الدولة العربية في أعين مواطنيها: تحليل للاتجاهات الفردية
The Arab State Through the Eyes of its Citizens: An Individual- Level Analysis
الملخّص
إذا كانت الدولة من أكثر المواضيع التي حظيت باهتمام المفكرين والمثقفين العرب منذ القرن التاسع عشر، فإن دراسة اتجاهات المواطنين الفردية نحو الدولة في العالم العربي بوساطة المسوح الاجتماعية ظلّت، في المقابل، أمرًا هامشيًا، سواء في الأبحاث العربية أو الغربية. فنحن لا نعرف الكثير عن مواقف المواطنين العرب بشأن العديد من الجدالات التي هيمنت على نقاشات النخب العربية حول "الدولة العربية"، المتعلقة بالطبيعة الأنطولوجية للدول القائمة في الواقع، أو ذات الطابع الأيديولوجي المرتبطة بشكل الدولة الذي يجب أن تتخذه. تسعى هذه الدراسة للمساهمة في ردم هذه الفجوة المعرفية من خلال التركيز على فترة ما بعد عام 2011، حيث تحّل ل طريقة فهم المواطنين العرب للدولة ومدى تمييزهم بينها (بوصفها كيان ا سياسيًا) وبين الأنظمة الحاكمة، إضافةً إلى طبيعة تطلعاتهم نحوها وتوجهاتهم بشأن الجدالات الأيديولوجية المتعلقة بالدولة في العالم العربي، خصوصًا النقاش بشأن الدولة الوحدوية القومية العربية مقابل الدولة القُطرية الوطنية، والدولة الدينية الإسلامية مقابل الدولة المدنية، وطبيعة المحددات الفردية الممكنة لمواقف الأشخاص تجاه هذه القضايا.
Abstract
Despite the state attracting considerable attention as a topic of study from Arab thinkers and intellectuals since the 19th century, the study of individual-level orientations toward the state using survey data has remained relatively marginal, both in English and in Arabic scholarship. Indeed, we still do not know much about Arab citizens' positions toward many of the debates that have long been present in Arab intellectual circles regarding the ontological nature of the so-called "Arab state" and the preferable ideological form it should take. This study seeks to fill this gap by focusing on the post-2011 period. It analyses how Arab citizens understand the state, the extent to which they distinguish it from the ruling regime, their orientations toward the ideological debate around the unified Arab state versus the nation-state, as well as around the religious Islamist state versus the civil state. It also examines the individual-level determinants of these orientations.
- الدولة الوطنية
- القومية العربية
- الدولة المدنية
- التوجهات الفردية
- العالم العربي
- National State
- Pan-Arabism
- Civil State
- Individual Orientations
- Arab World
إذا كانت الدولة من أكثر المواضيع التي حظيت باهتمام المفكرين والمثقفين العرب منذ القرن التاسع عشر، فإن دراسة اتجاهات المواطنين الفردية نحو الدولة في العالم العربي بوساطة المسوح الاجتماعية ظلّت، في المقابل، أمرًا هامشيًا، سواء في الأبحاث العربية أو الغربية. فنحن لا نعرف الكثير عن مواقف المواطنين العرب بشأن العديد من الجدالات التي هيمنت على نقاشات النخب العربية حول "الدولة العربية"، المتعلقة بالطبيعة الأنطولوجية للدول القائمة في الواقع، أو ذات الطابع الأيديولوجي المرتبطة بشكل الدولة الذي يجب أن تتخذه. تسعى هذه الدراسة للمساهمة في ردم هذه الفجوة المعرفية من خلال التركيز على فترة ما بعد عام 2011، حيث تحّل ل طريقة فهم المواطنين العرب للدولة ومدى تمييزهم بينها (بوصفها كيان ا سياسيًا) وبين الأنظمة الحاكمة، إضافةً إلى طبيعة تطلعاتهم نحوها وتوجهاتهم بشأن الجدالات الأيديولوجية المتعلقة بالدولة في العالم العربي، خصوصًا النقاش بشأن الدولة الوحدوية القومية العربية مقابل الدولة القُطرية الوطنية، والدولة الدينية الإسلامية مقابل الدولة المدنية، وطبيعة المحددات الفردية الممكنة لمواقف الأشخاص تجاه هذه القضايا.
Abstract: Despite the state attracting considerable attention as a topic of study from Arab thinkers and intellectuals since the 19 th century, the study of individual-level orientations toward the state using survey data has remained relatively marginal, both in English and in Arabic scholarship. Indeed, we still do not know much about Arab citizens' positions toward many of the debates that have long been present in Arab intellectual circles regarding the ontological nature of the so-called "Arab state" and the preferable ideological form it should take. This study seeks to fill this gap by focusing on the post- 2011 period. It analyses how Arab citizens understand the state, the extent to which they distinguish it from the ruling regime, their orientations toward the ideological debate around the unified Arab state versus the nation-state, as well as around the religious Islamist state versus the civil state. It also examines the individual-level determinants of these orientations.
Assistant Professor, Political Science and International Relations Program, Doha Institute for Graduate Studies. Email: abdelkarim.amengay@dohainstitute.edu.qa
مقدمة
يلاحظ المتتبّع للإنتاج العلمي حول الدولة في العالم العربي (سواء قبل ما اصطُلح عليه ب "الربيع العربي" أو بعده)، غلبة الدراسات النظرية أو المعيارية التي لا تخلو في معظمها من بعد أيديولوجي واضح، في مقابل غياب، أو ندرة، الأبحاث الإمبريقية التي اهتمت بقياس آراء المواطنين العرب ومواقفهم نحو الدولة وتحليلها1. فعلى الرغم من أن الدولة من أكثر المواضيع التي حظيت باهتمام المفكرين والمثقفين العرب منذ القرن التاسع عشر، فإن دراسة اتجاهات المواطنين الفردية نحو الدولة في العالم العربي ظلت، في المقابل، أمرًا هامشيًا، سواء في الأبحاث العربية أو الغربية. فنحن لا نعرف كثيرًا عن مواقف المواطنين العرب تجاه العديد من الجدالات التي هيمنت على نقاشات النخب العربية حول "الدولة العربية"، والمتعلقة بالطبيعة الأنطولوجية للدول القائمة في الواقع، أو تلك ذات الطابع الأيديولوجي حول الشكل الذي يجب أن تتخذه. ويزداد هذا الوضع إشكاليةً إذا أخذنا في الحسبان أن موجات الانتفاضات الشعبية (التي شهدها العالم العربي على جولتين: الأولى انطلاقًا من أواخر عام 2010، والثانية عام 2019) أعطت إشارات عن الطبيعة المعقدة المحتملة للعلاقة التي تربط المواطنين العرب بالكيان السياسي المسمى الدولة. وظهر ذلك سواء في الشعارات التي رُفعت في المظاهرات والمطالب التي نادى بها المحتجّون، أو في طبيعة السجالات، بل حتى الصراعات المحتدمة التي سادت البلدان التي اتجهت نحو كتابة دساتير جديدة أو إدخال تعديلات عليها في إطار انتقال ديمقراطي حقيقي كالذي عرفته تونس، أو لبرلة نسبية للنظام السياسي كالتي شهدها المغرب. من جهة، تظاهر المواطنون، خصوصًا الشباب، ضد الأنظمة السلطوية (الجمهورية والملكية) التي ظلت عقودًا طويلة تمثّل بالنسبة إلى فئات عريضة من المواطنين مرادفًا لأجهزة أمنية قمعية دولتية لا تتردد في استعمال أدوات الترهيب لإخضاع الأفراد والجماعات من أجل ضمان بقائها في السلطة ووأد أيّ صوت معارض لها؛ ومرادفًا أيضًا لنخب مفترسة فاسدة جعلت من الدولة أداةً لتحقيق مصالحها الشخصية أو الفئوية أو الطائفية والاستحواذ على مقدّراتها. وتتمظهر الدولة، في هذا الإطار، بوصفها مجموعة من الأجهزة تمسك بزمامها الأنظمة السلطوية القائمة، إلى درجة يغدو معها رفض النظام الحاكم مكافئًا لرفض الدولة بعينها. ومن جهة أخرى، كانت جل المطالب التي رفعها المتظاهرون موجّهة إلى الدولة بوصفها القادرة على تحقيق الآمال الكبيرة في التغيير
1 من الاستثناءات القليلة على ذلك سلسلة دراسات "اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة" التي عمل مركز دراسات الوحدة العربية على نشرها منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، والتي كان سعد الدين إبراهيم (2023-1936) السبّاق إليها. ينظر: سعد
الدين إبراهيم، اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة (دراسة ميدانية) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1980
لتحسين ظروف المواطنين السوسيو-اقتصادية وتمكينهم من عناصر الحياة الكريمة، أو حتى التعويل على الجيش (بوصفه المؤسسة الوطنية التي تشكّل عماد الدولة بامتياز والضامن لاستمراريتها) للوقوف إلى جانب الشعب في وجه الأنظمة السلطوية، في نوع من التمجيد للدولة بوصفها كيانًا مرتبطًا بالوطن يتجاوز الزمرة الماسكة بالحكم. فالدولة هنا تتجسد في مجموعة من المؤسسات المختلفة والمتعالية على النظام السياسي القائم. وإزاء هذه الإشارات المتناقضة، تبدو الحاجة ملحّة، أكثر من أيّ وقت مضى، لدراسة اتجاهات المواطنين الفردية في العالم العربي نحو الدولة. من هذا المنطلق، وبالتركيز على فترة ما بعد عام 2011، تسعى الدراسة للإجابة عن الأسئلة التالية: إلى أيّ مدى يعتبر المواطنون في العالم العربي الدولة كائنًا سياسيًا مختلفًا عن الأنظمة السياسية الحاكمة؟ وما توقعاتهم من الدولة؟ أي، ما تصوراتهم نحو وظائف الدولة وما يتعّين عليها القيام به وتقديمه؟ أتصَّوَر الدولة بوصفهاُ جهازًا أمنيًا فحسب تتمثل مسؤوليته الرئيسة في توفير الأمن والحماية، أم هي أيضًا دولة خدماتية تقع عليها مسؤولية ضمان الرفاهية الاجتماعية؟ هل حقًا الدول العربية في شكلها الحالي تفتقد المشروعية في أعين مواطنيها، كما يدّعي بعض أنصار التيارين القومي العربي والإسلامي، على اعتبار أن القبول بشرعية الدولة من السمات الرئيسة للدولة المعاصرة؟2 بعبارة أخرى، ما اتجاهات المواطنين في العالم العربي نحو الجدالات الأيديولوجية المتعلقة بالدولة الوحدوية القومية العربية في مقابل الدولة القُطرية الوطنية، والدولة الدينية الإسلامية في مقابل الدولة المدنية؟ وإلى أيّ حد توجد اختلافات بين شعوب المنطقة على مستوى هذه القضايا؟ وأخيرًا، ما العوامل الفردية التي ترتبط بمواقف المواطنين تجاه هذه النقاشات الكبرى؟ تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث. يتناول المبحث الأول الأبعاد التي بُنيت عليها الجدالات الفكرية والسياسية العربية حول الدولة. أما المبحث الثاني فيقدّم الإطار المنهجي الموَّظَف للإجابة عن الأسئلة البحثية المحَّدَدة من خلال الوقوف على مصدر البيانات المستخدمة وتركيبتها ووصف المتغيرات المختارة والتقنيات الإحصائية المعتمدة في التحليل المقارن بين البلدان أو على المستوى الفردي، ويعرض أيضًا بعض الفرضيات حول العلاقة المحتملة بين عدد من الاتجاهات والسلوكات الفردية (الأبوية، وتقييم الديمقراطية، والرضا عن الوضعين السياسي والاقتصادي) من جهة، وفهم الدولة وتفضيل شكل أيديولوجي لها من جهة أخرى. في حين يستعرض المبحث الثالث النتائج ويناقشها.
