Summary
Keywords
خلفيات الموقف الأميركي
تعدّ إيران اللاعب الإقليمي الأكبر في المعادلة الداخلية في العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003. ولا يقتصر نفوذ إيران في العراق على تأثيرها في الأحزاب الشيعية الحاكمة فحسب، وإنّا أيضًا في رعايتها لعددٍ كبيرٍ من الميليشيات الشيعية المسلّحة فيه، والتي استعادت قوّتها وعززت نفوذها بعد سقوط مدينة الموصل ومناطق عراقية شاسعة أخرى في أيدي "داعش" في حزيران / يونيو الماضي، وذلك بعد الانهيار المفاجئ للجيش العراقي. وعلى عكس الولايات المتحدة، والتي جاءت ردّة فعلها بطيئة لنصرة حكومة نوري المالكي ضدّ تمدّد "داعش" السريع، ثم وضعها شروطًا كثيرةً لتقديم دعمٍ عسكري للعراق انتهت بإطاحة المالكي نفسه، فإنّ إيران لم تتردّد لحظةً واحدةً في تقديم يد العون إلى الحكومة العراقية والمقاتلين الأكراد. وحسب الجنرال إسماعيل قائاني، المسؤول في "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، فإنه لولا الدعم الإيراني لكانت بغداد نفسها قد سقطت في أيدي "داعش"1. وقد أكد هذا الأمر أميركيون وزعماء عراقيون أيضًا بقولهم إنّ إيران سارعت إلى تقديم السلاح للميليشيات الشيعية والكردية للتصدي لزحف تنظيم "داعش"2.
وتعدّ المفارقة في هذا الأمر أنّ الولايات المتحدة التي اعتبرت الدور الإيراني في العراق تخريبيًا على الدوام، سواء عبر قيام طهران بتمويل ميليشيات شيعية وتدريبها حين كانت تقاتل الأميركيين أثناء فترة الاحتلال المباشر، أو عبر إذكاء الروح الطائفية في العراق فيما بعد، تجد نفسها اليوم موضوعيًا في علاقة تحالفية مع إيران في عموم المشرق العربي. وبدأت هذه العلاقة تتخذ شكلً واعيًا يتجاوز التحالف الموضوعي. فإدارة أوباما التي تحجم عن أي تورطٍ عسكري برّي خارجي، وتحديدًا في العراق، تبحث عن قوةٍ إقليميةٍ قادرةٍ على الاضطلاع بالدور "على الأرض"؛ وذلك في ظل عجز القوات العراقية وقوات البشمركة الكردية عن صدّ زحف "داعش" بإمكانياتهما الذاتية. لذلك، فهي تميل - كما يبدو - للاعتماد المتزايد على إيران بوصفها قوةً مؤهلةً للقيام بهذه المهمة.
تنسيق الضربات
على الرغم من أنّ الولايات المتحدة وإيران لا تزالان تصرّان على أنهما لا تقومان بأي تنسيقٍ مباشرٍ في ما بينهما، فإنّ المعطيات على الأرض في العراق تدحض ذلك؛ فالولايات المتحدة توفر عبر الجو وعبر مستشاريها العسكريين على الأرض كلّ الدعم للميليشيات الشيعية التي تتبع إيران. وثمة معلومات تفيد بأنّ الولايات المتحدة تتشارك مع إيران في المعلومات الاستخبارية حول مواقع مقاتلي "داعش"3، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر، وذلك عبر حلفاء طهران في النظام العراقي الحاكم. كما أنّ الطائرات الأميركية قامت غير مرةٍ بتقديم إسناد جوي للجيش العراقي وقوات البشمركة وميليشيات شيعية مدعومة ومسلحة من إيران خلال معاركهم مع "داعش"؛ كما حصل عندما قدّمت مقاتلات أميركية الإسناد الجوي لميليشيات شيعية في أيلول / سبتمبر الماضي لطرد "داعش" من بلدة أميرلي العراقية4.
