مختبر فلسطين: كيف تصدّر إسرائيل تقنيات الاحتلال إلى العالم
The Palestine Laboratory: How Israel Exports the Technology of Occupation around the World
الملخّص
عنوان الكتاب في لغته: The Palestine Laboratory: How Israel Exports the Technology of Occupation around the World
Abstract
Original Title: The Palestine Laboratory: How Israel Exports the Technology of Occupation .around the World. Author: Antony Loewenstein.
- فلسطين
- إسرائيل
- الصراع العربي - الإسرائيلي
- الصناعة العسكرية الإسرائيلية
- Palestine
- Israel
- Arab-Israeli Conflict
- Israel Military Industries
.around the World عنوان الكتاب: مختبرر فلسطين: كيف تصدّر إسرائيل تقنيات الاحتلال إلى العالم. المؤلف: أنتوني لونشتاين.Antony Loewenstein المترجم: عامر شيخوني. سنة النشر:.2024 الناشر: بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون. عدد الصفحات: 433.
The Palestine Laboratory: How Israel Exports the Technology of Occupation عنوان الكتاب في لغته:
مقدمة
يأتي كتاب مختبرر فلسطين: كيف تصدّر إسرائيل تقنيات الاحتلال إلى العالملمؤلفه أنتوني لونشتاين في سياق تراكمي ضمن حقل دراسات الصناعة العسكرية الإسرائيلية وتصدير السلاح الذي نشأ في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وقد أخذت هذه الأدبيات تعيد صياغة النقاش حول العلاقة بين الأمن والسياسة والاقتصاد في بنية الاحتلال الإسرائيلي، كاشفةً عن أبعادٍ أعمق من مجرد نشاط تجاري أو سوق سلاح. فقد قدّم آرون كليمان، في كتابه المدى العالمي لإسرائيل: مبيعات الأسلحة بوصفها أداة دبلوماسية1، أطروحة تأسيسية ترى أنّ صادرات السلاح الإسرائيلي قد شكّلت وسيلة لفتح قنوات سياسية جديدة وتعزيز نفوذها الدولي. وبعده بسنوات قليلة، عزز بشارة بحبح هذا المسار التحليلي في كتابه إسرائيل وأميركا اللاتينية: البعد العسكري2؛ فقد كشف عن تغلغل شبكات التسليح الإسرائيلية في أميركا اللاتينية، بوصفها امتدادًا استراتيجيًا للسياسة الخارجية الإسرائيلية. وقد أرست هذه الأعمال معًا ما يمكن اعتباره "مدرسة كلاسيكية" في فهم تصدير السلاح الإسرائيلي بوصفه أداةً سياسية واقتصادية في آنٍ واحد. وبعد قرابة عقدَين من انقطاع المساهمات الأكاديمية عن هذا الحقل، وبحلول نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، عاد هذا الحقل نفسه ليطلق موجة جديدة من الدراسات تطرح تساؤلات جديدة وتدرس أبعادًا مختلفة؛ إذ لم يعد السؤال المركزي: كيف تُستخدم صادرات السلاح في السياسة الخارجية؟ بل أصبح: كيف يتحوّل الاحتلال ذاته إلى اقتصاد أمني وعسكري مُربِح؟ فقد ساهمت أعمال إيال وايزمان3 وستيفن غراهام4 في الكشف عن البنية التحتية المكانية للاحتلال، وكيفية إعادة تشكيل الفضاءات العمرانية لتكريس تفوّق المستعمِر، وعن انتقال تقنيات الضبط والسيطرة على المكان والجسد الفلسطيني إلى مدن العالم الكبرى، مثل باريس ونيويورك. ثم جاء شير هيفر5، موضحًا كيفية إعادة إنتاج الاحتلال باعتبارها صناعة تغذّي قطاعات التكنولوجيا الأمنية وتغدو مصدرًا دائمًا للربح في اقتصاد المستوطنين. تأتي في هذا السياق، أيضًا، دراسة طارق دعنا، التي يجادل فيها بأنّ اقتصاد الحرب أداة مركزية في تشكّل الدولة والمجتمع في إسرائيل، وذلك عبر الممارسات التي تعمل على تحويل الفلسطينيين إلى حقل تجارب لاختبار أسلحتها، على نحو يخدم اقتصاد الحرب من خلال التصدير إلى الخارج6. بهذا المعنى، لم تعد إسرائيل تُدرس من زاوية صادراتها العسكرية فحسب، بل من خلال بنيتها الاستعمارية أيضًا، التي تحِّوِل الاحتلال نفسه إلى منصة إنتاج للمعرفة الأمنية وأداة لتسليع القمع. في هذا السياق الأوسع، يجادل لونشتاين بأنّ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي لم يعد حدثًا استثنائيًا محصورًا في مجال الجغرافيا الفلسطينية، بل تحوّل إلى مختبر دائم تُنتَج فيه أدوات الهيمنة والرقابة التي تُختبر على الفلسطينيين، وتُسوَّق لاحقًا في أسواق السلاح العالمية باعتبارها "مجَّرَبة ميدانيًا"، معتمدًا على مزيج من التحقيقات الصحافية، والأرشيف الرسمي، والمقابلات الميدانية. وما يميز أطروحة المؤلف هو جمعها لمختلف مقاربات الأدبيات السابقة، من حيث إنّ تجارة السلاح الإسرائيلي ساعدت إسرائيل على بناء تحالفات سياسية واقتصادية، وساهمت في إخراجها من العزلة الدولية، إلى جانب تصويت الدول لمصلحتها في المحافل الدولية، إضافة إلى إبرازه الكيفية التي صار بوساطتها الاحتلال رأسَ مالٍ مربحًا للدولة وسوق السلاح العالمية. لم تعد الممارسات القمعية والرقابية الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، من الحواجز العسكرية والطائرات المسّيةر والكوادكابتر والروبوتات إلى برامج التجسّس على الهواتف، أحداثًا فلسطينية معزولة، بل أضحت حلقة في شبكة عابرة للحدود تربط مصائر الفلسطينيين بالمكسيكيين ومسلمي الروهينغا والصحافيين والمعارضين السياسيين في أنحاء العالم. وهذا يعني أنّه لم يعد لزامًا أن تكون فلسطينيًا كي تُستهدَف بالسلاح أو التقنية الإسرائيلية؛ بل يكفي أن تكون جزءًا من فئة مضطهدة أو ضحية في أيّ مكان، حتى تجد نفسك معرّضًا لانتهاك الحقوق والتنكيل عبر أدوات القمع التي تنتهجها إسرائيل وتسوّقها. لا تتبع هذه المراجعة منهجًا يقوم على مراجعة كل فصلٍ على حدة، بل تعيد تنظيم محتوى الكتاب ضمن ثلاثة محاور أساسية مترابطة، انطلاقًا من أنّ فصوله، على الرغم من تنوّع موضوعاتها وسياقاتها، تتأسس جميعها على ثلاث أفكار رئيسة متكررة، وهي: أولًا، الاحتلال بوصفه سلعةً أمنيةً وتجاريةً؛ ثانيًا، غياب الاستقرار شرطًا للربح؛ ثالثًا،
إسرائيل بوصفها رمزًا عالميًا للهيمنة والقمع. هذا التداخل البنيوي يجعل المراجعة الفصلية عرضةً للتكرار وإعادة إنتاج الحجج نفسها، بينما يسمح الدمج بإبراز وحدة الأطروحة، ويمنح المراجعة قيمة تفسيرية إضافية.