2 جون س. درازيك وباتريك دنلفي، نظريات الدولة الديمقراطية، ترجمة هاشم أحمد محمد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، ص.27
أولا: نقاشات النخب حول طبيعة الدولة
تعدّ الدولة، كما تقدّم، من أكثر المواضيع نقاشًا في الإنتاج الفكري العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر، أو ما يُعرَف في العالم العربي بعصر النهضة. وبرز هذا الاهتمام بالدولة المعاصرة نتيجةً طبيعية للسؤال المركزي الذي شغل النخب العربية على مدى أكثر من قرن ونصف القرن حول أسباب ما اعُتبُر "تخلّفًا" عربيًا - إسلاميًا في مقابل ما اعُتبُر "تقدّمًا حضاريًا" للغرب، أو كما لخّص ذلك النقاش عنوانُ الكتاب الشهير للأمير شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟3؛ فمنذ الرعيل الأول من المفكرين ورجال الدولة الإصلاحيين (أمثال رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، وبعدهما أمثال محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وفرح أنطون) اعُتبُر شكل الدولة السلطانية التقليدية السائدة في المنطقة سببًا رئيسًا للتأخر العربي. وشاع اعتقاد مفاده أن بناء الدولة المؤسساتية على نمط الدولة الفيبرية السائدة في أوروبا هو الشرط المسبق لنجاح المشروع النهضوي، والأداة لبلوغ "التحضر" المبتغى أو "المدنية" وفق المصطلح الرائج آنذاك، بل أيضًا الأداة لحماية بلدان المنطقة من خطر الاستعمار الذي بدأ يدقّ أبوابها منذ الحروب النابليونية، فلا غرابة إذًا أن يشكّل في هذا السياق هدف "بناء دولة وطنية حديثة على نمط دول أوروبا التي ألحقت عساكرها هزائم بجيوش العرب والمسلمين" هاجسًا حقيقيًا4. لم يرحّب كثيرون بهذا الطرح، رافضين تبنّي نموذج الدولة الوطنية على النمط الأوروبي اللاديني، خصوصًا في أعقاب سقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن العشرين، وهو الموقف الذي تبنّاه محمد رشيد رضا بدايةً، وتأثر به مؤسس جماعة الإخوان المسلمين لاحقًا، حسن البنا. فبالنسبة إلى كثيرين، "ظل ارتباط الإسلام بالدولة موضع اتفاق [غير قابل للنقاش أو المراجعة] بين المسلمين جميعًا - على اختلاف مذاهبهم - إلى القرن التاسع عشر [... وبذلك] شكّل قيام الدولة القومية الحديثة بطابعها العلماني الجذري مأزقًا حقيقيًا أثار الخلاف حول صلة الإسلام بالسياسة بين مؤيد لهذه الصلة [...] ومشكك فيها"5. ولم يكن من النتائج المباشرة لهذا الخلاف نشأة جماعة الإخوان المسلمين، بوصفها أول تنظيم سياسي إسلامي مهيكل في مصر، في أواخر العشرينيات، التي تجاوز تأثير فكرها معقلها ليشمل جل بلدان المنطقة فحسب،
3 شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2018.)]1930[4 عبد الإله بلقزيز، "الفكر السياسي العربي: التكوين والعوائق"، في: رضوان السيد وعبد الإله بلقزيز، أزمة الفكر السياسي العربي (دمشق: دار الفكر، 2006)، ص.64 5 ينظر: أيرا م. لابيدس، الفصل بينن الدين والدولة: من الإسلام المبكر إلى الإسلام الحديث، ترجمة أحمد محمود إبراهيم (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2023)، ص.13
بل الأهم بالنسبة إلينا في هذا السياق هو أنه نجم عنها منذ ذلك الحين أحد أهم خطوط الاصطفاف الأيديولوجي عند النخب العربية حول الدولة، بين أنصار الدولة الدينية الإسلامية (وإن اختُلف كثيرًا في ملامحها من تيار إسلامي إلى آخر) في مقابل الدولة المدنية (وإن اختُلف في مدى علمانيتها أو علاقتها بالدين). وإلى جانب هذا السجال، برز سجال آخر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، نتيجةً للتبلور الفكري للتيار القومي العروبي ووصوله إلى الحكم في عدد من البلدان، بداية من مصر جمال عبد الناصر، ثم سورية وعراق البعث، فليبيا معمر القذافي لاحقًا، والذين نادوا كلهم بدولة الوحدة التي تجمع العرب من "المحيط إلى الخليج" باعتبارهم "أمة قومية واحدة"، قادحين في شرعية الدولة القُطرية الوطنية، وواصفين إياها بالإرث الاستعماري الذي تدافع عنه الأنظمة "الرجعية"، خصوصًا الملكية. غلب الطابع الأيديولوجي الخطابي على النقاش الفكري (النخبوي في كثير منه) حول هاتين الثنائيتين: 1. الدولة الدينية في مقابل الدولة المدنية؛ 2. دولة الوحدة العربية في مقابل الدولة القُطرية. وهو نقاش ظلّ في مجمله غير قادر على إنتاج نظرية عربية أصيلة حول الدولة6، إلى درجة أن يوسف الصواني اعتبر أن "إحدى الخصائص المميزة للكتابات السياسية العربية [...] الفضاء المحدود الذي يحتله البحث [العلمي الرصين غير المؤدلج أيديولوجيًا] أو التنظير في مفهوم وظاهرة الدولة"7. ويلخص شمس الدين الكيلاني هذا الوضع بقوله: "نظر الفكر العربي الحديث السائد إلى الدولة القائمة باعتبارها أداة أو وسيلة لهدف أكبر يتخطاها، ونظر إليها الماركسي كحاملة لأهداف الطبقة المسيطرة [...] وتعامل معها المثقف القومي بازدراء واستخفاف، وباعتبارها جسرًا مؤقتًا لبناء الدولة القومية العتيدة الجامعة. كما أن الإسلامي لم ينظر إلى الدولة القائمة إلا باعتبارها عقبة أمام الدولة الإسلامية أو دولة تطبيق الشريعة"8. سعى عدد من المفكرين والباحثين العرب المعاصرين، أمام هذه الحصيلة التي اعُتبُرت غير مُرضية، لتجاوز هذا الوضع من خلال تبنّي مقاربة أكثر علمية لدراسة الدولة في العالم العربي بتوظيف الأدوات النظرية والمنهجية للعلوم الاجتماعية. وأنتج هؤلاء (وإن اختلفت مقارباتهم ودوافعهم) مساهمات قيّمة اتفقت من جهة مع سابقاتها حول مركزية الدولة في كل تحليل للظواهر السياسية والاجتماعية في العالم العربي. فمثلًا، اعتبر برهان غليون أن "البحث
6 بلقزيز. 7 يوسف محمد جمعة الصواني، اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة (تحليل نتائج الدراسة الميدانية) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص.72 8 شمس الدين الكيلاني، مفكرون عرب معاصرون: قراءة في تجربة بناء الدولة وحقوق الإنسان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.73
في الدولة وفهم مشكلاتها [...] [هو] المدخل الرئيسي لتحليل وفهم الأزمة الشاملة، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي تعيشها المجتمعات العربية"9، إلى درجة اعتقاده أَّنَ "الأزمة العامة التي يعيشها المجتمع العربي اليوم كليًا [تكاد] تتركز على الدولة"10. لكن الإنتاج الفكري العربي المعاصر المتجذّر في العلوم الاجتماعية، في المقابل، تميّز في دراسته الدولة في العالم العربي بتخصيصه كثيرًا من الجهد للبحث في ما يمكن وصفه ب "أنطولوجيا" الدولة، وخصوصًا ما اعُتبُر اللبس المفهومي الناتج من عدم التمييز بين الدولةState والنظام الحاكم Regime في المنطقة. فمثلًا، يشدّد عزمي بشارة على ضرورة التمييز بين الدولة بوصفها مجموعة من المؤسسات التي تخترق المجتمع وتؤدي وظائف فيه وله، والتي تستدعي وفاء المواطنين لها بوصفها رمزًا يتعالى على الأفراد والمجتمع من جهة، والنظام الحاكم من جهة أخرى11. وتبنّى هذا الموقف أيضًا أدهم صولي ورايموند هينبوش في دراستهما السوسيولوجية التاريخية لتشكّل "الدولة العربية" من خلال تأكيدهما أنه عند "محاولة مفهمة مسار تشكّل الدولة في العالم العربي، فإن من المهم التمييز بين النظام والدولة مفاهيميًا"12. بعبارة أخرى، ثمة في هذا الجزء من العالم، المسمى العالم العربي، أو على الأقل في قسط منه، جنوح للخلط بين الدولة من جهة، والنظام الحاكم بصفته جماعة حاكمة مهيمنة. وتبنّى هذه الأطروحة باحثون عرب كثر. فمثلًا، يشير محمد جابر الأنصاري، في معرض حديثه عن مجتمعات الخليج العربي، إلى أن لفظة الدولة "باللغة العامية الدارجة تحمل تداعيات مفادها أن الدولة هي السلطة الحاكمة"13. وقد دفع هذا الأمر الكثير من هؤلاء الباحثين إلى تبنّي أطروحة غياب الدولة في العالم العربي، أو على الأقل اعتبارها كائنًا سياسيًا جوهره أو أنطولوجيته ذات خصوصية تختلف عن الدولة المتعارف عليها في أدبيات العلوم السياسية (على الأقل في التقليد الفيبري منها). ولا عجب إذًا من كثرة النعوت التي تُلحق بالدولة عند الحديث عنها في العالم العربي، والتي تستمر في التأكيد على طبيعتها الخاصة في
9 برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص.27 10 المرجع نفسه. 11 عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني، المجلد الثاني: العلمانية ونظريات العلمنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.410 12 أدهم صولي ورايموند هينبوش، "الدولة العربية، مقاربة سوسيو-تاريخية"، عمران، مج 10، العدد 37 (2021)، ص.17 13 نقله عن الأنصاري: عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط 4 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018) ص.173
المنطقة، إن لم تكن الشاذة. بدءًا بالإصرار على نعت "العربية" في مصطلح "الدولة العربية" نفسه، مرورًا بالدولة المتضخمة14، والدولة المستوردة15، والدولة التقليدانية16، والدولة النيوباتريمونيالية17، والدولة الريعية18، والدولة النيوبطريركية19، والدولة التحديثية التي ليست مرادفًا للحديثة20، فالدولة الضارية21، وانتهاء بدولة الثقب الأسود22. وانطلاقًا من هذا، يمكن التمييز بين بعدين رئيسين في نقاشات نخب العالم العربي المتعلقة بالدولة؛ البعد الأنطولوجي المرتبط بطبيعة الدولة، والذي غلب عليه تبنّي أطروحة الاستثنائية Exceptionalism والخصوصية Particularism، والبعد الأيديولوجي الذي يتمحور حول مشروعية الدولة في شكلها القائم، تبعًا لثنائية الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية، وثنائية الدولة القومية مقابل الدولة القُطرية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: أين المواطن العربي من كل هذه النقاشات؟ أي، ما تصور المواطنين العرب للدولة وللشكل الذي يجب أن تكون عليه؟ هذا ما سنحاول الوقوف عليه في ما تبقّى من الدراسة.
