كفة دول الخليج داخل قوى الوضع القائم89، الأمر الذي ترتبت عليه سيطرة تصوّرات هذه القوى في ما يتعلق بمصادر التهديد التي تنبع من هوية هذه الدول بوصفها أنظمة مَلكية، تستند إلى شرعيات متعددة، أبرزها الدينية في حالة السعودية. وقد شعرت غالبية قوى تحالف الوضع القائم في المنطقة – ما عدا قطر – بالتهديد من الاحتجاجات الشعبية، وما قد يترتب عليها أيضًا من استغلال إيران حالة عدم الاستقرار في توسيع نفوذها، خاصة في ظل تراجع الدور الأميركي في المنطقة حينها90. وقد ولّدت هذه الديناميات ثلاثة تكتلات إقليمية أساسية: محور الممانعة (إيران وسورية وحزب الله)، ومحور محافظ مؤيد للغرب وللوضع القائم (السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر بعد عام 2013)، وتكتّل مؤيد للإسلاميين، يضمّ قطر وتركيا، ويتّفق في قضايا عدة، خاصة القضية الفلسطينية، مع قوى الممانعة.

أدّى تراجع القوى الإقليمية العربية التقليدية – مصر وسورية والعراق – إلى تعاظم النفوذ السياسي لدى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر. ونتيجة للعداء المشترك والتناقض بين الهويتين السعودية والإيرانية، نظرت المملكة إلى التحّولّات في الإقليم عبر عدسة تنافسها الإقليمي مع إيران. وبذلك، مَّثَل وجود إيران – بل الجماعات الشيعية داخل حدود المملكة، أو قربها – تهديدًا صريحًا لأمنها91. ومن هنا وسم الخطاب السعودي إيران بأنها تمثّل التشيّع "المنحرف"، إضافة إلى كونها غير عربية، ومن ثم لا يحق لها الانخراط في السياسة العربية الإقليمية. في حين سعت إيران لتصوير نفسها قائدًا إسلاميًا إقليميًا جامعًا للمقاومة ضد الإمبريالية الأميركية - الصهيونية، وهو وسم يحظى بميزة على معسكر السعودية، خاصة خلال العقد الأول من الألفية الجديدة. لكن مع تعمّق الطائفية واكتسابها طابعًا مُسلّحًا92 في بعض الأحيان وشيطنة الآخر وتكفيره93، تدهور قبول الشارع العربي لمحور الممانعة. وعلى الرغم من أن توظيف الطائفية كان استمرارًا لصراع العقد الأول من الألفية، فإن ما استجدّ هو أن الشارع العربي الذي كان يبدو محصّنًا ضد الطائفية، بات يشهد تعبئة وتجييشًا متزايدَين في الدول الفاشلة، وفي الدول ذات الأقليات الشيعية البارزة. وفي الوقت نفسه، أصبحت إيران أشد صراحة في تجسيدها موقف المدافع عن الأقليات الشيعية ضد التكفيريين الُسنّة94. وقد أعاد بروز البعد الطائفي هذا إحياء فكرة أن النظام العربي هو في حقيقته شكل مصطنع من أشكال التفاعلات السياسية، وليس تعبيرًا طبيعيًا عن مظاهر الفكرة القومية التي تسبق الوحدة السياسية. ومن هنا، جاءت إعادة طرح فكرة نظام إقليمي يشمل أطرافًا إسلامية وأخرى متاخمة جغرافيًا، لا أن يقتصر بالضرورة على الدول العربية95. وسرعان ما أضيف إلى هذا الصراع الهوياتيُ - الطائفي صراعٌ معياري آخر نتج منه تفكك متزايد في المعسكر الُسنّي، سواء على مستوى الدول أم على مستوى الفاعلين غير الدول96. وتمحور هذا الانقسام أساسًا حول الموقف من صعود جماعات الإسلام السياسي في الدول العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي. ففي الوقت الذي دعمت تركيا وقطر هذا الصعود، جاء الموقف السعودي والإماراتي معارضًا له. ووصلت حدّة هذا الصراع إلى درجة جعلت بعض المحللين يشبّهونه بالحرب الباردة العربية الجديدة97. فقد نظرت قوى الوضع القائم إلى صعود أيديولوجيا الإسلام السياسي بوصفه تهديدًا مباشرًا وتحدّيًا