أولا: الاحتلال سلعة أمنية وتجارية
يوضح المؤلف تحوّل الاحتلال الإسرائيلي إلى سلعة قائمة بذاتها، تُنتَج وتُسَوّق وتُباع في أسواق عالمية تبحث عن أدوات السيطرة والقمع. يطلّ هذا المنطق بوضوح في الفصول الأول والرابع والسادس، التي تقدّم سردًا ممتدًا لتاريخ العلاقات العسكرية والأمنية لإسرائيل، وتُظهر أنّ الأدوات التي جُرّبت أولًا على الفلسطينيين تحوّلت إلى منتجات جاهزة للتسويق تحت شعار "مجرّب في الميدان" Battle-Tested. أعطت هذه الخاصية إسرائيل موقعًا استثنائيًا؛ إذ لم يعد الاحتلال عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا كما يُفترض، بل أصبح رأسَ مالٍ استراتيجيًا يدرّ الأرباح ويعزز مكانتها الدولية. بعد مقدمة مطوّلة وغنية، يركّز الفصل الأول، "بيع الأسلحة لكل من يريدها"، على حقبة السبعينيات والثمانينيات، وهي الفترة التي تكثفت فيها الشراكات العسكرية بين إسرائيل وأنظمة استبدادية في أميركا اللاتينية وأفريقيا، فأعانت هذه الشراكات السلطويات في بلدان عديدة على تثبيت نظم حكمها بالحديد والنار بأدوات إسرائيلية. وكان المثال الأبرز الذي يورده المؤلف هو تشيلي بعد انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه Pinochet Augusto عام 1973 (ص. 7)3 فبعد أن فرضت الولايات المتحدة الأميركية حظرًا على تصدير الأسلحة إلى النظام الجديد نتيجة انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان، سارعت إسرائيل إلى ملء الفراغ، فباعت تل أبيب دبابات "شيرمان" معدّلة وطائرات مقاتلة وصواريخ ومدرعات، وساعدت في تدريب أجهزة الاستخبارات التشيلية التي كانت تنفذ عمليات اعتقال المعارضين وتعذيبهم وقتلهم (ص. 2)4 ويستشهد المؤلف بقصة عائلة ديفيد سيلبرمان Silberman David، مدير مناجم النحاس وصديق الرئيس التشيلي سلفادور أليندي Allende Salvador (1973-1970)، أحد أبرز ضحايا النظام؛ إذ إنه اعتُقل وعُذّب ثم اختُطِف عام 1974، ولم يُعثر له على أثر، بينما التجأت عائلته، التي يلاحقها نظام بينوشيه، إلى إسرائيل نفسها (ص. 9)3 وبعد تكشّف الحقائق، قال دانييل بن ديفيد: "كان الأمر صادمًا ومؤلمًا بالنسبة إَلّيَ شخصيًا عندما اكتشفت أن إسرائيل كانت تساعد نظام بينوشيه، فقد كانت هذه الدولة هي التي منحت عائلتي فرصة ثانية" (ص. 24)، وهو ما دفع بن ديفيد إلى العمل على كشف العلاقة بين إسرائيل وبينوشيه من خلال عرض آلاف الوثائق المتعلقة بتشيلي في إسرائيل، التي بلغ عددها 19 ألف وثيقة. تُظهر هذه المأساة أنّ إسرائيل لم تكن مزوّدَ سلاح محايدًا، بل كانت طرفًا فاعلًا في ترسيخ بنية القمع من خلال توفير أدوات قتل المتظاهرين وقمعهم، من قبيل رشاشات المياه الملوّنة التي كانت تُصنع في كيبوتس بيت ألف" (ص. 43-44) ولا تقتصر الأمثلة على تشيلي، ففي غواتيمالا أيضًا، قدّمت إسرائيل دعمًا مباشرًا للجيش والميليشيات التي نفّذت مذابح ضد السكان الأصليين "المايا" (ص. 68-71). وفي جنوب أفريقيا، واصلت إسرائيل تعاونها العسكري مع نظام الفصل العنصري في وقت كانت فيه معظم دول العالم قد قطعت علاقاتها مع بريتوريا، فكانت الأسلحة الإسرائيلية تصل إلى نظام الأبارتهايد على الرغم من قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمقاطعة (ص 58، 196-188). ويذكر المؤلف صفقات مع نظام الشاه في إيران قبل الثورة الإسلامية، حيث نسجت إسرائيل علاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات الإيراني "السافاك"، وهو ما يكشف أن منطق "التجريب والتصدير" لم يكن حكرًا على منطقة بعينها، بل هو سمة أساسية في