ثانيًا: البيانات والمقاربة المنهجية
للإجابة عن التساؤلات السابقة، نوظّف بيانات "المؤشر العربي"، وهو مسح اجتماعي يعدّ أسئلته وينفذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات منذ الموجة الأولى للانتفاضات الشعبية التي عرفتها المنطقة والتي تأججت شرارتها في كانون الأول/ ديسمبر 2010 في
14 نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2010 15 برتران بادي، الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي، ترجمة لطيف فرج (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.)2017 16 سعيد حاجي، "التقليدانية والبنية المخزنية العتيقة في الدولة المغربية ما بعد الاستعمارية"، في: الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة، محمد حمشي ومراد دياني (محرران) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023 17 Rex Brynen et al., Beyond the Arab Spring: Authoritarianism & Democratization in the Arab World , vol. 4 (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2012). 18 Hazem Beblawi & Giacomo Luciani, The Rentier State (London/ New York: Routledge, 1987). 19 Hillel Frisch, "Modern Absolutist or Neopatriarchal State Building? Customary Law, Extended Families, and the Palestinian Authority," International Journal of Middle East Studies , vol. 29, no. 3 (1997), pp. 341 - 358. 20 غليون. 21 الأيوبي، ص.38 22 Abdelwahab El-Affendi, Turabi's Revolution: Islam and Power in the Sudan (London: Grey Seal, 1991).
تونس. وقد أجرى المركز تسع دورات اعتمدت عينات تمثيلية على المستوى الوطني في كل بلد من البلدان التي يغطيها الاستطلاع، وكانت أولاها عام 2011، وآخرها عام 202523. ويوظف هذا التحليل البيانات الخاصة بالدورات الثانية (2013-2012) والرابعة (2015) والخامسة (2016) والثامنة (2022-2021)، حيث يقتصر على الدورات التي تحتوي على أسئلة تسمح بقياس الاتجاهات موضوع الدراسة في أكبر عدد ممكن من بلدان العالم العربي، وبتتبع التغييرات التي تطرأ عليها عبر الزمن كلما سمحت البيانات المتوافرة بذلك. ويعرض الجدول (1) لائحة الأسئلة موضوع التحليل ورمزها في دليل أسئلة الاستبيان Codebook، ودورة المؤشر التي ترد فيها، إضافة إلى الظاهرة التي تسمح بقياسها24. أْولْى المؤشر في دورته الثامنة عناية خاصة بموضوع الدولة. ومن بينَ الأسئلة التي تضمّنها الاستبيان والتي لها علاقة مباشرة بموضوع بحثنا سؤال وُجّه إلى المشاركين لاستقصاء تمييزهم إذا ما كانوا يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي25/ الحكومة مفهومان أو شيئان مختلفان أم لا. وعُرض على المستجيبين ثلاثة اختيارات، هي: 1. الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه، 2. الدولة والنظام السياسي/ الحكومة مختلفان إلى حد ما، 3. الدولة والنظام السياسي/ الحكومة مختلفان تمامًا. وتضمنت الدورة الثامنة لائحة من الأسئلة تهدف إلى قياس تصورات المستجيبين بشأن مدى اعتبارهم عددًا من الوظائف من ضمن المهمات المنوطة بالدول. وسنقتصر على تحليل النتائج المتعلقة بثلاث منها، هي: توفير الأمن، وتوفير الرعاية الصحية والعلاج المجاني، والاستثمار المباشر في الاقتصاد، على اعتبار أن هذه المجالات تعكس ثلاثة أبعاد من الأدوار الأكثر ارتباطًا بالدولة في الأدبيات والنقاشات السياسية والأيديولوجية الدائرة حولها، وهي: 1. الدولة بوصفها المحتكرة لاستعمال العنف الشرعي؛ 2. الدولة الراعية أو دولة الرفاه الاجتماعي؛ 3. الدولة بوصفها فاعلًا اقتصاديًا. أما بخصوص تفضيلات المواطنين تجاه الشكل الأمثل للدولة، وفي سياق الجدل الفكري والسياسي القائم حول الدولة الدينية/ الإسلامية مقابل الدولة المدنية، فقد اعتُمد سؤال ورد في الدورتين الرابعة (2015) والخامسة (2016) من المؤشر، وصيغته: "بصفة عامة، هل تفضّ ل أن يكون بلدك دولة مدنية أو دينية؟"، وقد:طُرحت على المستجيبين ثلاثة اختيارات 1. دولة مدنية؛ 2. دولة
" 23 برنامج قياس الرأي العام"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شوهد في 2025/12/13، في: https://acr.ps/1L9BPdk 24 يمكن تحميل البيانات الخاصة بجميع دورات المؤشر العربي من: المرجع نفسه. 25 سنعتمد، من ههنا فصاعدا، مصطلح "النظام السياسي"، كما ورد في "المؤشر العربي"، ونقصد به "نظام الحكم/ النظام الحاكم" بمعنى Regime وليس System.Political
دينية؛ 3 لا فرق لديّ. في حين جرى قياس مواقف المشاركين من ثنائية الدولة القومية مقابل الدولة القُطرية من خلال سؤال ورد في الدورة الثانية من المؤشر (2013-2012)، طُلب فيه من المستجيبين التعبير عن مدى تأييدهم الاقتراح التالي أو معارضتهم له: "إقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع الدول العربية؟." إضافة إلى بعض عناصر التحليل الإحصائي الوصفي التي سيجري عرضها، تتضمن الدراسة أيضًا تقديم نتائج ثلاثة اختبارات انحدار لوجستي في نماذج بتأثيرات ثابتة Models Fixed-Effects مع حساب متين للأخطاء المعيارية مجمّعة بحسب البلدان Cluster- Errors Standard robust؛ اثنان من هذه النماذج ثنائيان Binary، وواحد اسمي متعدد Multinomial. وتتيح الوقوف على العوامل السوسيوديموغرافية والاتجاهات السياسية والفردية التي قد تكون لها علاقة على المستوى الفردي ب: 1. عدم التمييز بين الدولة والنظام السياسي/ الحكومة؛ 2. تفضيل دولة الوحدة العربية على الدولة القُطرية؛ 3. تفضيل الدولة الدينية على الدولة المدنية. وتشكّل هذه الاختيارات المتغيرات التابعة في معادلة تحليل الانحدار اللوجستي. وفي ما يلي وصف المتغيرات التابعة: طبيعة الدولة: متغير ثنائي يأخذ إحدى القيمتين الممكنتين: (1) الدولة والنظام السياسي مختلفان، (0) الدولة والنظام السياسي الشيء نفسه. وقد أعيد ترميز السؤال Q2022_7 المقدّم في الجدول (1) من ثلاث فئات إلى فئتين من خلال تجميع الأفراد الذي صرّحوا بأن "الدولة والنظام السياسي مختلفان إلى حد ما" و"الدولة والنظام السياسي مختلفان تمامًا" في الفئة نفسها. دولة الوحدة: متغير ثنائي يأخذ إحدى القيمتين الممكنتين: (1) إذا أبدى المستجيب تأييده "إقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع الدول العربية"، (0) إذا عبّ عن معارضته هذا الاختيار. الدولة الدينية: متغير فئوي يمكن أن يأخذ ثلاث قيم: (1) الأفراد الذين يفضلون الدولة المدنية، (2) الأفراد الذين لا يفاضلون بين الدولة المدنية والدينية، (3) الأفراد الذي يفضلون الدولة الدينية. أما في ما يخص المتغيرات المستقلة المضمّنة في معادلة تحليل الانحدار اللوجستي فهي كالتالي: الأبوية: تعتبر أطروحة "الدولة الأبوية الجديدة"، التي صاغها هشام شرابي في توصيفه الدولة المعاصرة في العالم العربي، من أكثر الأطروحات جدلية ونفوذًا في النظرة الخصوصيةParticularistic