ولا يدع المسؤولون الأميركيون مجالً للشك في حصول تنسيقٍ مع إيران، ولكن عبر طرفٍ ثالثٍ. فقد أشار الرئيس أوباما نفسه إلى مسألة التنسيق الأميركي مع إيران عبر الحكومة العراقية؛ فحسب أوباما: "لا تنسّق الولايات المتحدة مع إيران مباشرة … هناك نوع من الترتيب عبر طرفٍ ثالثٍ لضمان عدم وقوع أي خطأ، وبخاصة أنّ لديهم بعض القوات أو الميليشيات الواقعة تحت سيطرتهم في بغداد وحولها. ونحن أوضحنا لهم ألا تعبثوا معنا، فنحن لسنا هنا لنعبث معكم. فتركيزنا منصبّ على العدو المشترك"5. وحسب مراقبين أميركيين، فإنّ أوباما عنى بالقوات الإيرانية الموجودة في العراق والتي لن تعبث معها الولايات المتحدة، بعض عناصر فيلق القدس الإيراني، وتحديدًا قائده الجنرال قاسم سليماني المصنّف على قائمة الإرهاب الأميركية لثلاث مرات6. واستنادًا إلى بعض الصور التي سرّبتها إيران من ساحات المعارك في العراق، فإنّ سليماني هو من يقود عمليًا المعركة ضد "داعش" هناك. وقد أكد الأمر نفسه الناطق باسم وزارة الدفاع الأميركية الأدميرال جون كيربي حين قال بأنّ الولايات المتحدة لا تنسق طلعاتها الجوية ولا عملياتها العسكرية مع إيران، وإنما تترك ذلك، وبخاصة مسألة تنظيم حركة الطائرات في الأجواء العراقية، للحكومة العراقية7.
الحسابات الأميركية
لا تنكر إدارة أوباما حاجتها إلى الدور الإيراني في محاربة تنظيم "داعش"؛ وذلك لسببين: الأول هو نفوذ إيران الكبير في كلٍ من العراق وسورية، والثاني عدم رغبة إدارة أوباما في إرسال قوات عسكرية برية إلى العراق أو أي مكانٍ آخر. ف "مبدأ أوباما" في السياسة الخارجية قائم على أنّ الولايات المتحدة ستكتفي بمهمات التدريب والتسليح والدعم لحلفائها كي يقاتلوا على الأرض، إلا في حالات الضرورة القصوى المتعلقة بالمصالح الأميركية المباشرة. غير أنّ انهيار القوات العراقية المهين أمام "داعش" وتقهقر قوات البشمركة الكردية تاليًا، دفع واشنطن إلى تعزيز عدد مستشاريها العسكريين على الأرض، ولكنها بقيت بحاجة إلى الدعم الإيراني في العراق لممارسة نفوذها على أطراف معادلته السياسية من أجل توحيد جهدهم في مواجهة "داعش"، وهو أمر إن حدث، فسوف يكفي الولايات المتحدة مؤونة إرسال قوات أميركية برية مقاتلة لتقوم بمهمة هزيمة تنظيم "داعش".
وثمة سببان آخران يساعدان في فهم التوجه الأميركي نحو التنسيق - غير المباشر حتى الآن - مع إيران؛ أحدهما: أنّ إدارة أوباما تأمل في أن يساهم هذا التنسيق في دفع إيران إلى إبداء مرونة أكبر في ملف المفاوضات حول برنامجها النووي، وهو الأمر الذي يطمح أوباما في أن يكون أكبر إنجازٍ لرئاسته في السياسة الخارجية8. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ أوباما بقي حريصًا على التأكيد أنّ أي تنسيقٍ غير مباشرٍ مع إيران ضد "العدو المشترك" غير مرتبطٍ بملف المفاوضات النووية معها9. أما السبب الآخر فيتمثل في ادّعاء الإدارة الأميركية قلقها على سلامة مستشاريها العسكريين في العراق - والذين يناهز عددهم اليوم ثلاثة آلاف مستشار - من جانب إيران وحلفائها10؛ فأي توترٍ مع إيران قد يرتد سلبيًا على القوات الأميركية في العراق.
الخلاصة
سواء أكان التنسيق الأميركي مع إيران في العراق وحتى في سورية مباشرًا أم غير مباشرٍ، فإنه يؤكد على أنّ واشنطن باتت تميل إلى الاعتراف بالنفوذ الإيراني في هذين البلدين. بل إنّ علي خديري، المسؤول الأميركي السابق في العراق، لا يجد غضاضة في القول بأنّ "العراق ليس بلدًا مستقلً، إنه تحت قيادة سليماني وزعيمه خامنئي"11. ومع ذلك، فالقبول الأميركي بتوسّع النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب حلفائها التقليديين لن يكون من دون محاذير؛ فهناك أولً إسرائيل التي لن تقبل في الغالب بنفوذٍ إيراني مؤثرٍ في المنطقة، حتى إن كان ضمن توافقٍ مع الولايات المتحدة. وثانيًا، هناك بعض حلفاء أميركا من العرب، وتحديدًا المملكة العربية السعودية التي لديها حساسية أصلً من التمدّد الإيراني، وهو ما قد ينعكس على تصعيد التوتر الطائفي في المنطقة، وبخاصة أنّ السنة العرب في العراق لديهم حساسية من إيران وأجندتها. أما بالنسبة إلى إيران، فإنّ الانكفاء الأميركي في منطقة الشرق الأوسط سوف يقوم بمزيد من استنزافها بقدر ما يضيف إلى نفوذها؛ فتوسيع مساحة نفوذ إيران سوف يترتب عليه أعباء إضافية تستنزف طاقتها. وفي المحصلة، فإنّ الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة في المستقبل القريب إلى العودة مجددًا إلى المنطقة، أو مضاعفة حجم تدخلها، ومن ثمّ استنزافها؛ ذلك أنّ الصراع الطائفي سيتوسع أكثر فأكثر؛ وهو ما يعني تقوية العدو المشترك لها ولإيران؛ أي تنظيم "داعش" أو أي تنظيم آخر سيرثه. والمفارقة هنا أنّ الناطق باسم وزارة الدفاع جون كيربي نبّه إيران إلى ضرورة أن تراعي في تدخلها في العراق عدم إثارة الحساسيات الطائفية12، مع أنّ القبول بدورها الحالي في العراق وفي المنطقة يعني إثارة هذه الحساسيات؛ فالمسألة ليست مراعاة شكلية باللغة أو غيرها، بقدر ما هي واقع على الأرض يعبّ عنه أولئك المسوؤلون الإيرانيون الذي يتحدثون "من دون مراعاة للحساسيات" عن سقوط رابع عاصمة عربية بيد إيران.