السياسة الخارجية الإسرائيلية (ص. 60-61) يُظهِر الفصل الرابع، "تسويق الاحتلال الإسرائيلي للعالم"، أنّ الاحتلال تحوّل من عبء سياسي إلى سلعة استراتيجية تُسوَّق عالميًا، فالتقنيات الأمنية والعسكرية التي جُِّرِبت أولًا على الفلسطينيين صارت تُعرض في الأسواق تحت شعار "مجَّرَبة ميدانيًا"، خصوصًا بعد غزو لبنان (1982) الذي شكّل لحظة مفصلية في هذا المسار؛ إذ استُخدمت دعايات "الدقة الجراحية" على الرغم من سقوط آلاف المدنيين لترويج صورة متفوقة للجيش الإسرائيلي، وهو ما جذب أنظمة استبدادية تبحث عن أدوات جاهزة للسيطرة (ص. 20) يوسّع الفصل السادس، "الرقابة الإسرائيلية الشاملة في دماغ هاتفك"، هذا المنطق ليشمل فضاء المراقبة الرقمية، فشركات مثل NSO Group7(مطورة برنامج "بيغاسوس" Pegasus8) وسيلبرايت Cellebrite9، تقدّم نفسها اليوم بوصفها من أبرز الشركات العالمية الرائدة في مجال اختراق الهواتف واستخراج البيانات، وهي تقنيات تطوّرت في إطار التجربة الاحتلالية الإسرائيلية. وتستفيد هذه الشركات مباشرة من خبرات
الجيش وأجهزة الاستخبارات، وتحوّل تقنيات المراقبة التي طُِّبِقت على الفلسطينيين إلى منتجات قابلة للتصدير (ص. 225-226). ويورد المؤلف أمثلة كثيرة عن استخدام بيغاسوس لتعقّب معارضين وصحافيين في المكسيك (ص. 233-235)، والتجسس على معارضين سياسيين في المجر والهند (ص. 248-254) وتجسّد تجربة شركة Vision Any، التي أصبحت لاحقًا Oosto10، بوضوح دور "المختبر الفلسطيني" في إنتاج أدوات المراقبة الرقمية، فقد نُصبت أنظمتها للتعرّف إلى الوجه بالذكاء الاصطناعي على الحواجز في الضفة الغربية ضمن مشروع Ayosh Google، فقد جُمعت صور الفلسطينيين في قاعدة بيانات واسعة استُخدمت لتدريب الخوارزميات. وتحوّل هذا الاختبار الميداني إلى عنصر تسويقي مكّن الشركة من بيع تقنياتها في أكثر من أربعين دولة، من روسيا والصين إلى الولايات المتحدة، واستخدامها في قطاعات متنوعة، من الكازينوهات إلى المصانع. ومع إعادة التسمية عام 2021، حصلت Oosto على استثمارات تجاوزت 235 مليون دولار أميركي، معتمدةً على خبرات ضباط من وحدة 8200 (ص. 104-106)، لتؤكد أنّ المختبر لم يعد يقتصر على السلاح التقليدي، بل صار أيضًا منصة لتصدير أنظمة المراقبة والقمع الرقمي عالميًا.
ثانيًا: غياب الاستقرار شرطًا للربح السياسي – الاقتصادي
يخصّص المؤلف الفصَليَن الثاني والثالث لتفكيك مفارقة أساسية في التجربة الإسرائيلية، تتمثل في أنّ الخوف وغياب الاستقرار لا يُنظر إليهما بوصفهما أزمات ينبغي احتواؤها، بل يعُدّان شرَطيَن ضرورَييَن لازدهار الصناعات الأمنية والعسكرية. ووفق هذا المنطق، فإنّ السلام لا يُعدّ مكسبًا سياسيًا أو أخلاقيًا، بل يُعدّ تهديدًا مباشرًا لموردٍ اقتصادي متجذّر. ومن هنا، جاء عنوان الفصل الثاني "كارثة 11 سبتمبر كانت جيدة للأعمال"، الذي يوجز تحوّل صدمة الهجمات على برجَي مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة إلى فرصة ذهبية لإسرائيل؛ كي تعرض خبرتها الأمنية باعتبارها منتجًا جاهزًا. ومنذ اللحظة الأولى بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001، ارتفع الطلب العالمي على أنظمة المراقبة والحماية الحدودية والتدريب الأمني، وبدت إسرائيل، بما تملكه من تجربة في السيطرة على الفلسطينيين، في نظر الحكومات الغربية، "الدولة المثالية" لتقديم حلول سريعة. يسرد المؤلف تفاصيل دقيقة حول مطار بن غوريون، الذي شكّل نموذجًا في فحص المسافرين؛ حيث أصبح مرجعًا لأنظمة مطارات أوروبية وأميركية (ص 93، 2.)3 وكذلك