للدولة في المنطقة26. وفي رأيه، "في إطار التقاليد الاجتماعية [في العالم العربي]، فإن سلطة الأب وشيخ القبيلة والزعيم الديني (وليس الأمة أو الطبقة) هي التي تحدد وجهة ولاء الفرد وموضوعه [...] وفي سياق الولاء القائم على العجز والخضوع، يبدو جليًا أنه لا يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي"27. ويقيس المؤشر لعام 2022 هذا البعد من خلال سؤال يسمح بقياس مستوى تفضيل الأفراد لعلاقة أبوية للدولة مع المواطنين، حيث طُلب من المستجيبين أن يحددوا أيّ العبارتين التاليتين هي الأقرب إلى وجهة نظرهم: "علاقة الدولة بالمواطنين يجب أن تكون مثل علاقة رب الأسرة ببقية أفراد الأسرة"، أو "يجب ألا تكون العلاقة بين الدولة والمواطنين كالعلاقة بين رب الأسرة ببقية أفراد الأسرة، بل يجب أن تكون علاقة قائمة على الحقوق والواجبات". بتعبير آخر، تعدّ "الأبوية" متغيرًا ثنائيًا يمكن أن يأخذ قيمتين عدديتين، هما: (1) نظرة أبوية لعلاقة الدولة بالمواطنين، (0) نظرة غير أبوية لعلاقة الدولة بالمواطنين. وتفترض الدراسة أن تبنّي رؤية أبوية لعلاقة الدولة بالمواطنين يرفع احتمال عدم التمييز بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة، على اعتبار أن الأبوية المرتفعة قد تؤدي إلى تشخيص الدولة في الحكام الذين يتمثلون في صورة الأب الراعي للمواطنين. تقييم الديمقراطية في البلد: هو متغير مستمر يأخذ قيمة عددية تراوح بين 1 و 10، حيث القيمة (1) تشير إلى اعتبار المستجيب أن بلده "غير ديمقراطي على الإطلاق"، في حين أن القيمة (10) تشير إلى أن المستجيب يعتبر أن بلده "ديمقراطي تمامًا". وكما أ شيرَ إلىُ ذلك سابقًا، يُعتبر إنكار وجود دولة في العالم العربي في مقابل وجود أنظمة سلطوية إحدى الأطروحات الرائجة بين المفكرين العرب المعاصرين. ويعتبر بشارة مثلً أن "التمايز بين الدولة، بوصفها مؤسسة، والحكام هو تمايز سابق على الديمقراطية"28، بمعنى أن أحد العوامل التي قد تفّسر غياب الديمقراطية في المنطقة هو غياب التمايز المذكور، أي في غياب الدولة في مقابل وجود أنظمة سلطوية فحسب. وقد يعني هذا الأمر أن الأفراد الذين يقيّمون وضع الديمقراطية في بلدهم سلبيًا قد يكونون أكثر ميلًا إلى اعتبار أنه لا وجود لاختلاف بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة في بلدهم، وذلك في الحالة التي قد يُفهم فيها السؤال حول التمييز
26 هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ترجمة محمود شريح، ط 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021)، ص 64 -.65 27 المرجع نفسه. 28 عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.45
بين المفهومين بوصفه متعلقًا ببلدهم. أما إذا فُهم السؤال عمومًا؛ أي غير منحصر في بلد المستجيب، فمن الممكن أن نتوقع أن الأشخاص الذين يقيّمون مستوى الديمقراطية في بلدهم سلبيًا هم الأكثر ميلًا إلى التمييز بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة، على اعتبار أنهم قد يكونون الأكثر وعيًا بالطبيعة السلطوية للأنظمة القائمة، ولديهم معرفة أعمق بطبيعة النظرية الديمقراطية التي تقتضي تغيير الحكومات واستمرارية الدولة. الاهتمام السياسي: هو متغير مستمر يقيس مدى اهتمام الفرد "بالشؤون السياسية" لبلده على سلّم أربع درجات: (4) مهتم جدًا، (3) مهتم، (2) مهتم قليل، (1) غير مهتم على الإطلاق. ونفترض أن الاهتمام بالشأن السياسي في البلد من شأنه أن يرفع من احتمال تمييز المستجيب بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة، وعدم اعتبارهما الشيء نفسه، انطلاقًا من أن الاهتمام بالسياسة ومتابعتها قد يعنيان معرفة سياسية أفضلPolitical Knowledge29، كالتي يتطلبها فهم المفاهيم السياسية المعاصرة من قبيل الفرق بين النظام السياسي والدولة. النشاط السياسي: هو متغير ثنائي يأخذ القيمتين: (1) إذا كان المستجيب "منتسبًا إلى حزب/ تجمع/ تيار سياسي/ أو مجموعة سياسية"، أو (0) إذا كان غير منتسب إلى أي منها. ونفترض أن الانخراط في العمل السياسي التنظيمي من شأنه أن يزيد من احتمال تمييز المستجيب بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة، وألّ يعتبرهما الشيء نفسه، على اعتبار أن النشاط السياسي الحزبي قد يساعد في تطوير الثقافة والمعرفة السياسية للفرد. الوضع الاقتصادي والوضع السياسي: هما متغيران مستمران يحددان تقييم الأفراد للوضعين الاقتصادي والسياسي في البلد على السلّم التالي: (4) جيد جدًا، (3) جيد، (2) سيئ، (1) سيئ جدًا. ونفترض وجود علاقة إيجابية بين التقييم السلبي للمستجيب للوضع الاقتصادي أو السياسي في بلده وتفضيله دولة الوحدة أو الدولة الدينية، استنادًا إلى أن الفرد غير الراضي عن الوضع القائم في البلد حاليًا، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، والمرتبط بشكل الدولة الموجودة حاليًا (دولة قُطرية ولادينية) سيجنح إلى تفضيل شكل بديل للدولة غير قائم حاليًا قد يبدو أحسن من بقاء شكلها كما هو عليه.
29 حول موضوع المعرفة السياسية ينظر: William A. Galston, "Political Knowledge, Political Engagement, and Civic Education," Annual Review of Political Science , vol. 4, no. 1 (2001), pp. 217 - 234.
| ي السؤال | رقم السؤال في الدليل | الدورة | الظاهرة المقيسة |
|---|---|---|---|
| هنالك وجهات نظر حول الدولة والنظام السياسي؛ البعض يقول إن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما نفس الشيء، والبعض الآخر يقول إنهما مختلفان عن بعضهما البعض، برأيك، هل تعتقد أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما: 1. نفس الشيء، 2. مختلفان إلى حد ما، 3. مختلفان تمامًا؟ (30) | Q2022_7 | 2022 | التمييز بين الدولة والنظام السياسي |
| هنالك نقاش حول وظائف الدولة الرئيسة، هل تعتقد أن: 1. من وظائف الدولة توفير الأمن والأمان للناس، 2. توفير الرعاية الصحية والعلاج المجاني للمواطنين، 3. الاستثمار المباشر في الاقتصاد؟ (31) | Q2022_9 (3) Q2022_9 (6) Q2022_9 (7) | 2022 | وظائف الدولة |
| هنالك نقاش في العالم العربي حول الدولة المدنية والدولة الدينية، بصفة عامة، هل تنمفضل أن يكون بلدك دولة مدنية أو دينية؟ | Q411 | 2015 و2016 | تفضيل الدولة الإسلامية مقابل الدولة المدنية |
| هناك العديد من أشكال التعاون الممكنة بين الدول العربية، هل تؤيد/ تعارض إقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع الدول العربية؟ (32) | Q708_1 | -2012 2013 | تفضيل الدولة القومية مقابل الدولة القُطرية |
العربية؟30
الثقة بالحكومة: متغير مستمر يقيس مستوى ثقة الفرد بالحكومة على سلّم من أربع درجات: (4) ثقة كبيرة، (3) ثقة إلى حد ما، (2) غياب الثقة إلى حد ما، (1) غياب الثقة على الإطلاق. ونفترض أن الأشخاص الذين لديهم مستوى ثقة منخفض جدًا بالحكومة يكونون الأكثر ميلًا إلى تفضيل نظام سياسي بديل من شكل الدولة القائم في الواقع؛ أي دولة الوحدة أو الدولة الدينية. الشعور القومي: متغير من ثلاث فئات يعكس مدى تبنّي الأفراد للأيدولوجيا القومية العربية انطلاقًا من السؤال التالي: هناك ثلاثة تصورات في ما يتعلق بمواطني العالم العربي، وأود أن أعرف أًّيًا منها أقرب إلى رأيك؟ من بين الاختيارات الثلاثة التالية الممكنة: (1) هم أمة واحدة ذات سمات واحدة وإن كانت تفصل بينهم حدود مصطنعة؛ (2) هم أمة واحدة، لكن كل شعب من شعوبها يتميّز بسمات خاصة مختلفة؛ (3) هم أمم وشعوب مختلفة لا تربطها سوى روابط ضعيفة. ونفترض وجود علاقة إيجابية بين ارتفاع مستوى الشعور القومي وتفضيل الدولة القومية مقابل
30 نقلتُ الأسئلة وخيارات الإجابة في الجدول كما وردت في الأدلة المختلفة للمؤشر العربي، من دون أيّ تعديل لغوي. 31 الاختيارات كالتالي: (1) دولة مدنية، (2) دولة دينية، (3) لا فرق لدّي.ّ 32 الاختياران كالتالي: (1) أؤيد، (2.) أعارض
الجدول (1) أسئلة المؤشر العربي المستخدمة
المصدر: من إعداد الباحث.
الدولة القُطرية، وعلاقة سلبية بين هذا الشعور وتفضيل الدولة الدينية، على اعتبار أن الفكر القومي العربي تبنّى تاريخيًا مشروعًا علمانيًا لم يخْلُ من صراع مع التيارات الإسلامية، وحتى المواجهة الدموية أحيانًا، سواء مع التيار القومي العروبي الناصري في مصر، أو التيار القومي العروبي البعثي في سورية والعراق. التديّن: متغير مستمر يقيس مستوى تديّن الفرد على سلّم يتضمن أربع قيم: (1) غير مؤمن، (2) غير متديّن، (3) متديّن إلى حد ما، (4) متديّن جدًا. ونفترض أن الأشخاص الذين لدهم مستوى تديّن عالٍ يفضّ لون الدولة الدينية على الدولة المدنية، في حين لا تبدو هناك فرضية منطقية يمكن الدفع بها حول وجود علاقة بين مستوى التديّن والتمييز بين الدولة والنظام السياسي. المتغيرات السوسيوديموغرافية: على غرار ما هو متعارف عليه في دراسة السلوكات والاتجاهات السياسية، ستُدرَج المتغيرات التالية في كل معادلات تحليل الانحدار: الجنس متغير ثنائي بفئتين: (0) إناث، (1.) ذكور السن متغير بخمس فئات عمرية: (1) الفئة (24-18)، (2) الفئة (34-25)، (3) الفئة (44-35)، (4) الفئة (54-45)، (5) الفئة (55 سنة فما فوق.)