الهوامش
- Ben Brumfield, “Pentagon: There are 'indications' that Iran may have bombed ISIS in Iraq,” CNN , December 3, 2014, http://cnn.it/1BOPtt7
- Tim Arango and Thomas Erdbrinkdec, “U.S. and Iran Both Attack ISIS, but Try not to Look Like Allies,” The New York Times , December 3, 2014, http://nyti.ms/11U7WHZ
- Jeremy Bender, “The US IS Now in An 'Awkward' Position over Syria and Iraq’,” The Business Insider , December 2, 2014, http://www.businessinsider. com/us-sharing-skies-with-syria-and-iran-2014-12
- Aki Peritz and Faris Alikhan, “The U.S.-Iran non-alliance alliance against Islamic State,” Reuters , October 29, 2014, http://reut.rs/1tD4ZX3
- Rebecca Kaplan, “Obama outlines ‘new phase’ in the fight against ISIS,” CBS News , November 9, 2014, http://cbsn.ws/1GEy6yW
- Patrick Goodenough, “Obama Told Iranians: ‘Don’t Mess With Us, We’re Not Here to Mess With You’,” CNS News , November 9, 2014, http:// bit.ly/1wB5hPD
- Arango and Erdbrinkdec.
- Akbar Shahid Ahmed and Ryan Grim, “What’s Wrong with this Picture? For U.S. Fight Against ISIS, Everything,” The Huffington Post , November 23, 2014, http://huff.to/1FjZIYA
- Kaplan.
- Ahmed and Grim.
- Arango and Erdbrinkdec.
- Brumfield.
Author Biography
Policy Analysis Unit- ACRPS
This study has not been cited yet.
References (7)
- Ben Brumfield, “Pentagon: There are 'indications' that Iran may have bombed ISIS in Iraq,” CNN , December 3, 2014, http://cnn.it/1BOPtt7
- Tim Arango and Thomas Erdbrinkdec, “U.S. and Iran Both Attack ISIS, but Try not to Look Like Allies,” The New York Times , December 3, 2014, http://nyti.ms/11U7WHZ
- Jeremy Bender, “The US IS Now in An 'Awkward' Position over Syria and Iraq’,” The Business Insider , December 2, 2014, http://www.businessinsider. com/us-sharing-skies-with-syria-and-iran-2014-12
- Aki Peritz and Faris Alikhan, “The U.S.-Iran non-alliance alliance against Islamic State,” Reuters , October 29, 2014, http://reut.rs/1tD4ZX3
- Rebecca Kaplan, “Obama outlines ‘new phase’ in the fight against ISIS,” CBS News , November 9, 2014, http://cbsn.ws/1GEy6yW
- Patrick Goodenough, “Obama Told Iranians: ‘Don’t Mess With Us, We’re Not Here to Mess With You’,” CNS News , November 9, 2014, http:// bit.ly/1wB5hPD
- Akbar Shahid Ahmed and Ryan Grim, “What’s Wrong with this Picture? For U.S. Fight Against ISIS, Everything,” The Huffington Post , November 23, 2014, http://huff.to/1FjZIYA
Summary
- Times cited0
- Downloads34
- Views37
Views: Timeline
Usage statistics since 2026-03-01
License
Copyright (c) 2014 Policy Analysis Unit- ACRPS (Author)

This work is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.
Request for reuse, printing, and translation
To request reuse, printing, or translation of this article, please contact the editors.
Contact the editors