  1. 89 قد يجادل بعضهم بأن حالة دول الخليج تدحض ثنائية دول مراجِعة - دول وضع قائم، لأنها كانت محافظة في بعض الحالات، مثل حالة ثورة البحرين، ومراجِعة في حالات
  2. Yossef, p. 7.
  3. Bessma Momani & Crystal Ennis, "Shaping the Middle East in the Midst of the Arab Uprisings: Turkish and Saudi Foreign Policy Strategies," Third World Quarterly , vol. 34, no. 6 (2013), p. 1128.
  4. 92 أبرز الأمثلة على ذلك تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف باسم داعش.
  5. Hinnebush, "The Sectarian Surge," p. 44.
  6. Ibid., p. 52. 95 مطر وهلال، ص.248 96 Hinnebush, "The Sectarian Surge," p. 54.
  7. أخرى، مثل الثورتين الليبية والسورية. وترى الدراسة أن التحليل الأصح هو أن تلك الدول
  8. بقيت قوى وضع قائم "ذكية"؛ إذ تستخدم أدوات "تشبه المراجعة" أحيانًا، لكنها في الجوهر لم تُغّير سياستها الهادفة إلى الحفاظ على النظام الإقليمي القائم لمصلحتها. وبناء عليه، فإن الاختلاف بين الحالات لم يكن تحوّلًا في المبادئ، بل في التكتيكات والأدوات المستخدمة.
  9. Gregory Gause III, "Beyond Sectarianism: The New Middle East Cold War," Brookings Doha Center Analysis Paper , no. 11, The Brooking Institution (2014), pp. 1-23.

معياريًا للقاعدة الدينية المؤَّسَسة عليها أنظمتُهم في حال أصبحت الثورة المصرية نموذجًا مُلهِمًا للدول الأخرى98. فالسعودية، على سبيل المثال، ترى في نفسها القوة الممثلة للمسلمين الُّسُنّة في مواجهة إيران الشيعية، ومن ثم رأت أن مصر بقيادة حركة الإخوان المسلمين الُسنّية ستكون منافسًا قويًا لدورها. وازدادت هذه المخاوف مع تأييد تركيا هذا الصعود وترويجها لتجربة الإسلام السياسي فيها نموذجًا يُحتذى به. فقد مثّل الإسلام السياسي التركي بديلًا من النموذجين الريعي السعودي والثيوقراطي الإيراني غير المُلهَميَن للشارع العربي، بينما يجمع النموذج التركي بين الديمقراطية والإسلام والإنجاز الاقتصادي99. وأولت الإمارات التهديد النابع من جماعات الإسلام السياسي والتحالف التركي – القطري أولوية كبرى في سياستها نتيجة لحالة انعدام الثقة التي طالما اتّسم بها الموقف الإماراتي من جماعة الإخوان المسلمين. كما شملت أولوياتها المواجهة الإقليمية مع إيران التي طالما مثّلت هاجسًا لبقاء الدولة الإماراتية وأمنها منذ نشأتها100. بطبيعة الحال، لم يجرِ تأطير مواقف قوى الوضع القائم بوصفها مناهضة