المستوى التعليمي متغير بأربع فئات: (1) غير متعلم، (2) أقل من التعليم الثانوي، (3) حاصل على الشهادة الثانوية، (4) تعليم ما بعد الثانوي.
| النسبة المئوية)%( | عمدد الإجابات | |
|---|---|---|
| 43.1 | 11594 | الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه |
| 56.9 | 15301 | الدولة والنظام السياسي/ الحكومة مختلفان |
| 100 | 26895 | المجموع |
ثالثًا: تحليل النتائج
تبعًا لما تقدّم في المبحثين الأول والثاني، تُعرض نتائج تحليل البيانات وفق الترتيب التالي. أولًا، الوقوف على مَت ثُل المواطنين في العالم العربي للدولة من خلال مدى تمييزهم بين مفهوم الدولة والنظام السياسي ونظرتهم إلى مسؤولية الدولة عن توفير الأمن والرعاية الصحية والاستثمار في الاقتصاد. ثانيًا، اختبار الفرضيات المقدّمة حول طبيعة المتغيرات الفردية المرتبطة بجنوح الأفراد إلى التمييز بين النظام السياسي والدولة من عدمه، وكذا تلك المتعلقة بالتفضيلات حول الثنائيتين المهيكلتين للنقاشات الأيديولوجية في العالم العربي: الدولة المدنية مقابل الدولة الدينية (الإسلامية)، والدولة الوحدوية العربية مقابل الدولة القُطرية.
1. الدولة عند المواطنين العرب: مقارنة على المستوى الكلي
أ. الدولة مقابل النظام السياسي
يقدّم الجدول (2) النتائج الإجمالية الخاصة بجميع البلدان العربية (قطر، وموريتانيا، والمغرب، ومصر، وليبيا، ولبنان، والكويت، وفلسطين، والعراق، والسودان، والسعودية، والجزائر، وتونس، والأردن) التي غطّتها الدورة الثامنة من المؤشر، والمتعلقة بسؤال التمييز بين الدولة والنظام السياسي/ الحكومة. وتظهر النتائج أن غالبية المستجيبين يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما كيانان أو مفهومان مختلفان، بما يناهز 56.9 في المئة من الإجابات، في مقابل 43.1 في المئة يعتبرون أنه لا يوجد اختلاف بينهما. ولا يبرز هذا الفارق، ما يعني وجود شبه انقسام بين الأفراد حول الموضوع على المستوى الكلي (الماكرو.).تُخفي هذه الأرقام الإجمالية لجميع البلدان العربية تباينات مهمة فوفقًا للنتائج في الشكل (1)، الذي يمثل نسب المستجيبين في كل بلد، الذين يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه، توجد اختلافات بيّنة بين البلدان العربية على مستوى توزيع نسب الإجابة عن كلا الاختيارين المقدّمين، تراوح مثلًا بين 72 في المئة في قطر بوصفها أعلى نسبة و 26 في المئة في تونس بوصفها أقل نسبة في الموافقة على المقولة السابقة.
الجدول (2) توزيع إجابات المستجيبينن من جميع البلدان حول علاقة الدولة بالنظام السياسي
المجموع 26895
المصدر: المرجع نفسه.
إذا حاولنا تحديد نمط معّين تتبعه هذه النتائج في الشكل (1)، فإنه يمكن التمييز بين أربع مجموعات. تتشكّل الأولى من قطر ولبنان، وهما البلدان الوحيدان اللذان يشكّل فيهما المواطنون، الذين يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه، غالبية عظمى بأكثر من 60 في المئة؛ أي تقريبًا أكثر من الثلثين (72 في المئة في قطر، و 61 في المئة في لبنان). وهذا أمر لافت للانتباه، لأن البلدين على النقيض في ما يخص طبيعة الدولة والنظام السياسي وتاريخهما والتركيبة المجتمعية، لكنهما يلتقيان في أن الغالبية العريضة من مواطنيهما لا يعتبرون الدولة والنظام السياسي/ الحكومة كيانين سياسيين مختلفين. فمؤسسات الدولة المعاصرة تعود نشأتها إلى عشرينيات القرن العشرين في لبنان (أحد أول البلدان التي عرفت نشأة الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي)، مع ديمقراطية انتخابية عريقة على الرغم من عيوبها، في حين أن إنشاء مؤسسات الدولة الحديثة لا يتجاوز في أحسن الأحوال في قطر خمسين عامًا. تُوافق حالة قطر أطروحة محمد جابر الأنصاري حول علاقة الدولة بالمجتمع في بلدان الخليج العربي (التي أشرنا إليها في المبحث الأول) وارتباط نشأة الدولة المعاصرة فيها بالأسر الحاكمة؛ ما قد يجعلها تبدو مرادفًا لهذه الأسر؛ أي مرادفًا للنظام السياسي/ الحكومة، خصوصًا أنه في كثير من الحالات، وطوال عقود، بقيت المناصب الحكومية، أو على الأقل المحورية منها، محصورة في أبناء الأسرة الحاكمة. في المقابل، لا يظهر أن أطروحة الأنصاري صائبة في حالتَي السعودية والكويت، اللتين على الرغم من أنهما دولتان خليجيتان تتقاطعان في حيثيات ارتباط نشأة الدولة بالأسرة الحاكمة، فإن نسبة المواطنين الذين لا يميزون فيهما بين الدولة والنظام السياسي هي نصف النسبة في قطر. وينبه هذا الأمر إلى أنه ينبغي مراجعة التعميم عند الحديث عن الدولة العربية، أو على الأقل لم يعد هذا التعميم قائمًا كما كان في الماضي، خصوصًا عند الحديث عن تصورات المواطنين في العالم العربي للدولة.
السودان
السعودية
الكويت
ليبيا
ا غرب
تونس
المجموعة الثانية التي يمكن تمييزها في الشكل (1) هي تلك المكوّنة من موريتانيا والأردن والجزائر وفلسطين، والتي تبلغ فيها نسبة المواطنين الذين لا يرون فرقًا بين الدولة والنظام السياسي ما بين 40 و 50 في المئة. تليها المجموعة الثالثة المكوّنة من المغرب وليبيا والسودان والكويت والسعودية ومصر، والتي تراوح فيها نسبة المواطنين الذين يعتبرون أن المفهومين هما الشيء نفسه ما بين 30 و 40 في المئة، أو بعبارة أخرى هي بلدان تفوق فيها نسبة المواطنين الذين يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي هما شيئان مختلفان 60 في المئة من الإجابات؛ أي نحو الثلثين تقريبًا. إن النظر في توزيع النسب بحسب البلدان، وإن لم يُتح تحديد نمط جغرافي معّين، يُظهر استثناءً لافتًا يتمثل في أن البلدان الثلاث التي تسجّل أعلى نسب من التمييز بين الدولة والنظام السياسي هي كلها بلدان مغاربية. أما المجموعة الرابعة، فهي تلك التي لا تتعدى فيها نسبة
| مإن وظائف الدولة...؟ | اإلإجابة بنعم | الإجابة بلا |
|---|---|---|
| توفير الأمن والأمان للناس | 93.1 | 6.9 |
| توفير الرعاية الصحية والعلاج المجاني للمواطنين | 93 | 7 |
| الاستثمار المباشر في الاقتصاد | 87.3 | 12.7 |
المستجيبين الذين لا يميزون بين الدولة والنظام السياسي 30 في المئة، وتقتصر على بلد واحد هو تونس بنسبة 26 في المئة؛ أي إن 74 في المئة من التونسيين يعتبرون أن النظام السياسي/ الحكومة لا يرادف الدولة؛ أي إن الأخيرة مختلفة في جوهرها عن الأول. وهذا في الحقيقة ليس أمرًا غريبًا، لأن تونس هي البلد العربي الوحيد الذي شهد مرحلة ديمقراطية حقيقية، على الأقل
الشكل (1) نسبة المستجيبينن الذين يعتبررون الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه بحسب البلدان (2022)
لبنان
الجزائر
م
فلسط
قطر
اردن
موريتانيا
العراق
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى تحليل نتائج الدورة الثامنة من استطلاع المؤشر العربي.
في الفترة 2011 - 2019، التي تميزت بتناوب سياسي على رئاسة الجمهورية والحكومة، ما يكون قد عزز فكرة أن الحكومة تتغير والدولة تبقى. السؤال الثاني الذي يرتبط في نظرنا بمسألة ماهية الدولة في أعين مواطني العالم العربي هو المتمحور حول الكيفية التي يتصور بها المواطنون في المنطقة مسؤولية الدول عن عدد من الوظائف التقليدية المرتبطة بها. وفي هذا الصدد، يتضمن استبيان الدورة الثامنة من المؤشر ثلاثة أسئلة متعلقة بموضوع اهتمامنا، والتي يعرضها الجدول (3)، إضافة إلى التوزيع الإجمالي للإجابة عنها. الجدول (3) نسب إجابات المستجيبينن حول وظائف الدول (2022) (في المئة)
المصدر: المرجع نفسه.
الشكل (2) نسبة المستجيبينن الذين يعتبررون أن الاستثمار المباشر في الاقتصاد من مسؤوليات الدولة بحسب البلدان (2022)
الجزائر
موريتانيا
م
اردن
السودان
تونس
الكويت
ا غرب
المصدر: المرجع نفسه.