أنظمة المراقبة البيومترية، التي طُبّقت بدايةً على العمال الفلسطينيين عند المعابر، ثم استُنسِخت لاحقًا في مطارات لندن وبرلين (ص. 105-107). وشاركت الشرطة الأميركية والبريطانية في تدريبات داخل إسرائيل، تعلّمت فيها أساليب فضّ التظاهرات والتعامل مع "التهديدات غير التقليدية"، وهي أساليب طُبّقت على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل أن تُدرَّس في نيويورك وواشنطن (ص -3033)، بل إن الحرب الأميركية على المخدرات في المكسيك استعانت بتقنيات إسرائيلية لبناء جدار مراقبة إلكتروني على الحدود، في تكرارٍ شبه مباشر لنموذج الجدار الفاصل في الضفة الغربية (ص 85، 216-215). أما الهند، التي واجهت تهديدات أمنية متصاعدة بعد هجمات مومباي (2008)، فقد صارت أحد أكبر عملاء إسرائيل في شراء الطائرات المسّيةر وأنظمة المراقبة المتقدمة (ص. 197-199) تكشف هذه الأمثلة تحوّل الاحتلال إلى شهادة "كفاءة أمنية" مُعترَف بها عالميًا، فما جُِّبرِ على الفلسطينيين صار "منتجًا" جاهزًا للشراء، بينما أصبحت إسرائيل جزءًا لا يتجزأ من البنية الأمنية الدولية بعد 11 أيلول/ سبتمبر. ومن هنا، تتضح الفكرة الجوهرية المتمثلة في أنّ الخوف العالمي كان موردًا لإسرائيل، لا عبئًا عليها. يتُرجم الفصل الثالث، "منع كل فرصة للسلام"، هذه المفارقة إلى الداخل الإسرائيلي، ويبّين أنّ أيّ تقدّم مع الفلسطينيين نحو التسوية السياسية يعني تقويض السوق التي تغذي الصناعات الأمنية الإسرائيلية، كما أن السلام ليس تحدّيًا سياسيًا للأحزاب أو تهديدًا أيديولوجيًا لليمين القومي – الديني فحسب، بل يمثّل أيضًا خطرًا اقتصاديًا على شركات السلاح والتكنولوجيا (ص. 113-116). ولم يُفضِ مسار أوسلو منذ تسعينيات القرن العشرين إلى تراجع الاستيطان أو تقليل الأجهزة الأمنية، بل أدى إلى طفرة جديدة في المشاريع الأمنية، من نقاط التفتيش الإلكترونية إلى الجدار العازل، وصولًا إلى توسيع شبكات المراقبة (ص. 195-196)، حتى إنّ الانسحاب من غزة عام 2005، الذي بدا خطوة نحو تقليص الاحتلال، قدّم لإسرائيل فرصة لتجريب نموذج "التحكّم عن بُعد"؛ أي حصار شامل تديره التكنولوجيا والطائرات المسّيةر والمراقبة الإلكترونية، وتجَّرَب فيه أنواع مختلفة من القنابل والصواريخ في الحروب الموسمية على القطاع. ويقول المؤلف إن قطاع غزة هو "المختبر النموذجي للعبقرية الإسرائيلية في السيطرة" (ص. 118). وقد سبق أن أكد أفنر بنزاكين، رئيس قسم التكنولوجيا واللوجستيات في الجيش الإسرائيلي، أهمية غزة باعتبارها مختبرًا لتجربة الأسلحة الإسرائيلية حين قال: "إذا طورْت منتجًا وأردت اختباره في الميدان، فليس عليّ سوى أن أقطع مسافة خمسة أو عشرة
كيلومترات من قاعدتي، ثم أنظر وأرى ما يحدث مع المعدات[...] وأحصل على الانطباعات، الأمر الذي يجعل عملية التطوير أسرع وأكثر كفاءة"11. وقد تحولت هذه التجربة إلى سلعةٍ تُسوَّق بوصفها "ابتكارًا أمنيًا" يُعرَض على دول تودّ فرض سيطرة كاملة من دون وجود عسكري مباشر (ص. 117-118) تتمثل القيمة التحليلية لهذا المحور في أنّه يكشف الجانب "النفعي" من استمرار العنف، فبالنسبة إلى الصناعات الأمنية، لا يمثل التهديد حالة طارئة يجب إنهاؤها، بل يُعدّ شرطًا لدوام الإنتاج، فأيّ تراجع في حدة الصراع سيُضعف القدرة على تسويق الأدوات الأمنية. وبهذا، يصبح استمرار الانتفاضات الفلسطينية، أو غياب الاستقرار في غزة والضفة، مصلحة بنيوية للاقتصاد العسكري – الأمني، وأمّا السلام فإنه يهدد بإغلاق المختبر، وتجفيف المورد الأساسي الذي يمدّ الشركات بميزة تنافسية.