للديمقراطية، بل جرت صياغتها عبر التشديد على مجموعة من المعايير، على رأسها الاستقرار (الداخليي والإقليمي) ومحاربة الإرهاب. ومن ثم اتّخذ الانقسام بين المعسكرين بُعدًا معياريًا حول القيم والمعايير التي يجري الدفاع عنها. فمن ناحية، ثمة المعسكر الذي يدعم الانتقال الديمقراطي بوصفه تمثيلًا للإرادة الشعبية، ويتّهم المعسكر الآخر بدعم الاستبداد والثورات المضادة؛ وعلى الطرف الآخر، ثمة المعسكر الداعم للاستقرار ومحاربة الإرهاب، ويتّهم الآخر بإشاعة الفوضى والتطرّف وزعزعة الاستقرار. انعكست عمليات تشكّل الهويات هذه، والاختلافات بشأن المعايير الحاكمة للسلوك، على تعريف المصالح وتحديد مصادر التهديد. ووضح ذلك على نحو أساسي في الموقف من القضية الرئيسة في النظام الإقليمي العربي؛ أي القضية الفلسطينية، التي أصبحت قضية من الدرجة الثانية من ناحية الأهمية، مقارنة بانشغالات الفاعلين الإقليميين، الوطنية والبينية؛ فلم تعد معاداة الصهيونية سمة محددة للسياسة العربية. ومن هنا جاء التقارب بين دولة الاحتلال الإسرائ ليي وعدد من الدول العربية، الذي تكلّل بتطبيع علاقات بعضها مع إسرائيل، في إطار اتفاقيات أبراهام (أو الاتفاقيات الإبراهيمية) في عام 2020. وبهذا، أصبحت إسرائيل، بحكم الأمر الواقع، جزءًا من تكتّل قوى الوضع القائم، ولم تعد القضية الفلسطينية العامل الحاسم في تشكيل التحالفات في الإقليم. وتحمل الاتفاقيات الإبراهيمية الكثير من الدلالات الرمزية والعملية، فهي تدعم موقف قوى الوضع القائم، ومُتّ ثّل خسارة للقوى المراجِعة في هذا الصراع. ولذلك، وصفتها الإمارات بأنها تقوية لمحور الاعتدال، في مقابل محور التطرف. وكذلك، كسرت هذه الاتفاقيات المحظور العربي المتعلق بتطبيع العلاقات مع إسرائيل وبتعريف مصالح أمنية مشتركة101. وهكذا، تفكك نظام الدول العربي بعد الثورات، واستمر تراجع أهمية معايير الوحدة والتضامن102. وفقدت القضية الفلسطينية مكانتها باعتبارها عاملًا بنيويًا أساسيًا في سياسة الشرق الأوسط. وأصبحت الطائفية أشد بروزًا على المستويين الرسمي والشعبي، التي كانت في حدّ ذاتها نتاجًا للتحّولّات الحادثة في هوية الإقليم. فقد أفسح تراجع الهوية القومية المجال لتنافس الهويتين القُطرية والدينية اللتين سرعان ما انزلقتا إلى دوائر أضيق، مثل الولاءات الفرعية في الحالة الأولى، أو المذهبية في الحالة الثانية. ثم أصبح البعد الطائفي نفسه عاملًا أساسيًا في صوغ هذه الهوية الإقليمية وتشكيلها، وفي رسم تحالفاتها ومصالحها.