يظهر جليًا أن هناك ما يقارب الإجماع بين المستجيبين على اعتبار أن من وظائف الدولة توفير الأمن والرعاية الصحية والاستثمار في الاقتصاد؛ حيث تبلغ نسبة الموافقة على كل صيغة من الصيغ المطروحة على المستجيبين 93.1 في المئة (من وظائف الدولة توفير الأمن والأمان للناس)، و 93 في المئة (من وظائف الدولة توفير الرعاية الصحية والعلاج المجاني للمواطنين)، و 87.3 في المئة (من وظائف الدولة الاستثمار المباشر في الاقتصاد). وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات في هذه النسب بين البلدان، فإنها تبقى في جميع الحالات مرتفعة بالنسبة إلى وظيفتَي توفير الأمن والحماية الصحية؛ حيث إن نسبة المستجيبين الذين يعتبرون أن توفير الأمن هو من وظائف الدولة تراوح بين 80.7 في المئة في المغرب و 100 في المئة في قطر والجزائر، بل تساوي هذه النسبة أو تفوق 90 في المئة في عشرة بلدان من أصل أربعة عشر بلدًا تغطيها دورة المؤشر الثامنة، وهي تونس وموريتانيا والسعودية وفلسطين ولبنان والأردن والعراق وليبيا وقطر والجزائر. ويتأكد الأمر نفسه بالنسبة إلى اعتبار الدولة مسؤولة عن توفير الرعاية الصحية للمواطنين، حيث تراوح نسب الموافقة بين 82.2 في المئة في المغرب و 99.8 في المئة في الجزائر، مع تجاوز النسبة عتبة 90 في المئة في لائحة البلدان نفسها التي سُجّلت فيها نسب مرتفعة أيضًا في السؤال السابق المتعلق بالأمن. أما في ما يخص الاختلافات بين البلدان على مستوى نسب الموافقة على اعتبار الاستثمار المباشر في الاقتصاد من وظائف الدولة (الشكل
قطر
لبنان
فلسط
السعودية
ليبيا
العراق
2)، نلحظ أنها في تسعة بلدان تفوق 90 في المئة (تونس، الأردن، موريتانيا، فلسطين، العراق، لبنان، السعودية، قطر، ليبيا)، في حين لا تتعدى 66.3 في المئة في الجزائر، وهي البلد الذي كان في مرحلة معيّنة من تاريخه المعاصر يتبنّى نوعًا من نموذج الاقتصاد الاشتراكي الموجّه، وهذا ربما ما يفّسر توجّس جزء مهمّ من الجزائريين من فكرة الدولة بوصفها فاعلًا اقتصاديًا. في الحصيلة، يبدو أنه على الرغم من وجود اختلافات جليّة بين بلدان العالم العربي في نسبة المواطنين الذين يميزون بين الدولة والنظام السياسي، وما يعكسه ذلك من اختلافات في التمّثلّات المرتبطة بالطبيعة "الأنطولوجية" للدولة، فإن هذه الاختلافات، عندما يتعلق الأمر بما هو مطلوب من الدولة القيام به (بغضّ النظر إذا ما كانت والنظام السياسي شيئًا واحدًا)، تكاد تختفي على المستوى الإجمالي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولية الدولة عن توفير الأمن، أو بالمصطلح الفيبري، المحتكرة لاستعمال العنف الشرعي، أو مسؤوليتها عن توفير الخدمات الاجتماعية، أو بمصطلح الاقتصاد السياسي، دولة الرعاية الاجتماعية.
ب. الدولة القومية والدولة الدينية
من المسائل التي أولاها المؤشر اهتمامًا في ثاني دوراته عامَ 2012 (وذلك في أوج الموجة الأولى من الحراكات الشعبية) هي قياس اتجاهات المواطنين في العالم العربي نحو فكرة دولة الوحدة العربية.
وهذا الاهتمام في الحقيقة انعكاس طبيعي لمحورية هذه القضية في النقاشات الفكرية والسياسية في المنطقة على مدى عقود طويلة كما تاقدّم في المبحث الأول. في هذا الصدد، تضمّنت الدورة الثانية سؤل يطلب من المستجيبين تحديد موقفهم (المؤيد أو المعارض) "لإقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع الدول العربية." يعرض الشكل (3) نسب المستجيبين المؤيدين والمعارضين بحسب البلدان، ويُظهر وجود اختلافات ملحوظة في النسب الإجمالية لتأييد المستجيبين لقيام دولة الوحدة العربية الاندماجية بين بلدان المنطقة في أوج الموجة الأولى من الحراكات الشعبية؛ فقد سُجلت أعلى نسبة تأييد في الكويت والأردن وفلسطين على نحو متقارب جدًا: 78.6 في المئة و 78 في المئة و 77.8 في المئة، على التوالي، في حين سُجلت أدنى نسبة تأييد في لبنان وليبيا والسعودية بأقل من 50 في المئة: 42.1 في المئة و 43 في المئة و 44.5 في المئة، على التوالي. وفي الحقيقة، قد تجد نسبة التأييد المنخفضة لدولة الوحدة العربية في هذه البلدان الثلاث (على الأقل مقارنة بباقي البلدان) تفسيرًا في عوامل تاريخية مرتبطة بالسياقات الخاصة بها. ففي لبنان، لطالما شكّلت القومية، أو على نحو أدق الانتماء العربي، إحدى القضايا التي ينقسم حولها المجتمع اللبناني سياسيًا وفق خطوط طائفية، فالمسلمون أقرب إلى الطرح القومي مقابل المسيحيين، خصوصًا الموارنة، الأكثر معارضة لهذا الطرح31. وبناء عليه، يمكن اعتبار انقسام المجتمع اللبناني حول قضية الوحدة امتدادًا للانقسامات الطائفية المسيّسة على مدى أكثر من قرن من الزمن. أما في ليبيا، فمن المحتمل أن ارتباط فكرة الوحدة العربية بنظام القذافي، والذي اتسم بأنه من أكثر الأنظمة العربية قمعًا لأي تعبير معارض، قد يكون ترك إرثًا سلبيًا تجاه الأطروحة الأساسية التي دافع عنها عقودًا من كان يقدّم نفسه "أمينًا للوحدة العربية"، وأدخل ليبيا في تجارب وحدة صورية كان مآلها كلها الفشل. في المقابل، يلاحظ أنه باستثناء السعودية (44.5 في المئة)، فإن دولة الوحدة العربية، بخلاف ما يمكن توقّعه، تحظى بدعم مرتفع في أغلب البلدان التي تحكمها أنظمة ملَكية (مثل الأردن والكويت)، وكذا في تلك المتنوعة لغويًا، كالمغرب والسودان، والتي ليست بالضرورة عربية "خالصة" من الناحية "الإثنية". وللأسف، لم يستمر السؤال عن الموقف من دولة الوحدة العربية في الدورات الموالية؛ لذلك لا يمكننا تتبّع التغييرات المحتملة التي قد تكون طرأت على
33 حول هذا الموضوع ينظر: وجيه كوثراني، في المسألة اللبنانية: الطائفية والزبونية السياسية وأزمة الديمقراطية (بيروت: منتدى المعارف، 2019)، ص 105 -.132
مواقف المستجيبين في البلدان العربية في السنوات اللاحقة، خصوصًا لمعرفة إذا ما كانت النسب المسجّلة مرتبطة بالسياق الخاص الذي جُمّعت فيه بيانات الدورة الثانية، أو أنها في الحقيقة تعكس تجذرًا عميقًا ضد دولة الوحدة. أما بخصوص مسألة الدولة الإسلامية مقابل الدولة العلمانية، التي تُعتبر هي أيضًا إحدى القضايا المهيكلة للنقاشات السياسية - الأيديولوجية للنخب العربية حول الدولة، فقد تضمّنت الدورتان الرابعة والخامسة سؤلًا عن مدى تفضيل المواطنين العرب ل "دولة دينية" مقابل "دولة مدنية". ويعرض الشكل (4) نسبة المستجيبين الذين عّبر وا عن تفضيلهم لدولة دينية. وقد سُجّلت أدنى نسبة تأييد لهذه الدولة عام 2015 في لبنان (11 في المئة)، تليها مصر (21 في المئة)، فتونس (25 في المئة)، فالعراق (32 في المئة)، فالجزائر (33 في المئة). وشهدت الأخيرة انخفاضًا ملحوظًا في السنة الموالية إلى 17 في المئة؛ وهي أدنى ثاني نسبة على الإطلاق في البيانات للسنتين بعد لبنان. في المقابل، كانت نسب التأييد في موريتانيا (61 في المئة) والسودان (54 في المئة) والسعودية (52 في المئة) والأردن (43 في المئة)، وهي بلدان تبقى فيها نسبة تفضيل الدولة الإسلامية الدينية نحو 50 في المئة فما فوق. وإذا كان يصعب تقديم تفسير مدعوم إمبريقيًا للتغييرات التي شهدتها هذه النسب، نظرًا إلى أنّها جُمعت خلال سنتين متتاليتين لم تشهدا أحداثًا مفصلية يمكن ربطها بها، فإن المثير للاهتمام هو أن الحالات الثلاث التي سُجّلت فيها أعلى نسب تفضيل للدولة الدينية تشترك جميعها في حضور بارز للدين الإسلامي في هوية الدولة أو في بنية النظام السياسي. فموريتانيا تُعرف رسميًا بالجمهورية "الإسلامية" الموريتانية، والسودان كان خلال فترة جمع البيانات تحت حكم ذي توجه إسلامي في عهد الرئيس السابق عمر حسن البشير، أما في السعودية فشرعية النظام السياسي كانت تعتمد على التحالف مع المؤسسة الدينية قبل إعادة تعريف دورها مع تنامي نفوذ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وفي المقابل، يغيب هذا البعد الديني في أغلب البلدان التي تسَّجَل فيها نسب رفض مرتفعة لفكرة الدولة الدينية. بعد أن وقفنا في هذا الجزء على الاختلافات على المستوى الكلي بين بلدان العالم العربي في ما يتعلق بتصور المواطنين لمفهوم الدولة والاتجاهات العامة المتعلقة بشكلها الأيديولوجي المفضل (دولة دينية أو دولة الوحدة)، يُطرح سؤال بخصوص العوامل التي يمكن أن تفسرر، على المستوى الفردي، التباين في اعتبار الدولة والنظام السياسي كيانين سياسيين مختلفين أو هما الشيء نفسه.
الشكل (3) نسب المستجيبينن المؤيدين لقيام دولة الوحدة العربية بحسب البلدان (2013-2012)
ليبيا
السودان
لبنان
م
السعودية
الجزائر
تونس
العراق
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى تحليل نتائج الدورة الثانية من استطلاع المؤشر العربي.
الشكل (4) تفضيل الدولة الدينية بحسب البلدان (2015 و 2016)
فلسط
السودان
ا ردن
موريتانيا
اغرب
السعودية
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى تحليل نتائج الدورتين الرابعة والخامسة من استطلاع المؤشر العربي.