ثالثًا: إسرائيل رمزًا عالميًا للهيمنة والقمع
يتجاوز المؤلف في الفصَليَن الخامس والسابع حدود السلاح والتكنولوجيا ليكشف بُعدًا آخر في "المختبر الفلسطيني"، وهو البُعد الرمزي؛ فإسرائيل لا تبيع العالم أسلحةً أو برامج مراقبة فحسب، بل تقدّم نفسها أيضًا نموذجًا سياسيًا وأيديولوجيًا يُحتذى به، سواء لدى الحكومات القومية اليمينية أو لدى شركات التكنولوجيا العملاقة التي تتحكّم في الخطاب في الفضاء الرقمي. وهذا التحوّل من عبء إلى رمز يجعل التجربة الإسرائيلية جذابة لقوى عدة ترى في القمع والهيمنة وسيلة للشرعية (ص. 19) في الفصل الخامس، "النداء المستمر للهيمنة الإسرائيلية"، يوضح المؤلف أنّ إسرائيل لم تعد تُقدِّم حالةً استثنائيةً محاَصرة بالانتقادات، بل أصبحت قدوة في كيفية تحويل الاحتلال إلى عنصر قوة، فالتيارات اليمينية المتطرفة في الغرب تبدي إعجابها الصريح بالنموذج الإسرائيلي، فمثلًا ريتشارد سبنسر Spencer Richard، أحد رموز اليمين البديل في الولايات المتحدة، وصف نفسه يومًا بأنه "صهيوني أبيض"، معتبرًا إسرائيل مث لًا على الدولة التي تحتفظ بطابعها العرقي عبر التفوّق العسكري والسيطرة الأمنية. ورُفعت الأعلام الإسرائيلية في تظاهرات أقصى اليمين في الولايات المتحدة وأوروبا، في مشهدٍ يلخّص هذا التماهي بين خطاب التفوّق الأبيض والنموذج الإسرائيلي (ص. 17) لا يقتصر الأمر على حركات هامشية، بل يمتد إلى قادة دول، فعلى سبيل المثال وجد رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان Orbán Viktor (-2010) في إسرائيل نموذجًا للدولة - الحصن التي تضع الأمن فوق الحريات، أما رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي Modi Narendra (-2014)، فبنى تحالفًا استراتيجيًا مع إسرائيل، يجمع بين تبادل السلاح والخبرة الأمنية وبين الإعجاب السياسي بنموذج يربط القومية بالهيمنة العسكرية (ص. 200-209). حتى في البرازيل، أبدى الرئيس السابق، جايير بولسونارو Bolsonaro Jair (2022-2019) تقاربًا واضحًا مع إسرائيل، معتبرًا إياها مث لًا للدولة القوية (ص. 101). وبهذا، تكشف هذه الأمثلة أنّ إسرائيل لم تعد تُحرج حلفاءها، بل تُقدَّم "شريكًا أيديولوجيًا" يعزز سرديات اليمين الشعبوي في أنحاء متفرقة من العالم. وفي الفصل السابع، "شركات وسائل التواصل الاجتماعي لا تحب الفلسطينيين"، ينقل المؤلف النقاش إلى مستوى آخر، وهو الفضاء الرقمي الذي تبدو سيطرته خفيّة غير أنه يشكّل خطورة كبيرة؛ تتمثل في تقييد الخطاب وتوجيهه. ويورد شواهد متكررة عن حذف محتوى فلسطيني على منصات مثل فيسبوك وإكس (تويتر سابقًا) وإنستغرام، بحجة الإرهاب أو خطاب الكراهية (ص. 293-294). وفي المقابل، يسمح بخطابات تحريضية صادرة عن مسؤولين أو مستوطنين إسرائيليين (ص. 297). إن هذه العلاقة التي يرسمها المؤلف ليست مصادفة، فالشركات العملاقة، الساعية للحفاظ على أسواقها وعلاقاتها مع الحكومات، تستجيب لضغوط إسرائيلية منظمة، والنتيجة أنّ الرواية الفلسطينية تُقصى من الفضاء العام العالمي، تمامًا، كما يُقصى الفلسطينيون من الأرض (ص. 278-279). ليست هذه السيطرة الرقمية تفصيلًا ثانويًا، بل تُعدّ جزءًا من "المختبر الفلسطيني"، فكما جُرّبت الأسلحة على الأجساد الفلسطينية، تُختبر الآن سياسات الرقابة على كلماتهم وصورهم (ص. 279) يربط المؤلف بين التهميش الإعلامي التاريخي للقضية الفلسطينية في الصحافة الغربية وما يحدث اليوم على المنصات الرقمية، لكن هذا التهميش كان قبل الإبادة الجارية في غزة؛ ما يعني أنّ ميزة الفصل تكمن في توثيقه هذه السياسات قبل الإبادة (ص. 277-301)