خاتمة

تكشف هذه الدراسة كيف أدّت الهويات والمعايير دورًا مركزيًا في تشكّل النظام الإقليمي العربي؛ إذ يصعب فهم السياسة العربية من دون تسليط الضوء على هذا البعد. فالكثير من الصراع والتنافس لم يكن على القوة العسكرية فحسب، بل أيضًا على التصوّرات والأدوار والمعايير، بما في ذلك مساعي المنافس لتشكيل صورة عن الآخر تصمه بانتهاك معايير النظام العربي. ولهذا السبب، حرص قادة الدول العربية على وصف سياساتهم بأنها تصبّ في مصلحة الأمة العربية، وتصوير منافسيهم بأنهم يُقوّضون هذه المصالح. وقد تشكّلت التحالفات وخطوط الانقسام وفقًا لهذه الآلية103.

  1. Bassel Salloukh, "The Arab Uprisings and the Geopolitics of the Middle East," Italian Journal of International Affairs , vol. 48, no. 2 (2013), p. 44.
  2. Momani & Ennis, pp. 1129-1139.
  3. 100 Peter Salisbury, "Risk Perception and Appetite in UAE Foreign and National Security Policy," Chatham House (July 2020), accessed on 10/4/2022, at: https://acr.ps/1L9zSaR; David Roberts, "Qatar and the UAE: Exploring Divergent Reponses to the Arab Spring," Middle East Journal , vol. 71, no. 4 (2017), pp. 544-562.
  4. Yossef, p. 9.
  5. 102 لا تقتصر شواهد ذلك على الحرب الأهلية السورية الطويلة وأزمة حصار قطر، بل باتت أشد وضوحًا مع افتقار الموقف العربي الرسمي إلى الفاعلية خلال العدوان الإسرائ ليي، في أعقاب عملية طوفان الأقصى، على قطاع غزة في المقام الأول، وعلى الضفة الغربية ولبنان واليمن وسورية لاحقًا. وقد تم الانتهاء من كتابة هذه الدراسة في وقت سابق على ذلك.
  6. 103 ينظر: Paul Noble, "From Arab System to Middle Easten System? Regional Pressures and Constraints," in: Bahgat Korany & Ali E. Hillal Dessouki (eds.), The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Globalization (Cairo: The American University in Cairo, 2010).