2. المحددات الفردية لاتجاهات المستجيبين نحو الدولة
يعرض الجدول (4) نتائج ثلاثة تحليلات انحدار استنادًا إلى بيانات
الكويت
اليمن
موريتانيا
ا غرب
فلسط
اردن
م
لبنان
العراق
الكويت
الجزائر
تونس
المؤشر. وللتذكير الانحداران الأول والثاني هما انحدار لوجستي ثنائي، المتغيران التابعان فيهما هما متغيران ثنائيان "طبيعة الدولة" و"دولة الوحدة"، يأخذان على التوالي قيمتين ممكنتين لكل متغير: (0)
"الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه، (1) "الدولة والنظام السياسي/ الحكومة مختلفان، بالنسبة إلى المتغير الأول. أما المتغير الثاني الخاص ب "إقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع البلدان العربية:" (0) أعارض، (1) أوافق. والانحدار الثالث هو انحدار لوجستي اسمي متعدد Multinomial Regression، يمكن أن يأخذ فيه المتغير التابع ثلاث قيم، هي: (1) تفضيل الدولة المدنية، (3) تفضيل الدولة الدينية، (2) كلاهما سيّان. في هذا التحليل، تمثّل فئة "تفضيل الدولة المدنية (1) الفئة المرجعية التي تُقارن نتائج المعاملات بها (نقتصر في الجدول 4 على عرض النتائج الخاصة بفئة تفضيل الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية.) تُظهر نتائج تحليل الانحدار اللوجستي أن متغيرًا مستقلًا واحدًا فقط من بين التي يحتويها النموذج (1) له علاقة ذات دلالة إحصائية بتمييز الأفراد بين الدولة ومفهوم النظام السياسي/ الحكومة، وهو: الأبوية،
| النموذج 3 الدولة الدينية RRR | النموذج 2 دولة الوحدة Odds Ratio | النموذج 1 طبيعة الدولة Odds Ratio | لائحة المتغيرات المستقلة |
|---|---|---|---|
| 2015 و2016 | 2013-2012 | 2022 | دورة المؤشر |
| *0.91 | الأبوية | ||
| 1.01 | 1.00 | 0.99 | تقييم الديمقراطية |
| *1.11 | 0.99 | الوضع الاقتصادي | |
| 0.97 | 1.03 | الوضع السياسي | |
| 1.02 | 1.10 | الثقة بالحكومة | |
| 95.0 | 0.96 | 0.99 | الاهتمام السياسي |
| 0.93 | 0.90 | 1.17 | النشاط السياسي |
| 1.06 | ***1.48 | الشعور القومي | |
| ***1.32 | *1.16 | 0.95 | التديّن |
34 الفئات المرجعية في مختلف النتائج هي كالتالي: الفئة العمرية (44-35) بالنسبة إلى السن، "ذكر" بالنسبة إلى الجنس، "التعليم الثانوي" بالنسبة إلى متغير التعليم، "الأردن" بالنسبة إلى البلد (التأثيرات الثابتة) وعام 2015 بالنسبة إلى النموذج الثالث. الدلالة الإحصائية *** أصغر قطعًا من 0.001، ** أصغر قطعًا من 0.01، * أصغر قطعًا من.0.05
حيث إن تناسب احتمالاته Ratio Odds يساوي 0.91؛ بمعنى أن المستجيب إذا كان من بين الأفراد الذين يعتبرون أنه "يجب أن تكون علاقة الدولة بالمواطنين مثل علاقة رئيس العائلة مع بقية أفرادها" فإن ذلك يرفع من احتمال أن يعتبر الدولة والنظام السياسي/ الحكومة كيانين سياسيين مختلفين. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتبنون نظرة أبوية إلى الدولة احتمالًا أعلى أن يعتبروا أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة غير مختلفين مقارنة بأولئك الذين لا يتبنّون هذه النظرة، عندما تكون باقي المتغيرات المستقلة الأخرى ثابتة. في المقابل، لا تظهر أيّ علاقة ذات دلالة إحصائية بين عوامل مثل الجنس والسن والمستوى التعليمي وتقييم مستوى الديمقراطية في البلد والاهتمام والنشاط السياسّييّن والتدين من جهة، وتمييز الأفراد بين المفهومين من جهة أخرى؛ ما يؤكد فرضيتنا حول وجود علاقة إيجابية بين النظرة الأبوية لعلاقة الدولة بالمواطنين وعدم التمييز بين الدولة والنظام السياسي، في حين لا تتأكد الفرضية المتعلقة بتقييم مستوى الديمقراطية في البلد والتمييز بين المفهومين، ولا تلك المتعلقة بالاهتمام السياسي. الجدول (4) نتائج تحليل الانحدار اللوجستي حول المحددات الفردية لتمثّل الدولة وشكلها المفضل32
| السنّ | |||
|---|---|---|---|
| 0.95 | 1.03 | 1.07 | 24-18 |
| 0.97 | 0.97 | 1.09 | 34-25 |
| 0.94 | 1.01 | 0.90 | 54-45 |
| 0.88 | 0.95 | 0.85 | 55 فما فوق |
| ***1.19 | 1.06 | 1.03 | الجنس (إناث) |
| التعليم | |||
| 1.21 | 1.043 | 0.96 | أمّي أو تعليم محدود |
| **1.19 | 1.07 | 0.94 | أقل من الثانوي |
| **0.85 | *0.80 | 1.04 | التعليم ما بعد الثانوي |
| 0.91 | سنة 2016 | ||
| **0.26 | 0.92 | 1.42 | المعامل الثابت |
| 29782 | 13585 | 19084 | حجم العينة (N) |
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى تحليل نتائج الدورات الثانية والرابعة والخامسة والثامنة من استطلاع المؤشر العربي.
أما في ما يخص المتغيرات المستقلة التي يتضمّنها تحليل الانحدار اللوجستي الثنائي الخاص بسؤال دولة الوحدة (النموذج 2 في الجدول 4)، فإن ثلاثة منها لها علاقة ذات دلالة إحصائية بمسألة تأييد قيام دولة عربية بحكومة مركزية أو معارضة ذلك، وهي على التوالي: الشعور القومي، والتدين، والتعليم ما بعد الثانوي. ويُظهر المتغيران الأولان علاقة إيجابية مع احتمال تأييد قيام دولة الوحدة باحتمال أكبر من واحد، هي 1.48 و 1.16 على التوالي. ولا يبدو مفاجئًا أن يُظهر التحليل وجود ترابط إيجابي قوي بين الشعور القومي العربي (اعتبار أن مواطني العالم العربي "هم أمة واحدة ذات سمات واحدة وإن كانت تفصل بينهم حدود مصطنعة") وتأييد قيام دولة الوحدة، وهي العلاقة التي تبدو الأقوى من بين جميع المتغيرات الأخرى الدالة إحصائيًا في النموذج (2). في المقابل، وعلى عكس التوقعات، لمستوى التدين علاقة إيجابية أيضًا مع تأييد دولة الوحدة العربية، حيث إنه كلما ارتفع مستوى تديّن الفرد ارتفع احتمال أن يكون من بين المؤيدين لقيام هذه الدولة. وفي مقابل ذلك، يظهر أن ارتفاع مستوى التعليم يخفّض احتمال تفضيل دولة الوحدة العربية، كما يعكس ذلك تناسب الاحتمالات الخاصة بفئة الحاصلين على التعليم ما بعد الثانوي والتي تساوي 0.80. فاحتمال أن يوافق الأشخاص الحاصلون على التعليم ما بعد
الثانوي (سواء الجامعي أو غيره) هو أقل مقارنة بالأشخاص المنتمين إلى الفئة المرجعية (الحاصلون على التعليم الثانوي)، عندما تكون باقي المتغيرات المستقلة الأخرى ثابتة. بعبارة أخرى، كلما ارتفع المستوى التعليمي للأفراد في العالم العربي ارتفعت نسبة معارضة قيام دولة الوحدة العربية. وفي رأيي، تحتمل هذه العلاقة تأويَليَن على الأقل: أولهما أن ارتفاع المستوى التعليمي للفرد يجعله ينظر إلى قيام دولة الوحدة العربية باعتبارها فكرة طوباوية بينت التجارب التاريخية المتعددة، التي مرت بها المنطقة، كالجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية، صعوبة قيامها على أرض الواقع. أما التأويل الثاني فيكمن في احتمال أن يكون الأفراد الأكثر تعلمًا، الذين قضوا أطول مدة في النظام التعليمي لدولهم، أكثر عرضة للتأثر بسياسات غرس الهوية القُطرية على حساب الشعور القومي العربي. ولا تسمح البيانات المتوافرة لدينا باختبار هذين الاحتمالين، ولكنهما يبقيان افتراضين يحتاجان إلى دراسات إضافية للحسم في مدى صحتهما. أخيرًا، يقدّم النموذج (3) في الجدول (4) نتائج تحليل الانحدار اللوجستي الاسمي الخاص بنتائج المقارنة بين الفئة التي تفضل "الدولة الدينية" مقابل "الدولة المدنية" (باعتبارها فئة مرجعية في التحليل). وإجمالًا، تحقق متغيرات الوضع الاقتصادي والتديّن والجنس ومستويات التعليم دلالة إحصائية تختلف في قوتها
واتجاهها. ففي خانة العلاقات السلبية، نجد المستوى التعليمي ما بعد الثانوي بقيمة تناسب الخطر النسبيRelative Risk Ratio (RRR)، وتساوي 0.85. وتساعد التنبؤات المعدلة Adjusted Probablities (الشكل 5) في تأويل أسهل لهذه العلاقة بين فئة التعليم الحاصل عليه الفرد واحتمال أن يفضّ ل قيام دولة دينية في مقابل دولة مدنية عند وضع باقي المتغيرات المستقلة في قيمة تساوي المتوسط. ويعكس المنحى المتعلق بتغير احتمالات تفضيل الدولة الدينية في مقابل الدولة المدنية جليًا أن ارتفاع المستوى التعليمي للشخص يرتبط بانخفاض احتمال تفضيله الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية عند وضع باقي المتغيرات المستقلة في قيمة تساوي المتوسط. فإذا كان ذلك الاحتمال مثلًا يتجاوز 35 في المئة بالنسبة إلى من لم يتلقوا تعليمًا فإنه ينخفض إلى نحو 30 في المئة بالنسبة إلى الذين تلقوا تعليمًا ما بعد ثانوي. أما في ما يخص المتغيرات التي لها علاقة إيجابية ذات دلالة إحصائية بتفضيل الدولة الدينية فهي: الوضع الاقتصادي والتدين والجنس بقيمٍ تناسب الخطر النسبي، وهي: 1.11 و 1.32 و 1.19، على التوالي. ووفقًا للفرضية المقدّمة، تؤكد نتائج النموذج الثالث أنه كلما زاد مستوى تدين الفرد زاد احتمال تفضيله الدولة الدينية على الدولة
بحسب مستوى التدين
متدين جدًا 3
2 غ مؤمن
المدنية. وتبرز الهوامش التنبئية Margins Predicted في الشكل (5) أن احتمال تفضيل الفرد لقيام دولة دينية مقابل دولة مدنية عند مستويات التدين الأربعة من 1 (غير مؤمن) إلى 4 (متدين جدًا) ينتقل من 25 في المئة عند الأفراد غير المؤمنين إلى 40 في المئة لدى المتدينين جدًا. وتُظهر نتائج النموذج الثالث أيضًا أنه إذا كان الفرد أنثى فإن هذا يرفع كذلك من احتمال تفضيل الدولة الدينية على الدولة المدنية، في حين، وعلى عكس الفرضية المقدمة، أنه كلما ارتفع تقييم الفرد الإيجابي للوضع الاقتصادي، ارتفع احتمال تفضيله الدولة الدينية على الدولة المدنية. بعبارة أخرى، إذا كان الشخص أنثى، أو متدينًا، أو ذا مستوى تعليمي محدود، أو من الراضين عن الوضع الاقتصادي، فإن ذلك يرفع من احتمال تفضيله الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية عند ثبات باقي المتغيرات؛ أي إنه باستثناء الفرضية المتعلقة بعلاقة التدين بتفضيل الدولة الدينية، والتي تجد دعمًا في نتائج النموذج، فإن الفرضيات المتعلقة بوجود علاقة إيجابية بين الشعور القومي والتقييم السلبي للوضع الاقتصادي والسياسي للبلد من جهة، وتفضيل الدولة الدينية من جهة أخرى، لا تحظى بدعم إمبريقي في هذا التحليل. الشكل (5) تأييد قيام الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية بحسب مستوى التعليم والتدين
بحسب مستوى التعليم
Pr ()الدولة الدينية
Pr ()الدولة الدينية
بعد الثانوي
ثانوي
أقل من الثانوي
من دون تعليم
المصدر: المرجع نفسه.