خاتمة
يكشف الكتاب حقيقة مركزية طالما لوحِظت في دراسات الاستعمار الاستيطاني، لكن قّلمّا جرى توثيقها بهذا القدر من التفصيل، مفادها أنّ الاحتلال ليس ممارسة سياسية أو عسكرية ذات تكلفة فحسب، بل هو أيضًا بنية إنتاجية قائمة بذاتها، فمنذ السبعينيات، تحوّلت
فلسطين إلى ساحة تجريبية للسلاح المُصدَّر إلى أميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا، مرورًا بما يسمى "الحرب على الإرهاب" بعد عام 2001، التي جعلت الخبرة الإسرائيلية "شهادة ثقة" في السوق الأمنية العالمية، وصولًا إلى عصر الرقابة الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ إذ غدا الهاتف نفسه امتدادًا للحاجز الإسرائيلي. ويبرهن ذلك كله على أنّ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي أصبح خَّطَ إنتاج متكاملًا، مادّيًا ورمزيًا، يوفّر أدوات القمع، ويصدّر خطاب شرعنته في آن واحد12. تكمن أهمية الكتاب في كثافة شواهده وقدرته على جمع خطوط متفرقة من التاريخ العسكري، والاقتصاد السياسي، والرقابة الرقمية، والسياسات الرمزية في سردية واحدة تفضح منطق "المختبر الفلسطيني"، وهذا المنطق يعيد الاعتبار لفلسطين بوصفها عدسة كاشفة لآليات الحكم السلطوي في القرن الحادي والعشرين. ومن هذا المختبر، تُقرأ طبيعة الدولة الأمنية النيوليبرالية العابرة للحدود. ويكشف الكتاب الأرشيف المسكوت عنه أو التاريخ الذي نجهله، ويقدّم كًّما هائلًا من الأمثلة الموثّقة والقصص التي تجعل أطروحته مؤثّرة في وعي أيّ قارئ؛ إذ يخرج القارئ بتصور جديد عن الدور والموقع الفعلي لإسرائيل في العالم، ويجعل قراءته ضرورة في ظل الجرائم الإسرائيلية في المشرق العربي، لا سّيمّا إبادته للحجر والبشر في قطاع غزة. مع ذلك، فإنّ الكتاب لا يخلو من ثغراتٍ منهجية، أبرزها: طابعه الصحافي الاستقصائي الذي يجعله يميل إلى مراكمة الأمثلة والقصص أكثر من صياغة إطار نظري صارم يمكن أن يفسر الظاهرة في أبعادها البنيوية؛ إذ يثبت المؤلف وجود "المختبر الفلسطيني" بما فيه من قمع وتجريب وتسويق، لكنه لا يفكك على نحو كافٍ العلاقة الجدلية بين جهاز الدولة الإسرائيلي من جهة، والشركات الأمنية والعسكرية الخاصة من جهة أخرى، ولا يقدّم مقارنات معمقة بحالات استعمارية أخرى لجأت إلى منطق التجريب والتصدير، وهذه الثغرات لا تُضعف الأطروحة المركزية بقدر ما تحدّ من قابليتها للتحوّل إلى نظرية تفسيرية عامة، خصوصًا أنّ هدف الكتاب، كما هو واضح، هو توثيق علاقات إسرائيل المشبوهة مع دول العالم وفضح دورها أكثر من تقديم أطروحة نظرية تفسيرية. الافتقار إلى التحقيب الزمني المتماسك، فبدلً من أن يبدأ من لحظة بناء "المختبر الفلسطيني" باعتباره مسارًا ممتدًا منذ عام 1948 حتى اليوم، يميل إلى القفز بين حقب