من هنا، تبرز أهمية المقاربة البنائية في فهم الكيفية التي تُشكّل بها هوياتُ الفاعلين مصالحَهم وسلوكَهم، وهو جانب كثيرًا ما تهمله الدراسات عن المنطقة. فهناك صراع مستمر في الإقليم بين هويات متنافسة، على القوة والمكانة، حتى قبل سقوط الدولة العثمانية؛ فقد نشأ النظام الإقليمي العربي من رحم هويات متعددة ومنوعة، توجد معًا في الوقت نفسه، سواء لدى الأفراد أم الجماعات أم الدول. وهناك بنية من الهويات – وفقًا لتعبير ألكسندر ونت – تفرز صراعات مستمرة حول المعايير، وأدوار السياسة الخارجية وشرعية النظم. وتتجّلى هذه الهويات على ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو ما دون الدولة: فأحد آثار الدول المصطنعة هو استمرار الهويات الفرعية السابقة للدولة، نتيجة لتشتت الأقليات الاجتماعية عبر الحدود. ويتمثّل المستوى الثاني في الدولة التي تدّعي السيادة؛ لكنها، نظرًا إلى ظروف نشأتها، طالما استمدّت شرعيتها في الداخل من درجة التزامها واحترامها المعايير التي تفرضها العروبة أو الإسلام. والثالث، مستوى ما فوق الدول، المتمثّل في الأفكار الخاصة بالوحدة العربية، فضلًا عن الجماعة الإسلامية التي تتفرّع إلى هويات سُنّية وشيعية عابرة للحدود. ودائمًا، أدّت الهوية ما فوق الدولة دورًا في التطلّع إلى دور القيادة الإقليمية، أو التأكيد على هذا الدور من خلال تبنّي القضايا العربية أو الإسلامية ومناصرتها104. نلاحظ من هذه الدراسة كيف أن التوازن بين سيادة الدولة والهوية ما فوق الدولة قد اختلف من فترة إلى أخرى. فالقادة العرب لم يكن في إمكانهم الاعتماد كلّيًا على قيم العروبة أو الإسلام، لما في ذلك من تضحية بمصالح أنظمتهم، كما لم يكن في إمكانهم، في الوقت نفسه، الاعتماد كلّيًا - على الأقل في البداية – على هوية الدولة الوطنية بسبب فقدانها الصدقية الكافية لدى المواطنين105؛ وإن كانت الكفة قد رُجّحت في النهاية لمصلحة الأخيرة بدرجة كبيرة. وتدل سيرورة الهويات المتعددة التي شهدها النظام العربي، سواء على مستوى الدولة أم الأفراد، على أن الهوية عادة ما تكون ذات طبيعة مؤقتة وتتغّير مع الوقت، ويترتب على ذلك تغّير في المصالح والقضايا المركزية106. فعلى سبيل المثال، كانت القضايا الأساسية التي عرّفت العروبة في فترة المد القومي هي رفض الهيمنة الغربية والدفاع عن القضية الفلسطينية وطموح الوحدة العربية، والتوقع من الدول العربية تنسيق سياستها في المحافل الدولية للدفاع عن المصالح العربية. إّلا أن معاني العروبة والوحدة وأهدافها تعرّضت للعديد من التحولات. وتغّير ت مع الوقت القيم والمعايير المرتبطة بهما، نتيجة للمنافسة الحادّة بين قوى الإقليم، على تحديد ما تعنيه هوية النظام الإقليمي العربي، أو تحديد معايير سلوك أطرافه، أو تعريف أطرافه في حد ذاتهم (الدول العربية أو دول الإقليم بصرف النظر عن معيار العروبة). وبذلك، توضح هذه الدراسة أن المنافسة الشديدة بين دول المنطقة في الفترات الزمنية المختلفة لم تكن في الأساس على الحدود أو العوامل المادية الأخرى، لكنها كانت أساسًا على المكوّنات المعيارية المرغوب فيها للنظام الإقليمي. ولذلك، فإن أهم القوى المحركة خلف منطق التحالفات في المنطقة تمَّثَلت في الانقسام بين القوى المراجِعة وقوى الوضع القائم التي اختلفت حول التصورات بشأن ماذا يمثل تهديدًا؟ ومن مُيّ ثّل؟ وبشأن طبيعة الأدوار المنوطة بالفاعلين. ومع اختلاف نمط تشكّل كل تكتّل مع الوقت، بقيت خطوط الانقسام الرئيسة كما هي. وهو ما يتّفق مع مقولات ونت الخاصة بأن المصالح نفسها إنما هي مدركات أو أفكار أو "معتقدات بشأن كيفية تلبية التوقعات"107. ولما كانت الهويات هي قاعدة المصالح، بحسب ونت، فقد أنتج التنوّع في الهويات في الإقليم توابع مختلفة لنظام الدول. فالعروبة، على سبيل المثال، وضعت – على الأقل حتى غزو العراق للكويت – قيودًا معيارية على صراع القوة والقيادة بين الدول العربية، في حين أن الطائفية والتطييف يولّدان عنفًا ضد المذاهب المختلفة والدول الداعمة لها. وباستخدام مفردات ونت، يمكن القول إن النظام الإقليمي العربي تحوّل من نظام قائم على فوضى لوكية نسبيًا، قد يتّسم بخطاب احترابي في ظل سيطرة معايير العروبة والدعوة إلى الوحدة، إلى نظام فوضى هوبزية، حيث تشتد العداوة وتتفّشى حروب الوكالة108. وهو ما يتطابق مع فكرة ونت القائلة إن "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها". لقد تبدّلت تراتبية بنى الهويات، ومن ثم بنى المصالح، في النظام الإقليمي العربي منذ نشأته الرسمية. وكانت الهويات المؤثرة في صراعات ما بين الدول حتى عام 2011 مقتصرة على القومية العربية والوحدة الإسلامية والسيادة القُطرية. وبقيت القومية العربية تقريبًا مهيمنة طوال فترة الأربعينيات، إلى السبعينيات، وإن تباينت الأدوات المُفعِّلة لها، ثم تدهورت بعد هزيمة عام 1967، ثم مع الثورة الإيرانية في عام 1979. وعلى الرغم من أن الهوية الدينية، مثلها مثل العروبة، يفترض أن تُعزّز هوية شاملة جامعة أساسًا للنظام