خاتمة
تُظهر نتائج التحليل الذي قدّمناه أنه إذا كان تمييز المواطنين بين الدولة والنظام الحاكم في الفترة التي أعقبت الانتفاضات الشعبية بعد عام 2010 يعكس تفاوتات مهمة بين البلدان العربية ويمكن أن تجد تفسيرًا لها في السياقات الخاصة بكل بلد، فإنها في المقابل قد لا تكون بالضرورة مرتبطة بالطبيعة السلطوية للنظام الحاكم، كما تبّين سواء من خلال الاختلافات الكبيرة في النسب التي تظهر بين قطر والسعودية مثلًا (وهي نماذج لبلدان الخليج العربي التي كثيرًا ما قُدّمت فيها الدولة على أنها مرادف للأسرة الحاكمة) أو التقارب في نسب التمييز بين بلد، كتونس ذات النظام الجمهوري والتجربة الديمقراطية، والمغرب، مثلًا، ذي النظام المَلكي الهجين الجامع بين عناصر الحكم التقليدي المتمركز حول شخص الملك ومؤسساتية دولتية بيروقراطية تؤدي فيها الانتخابات التنافسية دورًا في تحديد النخب المشاركة في الحكم. في مقابل ذلك، عندما يتعلق الأمر الملحق (1) لائحة البلدان وعدد المشاركينن في كل دورة من دورات المؤشر العربي المستخدَمة في الدراسة
| الدورة | العام | لائحة البلدان المعتمدة في التحليل | عدد المستجيبينن |
|---|---|---|---|
| الثانية | 2013-2012 | الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، المغرب، اليمن، تونس، لبنان، فلسطين، مصر، موريتانيا، الكويت، ليبيا | 19421 |
| الرابعة | 2015 | الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، المغرب، تونس، لبنان، فلسطين، مصر، موريتانيا، الكويت | 18311 |
| الخامسة | 2016 | الأردن، تونس، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، فلسطين، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، موريتانيا | 18311 |
| الثامنة | 2022-2021 | الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، المغرب، تونس، لبنان، فلسطين، مصر، موريتانيا، ليبيا، قطر | 33690 |
الثامنة 2022-2021 قطر
الملحق (2) الإحصائيات الوصفية للمتغيرات
بتوقعات الأفراد من دولهم على مستوى ما يجب أن تقدّمه إليهم، نكاد نجد إجماعًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتوفير الأمن والرعاية الاجتماعية وهو ما في مجمله لا يخالف مفهمة الدولة الفيبرية والدولة الخدماتية. إذا كانت النتائج التي توصّلنا إليها لا تكفي لنفي فكرة "خصوصية" الدولة العربية في المنطقة، فإنها على الأقل تدلّ على أنه عندما يتعلق الأمر بتوقعات المواطنين في العالم العربي من الدولة، فإنها لا تختلف في جوهرها عّما يمكن أن نجده في دول ذات تقليد دولتي عريق من خارج المنطقة يُعتبر فيه الفصل بين كيان الدولة المستمر والحكام الذين يتغيرون تبعًا للمنطق الديمقراطي أمرًا راسخًا في الثقافة والممارسة السياسيَتيَن. وبناء عليه، لا يبدو أن المواطنين في العالم العربي ينظرون إلى الدول القائمة في الواقع على أنها أنظمة سلطوية لا يمكن أن تقدّم إّلا القمع، وهو ما يبدو مخالفًا في جوهره لكثير من كتابات المفكرين من المنطقة وخارجها حول الدولة العربية.
| القيمة القصوى | القيمة الدنيا | الانحراف المعياري | المعدل | عدد الملاحظات | المتغير |
|---|---|---|---|---|---|
| بيانات الدورة الثامنة من المؤشر العربي (2022) | |||||
| 1 | 0 | 0.49 | 0.58 | 24316 | طبيعة الدولة |
| 1 | 0 | 0.49 | 0.44 | 27936 | الأبوية |
| 4 | 1 | 1.04 | 2.07 | 30046 | الاهتمام السياسي |
| 1 | 0 | 0.33 | 0.12 | 25687 | النشاط السياسي |
|---|---|---|---|---|---|
| 10 | 0 | 3.02 | 5.31 | 29252 | تقييم الديمقراطية |
| 5 | 1 | 1.40 | 2.75 | 33197 | السن (الفئات) |
| 1 | 0 | 0.50 | 0.05 | 33690 | الجنس (ذكر) |
| 4 | 1 | 1.04 | 2.55 | 31525 | التعليم |
| 4 | 1 | 0.63 | 3.11 | 30745 | التديّن |
| بيانات الدورة الثانية من المؤشر العربي (2013-2012) | |||||
| 1 | 0 | 0.48 | 0.64 | 16534 | دولة الوحدة |
| 4 | 1 | 0.90 | 2.26 | 19000 | الوضع الاقتصادي |
| 4 | 1 | 0.91 | 2.24 | 18004 | الوضع السياسي |
| 4 | 1 | 1.06 | 2.56 | 18656 | الثقة بالحكومة |
| 4 | 1 | 1.00 | 2.50 | 18744 | الاهتمام السياسي |
| 1 | 0 | 0.29 | 0.09 | 18702 | النشاط السياسي |
| 10 | 1 | 2.39 | 4.99 | 18084 | تقييم الديمقراطية |
| 3 | 1 | 0.72 | 2.30 | 18111 | الشعور القومي |
| 5 | 1 | 1.30 | 2.76 | 19421 | السن (الفئات) |
| 1 | 0 | 0.50 | 0.50 | 19421 | الجنس (ذكر) |
| 4 | 1 | 1.02 | 2.57 | 19396 | التعليم |
| 4 | 1 | 0.54 | 3.13 | 18554 | التديّن |
| بيانات الدورتين الرابعة (2015) والخامسة (2016) من المؤشر العربي مجتمعتين | |||||
| 3 | 1 | 0.90 | 1.88 | 35198 | الدولة الدينية |
| 4 | 1 | 0.93 | 2.26 | 36141 | الوضع الاقتصادي |
| 4 | 1 | 0.97 | 2.26 | 34876 | الوضع السياسي |
| 4 | 1 | 1.07 | 2.55 | 35973 | الثقة بالحكومة |
| 4 | 1 | 0.96 | 2.29 | 36365 | الاهتمام السياسي |
| 1 | 0 | 0.31 | 0.11 | 35456 | النشاط السياسي |
| 10 | 0 | 2.37 | 5.35 | 35359 | تقييم الديمقراطية |
| 3 | 1 | 0.73 | 2.20 | 35227 | الشعور القومي |
| 5 | 1 | 1.36 | 2.71 | 36621 | السن (الفئات) |
| 1 | 0 | 0.50 | 0.50 | 36622 | الجنس (ذكر) |
| 4 | 1 | 1.01 | 2.41 | 36622 | التعليم |
| 4 | 1 | 0.59 | 3.10 | 35293 | التديّن |
المراجع
العربية
إبراهيم، سعد الدين. اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة (دراسة ميدانية). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1980 أرسلان، شكيب. لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2018.]1930[الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 بادي، برتران. الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي. ترجمة لطيف فرج. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2017 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني، المجلد الثاني: العلمانية ونظريات العلمنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ________. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. ط 4. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018._________ الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شتى. محمد حمشي (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 درازيك، جون س. وباتريك دنلفي. نظريات الدولة الديمقراطية. ترجمة هاشم أحمد محمد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2013 الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة. محمد حمشي ومراد دياني (محرران). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 السيد، رضوان وعبد الإله بلقزيز. أزمة الفكر السياسي العربي. دمشق: دار الفكر،.2006
شرابي، هشام. النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. ط 4. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2021 الصواني، يوسف محمد جمعة. اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة (تحليل نتائج الدراسة الميدانية). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 صولي، أدهم ورايموند هينبوش. "الدولة العربية، مقاربة سوسيو- تاريخية." عمران. مج 10، العدد 37.)2021(غليون، برهان. المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1993 كوثراني، وجيه. في المسألة اللبنانية: الطائفية والزبونية السياسية وأزمة الديمقراطية. بيروت: منتدى المعارف،.2019 الكيلاني، شمس الدين. مفكرون عرب معاصرون: قراءة في تجربة بناء الدولة وحقوق الإنسان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 لابيدس، أيرا م. الفصل بينن الدين والدولة: من الإسلام المبكر إلى الإسلام الحديث. ترجمة أحمد محمود إبراهيم. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2023
الأجنبية
Beblawi, Hazem & Giacomo Luciani. The Rentier State. London/ New York: Routledge, 1987. Brynen, Rex et al. Beyond the Arab Spring: Authoritarianism & Democratization in the Arab World. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2012. El-Affendi, Abdelwahab. Turabi's Revolution: Islam and Power in the Sudan. London: Grey Seal, 1991. Frisch, Hillel. "Modern Absolutist or Neopatriarchal State Building? Customary Law, Extended Families, and the Palestinian Authority." International Journal of Middle East Studies. vol. 29, no. 3 (1997). Galston, William A. "Political Knowledge, Political Engagement, and Civic Education." Annual Review of Political Science. vol. 4, no. 1 (2001).