متباعدة: من جنوب أفريقيا في السبعينيات إلى حروب غزة، ومن تشيلي إلى رواندا، من دون خيط كرونولوجي يوضح استمرارية البنية. وعلى الرغم من غنى النص بالأمثلة، فإنّ القفز والعودة يُضعفان التفسير التاريخي؛ إذ يَظهر كأنه تجميع من قصص منفصلة أكثر منه سردية متكاملة لتطور منظومة الاحتلال في التصدير. المبالغة، أحيانًا، في تصوير الإعجاب بإسرائيل؛ فكأنّ الأمر تبن كامل لنموذجها، بينما هو في حالات كثيرة توظيف براغماتي أو رمزي يخدم مصالح محلية، فأوربان، مثلً، قد يستخدم إسرائيل لتعزيز خطابه ضد المهاجرين، لكنّ ذلك لا يعني تبنّي سياساتها بحذافيرها. الميل ضمنيًا، في الفصل الثالث، إلى تفسير ظاهرة الانسحاب من غزة وسعي إسرائيل إلى استدامة العنف على أنه حصيلة قرار اقتصادي. وهذه القراءة اختزالية في سياق التعقيد الهائل في السياسة الإسرائيلية الداخلية، فإفشال التسوية لم يكن دومًا بقرار من الشركات أو بتواطؤ منها مع الدولة فحسب، بل أيضًا نتيجة انقسامات أيديولوجية ودينية وحزبية عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي الذي يرفض أيّ تسوية حقيقية وعادلة للشعب الفلسطيني، فقرار الانسحاب من غزة كان الهدف منه، بالأساس، إحباط خريطة الطريق الأميركية التي ظهرت فيها فكرة الدولة الفلسطينية واضحة بعد الانتفاضة الثانية وفي أثناء الإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل في قطاع غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يتيح الكتاب أفقًا تحليليًا لفهم المآلات المحتملة لتصاعد العزلة الدولية المفترضة حولها. إنّ التجربة التاريخية، لا سيما في السبعينيات والثمانينيات، تُظهر أنّ عزلة إسرائيل لم تكن يومًا كما روّجت بعض الدول، بل ظلّت قنوات التسليح والتعاون الأمني مفتوحة رغم المقاطعة السياسية والتجارية المُعلَنة.
المراجع
العربية
أبو ستة، غسان. "الفيروس والمستوطِن والحصار: غزة في زمن كورونا". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 123 (صيف.)2020 بحبح، بشارة. إسرائيل وأميركا اللاتينية: البعد العسكري. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.1987 بشارة، عزمي. الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 دعنا، طارق. "الإنتاج العسكري - الأمني واقتصاد الحرب في سياق الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي". عمران. مج 10، العدد 93 (شتاء 2022). زابنر، حاييم بريشيت. جيش ليس ككل الجيوش: كيف زيف جيش الدفاع الإسرائيلي أمة. ترجمة نصار عبد الله وعمرو نصار. القاهرة: البحر الأحمر،.2025 وايزمان، إيال. أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي. ترجمة باسل وطفة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر؛ مدارات للأبحاث والنشر،.2017
الأجنبية
Graham, Stephen. Cities Under Siege: The New Military Urbanism. London/ New York: VERSO, 2010. Hever, Shir. The Political Economy of Israel's Occupation: Repression Beyond Exploitation. London: Pluto Press, 2010. Klieman, Aaron. Israel's Global Reach: Arms Sales as Diplomacy. Washington: Pergamon-Brassey's, 1985.