  1. Hinnebush, "Identity in International Relation," p. 5.
  2. Raymond Hinnebush, The International Politics of the Middle East
  3. Hinnebusch, "Secretarian Surge," pp. 39-40. 107 Wendt, Social Theory , pp. 122, 130.
  4. (Manchester: Manchester University Press, 2003), p. 57.
  5. Hinnebush, "Sectarian Surge," p. 45.

المعياري الإقليمي، فإنها فتحت المجال أيضًا للصراع حول الإسلام "الحقيقي"109. وهو ما انعكس على المصالح في النظام. فبينما كان الإجماع على التزامات الهوية ممثلًا في رفض الهيمنة الغربية والدفاع عن فلسطين عربية، ازداد مع الوقت دور أطراف غير عربية، وعلى رأسها دولة الاحتلال الإسرائ ليي التي تزايد أيضًا الاتجاه الرسمي نحو الاعتراف بها، في الوقت الذي نمت اتجاهات العداء لإيران والفاعلين غير الدول المتحالفين معها. وعلى الرغم مما مُتّ ثّله هذه النتائج من إبراز أهمية أطروحات ونت البنائية في فهم العلاقات الدولية، فإنها تبرز أيضًا بعضًا من أوجه القصور؛ وأبرزها الاهتمام بالعوامل الداخلية لدى الفاعلين الرئيسين في النظام. ففي حين يُجادل ونت بأن هوية الدولة تُحدّد مصالحها، ومن ثم أفعالها وسياستها، يهمل إلى حدٍ بعيد التطورات التي تشهدها في المجال الداخليي. لذا، فهو يتعامل، في أثناء تركيزه على مستوى النظام وكيفية عمل نظام الدول، مع وجود الدول بوصفها معطى Given، ولا يأخذ عمليات التشُّكُل الداخلية للدول في الحسبان. على سبيل المثال، لا يمكن فهم موقف الأردن في حرب الخليج، في عام 1990، الرافض لإدانة العراق من دون معرفة التشكيلة الديموغرافية في الأردن، التي تضم قطاعًا من الفلسطينيين الداعمين للعراق وموقفه من القضية الفلسطينية. ونتج من ذلك عدم اقتصار تصوّرات التهديد لدى دول المنطقة على التهديدات الخارجية فحسب، وامتدادها لتشمل أيضًا التهديدات النابعة من الداخل، التي قد تفوق في بعض الأحيان التهديدات الخارجية. وعلى الرغم من إبراز الدراسة أهمية العوامل غير المادية، مثل الهوية والمعايير، فإن من الصعوبة الجزم بأولويتها على تلك المرتبطة بالبنية المادية، كما تدّعي بنائية ونت. على سبيل المثال، أدّى تفكيك الإمبريالية للإقليم إلى عدد من الدول الصغيرة التي تعاني الشعور بعدم الأمن، إلى تكريس الحاجة إلى حماية غربية دائمة، وهو ما شكّل عائقًا بنيويًا أساسيًا في وجه الوحدة العربية؛ كما تبّين ذلك في الانقسام بين المَلكيات المحافظة والجمهوريات الثورية في مرحلة المد القومي. فضلًا عن ذلك، مكّنت بنية القطبية الثنائية الدولية جمال عبد الناصر من صوغ نظام معياري عربي وحدوي، وهو ما فشل صدام حسين في تحقيقه في التسعينيات بسبب اختلاف طبيعة النظام الدولي في المرحلة اللاحقة. ومن ثم، يحتاج فهم ديناميات النظام الإقليمي العربي إلى مقاربة تحليلية تربط بين دور العوامل ذات الصلة بالأفكار، مثل الهوية والمعايير، بتلك الخاصة بالبنية المادية المتعلقة بالنظامين الإقليمي والدولي في ظل حالة الاختراق والتغلغل الخارجي التي تتّسم بها السياسة العربية. وهكذا، تغفل بنائية ونت، في تركيزها على المحركات الهوياتية، تأثير التغير البنيوي في المستويين الإقليمي والدولي. ولذلك، فإنها قد لا تشرح على نحو وافٍ التحوّل المفاجئ من الصداقة إلى الخصومة الذي اتّسمت به بعض مراحل تطور النظام العربي. وفضلًا عن ذلك، تركّز أطروحة ونت في الأساس على الدولة والهوية والمعايير التي تحكم سلوكها؛ إّلا أن فحص تطورات الإقليم يُبّين أنها حافلة بأدوار مؤثرة لفاعلين من غير الدول، وهي تُعّبر عن هويات قومية أو عابرة للحدود، وتدخل في تحالفات مع الدول، أو تتصارع معها. إن على باحثي العلاقات الدولية، المهتمين بدراسة سياسة النظام الإقليمي العربي وفهم سلوك دوله، الانتباه إلى وعود النظرية البنائية وحدودها. فهي من ناحية، تقيم جسرًا بين دراسات المناطق وإسهامات العلاقات الدولية من خلال أخذ عوامل الهوية ومعايير السلوك والتفاعل في الحسبان؛ إّلا أنها تنفي صفة الاستثنائية عن الإقليم من خلال التأكيد على انطباق المقولات البنائية العامة عليه، على غرار أقاليم أخرى. ومن ناحية أخرى، ثمة حدود متضمنة في فهوم البنائية للسياسة الإقليمية العربية؛ فتاريخ المنطقة وصيرورة تشكّلها وتغلغل النفوذ الخارجي فيها، لا يجعل الديناميات المحركة لسلوك الدول نابعة من هوياتها فحسب، بل إنها أيضًا تتأثر بالعوامل المادية البنيوية الأخرى المرتبطة بطبيعة النظام الدولي وطبيعة تكوينها الداخليي. ومن هنا، فإن البنائية، مثلها مثل نظريات العلاقات الدولية الأخرى، تركّز على جوانب، وتهمل أخرى.

  1. Ibid., p. 43.

المراجع

العربية

أحمد، أحمد يوسف. الصراعات العربية – العربية (1945-1981). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988 جرجس، فواز. النظام الإقليمي العربي والقوى ال بركى: دراسة في العلاقات العربية - العربية والعربية - الدولية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1997 حسين، عمر كامل. النظام الإقليمي العربي بينن التحديات المزمنة والمتغّير ات الجيوسياسية الراهنة. عّما ن: دار الخليج للنشر والتوزيع،.2020 الرشدان، عبد الفتاح. "مستقبل النظام الإقليمي العربي في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية المستجدة". أبحاث اليرموك (سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية). مج 12، العدد 3.)1996(سالم، بول. "الشرق الأوسط: مراحل تطور وتفكك النظام الإقليمي". أوراق كارنيغي. العدد).2008(9 الشويري، يوسف. القومية العربية: الأمة والدولة في الوطن العربي، نظرة تاريخية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 فهمي، عبد القادر. النظام الإقليمي العربي: احتمالات ومخاطر التحول نحو الشرق أوسطية. عّما ن: دار وائل للنشر،.1999 مطر، جميل وعليي الدين هلال. النظام الإقليمي العربي: دراسة في العلاقات السياسية العربية. ط.5 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1986

الأجنبية

Barnett, Michael. Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order. New York: Columbia University Press, 1998. Bilgin, Pinar. Regional Security in the Middle East: A Critical Perspective. London: Routledge Curzon, 2005. Browers, Michaelle. Political Ideology in the Arab World: Accommodation and Transformation. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Dawisha, Adeed. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2003. Gause III, Gregory. "Beyond Sectarianism: The New Middle East Cold War." Brookings Doha Center Analysis Paper , no. 11. The Brooking Institution (2014). Hinnebusch, Raymond. "Identity in International Relations: Constructivism versus Materialism, and the Case of the Middle East." The Review of International Affairs. vol. 3, no. 2 (2003). ________. "The Sectarian Surge in the Middle East and the Dynamics of the Regional State-System." Tidsskrift for Islamforskning. vol. 13, no. 1 (2019). ________. The International Politics of the Middle East. Manchester: Manchester University Press, 2003. Katzenstein, Peter J. (ed.). The Culture of National Security: Norms and Identity in World Politics. New York: Columbia University Press, 1996. Kausch, Kristina. "Debating Middle Eastern Alliances." Conference Report. KAS Regional Program Political Dialogue South Mediterranean (March 2020). at: https://acr.ps/1L9zRWD Kerr, Malcolm H. et al. (eds.). Rich and Poor States in the Middle East: Egypt and the New Arab Order. New York: Routledge, 1982. Kerr, Malcom. The Arab Cold War, 1958-1964: A Study of Ideology in Politics. Oxford: Oxford University Press, 1965. Korany, Bahgat & Ali E. Hillal Dessouki (eds.). The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Globalization. Cairo: The American University in Cairo, 2010. Lapid, Yosef & Friedrich Kratochwil (eds.). The Return of Culture and Identity in IR Theory. London/ Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1996.

Momani, Bessma & Crystal Ennis. "Shaping the Middle East in the Midst of the Arab Uprisings: Turkish and Saudi Foreign Policy Strategies." Third World Quarterly. vol. 34, no. 6 (2013). Roberts, David. "Qatar and the UAE: Exploring Divergent Reponses to the Arab Spring." Middle East Journal. vol. 71, no. 4 (2017). Salem, Mohamed Anis. "Arab Schism in the 1980s: Old Story or New Order?" The World Today. vol. 38, no. 5 (1982). Salisbury, Peter. "Risk Perception and Appetite in UAE Foreign and National Security Policy." Chatham House (July 2020). at: https://acr.ps/1L9zSaR Salloukh, Bassel. "The Arab Uprisings and the Geopolitics of the Middle East." Italian Journal of International Affairs. vol. 48, no. 2 (2013). Teti, Andrea. "A Role in Search of a Hero: Construction and Evolution of Egyptian Foreign Policy." Journal of Mediterranean Studies. vol. 14, no. 1 (2004). Valbjorn, Morten & Andre Bank. "The New Arab Cold War: Rediscovering the Arab Dimension of Middle East Regional Politics." Review of International Studies. vol. 38, no. 1 (2012). Wendt, Alexander. "Anarchy is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics." International Organizations. vol. 46, no. 2 (1992). Politics." International "Constructing International Security. vol. 20, no. 1 (1995). ________. Social Theory of International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Yossef, Amr. "The Regional Impact of the Abraham Accords." MWI Report. no. 2 (2021).